قال: " وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان فإن رأوه صاموا وإن غم عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ثم صاموا " لقوله ﷺ " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم الهلال فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما" ولأن الأصل بقاء الشهر فلا ينتقل عنه إلا بدليل ولم يوجد " ولا يصومون يوم الشك إلا تطوعا " لقوله ﷺ " لا يصام اليوم الذي يشك فيه أنه من رمضان إلا تطوعا " وهذه المسئلة على وجوه:
أحدها: أن ينوي صوم رمضان وهو مكروه لما روينا ولأنه تشبه بأهل الكتاب لأنهم زادوا في مدة صومهم ثم إن ظهر أن اليوم من رمضان يجزئه لأنه شهد الشهر وصامه وإن ظهر أنه من شعبان كان تطوعا وإن أفطر لم يقضه لأنه في معنى المظنون.
والثاني: أن ينوي عن واجب آخر وهو مكروه أيضا لما روينا إلا أن هذا دون الأول
في الكراهة ثم إن ظهر أنه من رمضان يجزئه لوجود أصل النية وإن ظهر أنه من شعبان
[ ١ / ١١٧ ]
فقد قيل يكون تطوعا لأنه منهي عنه فلا يتأدى به الواجب وقيل يجزئه عن الذين نراه وهو الأصح لأن المنهي عنه وهو التقدم على رمضان بصوم رمضان لا يقوم بكل صوم بخلاف يوم العيد لأن المنهي عنه وهو ترك الإجابة يلازم كل صوم والكراهية ههنا لصورة النهي.
والثالث: أن ينوي التطوع وهو غير مكروه لما روينا وهو حجة على الشافعي ﵀ في قوله يكره على سبيل الابتداء والمراد بقوله ﷺ " لا تتقدموا رمضان بصوم يوم ولا بصوم يومين " الحديث التقدم بصوم رمضان لأنه يؤديه قبل أوانه ثم إن وافق صوما كان يصومه فالصوم أفضل بالإجماع وكذا إذا صام ثلاثة أيام من آخر الشهر فصاعدا وإن أفرده فقد قيل الفطر أفضل احترازا عن ظاهر النهي وقد قيل الصوم أفضل اقتداء بعلي وعائشة ﵄ فإنهما كانا يصومانه والمختار أن يصوم المفتي بنفسه أخذا بالاحتياط ويفتي العامة بالتلوم إلى وقت الزوال ثم بالإفطار نفيا للتهمة.
والرابع: أن يضجع في أصل النية بأن ينوي أن يصوم غدا إن كان من رمضان ولا يصومه إن كان من شعبان وفي هذا الوجه لا يصير صائما لأنه لم يقطع عزيمته فصار كما إذا نوى أنه إن وجد غدا غذاء يفطر وإن لم يجد يصوم.
والخامس: أن يضجع في وصف النية بأن ينوي إن كان غدا من رمضان يصوم عنه وإن كان من شعبان فعن واجب آخر وهذا مكروه لتردده بين أمرين مكروهين ثم إن ظهر أنه من رمضان أجزأه لعدم التردد في أصل النية وإن ظهر أنه من شعبان لا يجزيه عن واجب آخر لأن الجهة لم تثبت للتردد فيها وأصل النية لا يكفيه لكنه يكون تطوعا غير مضمون بالقضاء لشروعه فيه مسقطا وإن نوى عن رمضان إن كان غدا منه وعن التطوع إن كان من شعبان يكره لأنه ناو للفرض من وجه ثم إن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه لما مر وإن ظهر أنه من شعبان جاز عن نفله لأنه يتأدى بأصل النية ولو أفسده يجب أن لا يقضيه لدخول الإسقاط في عزيمته من وجه.
قال: " ومن رأى هلال رمضان وحده صام وإن لم يقبل الإمام شهادته " لقوله ﵊ " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " وقد رأى ظاهرا وإن أفطر فعليه القضاء دون الكفارة وقال الشافعي ﵀ عليه الكفارة إن أفطر بالوقاع لأنه أفطر في رمضان حقيقة لتيقنه به وحكما لوجوب الصوم عليه.
ولنا أن القاضي رد شهادته بدليل شرعي وهو تهمة الغلط فأورث شبهة وهذ الكفارة تندرئ بالشبهات ولو أفطر قبل أن يرد الإمام شهادته اختلف المشايخ فيه ولو أكمل هذا
[ ١ / ١١٨ ]
الرجل ثلاثين يوما لم يفطر إلا مع الإمام لأن الوجوب عليه للاحتياط الاحتياط بعد ذلك من تأخير الإفطار ولو أفطر لا كفارة عليه اعتبارا للحقيقة التي عنده.
قال: " وإذا كان بالسماء علة قبل الإمام شهادة الواحد العدل في رؤية الهلال رجلا كان أو امرأة حرا كان أو عبدا " لأنه أمر ديني فأشبه رواية الأخبار ولهذا لا يختص بلفظة الشهادة وتشترط العدالة لأن قول الفاسق في الديانات غير مقبول وتأويل قول الطحاوي عدلا كان أو غير عدل أن يكون مستورا والعلة غيم أو غبار أو نحوه وفي إطلاق جواب الكتاب يدخل المحدود في القذف بعد ما تاب وهو ظاهر الرواية لأنه خبر ديني وعن أبي حنيفة ﵀ أنها لا تقبل لأنها شهادة من وجه وكان الشافعي في أحد قوليه يشترط المثنى والحجة عليه ما ذكرنا وقد صح أن النبي ﵊ قبل شهادة الواحد في رؤية هلال رمضان ثم إذا قبل الإمام شهادة الواحد وصاموا ثلاثين يوما لا يفطرون فيما روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ للاحتياط ولأن الفطر لا يثبت بشهادة الواحد وعن محمد ﵀ أنهم يفطرون ويثبت الفطر بناء على ثبوت الرمضانية بشهادة الواحد وإن كان لا يثبت بهذا ابتداء كاستحقاق الإرث بناء على النسب الثابت بشهادة القابلة.
قال: " وإذا لم تكن بالسماء علة لم تقبل الشهادة حتى يراه جمع كثير يقع العلم بخبرهم " لأن التفرد بالرؤية في مثل هذه الحالة يوهم الغلط فيجب التوقف فيه حتى يكون جمعا كثيرا بخلاف ما إذا كان بالسماء علة لأنه قد ينشق الغيم عن موضع القمر فيتفق للبعض النظر ثم قيل في حد الكثير أهل المحلة وعن أبي يوسف ﵀ خمسون رجلا اعتبارا بالقسامة ولا فرق بين أهل المصر ومن ورد من خارج المصر وذكر الطحاوي أنه تقبل شهادة الواحد إذا جاء من خارج المصر لقلة الموانع وإليه الإشارة في كتاب الاستحسان وكذا إذا كان على مكان مرتفع في المصر.
قال: " ومن رأى هلال الفطر وحده لم يفطر احتياطا وفي الصوم الاحتياط في الإيجاب.
قال: " وإذا كان بالسماء علة لم يقبل في هلال الفطر إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين " لأنه تعلق به نفع العبد وهو الفطر فأشبه سائر حقوقه والأضحى كالفطر في هذا في ظاهر الرواية وهو الأصح خلافا لما روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه كهلال رمضان لأنه تعلق به نفع العباد وهو التوسع بلحوم الأضاحي " وإن لم يكن بالسماء علة لم يقبل إلا شهادة جماعة يقع العلم بخبرهم " كما ذكرنا.
[ ١ / ١١٩ ]
قال: " ووقت الصوم من حين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس " لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى أن قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والخيطان بياض النهار وسواد الليل " والصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع نهارا مع النية " لأنه في حقيقة اللغة هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع لورود الاستعمال فيه إلا أنه زيد على النية في الشرع لتتميز بها العبادة من العادة واختص بالنهار لما تلونا ولأنه لما تعذر الوصال كان تعيين النهار أولى ليكون على خلاف العادة وعليه مبنى العبادة والطهارة عن الحيض والنفاس شرط لتحقق الأداء في حق النساء.
[ ١ / ١٢٠ ]