﷽
الحمد لله الذي زين سماء قلوب من اصطفاهم من عباده بنجوم العلم فاهتدوا بها واهتدى الناس بهم في ظلمات الجهل والأهواء والشبهات، فساروا على نور من ربهم وبينة من دينهم فيما يأتون ويذرون.
وصلوات ربي وسلامه على السراج المنير البشير النذير الذي علم به من الجهالة حتى استنارت القلوب والعقول بنور الوحي وما اقتبس منه، وعلى آله وأصحابه الأقمار الأطهار الأخيار ما بقي الليل والنهار.
وبعد
فإن الفقه بالمعنى الاصطلاحي العام هو معرفة النفس ما لها وما عليها؛ فيدخل فيه كل أمور الدين وجوانبه، وقد خصصوه بعد تمايز العلوم فأضافوا قيدا وهو: (عملا) ليخرج الاعتقاديات والوجدانيات، فيخرج الكلام والتصوف (^١).
وحاجة الناس إلى ذلك أعظم من حاجتهم للطعام والشراب والهواء؛ لأن بفقده يفقد الإنسان صلته بربه، ويفقد سعادته الأخروية وهي خير وأبقى، وبفقد الطعام والشراب يفقد الإنسان دنياه، فكيف يعرف الحلال والحرام، وما يصحح العبادات والمعاملات وما يبطلها، وكيف يعرف ما له وما عليه من حقوق الله وحقوق نفسه وحقوق الخلق - حتى البهائم والحشرات - بدون الفقه، ففضله عظيم تعلما وتعليما؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
وقد وردت النصوص المتكاثرة كتابا وسنة، وأقوال الأئمة المتبوعين
_________________
(١) التوضيح شرح التنقيح لصدر الشريعة (١/¬١٦) بتصرف وتوضيح.
[ ٣ ]
- د -
حاثة على الفقه ومدى حاجة الناس إليه، بل وغير الناس؛ لأنه بغيابه يظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس بمخالفتهم منهج الله وتعاليم الدين التي لا بد من فقهها والعمل بمقتضاها، قال تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ [التوبة: ١٢٢].
وفي الصحيحين وغيرهما عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله» (^١).
وعن أبي أمامة ﵁ قال: ذكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول الله: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، ثم قال رسول الله: «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير» (^٢).
وإنما ذكر النملة والحوت ليدل بالأول على دواب البر ومن أصغرها النملة، وبالثاني على أكبر دواب البحر؛ ليشمل سكان الأرض جميعا بعد أن ذكر سكان السماء وهم الملائكة، لعموم نفع العلم العباد جميعا.
والملائكة وإن كانت الطاعة في طبعهم خلقة والعبادة فطرة، وليسوا من أهل الشهوة والمعصية، ولا ينالهم نفع طاعة المطيع ولا ضرر معصية العاصي من بني آدم، إلا أن العلم والعمل به مناسب لطبيعتهم؛ لأنهم أهل طاعة
_________________
(١) رواه البخاري، حديث رقم (٧١)، ومسلم، حدث رقم (١٠٣٧).
(٢) رواه الترمذي، حديث رقم (٢٦٨٥)، وقال: حسن صحيح غريب.
[ ٤ ]
- هـ -
فيحبون أمثالهم، حتى ولو لم يكونوا من جنسهم، قال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ [غافر: ٧].
فجميع المخلوقات تنتفع بآثار العلم وبركته وثماره، حتى الملائكة؛ لأن لله حقا في خلقه، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان من الروائح الكريهة والمعاصي المقيتة، ومن باب أولى بقية الخلق، فقد نهي عن تعذيب الحيوان، وحرقه بالنار، والتحريش بين البهائم الذي نراه من هؤلاء المتخلفين المدعين للتقدم والحضارة، ونهي بل ولعن من نصب الحيوان هدفا للرمي واللعب والتسلي، ونهي عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، واستعمالها في عمل لم تخلق له كاستعمال البقر للركوب، كما جاء في نصوص ثابتة وإشارات واضحة، نفخر بها ونباهي أمم الأرض جميعا بما لا يوجد في دين كما وجد في ديننا وكما نص عليه علماء شريعتنا على اختلاف مذاهبهم وتعددها.
وما أمر الشرع بقتله أو أجيز ذبحه من المخلوقات لمصلحة عالية، نراه قد تعلق به تكليف بإحسان القتل والذبح في نصوص متكاثرة، مما أعتبرها نصوصا حضارية من الطراز الأمثل؛ إذ العلم موجه لكيفية التعامل مع جميع الخلق ما نراه وما لا نراه، فقد وجهنا من خلقهم ويراهم كيف نفعل تجاهه، حتى ليعلمنا كيف ندخل الخلاء لقضاء الحاجة وماذا نقول، مع أننا لا نرى الخبث ولا الخبائث الذين أمرنا بالاستعاذة منهم.
فعن عبد الله بن جعفر ﵁: قال: أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم، فأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله لحاجته
[ ٥ ]
- و-
هدفا، أو حائش نخل، قال: فدخل حائطا لرجل الأنصار فإذا جمل، فلما رأى النبي حن وذرفت عيناه، فأتاه النبي فمسح ذفراه فسكت، فقال: «من رب هذا الجمل، لمن هذا الجمل؟»، فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه» (^١).
ومن الآثار الواردة في فضل الفقه والتفقه في الدين ما جاء عن قتادة قال: باب من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه، وصلاح من بعده أفضل من عبادة حول.
• وعن الثوري قال: ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم.
• وعنه أيضا قال: ما أعلم اليوم شيئا أفضل من طلب العلم، قيل له: ليس لهم نية؟ قال: طلبهم له نية.
• وعن الحسن قال: من طلب العلم يريد ما عند الله كان خيرا له مما طلعت عليه الشمس.
• وعن ابن وهب قال: كنت عند مالك قاعدا أسأله، فرآني أجمع كتابي لأقوم، قال مالك: أين تريد؟ قال: قلت: أبادر إلى الصلاة، قال: ليس هذا الذي أنت فيه دون ما تذهب إليه إذا صح فيه النية، أو ما أشبه ذلك.
• وعن الشافعي قال: طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة (^٢).
_________________
(١) رواه أبو داود، حديث رقم (٢٥٤٩)، وروى مسلم، أوله، حديث رقم (٣٤٢)، ومن معاني الألفاظ في الحديث: (هدفا): الهدف: ما ارتفع من بناء ونحوه، ومنه: هدف الرامي، (حائش النخل): نخلات مجتمعة، (ذفراه): ذفرى البعير: هي الموضع الذي يعرق من قفاه، ويجعل فيه القطران، وهما ذفريان.
(٢) هذه الآثار من شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (٢/ ٦٧٤).
[ ٦ ]
- ز -
ثم إن حاجة البشرية إلى الدين ثابت في كل حال من أحوالها، ولا تختص بحالة بداوة ولا حضارة، ولا ساسة ولا سوقة، بل في كل حال ولكل أحد من خلقه.
ولم يترك الله الإنسان لحظة واحدة بدون منهج موجه، وتشريع يسير به في هذه الحياة، يتعامل به مع ربه ونفسه وبقية الخلق جميعا ملائكة إنسا وجنا وجميع دواب الأرض في البر والبحر، وذلك من أول لحظات الهبوط على الأرض.
قال تعالى: ﴿قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (١٢٣) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (١٢٤) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (١٢٥) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (١٢٦) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ [القيامة: ٣٦] يعني: لا يؤمر، ولا ينهى (^١).
بل إن الشرع الشريف ليقي الإنسان من نفسه وهواها، فقوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» (^٢) أي: لا يضر نفسه ولا يضر غيره؛ فالمعنى: لا ضرر تدخلونه
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٣/ ٥٢٦).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٣١٣، رقم ٢٨٦٧)، وابن ماجه (٢/ ٧٨٤، رقم ٢٣٤١) قال البوصيري (٣/¬٤٨): هذا إسناد فيه جابر (يعني الجعفي) وقد اتهم. والطبراني (١١/ ٢٢٨، رقم ١١٥٧٦) من حديث ابن عباس. وأخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٨٤، رقم ٢٣٤٠)، قال البوصيري (٣/¬٤٨): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع. والبيهقي (٦/ ١٥٦، رقم ١١٦٥٧) من حديث عبادة بن الصامت. أخرجه الطبراني (٢/ ٨٦، رقم ١٣٨٧) من حديث ثعلبة بن أبي مالك.
[ ٧ ]
- ح -
على أنفسكم، ولا ضرار لغيركم.
وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من نام وفي يده غمر، ولم يغسله فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه» (^١).
قال الإمام أحمد: ولولا العلم كان الناس كالبهائم، وقال: الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثا، والعلم يحتاج إليه كل وقت (^٢).
وقال ابن القيم: فقهاء الإسلام، ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام؛ فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب، قال الله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [النساء: ٥٩].
قال عبد الله بن عباس - في إحدى الروايتين عنه - وجابر بن عبد الله
_________________
(١) لا ضرر ولا ضرار من ضار ضاره الله ومن شاق شاق الله عليه (مالك وأخرجه مالك (٢/ ٧٤٥، رقم ١٤٢٩» عن عمر بن يحيى المازني عن أبيه مرسلا. وأخرجه أيضا: الشافعي (١/ ٢٢٤). وأخرجه الدارقطني (٣/ ٧٧)، والحاكم (٢/ ٦٦، رقم ٢٣٤٥) من حديث أبي سعيد، وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. وأخرجه عنه البيهقي (٦/ ٦٩، رقم ١١١٦٦).
(٢) رواه أبو داود، حديث رقم (٣٨٥٢).
(٣) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم (٢/ ١٨٢).
[ ٨ ]
- ط -
والحسن البصري وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح والضحاك ومجاهد - في إحدى الروايتين عنه -: أولو الأمر هم العلماء، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (^١).
قال إمام الحرمين: وأهم المطالب في الفقه التدرب في مآخذ الظنون في مجال الأحكام، وهذا هو الذي يسمى فقه النفس، وهو أنفس صفات علماء الشريعة (^٢).
والفقه في اصطلاح أهل الفقه له فنون متعددة، وأنواع اجتهد علماء المذاهب في جمعها وبيانها، حتى خصوا كل نوع منها بتصانيف خاصة، وما يذكرونه من العلم بالأحكام الشرعية الفرعية التي طريقها الاجتهاد ما هو إلا نوع من أنواع أوصلها علماء الشافعية إلى عشرة وذكر ابن نجيم الحنفي سبعة، وتقبل الإضافة عليها حسبما يعن من جوانب وتقتضيه مصلحة بيان الأحكام وتذليلها للطالبين.
قال الإمام بدر الدين الزركشي: واعلم أن الفقه أنواع:
(أحدها) معرفة أحكام الحوادث نصا واستنباطا وعليه صنف الأصحاب تعاليقهم المبسوطة على مختصر المزني.
(والثاني) معرفة الجمع والفرق وعليه جل مناظرات السلف حتى قال بعضهم: (الفقه فرق وجمع) ومن أحسن ما صنف فيه كتاب الشيخ أبي محمد الجويني، وأبي الخير بن جماعة المقدسي وكل فرق بين مسألتين مؤثر ما لم يغلب على
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/¬٨).
(٢) غياث الأمم في التياث الظلم (ص: ٤٠٤).
[ ٩ ]
- ي -
الظن أن الجامع أظهر قال الإمام ﵀ ولا يكتفى بالخيالات في الفروق بل إن كان اجتماع مسألتين أظهر في الظن من افتراقهما وجب القضاء باجتماعهما وإن انقدح فرق على بعد. قال الإمام فافهموا ذلك فإنه من قواعد الدين.
(الثالث) بناء المسائل بعضها على بعض لاجتماعها في مأخذ واحد وأحسن شيء فيه كتاب السلسلة للجويني وقد اختصره الشيخ شمس الدين بن القماح وقد يقوى التسلسل في بناء الشيء على الشيء ولهذا قال الرافعي وهذه سلسلة طولها الشيخ، ثم الأكثر بناء الوجهين على قولين أو على وجهين إذا كان المأخذ في الأصل أقوى وأما القولان فينبنيان على القولين وقد ينبنيان على الوجهين، وهو مما يستنكر كثيرا.
وجوابه أن الوجهين مأخذهما قولان، فلم نبن القولين في الحقيقة إلا على قولين.
(الرابع) المطارحات: وهي مسائل عويصة يقصد بها تنقيح الأذهان.
وقد قال الشافعي ﵁ للزعفراني ﵀: تعلم دقيق العلم كي لا يضيع.
(الخامس) المغالطات.
(السادس) الممتحنات.
(السابع) الألغاز.
(الثامن) الحيل، وقد صنف فيه أبو بكر الصيرفي وابن سراقة وأبو حاتم القزويني وغيرهم.
(التاسع) معرفة الأفراد وهو معرفة ما لكل من الأصحاب من الأوجه الغريبة وهذا يعرف من طبقات العبادي وغيره ممن صنف الطبقات.
[ ١٠ ]
- ك -
(العاشر) معرفة الضوابط التي تجمع جموعا والقواعد التي ترد إليها أصولا وفروعا وهذا أنفعها وأعمها وأكملها وأتمها وبه يرتقي الفقيه إلى الاستعداد لمراتب الجهاد وهو أصول الفقه على الحقيقة (^١).
أما الإمام ابن نجيم الحنفي فاهتم في كتابه الأشباه والنظائر ببيان سبعة فنون من فنون الفقه مستفيدا ذلك من صنيع الإمام تابن السبكي حيث قال فيه: وإن المشايخ الكرام قد ألفوا ما بين مختصر ومطول من متون وشروح وفتاوى، واجتهدوا في المذهب والفتوى وحرروا ونقحوا، شكر الله سعيهم، إلا أني لم أر لهم كتابا يحكي كتاب الشيخ تاج الدين السبكي الشافعي مشتملا على فنون في الفقه. وقد كنت لما وصلت في شرح الكنز إلى تبييض البيع الفاسد، ألفت كتابا مختصرا في الضوابط والاستثناءات منها، سميته بـ «الفوائد الزينية في الفقه الحنفي» وصل إلى خمسمائة ضابطة، فألهمت أن أصنع كتابا على النمط السابق مشتملا على سبعة فنون يكون هذا المؤلف النوع الثاني منها:
الأول: معرفة القواعد التي ترد إليها وفرعوا الأحكام عليها وهي أصول الفقه في الحقيقة، وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الاجتهاد ولو في الفتوى.
الثاني: الضوابط وما دخل فيها وما خرج عنها، وهو أنفع الأقسام للمدرس والمفتي والقاضي.
الثالث: معرفة الجمع والفرق.
الرابع: معرفة الألغاز.
الخامس: الحيل.
_________________
(١) المنثور في القواعد الفقهية (١/ ٦٩ - ٧١).
[ ١١ ]
- ل -
السادس: الأشباه والنظائر.
السابع: ما حكي عن الإمام الأعظم وصاحبيه والمشايخ المتقدمين، والمتأخرين من المطارحات والمكاتبات والمراسلات والغريبات (^١).
ومما عنوا به من جوانب النظر الفقهي ما أسموه بالنوادر، وهي في اصطلاح فقهاء الحنفية مرويات أصحاب أئمة المذهب عنهم في المسائل الفقهية المختلفة. وتنسب تارة إلى الراوي لها عن الإمام محمد، مثل نوادر هشام التي رواها هشام بن عبيد الله الرازي، ونوادر أبي سليمان الجوزجاني، ونوادر المعلى بن منصور الرازي - التي نقدم لها في هذه الكلمات-، والجرجانيات نسبة إلى علي بن صالح الجرجاني، والهارونيات نسبة إلى شخص اسمه هارون؛ وتارة إلى مكان الرواية مثل الرقيات التي رواها محمد بن سماعة عن الإمام محمد عندما كان قاضيا بالرقة. وقد ضاعت معظم هذه النوادر. ويذكر السرخسي وغيره من الفقهاء الأحناف المتقدمين نقولا كثيرة عن هذه النوادر (^٢).
ومن المشهور أن مسائل المذهب الحنفي على ثلاث طبقات:
الأولى: مسائل الأصول، وتسمى ظاهر الرواية. وهي مسائل مروية عن أئمة المذهب وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد. ويلحق بهم زفر بن الهذيل والحسن بن زياد وغيرهما ممن أخذ عن أبي حنيفة. ويسمى هؤلاء بالمتقدمين. ثم هذه المسائل التي سميت مسائل الأصول وظاهر الرواية هي ما وجدت في كتب محمد.
_________________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ١٤ - ١٥) باختصار.
(٢) مقدمة كتاب الأصل للشيباني لمحققه الدكتور محمد بوينوكالن (ص: ٣٦).
[ ١٢ ]
- م -
وفي المنثورة: الكتب التي هي ظاهر الرواية لمحمد، ستة: (الجامع الصغير) و(المبسوط) و(الجامع الكبير) و(الزيادات) و(السير الكبير) و(والسير الصغير).
وإنما سميت بظاهر الرواية لأنها رويت برواية الثقات وتواترت أو اشتهرت عنه.
ومن كتب مسائل الأصول: كتاب الكافي للحاكم، وهو معتمد في نقل المذهب، و(المنتقى) له.
الثانية: مسائل النوادر. وهي مسائل مروية عن أئمة المذهب المذكورين لكن لا في الكتب المذكورة؛ بل في كتب غيرها تنسب إلى محمد، ومنها كتب غير ظاهر الرواية، أربعة: وهي: (الهارونيات) و(الجرجانيات) و(الكيسانيات) و(الرقيات).
أو في كتب غير محمد ككتاب (المجرد) للحسن بن زياد وكتب (الأمالي) لأصحاب أبي يوسف وغيرهم، أو بروايات مفردة مثل رواية ابن سماعة ورواية معلى بن منصور وغيرهما في مسألة معينة.
يقول ابن عابدين: «مسائل النوادر، وهي المروية عن أصحابنا المذكورين، لكن لا في الكتب المذكورة؛ بل إما في كتب غير محمد:
كالمجرد للحسن وغيره، ومنها كتب الأمالي المروية عن أبي يوسف: إما برواية مفردة؛ كرواية ابن سماعة، والعلي بن منصور وغيرها في مسائل معينة» (^١).
_________________
(١) حاشية ابن عابدين ١/ ٧٤.
[ ١٣ ]
- ن -
وإنما سميت هذه المسائل بالنوادر أو غير ظاهر الرواية لأنها لم ترو بروايات ظاهرة ومشهورة كالمسائل الأولى.
والنوادر تسع، وهي: (نوادر هشام) و(نوادر ابن سماعة) و(نوادر ابن رستم) و(نوادر داود بن رشيد) و(نوادر المعلى) و(نوادر بشر) و(نوادر ابن شجاع البلخي، أبي نصر) و(نوادر أبي سليمان).
الثالثة: الفتاوى والواقعات. وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها ولم يجدوا فيها رواية عن أئمة المذهب المتقدمين. وهم أصحاب أبي يوسف وأصحاب محمد وأصحاب أصحابهما وهلم جرا. وهم كثيرون. فمن أصحاب أبي يوسف ومحمد مثل إبراهيم بن رستم، ومحمد بن سماعة، وأبي سليمان الجوزجاني، وأبي حفص البخاري، ومن أصحاب أصحابهما ومن بعدهم مثل محمد بن سلمة، ومحمد بن مقاتل، ونصير - وقيل: نصر - ابن يحيى وأبي نصر. وقد يتفق لهم أن يخالفوا أئمة المذهب لدلائل ظهرت لهم.
وأول كتاب جمع في فتاواهم كتاب النوازل لأبي الليث السمرقندي. ثم جمع المشايخ بعدهم كتبا أخرى كمجموع النوازل والواقعات للصدر الشهيد (^١).
ثم ذكر المتأخرون المسائل في كتبهم مختلطة غير متميزة، وميز بعضهم كرضي الدين السرخسي في المحيط، فإنه يذكر أولا مسائل الأصول، ثم مسائل النوادر، ثم مسائل الفتاوى.
وما نقل عنهم في الكتب، إما الاجتهادات، وإما تخريجات أقوال العلماء المتقدمين، كما يقال هذا القول اختاره مشايخ ما وراء النهر، وأفتى بهذا مشايخ سمرقند.
_________________
(١) كشف الظنون ٢/ ١٢٨٢ (بتصرف)
[ ١٤ ]
- س -
والغالب على القدماء منهم: الاجتهاد، والترجيح. وهم الذين كانوا ما بين: مائتين، إلى أربع مائة من الهجرة. والغالب على المتأخرين منهم: هم الذين كانوا بعد الأربعمائة الترجيح فقط (^١).
وما أحسن أن ينقب عن المفقود أو المطمور من كتب العلم التي هي أصول هذه الصناعة الفقهية لإخراجها وخدمتها بما يدل فهمها للمهتمين بذلك، وبخاصة ما في حكم الضائع المفقود كهذا الكتاب: (نوادر معلى بن منصور) فقد ظن بعض أهل العلم أنه مفقود، لكن يسر الله الكريم بالعثور على نسخة مخطوطة منه، فكان إخراجها أولى ما يهتم به المشتغلون بإحياء التراث.
وقد تصدى لهذه المهمة الأخ الباحث عبد الله العفري لهذه المهمة وشرح الله صدره لخدمة هذا النص النادر الذي طالما نقل عنه أهل العلم قديما فجزاه الله خيرا على ما بذل ويسر له خدمة التراث وجعله من الموفقين.
وأخيرا فإليكم هذه الدرة الثمينة التي لا تقدر بثمن لمن عرف قدرها ووضعها موضعها من كتابات الصناعة الفقهية.
نفعنا الله وإياكم بالعلم ورزقنا العمل به وإيصاله لأهله المعتنين به، إنه على كل شيء قدير.
وكتبه
محمود عبد الرحمن عبد المنعم
_________________
(١) مجموعة الرسائل لابن عابدين ١/¬٢٠، ومقدمة كتاب الأصل للشيباني لمحققه الدكتور محمد بوينوكالن (ص: ٣٨ - ٣٩).
[ ١٥ ]
- ع -