" القران أفضل من التمتع والإفراد " وقال الشافعي ﵀ الإفراد أفضل وقال مالك ﵀ التمتع أفضل من القران لأن له ذكرا في القرآن ولا ذكر للقران فيه وللشافعي ﵀ قوله ﵊ " القران رخصة " ولأن في الإفراد زيادة التلبية والسفر والحلق.
ولنا قوله ﵊ " يا آل محمد أهلوا بحجة وعمرة معا " ولأن فيه جمعا بين العبادتين فأشبه الصوم مع الاعتكاف والحراسة في سبيل الله مع صلاة الليل والتلبية غير محصورة والسفر غير مقصود والحلق خروج عن العبادة فلا يترجح بما ذكر والمقصود بما روي نفي قول أهل الجاهلية إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وللقران ذكر في القرآن لأن المراد من قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أن يحرم بهما من دويرة أهله على ما روينا من قبل ثم فيه تعجيل الإحرام واستدامة إحرامهما من الميقات إلى إن يفرغ منهما ولا كذلك التمتع فكان القران أولى منه وقيل الاختلاف بيننا
[ ١ / ١٥٠ ]
وبين الشافعي بناء على أن القارن عندنا يطوف طوافين ويسعى سعيين وعنده طوافا واحدا وسعيا واحدا.
قال: " وصفة القران أن يهل بالعمرة والحج معا من الميقات ويقول عقيب الصلاة اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني " لأن القران هو الجمع بين الحج والعمرة من قولك قرنت الشيء بالشيء إذا جمعت بينهما وكذا إذا أدخل حجة على عمرة قبل أن يطوف لها أربعة أشواط لأن الجمع قد تحقق إذ الأكثر منها قائم ومتى عزم على أدائهما يسأل التيسير فيهما وقدم العمرة على الحج فيه ولذلك يقول لبيك بعمرة وحجة معا لأنه يبدأ بأفعال العمرة فكذلك يبدأ بذكرها وإن أخر ذلك في الدعاء والتلبية لا بأس به لأن الواو للجمع ولو نوى بقلبه ولم يذكرهما في التلبية أجزأه اعتبارا بالصلاة " فإذا دخل مكة ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواط يرمل في الثلاث الأول منها ويسعى بعدها بين الصفا والمروة وهذه أفعال العمرة ثم يبدأ بأفعال الحج فيطوف طواف القدوم سبعة أشواط ويسعى بعده كما بينا في المفرد ويقدم أفعال العمرة " لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ٩٦] والقران في معنى المتعة ولا يحلق بين العمرة والحج لأن ذلك جناية على إحرام الحج وإنما يحلق في يوم النحر كما يحلق المفرد ويتحلل بالحلق عندنا لا بالذبح كما يتحلل المفرد ثم هذا مذهبنا وقال الشافعي ﵀ يطوف طوافا واحدا ويسعى سعيا واحدا لقوله ﵊ " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " ولأن مبنى القران على التداخل حتى اكتفي فيه بتلبية واحدة وسفر واحد وحلق واحد فكذلك في الأركان.
ولنا أنه لما طاف صبي بن معبد طوافين وسعى سعيين قال له عمر ﵁ هديت لسنة نبيك ولأن القران ضم عبادة إلى عبادة وذلك إنما يتحقق بأداء عمل كل واحد على الكمال ولأنه لا تداخل في العبادات المقصودة والسفر للتوسل والتلبية للتحريم والحلق للتحلل فليست هذه الأشياء بمقاصد بخلاف الأركان ألا ترى أن شفعي التطوع لا يتداخلان وبتحريمة واحدة يؤديان ومعنى ما رواه " دخل وقت العمرة في وقت الحج ".
قال: " فإن طاف طوافين لعمرته وحجته وسعى سعيين يجزيه " لأنه أتى بما هو المستحق عليه وقد أساء بتأخير سعي العمرة وتقديم طواف التحية عليه ولا يلزمه شيء أما عندهما فظاهر لأن التقديم والتأخير في المناسك لا يوجب الدم عندهما وعنده طواف التحية سنة وتركه لا يوجب الدم فتقديمه أولى والسعي بتأخيره بالاشتغال بعمل آخر لا يوجب الدم فكذا بالاشتغال بالطواف " وإذا رمى الجمرة يوم النحر ذبح شاة أو بقرة أو بدنة
[ ١ / ١٥١ ]
أو سبع بدنة فهذا دم القران " لأنه في معنى المتعة والهدي منصوص عليه فيهما والهدي من الإبل والبقر والغنم على ما نذكره في بابه إن شاء الله تعالى وأراد بالبدنة ههنا البعير وإن كان اسم البدنة يقع عليه وعلى البقرة على ما ذكرنا وكما يجوز سبع البعير يجوز سبع البقرة " فإذا لم يكن له ما يذبح صام ثلاثة أيام في الحج آخرها يوم عرفة وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله " لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالنص وإن ورد في التمتع فالقران مثله لأنه مرتفق بأداء التسكين والمراد بالحج والله أعلم وقته لأن نفسه لا يصلح ظرفا إلا أن الأفضل أن يصوم قبل يوم التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة لأن الصوم يدل على الهدي فيستحب تأخيره إلى آخر وقته رجاء أن يقدر على الأصل " وإن صامها بمكة بعد فراغه من الحج جاز " ومعناه بعد مضي أيام التشريق لأن الصوم فيها منهي عنه وقال الشافعي ﵀ لا يجوز لأنه معلق بالرجوع إلا أن ينوي المقام فحينئذ يجزيه لتعذر الرجوع.
ولنا أن معناه رجعتم عن الحج أي فرغتم إذ الفراغ سبب الرجوع إلى أهله فكان الأداء بعد السبب فيجوز " فإن فاته الصوم حتى أتى يوم النحر لم يجزه إلا الدم " وقال الشافعي ﵀ يصوم بعد هذه الأيام لأنه صوم موقت فيقضي كصوم رمضان وقال مالك ﵀ يصوم فيها لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا وقته.
ولنا: النهي المشهور عن الصوم في هذه الأيام فيتقيد به النص أو يدخله النقص فلا يتأدى به ما وجب كاملا " ولا يؤدى بعدها " لأن الصوم بدل والأبدال لا تنصب إلا شرعا والنص خصه بوقت الحج وجواز الدم على الأصل وعن عمر ﵁ أنه أمر في مثله بذبح الشاة فلو لم يقدر على الهدي تحلل وعليه دمان دم التمتع ودم التحلل قبل الهدي " فإن لم يدخل القارن مكة وتوجه إلى عرفات فقد صار رافضا لعمرته بالوقوف " لأنه تعذر عليه أداؤها لأنه يصير باتيا أفعال العمرة على أفعال الحج وذلك خلاف المشروع ولا يصير رافضا بمجرد التوجه هو الصحيح من مذهب أبي حنيفة ﵀ أيضا والفرق
له بينه وبين مصلى الظهر يوم الجمعة إذا توجه إليها أن الأمر هنالك بالتوجه متوجه بعد أداء الظهر والتوجه في القران والتمتع منهي عنه قبل أداء العمرة فافترقا.
قال: " وسقط عنه دم القران " لأنه لما ارتفضت العمرة لم يرتفق بأداء التسكين " وعليه دم لرفض عمرته " بعد الشروع فيها " وعليه قضاؤها " لصحة الشروع فيها فأشبه المحصر والله أعلم.
[ ١ / ١٥٢ ]