" قال أبو حنيفة ﵀ في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر سواء سقى سيحا أو سقته السماء إلا الحطب والقصب والحشيش وقالا لا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية إذا بلغ خمسة أوسق والوسق ستون صاعا بصاع النبي ﵊ وليس في الخضروات عندهما عشر " فالخلاف في موضعين: في اشتراط النصاب وفي اشتراط البقاء لهما في الأول قوله ﵊ " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " ولأنه صدقة فيشترط فيه النصاب لتحقق الغنى ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﵊ " ما أخرجت الأرض ففيه العشر من غير فصل " وتأويل ما روياه زكاة التجارة، لأنهم كانوا
[ ١ / ١٠٧ ]
يتبايعون بالأوساق وقيمة الوسق أربعون درهما ولا معتبر بالمالك فيه فكيف بصفته وهو الغني ولهذا لا يشترط الحول لأنه للاستنماء وهو كله نماء ولهما في الثاني قوله ﵊ " ليس في الخضروات صدقة " والزكاة غير منفية فتعين العشر وله ما روينا ومرويهما محمول على صدقة بأخذها العاشر وبه أخذ أبو حنيفة ﵀ فيه ولأن الأرض قد تستنمي بما لا يبقى والسبب هي الأرض النامية ولهذا يجب فيها الخراج.
اما الحطب والقصب والحشيش فلا تستنبت في الجنان عادة بل تنقى عنها حتى لو اتخذها مقصبة أو مشجرة أو منبتا للحشيش يجب فيها العشر والمراد بالمذكور القصب الفارسي.
أما قصب السكر وقصب الذريرة ففيهما العشر لأنه يقصد بهما استغلال الأرض بخلاف السعف والتبن لأن المقصود الحب والتمر دونهما
قال: " وما سقي بغرب أو دالية أو سانية ففيه نصف العشر على القولين " لأن المؤنة تكثر فيه وتقل فيما يسقى بالسماء أو سيحا وإن سقي سيحا وبدالية فالمعتبر أكثر السنة كما مر في السائمة " وقال أبو يوسف ﵀ فيما لا يوسق كالزعفران والقطن يجب فيه العشر إذا بلغت قيمته قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يوسق " كالذرة في زماننا لأنه لا يمكن التقدير الشرعي فيه فاعتبرت قيمته كما في عروض التجارة " وقال محمد ﵀ يجب العشر إذا بلغ الخارج خمسة أعداد من أعلى ما يقدر به نوعه فاعتبر في القطن خمسة أحمال كل حمل ثلثمائة منء وفي الزعفران خمسة أمناء " لأن التقدير بالوسق كان باعتبار أنه أعلى ما يقدر به نوعه " وفي العسل العشر إذا أخذ من أرض العشر " وقال الشافعي ﵀ لا يجب لأنه متولد من الحيوان فأشبه الإبريسم ولنا قوله ﵊ " في العسل العشر " ولأن النحل يتناول من الأنوار والثمار وفيهما العشر فكذا فيما يتولد منهما بخلاف دود القز لأنه يتناول الأوراق ولا عشر فيها ثم عند أبي حنيفة ﵀ يجب فيه العشر قل أو كثر لأنه لا يعتبر النصاب وعن أبي يوسف ﵀ أنه يعتبر فيه قيمة خمسة أوسق كما هو أصله وعنه أنه لا شيء فيه حتى يبلغ عشر قرب لحديث بني شبابة أنهم كانوا يؤدون إلى رسول الله ﷺ كذلك وعنه خمسة أمناء وعن محمد ﵀ خمسة أفراق كل فرق ستة وثلاثون رطلا لأنه أقصى ما يقدر به وكذا في قصب السكر وما يوجد في الجبال من العسل والثمار ففيه العشر وعن أبي يوسف أنه لا يجب لانعدام السبب وهو الأرض النامية وجه الظاهر أن المقصود حاصل وهو الخارج.
[ ١ / ١٠٨ ]
قال: " وكل شيء أخرجته الأرض مما فيه العشر لا يحتسب فيه أجر العمال ونفقة البقر " لأن النبي ﵊ حكم بتفاوت الواجب لتفاوت المؤنة فلا معنى لرفعها.
قال: " تغلبي له أرض عشر فعليه العشر مضاعفا " عرف ذلك بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم وعن محمد ﵀ أن فيما اشتراه التغلبي من المسلم عشرا واحدا لأن الوظيفة عنده لا تتغير بتغير المالك " فإن اشتراها منه ذمي فهي على حالها عندهم " لجواز التصحيف عليه في الجملة كما إذا مر على العاشر " وكذا إذا اشتراها منه مسلم أو أسلم التغلبي عند أبي حنيفة ﵀ " سواء كان التضعيف أصليا أو حادثا لأن التضعيف صار وظيفة لها فتنتقل إلى المسلم بما فيها كالخراج " وقال أبو يوسف ﵀ يعود إلى عشر واحد " لزوال الداعي إلى التضعيف.
قال في الكتاب وهو قول محمد فيما صح عنه قال ﵁ اختلفت النسخ في بيان قوله والأصح أنه مع أبي حنيفة في بقاء التضعيف إلا أن قوله لا يتأتى إلا في الأصل لأن التضعيف الحادث لا يتحقق عنده لعدم تغير الوظيفة " ولو كانت الأرض لمسلم باعها من نصراني " يريد به ذميا غير تغلبي " وقبضها فعليه الخراج عند أبي حنيفة ﵀ " لأنه أليق بحال الكافر " وعند أبي يوسف ﵀ عليه العشر مضاعفا " ويصرف مصارف الخراج اعتبارا بالتغلبي وهذا أهون من التبديل " وعند محمد ﵀ هي عشرية على حالها " لأنه صار مؤنة لها فلا يتبدل كالخراج ثم في رواية يصرف مصارف الصدقات وفي رواية يصرف مصارف الخراج " فإن أخذها منه مسلم بالشفعة أو ردت على البائع لفساد البيع فهي عشرية كما كانت " أما الأول فلتحول الصفقة إلى الشفيع كأنه اشتراها من المسلم وأما الثاني فلأنه بالرد والفسخ بحكم الفساد جعل البيع كأن لم يكن ولأن حق المسلم لم ينقطع بهذا الشراء لكونه مستحق الرد.
قال: " وإذا كانت لمسلم دار خطة فجعلها بستانا فعليه العشر " معناه إذا سقاه بماء العشر وأما إذا كانت تسقى بماء الخراج ففيها الخراج لأن المؤنة في مثل هذا تدور مع الماء " وليس على المجوسي في داره شيء " لأن عمر ﵁ جعل المساكن عفوا " وإن جعلها بستانا فعليه الخراج " وإن سقاها بماء العشر لتعذر إيجاب العشر إذ فيه معنى القربة فيتعين الخراج وهو عقوبة تليق بحاله وعلى قياس قولهما يجب العشر في الماء العشري إلا أن عند محمد ﵀ عشر واحد وعند أبي يوسف عشران وقد مر الوجه فيه،
[ ١ / ١٠٩ ]
ثم الماء العشري ماء السماء والآبار والعيون والبحار التي لا تدخل تحت ولاية أحد والماء الخراجي ماء الأنهار التي شقها الأعاجم وماء جيحون وسيحون ودجلة والفرات عشري عند محمد ﵀ لأنه لا يحميها أحد كالبحار وخراجي عند أبي يوسف ﵀ لأنه يتخذ عليها القناطر من السفن وهذا يدل عليها " وفي أرض الصبي والمرأة التغلبيين ما في أرض الرجل التغلبي " يعني العشر المضاعف في العشرية والخراج الواحد في الخراجية لأن الصلح قد جرى على تضعيف الصدقة دون المؤنة المحضة ثم على الصبي والمرأة إذا كانا من المسلمين العشر فيضعف ذلك إذا كانا منهم.
قال: " وليس في عين القبر والنفط في أرض العشر شيء " لأنه ليس من إنزال الأرض وإنما هو عين فوارة كعين الماء " وعليه في أرض الخراج خراج " وهذا " إذا كان حريمه صالحا للزراعة " لأن الخراج يتعلق بالتمكن من الزراعة.
[ ١ / ١١٠ ]