في مسألتنا هذه جاءت رواية النوادر مفسرة ومبينة لرواية ظاهر الرواية، واعتمدها المصنف كأصل في بيان صحيح قول المذهب لصور متعددة، قال الجصاص في شرح مختصر الطحاوي: مسألة: [تصرف أحد الوصيين دون الآخر].
قال: «وليس لأحد الوصيين أن يشتري للورثة إذا كانوا صغارا، إلا الكسوة والطعام، وليس له أن يشتري لهم خادما إن احتاجوا إليه، إلا بأمر صاحبه، في قول أبي حنيفة ومحمد.
قال أبو جعفر: وقال محمد بن الحسن في نوادره: ليس لأحدهما أن يفعل
_________________
(١) انظر: المبسوط، السرخسي، دار المعرفة - بيروت، تاريخ النشر: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م (١١/ ٢٥٥).
[ ٢٣ ]
شيئا دون صاحبه، إلا ستة أشياء، فإنها تجوز له دون أمر صاحبه، وهي:
١ - شراء كفن للميت.
٢ - وقضاء ديونه.
٣ - وإنفاذ وصيته فيما أوصى به من صدقة، أو نحوها.
٤ - أو شيء لرجل كان له بعينه في يد الميت، يدفعه إليه.
٥ - وفي الخصومة فيما يدعى على الميت.
٦ - وفي الخصومة للميت فيما يدعيه له من الحقوق قبل الناس.
فأما غير ذلك من شراء أو بيع: فإنه لا يجوز له دون صاحبه.
قال أحمد: ولم يذكر شراء الكسوة والطعام للصغير في هذه الرواية، وهو مما يجوز لأحدهما أن يفعله، في قولهم جميعا.
وليس ما ذكره في النوادر، مخالفا لما في الأصول، وإنما هو تفسير لما أجمل ذكره في الأصول» (^١).
ولو أردنا أن ننظر بصورة أكثر خصوصية لموطن نوادر المعلى بن منصور من الاستدلال وموقعها من النظر في كتب الحنفية، لوجدناها حاضرة بقوة في عملية الاستدلال والنظر، ومن هذا مثلا ما يلي:
مسألة: حد التقادم في الشهادة في الحدود:
اختلف أئمة الحنفية في حد التقادم في الشهادة في الحدود فقال الإمام البابرتي في العناية:
_________________
(١) انظر: شرح مختصر الطحاوي، أبو بكر الجصاص، الناشر: دار البشائر الإسلامية - ودار السراج، الطبعة: الأولى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م (٤/ ١٨٧).
[ ٢٤ ]
«(واختلفوا في حد التقادم، وأشار في الجامع الصغير إلى ستة أشهر فإنه قال بعد حين) كما ذكرنا (وهكذا أشار الطحاوي، وأبو حنيفة لم يقدر في ذلك) نقل الناطفي في الأجناس عن نوادر المعلى. قال أبو يوسف: جهدنا على أبي حنيفة أن يوقت في ذلك شيئا فأبى، وفوضه إلى رأي القاضي في كل عصر (وعن محمد أنه قدره بشهر لأن ما دونه عاجل وهو رواية عن أبي حنيفة) ذكره في المجرد. قال أبو حنيفة: لو سأل القاضي متى زنى بها فقالوا منذ أقل من شهر أقيم الحد، وإن قالوا شهر أو أكثر درئ الحد قال الناطفي: فقد قدره على هذه الرواية بشهر وهو قول أبي يوسف ومحمد أصله مسألة اليمين حلف ليقضين دين فلان عاجلا فقضاه فيما دون الشهر بر في يمينه» (^١).
فالتعويل في قول الإمام أبي حنيفة في هذه المسألة، كان على ما ذكره المعلى في نوادره، ونظير هذا من المسائل كثير في كتب الفقه الحنفي المختلفة، وإن نظرة واحدة بسيطة على كتب الفقه الحنفي تقطع بأهمية النوادر وتقدمها في النص على عبارة أئمة المذهب وتعويل أهل المذهب عليها، وهذا باب من أبواب العلم يقتضي - والله أعلم - من ذوي الهمم القيام به والتأليف فيه، للوقوف على منهج الحنفية في إيراد روايات النوادر في موطن الاستدلال والنظر، وحبذا لو كان هذا في رسائل علمية محكمة، فإنها مظنة الضبط والتحرير فيما أرجو، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: العناية شرح الهداية، البابرتي، الناشر: دار الفكر (٥/ ٢٨٢).
[ ٢٥ ]