" الشهيد من قتله المشركون أو وجد في المعركة وبه أثر أو قتله المسلمون ظلما ولم يجب بقتله دية فيكفن ويصلى عليه ولا يغسل " لأنه في معنى شهداء أحد وقال ﷺ فيهم " زملوهم بكلومهم ودمائهم ولا تغسلوهم " فكل من قتل بالحديدة ظلما وهو طاهر بالغ ولم يجب به عوض مالي فهو في معناهم فيلحق بهم والمراد بالأثر الجراحة لأنها دلالة القتل وكذا خروج الدم من موضع غير معتاد كالعين ونحوها والشافعي ﵀ يخالفنا في الصلاة ويقول السيف محاء للذنوب فأغنى عن الشفاعة ونحن نقول الصلاة على الميت لإظهار كرامته والشهيد أولى بها والطاهر عن الذنوب لا يستغني عن الدعاء كالنبي والصبي " ومن قتله أهل الحرب أو أهل البغي أو قطاع الطريق فبأي شيء قتلوه لم يغسل " لأن شهداء أحد ما كان كلهم قتيل السيف والسلاح " وإذا استشهد الجنب غسل عند أبي حنيفة ﵀ " وقالا لا يغسل لأن ما وجب بالجنابة سقط بالموت والثاني لم يجب للشهادة ولأبي حنيفة ﵀ أن الشهادة عرفت مانعة غير رافعة فلا ترفع الجنابة وقد صح أن حنظلة لما استشهد جنبا غسلته الملائكة وعلى هذا الخلاف الحائض والنفساء إذا طهرتا وكذا قبل الانقطاع في الصحيح من الرواية وعلى هذا الخلاف الصبي لهما أن الصبي أحق بهذه الكرامة وله أن السيف كفى عن الغسل في حق شهداء أحد بوصف كونه طهرة ولا ذنب على الصبي فلم يكن في معناهم " ولا يغسل عن الشهيد دمه ولا ينزع عنه ثيابه " لما روينا
[ ١ / ٩٢ ]
" وينزع عنه الفرو والحشو والقلنسوة والسلاح والخف " لأنها ليست من جنس الكفن " ويزيدون وينقصون ما شاءوا " إتماما للكفن.
قال: " ومن ارتث غسل " وهو من صار خلقا في حكم الشهادة لنيل مرافق الحياة لأن ذلك يخف أثر الظلم فلم يكن في معنى شهداء أحد " والارتثاث أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يداوى أو ينقل من المعركة حيا " لأنه نال بعض مرافق الحياة وشهداء أحد ماتوا عطشا والكأس تدار عليهم فلم يقبلوا خوفا من نقصان الشهادة إلا إذا حمل من مصرعه كيلا تطأه الخيول لأنه ما نال شيئا من الراحة ولو آواه فسطاط أو خيمة كان مرتثا لما بينا " ولو بقي حيا حتى مضى وقت صلاة وهو يعقل فهو مرتث " لأن تلك الصلاة صارت دينا في ذمته وهو من أحكام الأحياء قال وهذا مروي عن أبي يوسف ﵀ ولو أوصي بشيء من أمور الآخرة كان ارتثاثا عند أبي يوسف ﵀ لأنه ارتفاق وعند محمد ﵀ لا يكون لأنه من أحكام الأموات " ومن وجد قتيلا في المصر غسل " لأن الواجب فيه القسامة والدية فخف أثر الظلم " إلا إذا علم أنه قتل بحديدة ظلما " لأن الواجب فيه القصاص وهو عقوبة والقاتل لا يتخلص عنها ظاهرا إما في الدنيا وإما في العقبى وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ما لا يلبث بمنزلة السيف ويعرف في الجنايات إن شاء الله تعالى " ومن قتل في حد أو قصاص غسل وصلى عليه " لأنه باذل نفسه لإيفاء حق مستحق عليه وشهداء أحد بذلوا أنفسهم لابتغاء مرضاة الله تعالى فلا يلحق بهم " ومن قتل من البغاة أو قطاع الطريق لم يصل عليه " لأن عليا ﵁ لم يصل على البغاة.
[ ١ / ٩٣ ]