(٨٩٠) قال معلى: وقال أبو يوسف في رجل أعطى رجلا ألف درهم مضاربة (^٢) بالنصف فاشترى بها متاعا ثم قصره من عنده أو فتله أو حمله، فإن أبا حنيفة قال: هو متطوع في أجر ذلك، وكذلك قال أبو يوسف، ألا ترى أن القصارة لو كانت تكون على المال في هذا الموضع؛ لكان له أن يشتري على المال متاعا آخر! أرأيت لو اشترى متاعا بألف درهم، ونوى به المال، والمال قد استغرق في المتاع الأول، فإن هذا المتاع لا يكون من المضاربة؛ لأنه قد استغرق المال في المتاع الأول، وليس في يديه من المال فضل يشتري عليه، فكذلك لا يستأجر عليه، ولو كان صبغ المتاع بعصفر أو بزعفران، فإن أبا حنيفة قال: هو شريك بتلك الزيادة، وكذلك قال أبو يوسف، لأن هذه زيادة تكون من مال المضارب وهو قائم بعينه، وهو شيء يراه، والقصارة ليست بمال، ألا ترى لو أن رجلا قصر ثوبا لرجل ضمن نقصه فإن لم ينقصه شيئا، فلا ضمان عليه، ولا أجر له، وإن صبغ ثوبا فزاد الصبغ فيه وذلك بغير أمر رب الثوب فإن رب الثوب بالخيار، إن شاء ضمنه قيمة الثوب وسلمه له، وإن شاء أخذ ثوبه وأعطاه ما زاد في الثوب، فهذا مخالف للقصارة (^٣).
(٨٩١) وقال معلى: وسألت أبا يوسف عن: رجل دفع إلى رجل ألف
_________________
(١) زيادة من المحقق، مضطردة في صنيع المصنف في كافة أبواب الكتاب.
(٢) المضاربة هي: عبارة عن أن يدفع شخص مالا لآخر ليتجر فيه على أن يكون الربح بينهما على ما اشترطا، والخسارة على صاحب المال؛ انظر: معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية (٣/ ٣٠٢).
(٣) انظر: الأصل (٤/ ٢٠٠)، المبسوط (٢٢/ ٧٥)، البناية شرح الهداية (١٠/ ٩٣).
[ ٣٣٨ ]
درهم، ولم يسميا مضاربة ولم يسميا شرطا، كان له أجر مثله، والربح لرب المال (^١).
(٨٩٢) وقال أبو يوسف في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة، فأمره أن يشتري عليها، قال: له أن يشتري عليها بمائة ألف، فما اشترى بالألف فالربح بينهما على ما اشترطا، وما اشترى على مائة ألف، فالربح والوضيعة بينهما نصفان (^٢).
(٨٩٣) وقال أبو يوسف في رجل دفع إلى رجل مالا مضاربة على أن يبيع به في دار رب المال، فإن ذلك جائز، وكذلك لو كان الشرط على أن يبيع به في دار رب المال، قال: ذلك جائز، وكذلك لو كان الشرط على أن يبيع به في دار المضارب، كان ذلك جائزا، وإن كان الشرط على أن يسكن المضارب دار رب المال أو رب المال دار المضارب، فهذا لا يجوز (^٣).
(٨٩٤) وقال أبو يوسف في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف فربح فيها ألفا ثم دفع إليه ألفا أخرى مضاربة ولم يأمره أن يعمل فيها
_________________
(١) انظر: البناية شرح الهداية (١٠/¬٤٧)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (٢/ ٣١١).
(٢) انظر: المبسوط (٢٢/ ١٣٨).
(٣) جاء في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٦/ ٨٦): «وروى المعلى عن أبي يوسف في رجل دفع مالا إلى رجل مضاربة، على أن يبيع في دار رب المال أو على أن يبيع في دار المضارب، كان جائزا ولو شرطا أن يسكن المضارب دار رب المال، أو رب المال دار المضارب، فهذا لا يجوز؛ لأنه إذا شرط البيع في أحد الدارين فإنما خص البيع بمكان دون مكان، ولم يعقد على منافع الدار، وإذا شرط للمضارب السكنى فقد جعل تلك المنفعة أجرة له وأطلق أبو يوسف أنه لا يجوز، ولم يذكر أنه لا يجوز الشرط أو لا تجوز المضاربة».
[ ٣٣٩ ]
برأيه، فخلطها بالألفين، فضاع المال كله، قال: يضمن المضارب لرب المال الألف الثانية، ولا يضمن له من الألفين شيئا، ولو كان خلط الماليين قبل أن يربح شيئا، لم يضمن شيئا (^١).
(٨٩٥) وقال أبو يوسف: إذا أخذ الرجل من الرجلين مالا مضاربة على أن لأحدهما في حصته من الربح الثلثين وللمضارب الثلث، وللآخر في حصته من الربح النصف وللمضارب النصف، فهو جائز، ولكل واحد منهما ما شرط له، وكذلك رجل أخذ من رجلين أرضا لهما مزارعة بالنصف ثم زاد أحدهما في حصته شيئا معلوما، فذلك جائز، والزيادة للذي سمى دون صاحبه.
(٨٩٦) وقال أبو يوسف في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بطبرستان، وهي طبرية، ثم التقيا ببغداد، قال: يكون رأس المال قيمة الطبرية بطبرستان يوم [يحتسبان] (^٢).
(٨٩٧) وقال أبو يوسف في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة، فربح فيها ألفا، ثم اشترى بالألفين عبدا ولم ينقد المال، ثم زاد المضارب البائع مائة درهم، ثم ضاعت الألفان، قال: يكون العبد بينهما على ألفين وخمسمائة وخمسة وعشرين، ويأخذ البائع من المضارب ألفين ومائة، ويرجع المضارب على رب المال بألف وخمسمائة، قلت له: فإن لم يضع المال، على كم يبيع العبد مرابحة؟ قال: على ألفين، قلت: فإن ضاع المال؟ قال: يبيعه مرابحة على
_________________
(١) انظر: الأصل (٤/ ٣٠١)، المبسوط (٢٢/ ١٥٨).
(٢) كذا في الأصل، وجاء في الفتاوى الهندية: «وفي نوادر المعلى عن أبي يوسف ﵀ رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بطبرستان وهي طبرية ثم التقيا ببغداد، قال: يكون رأس المال قيمة الطبرية بطبرستان يوم يختصمان»، والكلمتان جائزتان.
[ ٣٤٠ ]
ألفين وخمسة وعشرين، فإن باعه بألفين والمال قائم بعينه، أخذ رب المال رأس ماله، وما بقي كان بينهما نصفين، ولا يأخذ المضارب من المائة ولا من ربحها شيئا، وإن كان المال مستهلكا، اقتسماه على ألفين وخمسة وعشرين (^١).
(٨٩٨) قال معلى: وقال أبو يوسف في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة، فاشترى بالألف عبدا، فقبض العبد ولم ينقد المال، وباع العبد بألفين وقبض المال، ولم يدفع العبد حتى مات العبد وضاعت الثلاثة آلاف، قال: أجعل على رب المال المال الذي دفعه إلى المضارب وهو ألف درهم، ثم ما بقي يكون عليهما نصفين، وكذلك ما قل من ذلك أو كثر فإن كان اشترى بالألف عبدا، وقبض العبد ولم يدفع المال، وباع العبد بخمسمائة، وقبض المال ومات العبد قبل أن يدفعه، وضاع المال كله، فإن على رب المال ألف درهم، والخمسمائة عليهما نصفين، قال محمد في المسألة الأولى: يرجع المضارب على رب المال بألفين وخمسمائة فيدفع منها ألفا إلى الأول ويغرم من عنده خمسمائة مقدار ربحه فيضيفها إلى ما بقي، فيدفع ذلك كله إلى الثاني، وقياس قول محمد في المسألة الثانية: أن المضارب يرجع بالمالين جميعا - وهما ألف وخمسمائة - على رب المال، فيؤدي إلى الأول ألف وإلى الثاني خمسمائة ولا يغرم المضارب من عنده شيئا؛ لأنه لا ربح له فيغرمه، وإنما يغرم إذا غرم مقدار ما كان يكون له من الربح (^٢).
(٨٩٩) وقال أبو يوسف في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة
_________________
(١) انظر: المبسوط (٢٢/ ١٦٩).
(٢) انظر: قره عين الأخيار لتكملة رد المحتار (٨/ ٤٥١).
[ ٣٤١ ]
بالنصف، وأمره أن يعمل فيها برأيه، فربح فيها ألفا، ثم دفع إليه ألفا أخرى على أن الربح بينهما أثلاثا، وأمره أن يعمل فيها برأيه، فخلطها بالألفين، ثم ضاع من ذلك خمسمائة، قال: يذهب من الألف الثانية سدسها، وإن كان الذي ضاع من المال ألف درهم، ذهب ثلث الألف الثانية، وإن خلط من الألف الثانية خمسمائة بالألفين، ثم ضاع منها ألف درهم، ذهب من الخمسمائة خمساها، وإن ضاع من المال خمسمائة، ذهب من الخمسمائة خمساها، وإن لم يكن قال له في الألف الثانية: اعمل فيها برأيك، فخلطها بالألفين، فضاع المال، فهو ضامن للألف الثانية، وإن لم يكن ربح في المال الأول شيئا حتى خلط بها الألف الثانية، ثم ضاع المال، فلا ضمان عليه في شيء من المالين (^١).
(٩٠٠) وقال أبو يوسف في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة، فاشترى بها عبدا يساوي ألفين، فجنى جناية، قال: الفداء على رب المال، وإن أدى ذلك المضارب، فهو متطوع، وإن أدى ذلك رب المال، كان ما أدى من ذلك في رأس المال، فإن باع العبد بعشرة آلاف، لم يكن للمضارب شيئا حتى يستوفي رب المال رأس ماله وما فداه به، ثم يكون الفضل بينهما على الشرط (^٢).
(٩٠١) وقال أبو يوسف في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة، فاشترى بها عبدين قيمتهما ألف وخمسمائة، فأعتق أحدهما، وأبق الآخر، قال: إن كانت قيمة العتق ألف درهم أو أقل، لم يجز العتق، وإن كانت قيمته
_________________
(١) انظر: الأصل (٤/ ٢٧٥)، المبسوط (٢٢/ ١٥٧).
(٢) انظر: المبسوط (٢٢/ ١١٨)، البناية شرح الهداية (١٠/ ٩٨).
[ ٣٤٢ ]
أكثر من ألف، عتق حصة المضارب منه، وضمن المضارب حصة رب المال إن كان موسرا، فإن كان معسرا سعى فيها العبد (^١).
(٩٠٢) وقال أبو يوسف في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة، فاشترى بها أمة تساوي ألفا، فوطئها، فجاءت بولد يساوي مائة، ولم تنقص الأم الولادة شيئا، قال: على الواطئ مهر مثلها، ولا يثبت نسب الولد، ولا تكون أمه أم الولد، والولد رقيق على حاله، وإن قبض رب المال العقر - وهو مائة -، صارت الأمة أم ولد، وضمن الواطئ حصة رب المال منها، فإذا استوفى رب المال قدر رأس ماله بالعقر عتق الولد، وثبت نسبه، وبيعا لرب المال في حصته مما يصيبه؛ لأن رب المال حين قبض ألف درهم، صار الولد ربحا، ولا يصير ربحا ما لم يستوف رأس ماله (^٢).
(٩٠٣) وقال أبو يوسف: إذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة فاشترى بها عبدا قيمته ألفين، فكاتبه على ألفين ثم مات العبد من قبل أن يؤدي شيئا وترك خمسة آلاف، فإنه يموت عبدا ويأخذ رب المال ألفا، رأس ماله، وما بقي فهو بينهما نصفان قلت: فإن مات العبد وترك ثمانية آلاف، والمسألة على حالها، قال: يأخذ المضارب المكاتبة ألفين، ويأخذ رب المال ستة آلاف، يكون له منها ألف، وتبقى خمسة آلاف، فيقال للمضارب: قد عتق العبد فأنت ضامن لقيمته، فيضم قيمة العبد وهي ألفين إلى الخمسة آلاف فيكون نصف ذلك لرب المال ونصفه للمضارب، ولا يعتق العبد حتى يترك
_________________
(١) انظر: الأصل (٤/ ٢٤٩)، المبسوط (٢٢/ ١٠٩).
(٢) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٦/ ٩٤)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (٢/ ٣٢٧)، قرة عين الأخيار لتكملة رد المحتار (٨/ ٤٣٠).
[ ٣٤٣ ]
من المال ثمانية آلاف أو أكثر؛ إذا كانت قيمته ألفين والكتابة ألفين، وقال: هو سواء كاتبه على رقبته أو على رقبته ريع (^١).
(٩٠٤) وقال أبو يوسف في غلام بين شريكين، كاتبه أحدهما على ألف، فإنه لا يعتق حتى يؤدي الألف كلها، فإن مات المكاتب وترك ألفين أخذ المكاتب ألفا وأخذ شريكه ألفا، ويموت المكاتب حرا، و[كل ما] (^٢) ترك من المال ما لو كان عبدا أصاب الذي كاتبه منه قدر المكاتبة، فإنه يموت حرا، ويكون المال بينهما نصفين (^٣).
(٩٠٥) وقال أبو يوسف في رجل دفع مالا مضاربة على أن للمضارب ثلث الربح، قال: المضاربة جائزة، وثلث الربح للمضارب والثلثان لرب المال، ولو كان دفع إليه على أن ثلث الربح لرب المال كان جائزا وكان لرب المال الثلث وللمضارب الثلثان، ولو دفع إليه على أن للمضارب ثلث الربح ولرب المال الثلث فالمضاربة جائزة، وثلثا الربح لرب المال وثلثه للمضارب (^٤).
(٩٠٦) وقال أبو يوسف: إذا كان مع الرجل ألف درهم مضاربة، فاشترى عبدا بألفين وأنفق عليه فهو متطوع في النفقة إلا أن يكون القاضي أمره بذلك، فإن كان دفع إلى القاضي فأمره بالنفقة عليه، فما أنفق عليه فهو عليهما على قدر رؤوس أموالهما، وهذه قسمة من القاضي للعبد بين المضارب وبين رب
_________________
(١) انظر: الأصل (٤/ ٢٥٠)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (٥/ ٧٤).
(٢) في الأصل: وكلما.
(٣) انظر: الأصل (٥/ ٢١٤ وما بعدها)، الاختيار لتعليل المختار (٤/¬٤١)، البناية شرح الهداية (١٠/ ٤٤٥)
(٤) انظر: الأصل (٤/ ١٣٤)، المبسوط (٢٢/¬٢٥).
[ ٣٤٤ ]
المال إذا حكم بالنفقة (^١).
(٩٠٧) وقال أبو يوسف: إذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة، فاشترى عبدا يساوي ألفين، على المضاربة بألف، ثم ضاع المال، فالعبد على المضاربة، وإن كان المال كان ضاع قبل الشرى، فالعبد للمضارب، فإن اختلفا وقد ضاع المال، فقال رب المال: اشتريته على المضاربة؛ ثم ضاع المال، وقال المضارب: اشتريته وأنا أرى أن المال عندي، فإذا هو قد ضاع قبل ذلك، فالقول قول المضارب (^٢).
_________________
(١) جاء في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٦/ ١٠٧): «وروى المعلى عن أبي يوسف إذا كان مع الرجل ألف درهم مضاربة، فاشترى عبدا بألفين فأنفق عليه، فهو متطوع في النفقة؛ لأنه لم يبق في يده شيء من رأس المال، فالنفقة تكون استدانة على المال، وهو لا يملك ذلك فصار كالأجنبي إذا أنفق على عبد غيره، إلا أن يكون القاضي أمره بذلك، فإن رفعه إلى القاضي فأمره القاضي بالنفقة عليه، فما أنفق فهو عليهما على قدر رأس المال قال أبو يوسف ﵀: وهذه قسمة من القاضي بين المضارب، وبين رب المال إذا قضى بالنفقة، وإنما صارت النفقة دينا بأمر القاضي؛ لأن له ولاية على الغائب في حفظ ماله وهذا من باب الحفظ، فيملك الأمر بالاستدانة عليه، وإنما صار قضاء القاضي بالنفقة قسمة لوجود معنى القسمة، وهو التعيين؛ لأن القاضي لما ألزم المضارب النفقة لأجل نصيبه، فقد عين نصيبه، ولا يتحقق تعيين نصيب المضارب إلا بعد تعيين رأس المال، وهذا معنى القسمة».
(٢) انظر: المبسوط (٢٢/ ١٦٨).
[ ٣٤٥ ]