تنوعت تقسيمات الحنفية لمراتب الفقهاء وقد أوصلهم ابن كمال باشا (^٤)
_________________
(١) انظر: فضائل أبي حنيفة وأخباره ومناقبه، عبد الله بن محمد بن أحمد بن يحيى بن الحارث السعدي المعروف بابن أبي العوام، المكتبة الإمدادية - مكة المكرمة، الطبعة: الأولى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م (١/ ٣٤٢).
(٢) انظر: فضائل أبي حنيفة وأخباره ومناقبه (١/ ٣٤٢).
(٣) انظر: المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية، علي جمعة، دار السلام/ الطبعة الثانية (٩٥).
(٤) هو: أحمد بن سليمان بن كمال باشا، شمس الدين: قاض من العلماء بالحديث ورجاله. تركي الأصل، مستعرب. قال التاجي: قلما يوجد فن من الفنون وليس لابن كمال باشا مصنف فيه. تعلم في أدرنه، وولي قضاءها ثم الإفتاء بالآستانة إلى أن مات. له تصانيف كثيرة،
[ ١٠ ]
إلى سبع مراتب، وتقسيمه أشهر تقسيمات الحنفية وأكثرها ذيوعا وانتشارا وقد تنوعت عبارات العلماء في قبوله ورده على نحو ما سنبينه في الآتي:
الأولى - طبقة المجتهدين في الشرع كالأئمة الأربعة:
ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول، واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، على حسب تلك القواعد، من غير تقليد لأحد لا في الفروع ولا في الأصول.
والثانية - طبقة المجتهدين في المذهب:
كأبي يوسف ومحمد، وسائر أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على حسب مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم أبو حنيفة، فإنهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع.
لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول، وبه يمتازون عن المعارضين في المذهب ويفارقونهم: كالشافعي ونظرائه المخالفين لأبي حنيفة في الأحكام، غير مقلدين له في الأصول.
والثالثة - طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب:
كالخصاف وأبي جعفر الطحاوي وأبي الحسن الكرخي وشمس الأئمة الحلواني وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضي خان، وأمثالهم.
_________________
(١) منها (طبقات الفقهاء - خ) و(طبقات المجتهدين - ط) و(مجموعة رسائل - ط) تشتمل على ٣٦ رسالة، توفي سنة: ٥٩٤٠. (الأعلام للزركلي: ١/ ١٣٣).
[ ١١ ]
فإنهم لا يقدرون على المخالفة للشيخ، لا في الأصول ولا في الفروع، لكنهم يستنبطون الأحكام من المسائل التي لا نص فيها عنه على حسب أصول قررها ومقتضى قواعد بسطها.
والرابعة - طبقة أصحاب التخريج من المقلدين:
كالرازي وأضرابه.
فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول، وضبطهم للمأخذ، يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب، أو عن أحد من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع.
وما وقع في بعض المواضع من «الهداية» من قوله: «كذا في تخريج الكرخي»، و«تخريج الرازي» من هذا القبيل.
والخامسة - طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين:
كأبي الحسن القدوري، وصاحب «الهداية»، وأمثالهما.
وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض أخر، بقولهم: هذا أولى، وهذا أصح رواية، وهذا أوضح، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق للناس.
والسادسة - طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين القولين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر الرواية (وظاهر المذهب) والرواية النادرة:
كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين مثل: صاحب «الكنز» وصاحب «المختار» وصاحب «الوقاية» وصاحب «المجمع»، وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة.
[ ١٢ ]
والسابعة - طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر:
ولا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل، فالويل لمن قلدهم كل الويل (^١).
وهذا التقسيم وإن كان اشتهر وعمل به كثير من الحنفية وارتضوه كطاشكبري زاده (^٢) وابن عابدين (^٣) وغيرهما إلا أنه لم يسلم من النقد بل والنقد الشديد من أعلام الحنفية أنفسهم كالمرجاني والعلامة محمد زاهد الكوثري وغيرهما.
_________________
(١) انظر: رسالتان - مراتب المجتهدين لابن كمال باشا، تحقيق ابن عقيل الظاهري، طبعة مكتبة الجبلاوي (١٣ - ١٥)
(٢) هو: أحمد بن مصطفى بن خليل: أبو الخير، عصام الدين طاشكبري زاده: مؤرخ. تركي الأصل، مستعرب. ولد في بروسة، ونشأ في أنقرة، وتأدب وتفقه، وتنقل في البلاد التركية مدرسا للفقه والحديث وعلوم العربية. وولي القضاء بالقسطنطينية سنة ٩٥٨ هـ فرمد وكف بصره سنة ٩٦١ قال صاحب العقد المنظوم: إذا جاء (القضاء) عمي البصر! له كتاب (الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية - ط) انتهى من إملائه سنة ٩٦٥ بالقسطنطينية، و(مفتاح السعادة - ط) و(نوادر الأخبار في مناقب الأخيار - خ) معجم تراجم، و(الشفاء لا دواء الوباء - ط) رسالة، و(الرسالة الجامعة لوصف العلوم النافعة - خ) وغير ذلك. (الأعلام للزركلي: ١/ ٢٥٧)
(٣) هو: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي: فقيه الديار الشامية وإمام الحنفية في عصره. مولده ووفاته في دمشق. له (رد المحتار على الدر المختار - ط) خمس مجلدات، فقه، يعرف بحاشية ابن عابدين، و(رفع الأنظار عما أورده الحلبي على الدر المختار) و(العقود الدرية في تنقيح الفتاوي الحامدية - ط) جزان، و(نسمات الأسحار على شرح المنار - ط) أصول، و(حاشية على المطول) في البلاغة، و(الرحيق المختوم - ط) في الفرائض توفي سنة ١٢٥٢ هـ (الأعلام للزركلي: ٦/¬٤٢)
[ ١٣ ]
قال العلامة المرجاني (^١): «هذا ما ذكر ابن كمال باشا، وقد أورده التميمي (^٢) في «طبقاته» بحروفه ثم قال: وهو تقسيم حسن جدا، وأقول: بل هو بعيد عن الصحة بمراحل فضلا عن حسنه جدا، فإنه تحكمات باردة وخيالات فارغة، وكلمات لا روح لها وألفاظ غير محصلة المعنى، ولا سلف له في ذلك المدعى، ولا سبيل له في تلك الدعوى، وإن تابعه من جاء من عقبه من غير دليل يتمسك به، وحجة تلجئه إليه، ومهما تسامحنا معهم في عد الفقهاء والمتفقهة على هذه المراتب السبع، وهو غير مسلم لهم، فلا يتخلصون من فحش الغلط والوقوع في الخطأ المفرط في تعيين رجال الطبقات وترتيبهم على هذه الدرجات (^٣).
وقال العلامة الكوثري: ولم يصب في أحد من الأمرين لا في ترتيب الطبقات ولا في توزيع الفقهاء عليها، وإن لقي استحسانا من المقلدة بعده» (^٤).
وأهم ما انصب عليه النقد أمران: الأمر الأول في ترتيب الطبقات والأمر
_________________
(١) هو: هارون بن بهاء الدين المرجاني القازاني، شهاب الدين: فقيه حنفي من أهل قازان (في روسيا) رحل إلى سمرقند وبخارى في صباه سنة ١٢٥٤ هـ له كتب، منها «خزانة الحواشي لإزاحة الغواشي - ط» «حاشية على التوضيح شرح التنقيح، وناظورة الحق في فرضية العشاء إن لم يغب الشفق - ط» و«عقيدة شهاب الدين - ط» توفي سنة: ١٣٠٦ هـ (الأعلام للزركلي: ٨/ ٥٩).
(٢) هو: تقي الدين بن عبد القادر التميمي الغزي: فقيه متأدب. جال في البلاد وألف كتابا في (طبقات الحنفية) سماه (الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ط)، وهو أربعة مجلدات، في خزانة حسن حسني عبد الوهاب بتونس، وتوفي بمصر توفي سنة ١٠١٠ هـ. (الأعلام للزركلي: ٢/ ٨٥).
(٣) انظر: ناظورة الحق، شهاب الدين المرجاني، طبعة دار الفتح للدراسات والنشر (١٩٢).
(٤) انظر: حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي، محمد زاهد الكوثري، طبعة المكتبة الأزهرية للتراث (٢٤).
[ ١٤ ]
الثاني في توزيع الفقهاء عليها وقد أجملهما الدكتور يعقوب الباحسين ﵀ في كتابه التخريج عند الفقهاء والأصوليين فقال: «بالنسبة إلى الأمر الأول لم يتضح فرق بين الطبقتين الخامسة والسادسة، وذلك لأن أصحاب الطبقة السادسة إن كانوا قادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر الرواية وظاهر المذهب والرواية النادرة، فهم من أصحاب الترجيح الذين عدهم ابن الكمال في الطبقة الخامسة، وفي كلامه عن الطبقة الرابعة قال عنهم: (طبقة أهل التخريج)، ولكنه في شرحه لعملهم لم يتضح فرق بين عملهم وعمل أهل الطبقة الخامسة، إذ جعل عملهم تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب، أو عن أحد أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع. وعلى هذا فهم من أهل الترجيح. والتخريج في استعماله لا يعني غير توجيه الاختيار أو الأخذ بأحد الوجهين.
وأما الأمر الثاني: فإنه وضع طائفة من فحول العلماء في مواضع لا تليق بهم، ونعتهم بالمقلدين، وقال عن بعضهم بأنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، فمن ذلك أنه جعل الأئمة الثلاثة من تلامذة الإمام أبي حنيفة في طبقة المجتهدين في المذهب، وأنهم مقلدون في قواعد الأصول. ولم يسلموا له ذلك، بل عدوهم مجتهدين اجتهادا مطلقا، ونفوا أن يكونوا مقلدين له في الأصول. وقالوا: إن أريد بالأصول الأدلة الأربعة - أي الكتاب والسنة والإجماع والقياس -، فهذا لا وجه له، لأن هذه الأصول مستند كل الأئمة، وملجؤهم في أخذ الأحكام فلا يتصور مخالفة غيره له فيها، وإن أريد بها غير ذلك فلا يسلم له
[ ١٥ ]
بأنهم لم يخالفوه، بل كان لكل واحد منهم أصول مختصة به، تفرد بها عن أبي حنيفة وخالفه فيها. ومن ذلك (إن الأصول في تخفيف النجاسة، تعارض الأدلة عند أبي حنيفة ﵀ واختلاف الأئمة عندهما). ومما نقدوه فيه في هذا المجال كلامه عن بعض العلماء كالخصاف والكرخي والطحاوي وأبي بكر الرازي، ونعتهم بأنهم مقلدون لا يقدرون على مخالفة أبي حنيفة، لا في الأصول ولا في الفروع. فلم يسلموا له ذلك وأبانوا بأن لهم اختيارات واستنباطات بالقياس، واحتجاجات بالمعقول والمنقول، ولبعضهم كالكرخي والرازي آراء خاصة انفردوا بها عن غيرهم، يعلمها كل من درس علم الأصول» (^١).
والحقيقة أن النقد الموجه لتقسيم ابن الكمال محل قبول ووجاهة وهو ما قرره العلامة أبو زهرة (^٢) وغيره فلا يسلم له.
ولهذا فقد قسم غيره من علماء الحنفية طبقات المذهب على نحو آخر هو أرجح في الرأي العلمي لديهم كتقسيم الإمام اللكنوي ونورده في الآتي: