قال: " الاعتكاف مستحب " والصحيح أنه سنة مؤكدة لأن النبي ﵊ واظب عليه في العشر الأواخر من رمضان والمواظبة دليل السنة " وهو اللبث في المسجد مع الصوم ونية الاعتكاف " أما اللبث فركنه لأنه ينبئ عنه فكان وجوده به والصوم من شرطه عندنا خلافا للشافعي ﵀ والنية شرط في سائر العبادات هو يقول إن الصوم عبادة وهو أصل بنفسه فلا يكون شرطا لغيره.
ولنا قول ﵊ " لا إعتكاف إلا بالصوم " والقياس في مقابلة النص المنقول غير مقبول ثم الصوم شرط لصحة الواجب منه رواية واحدة ولصحة التطوع فيما روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ لظاهر ما روينا وعلى هذه الرواية لا يكون أقل من يوم وفي رواية الأصل وهو قول محمد ﵀ أقله ساعة فيكون من غير صوم لأن مبنى النفي على المساهلة ألا ترى أن يقعد في صلاة النفل مع القدرة على القيام ولو شرع فيه ثم قطعه لا يلزمه القضاء في رواية الأصل لأنه غير مقدر فلم يكن القطع إبطالا وفي رواية الحسن يلزمه لأنه مقدر باليوم كالصوم ثم الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد الجماعة لقول حذيفة ﵁ لا اعتكاف الا في مسجد جماعة وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يصح إلا في مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس لأنه عبادة إنتظار الصلاة فيختص بمكان تؤدى فيه أما المرأة فتعتكف في مسجد بيتها لأنه هو الموضع لصلاتها فيتحقق انتظارها فيه ولو لم يكن لها في البيت مسجد تجعل موضعا فيه فتعتكف فيه " ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان أو الجمعة " أما الحاجة فلحديث عائشة ﵂ كان النبي ﵊ لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإنسان ولأنه معلوم وقوعها ولا بد من الخروج في تقضيتها فيصير الخروج لها مستثنى ولا يمكث بعد فراغه من الطهور لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدرها وأما الجمعة فلأنها من أهم حوائجه وهي معلوم وقوعها وقال الشافعي ﵀ الخروج إليها مفسد لأنه يمكنه الاعتكاف في الجامع ونحن نقول
[ ١ / ١٢٩ ]
الاعتكاف في كل مسجد مشروع وإذا صح الشروع فالضرورة مطلقة في الخروج ويخرج حين تزول الشمس لأن الخطاب يتوجه بعده وإن كان منزله بعيدا عنه يخرج في وقت يمكنه إدراكها ويصلي قبلها أربعا وفي رواية ستا الأربع سنة والركعتان تحية المسجد وبعدها أربعا أو ستا على حسب الاختلاف في سنة الجمعة وسننها توابع لها فألحقت بها ولو أقام في مسجد الجامع أكثر من ذلك لا يفسد اعتكافه لأنه موضع اعتكاف إلا أنه لا يستحب لأنه إلتزم أداءه في مسجد واحد فلا يتمه في مسجدين من غير ضرورة " ولو خرج من المسجد ساعة بغير عذر فسد اعتكافه " عند أبي حنيفة ﵀ لوجود المنافى وهو القياس وقالا لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم وهو الاستحسان لأن في القليل ضرورة قال " وأما الأكل والشرب والنوم يكون في معتكفه " لأن النبي ﵊ لم يكن لمأوى إلا المسجد ولأنه يمكن قضاء هذه الحاجة في المسجد فلا ضرورة إلى الخروج " ولا بأس بأن يبيع ويبتاع في المسجد من غير أن يحضر السلعة " لأنه قد يحتاج إلى ذلك بأن لا يجد من يقوم بحاجته إلا أنهم قالوا يكره إحضار السلعة للبيع والشراء لأن المسجد محرز من حقوق العباد وفيه شغله بها ويكره لغير المعتكف البيع والشراء فيه لقوله ﵊ " جنبوا مساجدكم صبيانكم " إلى أن قال " وبيعكم وشراءكم ".
قال: " ولا يتكلم إلا بخير ويكره له الصمت " لأن صوم الصمت ليس بقربة في شريعتنا لكنه يتجانب ما يكون مأثما " ويحرم على المعتكف الوطء " لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] " و" كذا " اللمس والقبلة " لأنه من دواعيه فيحرم عليه إذ هو محظوره كما في الإحرام بخلاف الصوم لأن الكف ركنه لا محظوره فلم يتعد إلى دواعيه " فإن جامع ليلا أو نهارا عامدا أو ناسيا بطل اعتكافه " لأن الليل محل الاعتكاف بخلاف الصوم وحالة العاكفين مذكرة فلا يعذر بالنسيان " ولو جامع فيما دون الفرج فأنزل أو قبل أو لمس فأنزل بطل اعتكافه " لأنه في معنى الجماع حتى يفسد به الصوم ولو لم ينزل لا يفسد إن كان محرما لأنه ليس في معنى الجماع وهو المفسد ولهذا لا يفسد به الصوم.
قال: " ومن أوجب على نفسه اعتكاف أيام لزمه اعتكافها بلياليها " لأن ذكر الأيام على سبيل الجمع يتناول ما بازائها من الليالي يقال ما رأيتك منذ أيام والمراد بلياليها وكانت " متتابعة وان لم يشترط التتابع " لأن مبنى الاعتكاف على التتابع لأن الأوقات كلها قابلة له بخلاف الصوم لأن مبناه على التفرق لأن الليالي غير قابلة للصوم فيجب على التفرق حتى ينص على التتابع "وإن نوى الأيام خاصة صحت نيته " لأنه نوى الحقيقة " ومن أوجب على
[ ١ / ١٣٠ ]
نفسه اعتكاف يومين يلزمه بليلتيهما قال أبو يوسف ﵀ لا تدخل الليلة الأولى " لأن المثنى غير الجمع وفي المتوسطة ضرورة الاتصال وجه الظاهر أن في المثنى معنى الجمع فيلحق به احتياطا لأمر العبادة والله أعلم.
[ ١ / ١٣١ ]