قال ﵀: " الأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية فهذه ثمانية أصناف وقد سقط منها المؤلفة قلوبهم لأن الله تعالى أعز الإسلام وأغنى عنهم " وعلى ذلك انعقد الإجماع " والفقير من له أدنى شيء والمسكين من لا شيء له " وهذا مروي عن أبي حنيفة ﵀ وقد قيل على العكس ولكل وجه ثم هما صنفان أو صنف واحد سنذكره في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى.
" والعامل يدفع الإمام إليه إن عمل بقدر عمله فيعطيه ما يسعه وأعوانه غير مقدر بالثمن " خلافا للشافعي ﵀ لأن استحقاقه بطريق الكفاية ولهذا يأخذ وإن كان غنيا إلا أن فيه شبهة الصدقة فلا يأخذها العامل الهاشمي تنزيها لقرابة الرسول ﵊ عن شبهة الوسخ والغني لا يوازيه في استحقاق الكرامة فلم تعتبر الشبهة في حقه.
قال: " وفي الرقاب يعان المكاتبون منها في فك رقابهم " وهو المنقول " والغارم من لزمه دين ولا يملك نصابا فاضلا عن دينه " وقال الشافعي: من تحمل غرامة في إصلاح ذات البين وإطفاء الثائرة بين القبيلتين "وفي سبيل الله منقطع الغزاة عند أبي يوسف ﵀ " لأنه هو المتفاهم عند الإطلاق " وعند محمد ﵀ منقطع الحاج " لما روي أن رجلا جعل بعيرا له في سبيل الله فأمره رسول الله ﵊ أن يحمل عليه الحاج ولا يصرف إلى أغنياء الغزاة عندنا لأن المصرف هو الفقراء " وابن السبيل من كان له مال في وطنه " وهو في مكان آخر لا شيء له فيه.
[ ١ / ١١٠ ]
قال: " فهذه جهات الزكاة فللمالك أن يدفع إلى كل واحد منهم وله أن يقتصر على صنف واحد " وقال الشافعي: لا يجوز أن يصرف إلى ثلاثة من كل صنف لأن الإضافة بحرف اللام للاستحقاق ولنا أن الإضافة لبيان أنهم مصارف لا لإثبات الاستحقاق وهذا لما عرف أن الزكاة حق الله تعالى وبعلة الفقر صاروا مصارف فلا يبالي باختلاف جهاته والذي ذهبنا إليه مروي عن عمر وابن عباس ﵃ " ولا يجوز أن يدفع الزكاة إلى ذمي " لقوله ﵊ لمعاذ ﵁ " خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم ".
قال: " ويدفع " إليه " ما سوى ذلك من الصدقة " وقال الشافعي ﵀: لا يدفع وهو رواية عن أبي يوسف ﵀ اعتبارا بالزكاة ولنا قوله ﵊ " تصدقوا أهل الأديان كله ا" ولولا حديث معاذ ﵁ لقلنا بالجواز في الزكاة "ولا يبنى بها مسجد ولا يكفن بها ميت " لانعدام التمليك وهو الركن " ولا يقضى بها دين ميت " لأن قضاء دين الغير لا يقتضي التمليك منه لا سيما من الميت " ولا تشترى بها رقبة تعتق " خلافا لمالك حيث ذهب إليه في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] ولنا أن الإعتاق إسقاط الملك وليس بتمليك " ولا تدفع إلى غني " لقوله ﵊ " لا تحل الصدقة لغني " وهو بإطلاقه حجة على الشافعي ﵀ في غني الغزاة وكذا حديث معاذ ﵁ على ما روينا.
قال: " ولا يدفع المزكي زكاته إلى أبيه وجده وإن علا ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل " لأن منافع الأملاك بينهم متصلة فلا يتتحقق التمليك على الكمال " ولا إلى امرأته " للاشتراك في المنافع عادة " ولا تدفع المرأة إلى زوجها " عند أبي حنيفة ﵀ لما ذكرنا. وقالا: تدفع إليه لقوله ﵊ " لك أجران أجر الصدقة وأجر الصلة " قاله لامرأة عبد الله بن مسعود ﵁ وقد سألته عن التصدق عليه قلنا هو محمول على النافلة.
قال: " ولا يدفع إلى مدبره ومكاتبه وأم ولده " لفقدان التمليك إذ كسب المملوك لسيده وله حق في كسب مكاتبه فلم يتم التمليك " ولا إلى عبد قد أعتق بعضه " عند أبي حنيفة ﵀ لأنه بمنزلة المكاتب عنده وقالا يدفع إليه لأنه حر مديون عندهما " ولا يدفع إلى مملوك غني " لأن الملك واقع لمولاه " ولا إلى ولد غني إذا كان صغيرا " لأنه يعد غنيا بيسار أبيه بخلاف ما إذا كان كبيرا فقيرا لأنه لا يعد غنيا بيسار أبيه وإن كانت
[ ١ / ١١١ ]
نفقته عليه وبخلاف امرأة الغني لأنها إن كانت فقيرة لا تعد غنية بيسار زوجها وبقدر النفقة لا تصير موسرة " ولا تدفع إلى بني هاشم " لقوله ﵊ " يا بني هاشم إن الله تعالى حرم عليكم غسالة الناس وأوساخهم وعوضكم منها بخمس الخمس " بخلاف التطوع لأن المال ههنا كالماء يتدنس بإسقاط الفرض أما التطوع فبمنزلة التبرد بالماء.
قال: " وهم آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث بن عبد المطلب ومواليهم " أما هؤلاء فلأنهم ينسبون إلى هاشم بن عبد مناف ونسبة القبيلة إليه وأما مواليهم فلما روي أن مولى لرسول الله ﷺ سأله أتحل لي الصدقة فقال: " لا أنت مولانا " بخلاف ما إذا أعتق القرشي عبدا نصرانيا حيث تؤخذ منه الجزية ويعتبر حال المعتق لأنه القياس والإلحاق بالمولى بالنص وقد خص الصدقة " قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا دفع الزكاة إلى رجل يظنه فقيرا ثم بان أنه غني أو هاشمي أو كافر أو دفع في ظلمة فبان أنه أبوه أو ابنه فلا إعادة عليه وقال أبو يوسف ﵀ عليه الإعادة " لظهور خطئه بيقين وإمكان الوقوف على هذه الأشياء وصار كالأواني والثياب ولهما حديث معن بن يزيد فإنه ﵊ قال فيه " يا يزيد لك ما نويت ويا معن لك ما أخذت " وقد دفع إليه وكيل أبيه صدقته ولأن الوقوف على هذه الأشياء بالاجتهاد دون القطع فيبتنى الأمر فيها على ما يقع عنده كما إذا اشتبهت عليه القبلة وعن أبي حنيفة ﵀ في غير الغني أنه لا يجزئه والظاهر هو الأول وهذا إذا تحرى فدفع وفي أكبر رأيه أنه مصرف أما إذا شك ولم يتحر أو تحرى فدفع وفي أكبر رأيه أنه ليس بمصرف لا يجزئه إلا إذا علم أنه فقير هو الصحيح " ولو دفع إلى شخص ثم علم أنه عبده أو مكاتبه لا يجزئه " لانعدام التمليك لعدم أهلية الملك وهو الركن على ما مر " ولا يجوز دفع الزكاة إلى من يملك نصابا من أي مال كان " لأن الغني الشرعي مقدر به والشرط أن يكون فاضلا عن الحاجة الأصلية وإنما النماء شرط الوجوب " ويجوز دفعها إلى من يملك أقل من ذلك وإن كان صحيحا مكتسبا " لأنه فقير والفقراء هم المصارف ولأن حقيقة الحاجة لا يوقف عليها فأدير الحكم على دليلها وهو فقد النصاب " ويكره أن يدفع إلى واحد مائتي درهم فصاعدا وإن دفع جاز " وقال زفر ﵀ لا يجوز لأن الغني قارن الأداء فحصل الأداء إلى الغني ولنا أن الغني حكم الأداء فيتعقبه لكنه يكره لقرب الغني منه كمن صلى وبقربه نجاسة قال " وأن يغنى بها إنسانا أحب إلي " معناه الإغناء عن السؤال يومه ذلك لأن الإغناء مطلقا مكروه.
قال: " ويكره نقل الزكاة من بلد إلى بلد " وإنما يفرق صدقة كل فريق فيهم لما روينا من حديث معاذ رضي الله تعالى عنه وفيه رعاية حق الجوار " إلا أن ينقلها الإنسان إلى قرابته
[ ١ / ١١٢ ]
أو إلى قوم هم أحوج من أهل بلده " لما فيه من الصلة أو زيادة دفع الحاجة ولو نقل إلى غيرهم أجزأه وإن كان مكروها لأن المصرف مطلق الفقراء بالنص والله أعلم.
[ ١ / ١١٣ ]