فصل
" ومن كان مريضا في رمضان فخاف إن صام ازداد مرضه أفطر وقضى " وقال
[ ١ / ١٢٣ ]
الشافعي ﵀: لا يفطر هو يعتبر خوف الهلاك أو فوات العضو كما يعتبر في التيمم ونحن نقول إن زيادة المرض وامتداده قد يفضي إلى الهلاك فيجب الاحتراز عنه " وإن كان مسافرا لا يستضر بالصوم فصومه أفضل وإن أفطر جاز " لأن السفر لا يعرى عن المشقة فجعل نفسه عذرا بخلاف المرض فإنه قد يخف بالصوم فشرط كونه مفضيا إلى الحرج وقال الشافعي ﵀ الفطر أفضل لقوله ﷺ " ليس من البر الصيام في السفر ".
ولنا أن رمضان أفضل الوقتين فكان الأداء فيه أولى وما رواه محمول على حالة الجهد " وإذا مات المريض أو المسافر وهما على حالهما لم يلزمهما القضاء " لأنهما لم يدركا عدة من أيام أخر " ولو صح المريض وأقام المسافر ثم ماتا لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة " لوجود الإدراك بهذا المقدار وفائدته وجوب الوصية بالإطعام وذكر الطحاوي خلافا فيه بين أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وبين محمد ﵀ وليس بصحيح وإنما الخلاف في النذر والفرق لهما أن النذر سبب فيظهر الوجوب في حق الخلف وفي هذه المسئلة السبب إدارك العدة فيتقدر بقدر ما أدرك " وقضاء رمضان إن شاء فرقه وإن شاء تابعه " لإطلاق النص لكن المستحب المتابعة مسارعة إلى إسقاط الواجب " وإن أخره حتى دخل رمضان آخر صام الثاني " لأنه في وقته " وقضى الأول بعده " لأنه وقت القضاء " ولا فدية عليه " لأن وجوب القضاء على التراخي حتى كان له أن يتطوع " والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما أفطرتا وقضتا " دفعا للحرج " ولا كفارة عليهما " لأنه إفطار بعذر " ولا فدية عليهما " خلافا للشافعي ﵀ فيما إذا خافت على الولد هو يعتبره بالشيخ الفاني.
ولنا أن الفدية بخلاف القياس في الشيخ الفاني والفطر بسبب الولد ليس في معناه لأنه عاجز بعد الوجوب والولد لا وجوب عليه أصلا " والشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصيام يفطر ويطعم لكل يوم مسكينا كما يطعم في الكفارات " والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قيل معناه لا يطيقونه ولو قدر على الصوم يبطل حكم الفداء لأن شرط الخلفية استمرار العجز " ومن مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به أطعم عنه وليه لكل مسكينا نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير " لأنه عجز عن الأداء في آخر عمره فصار كالشيخ الفاني ثم لا بد من الإيصاء عندنا خلافا للشافعي ﵀ وعلى هذا الزكاة هو يعتبره بديون العباد إذ كل ذلك حق مالي تجري فيه النيابة.
ولنا أنه عبادة ولا بد فيه من الاختيار وذلك في الإيصاء دون الوراثة لأنها جبرية، ثم
[ ١ / ١٢٤ ]
هو تبرع ابتداء حتى يعتبر من الثلث والصلاة كالصوم باستحسان المشايخ وكل صلاة تعتبر بصوم يوم هو الصحيح " ولا يصوم عنه الولي ولا يصلي " لقوله ﷺ " لا يصوم احد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد " " ومن دخل في صلاة التطوع أو في صوم التطوع ثم أفسده قضاه " خلافا للشافعي ﵀ له أنه تبرع بالمؤدى فلا يلزمه مالم يتبرع به.
ولنا أن المؤدي قربة وعمل فتجب صيانته بالمضي عن الإبطال وإذا وجب المضي وجب القضاء بتركه ثم عندنا لا يباح الإفطار فيه بغير عذر في إحدى الروايتين لما بينا ويباح بعذر والضيافة عذر لقوله ﷺ " أفطر واقض يوما مكانه " " وإذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر في رمضان أمسكا بقية يومهما " قضاء لحق الوقت بالتشبه " ولو أفطرا فيه لا قضاء عليهما " لأن الصوم غير واجب فيه " وصاما ما بعده " لتحقق السبب والأهلية " ولم يقضيا يومهما ولا ما مضى " لعدم الخطاب وهذا بخلاف الصلاة لأن السبب فيها الجزء المتصل بالأداء فوجدت الأهلية عنده وفي صوم الجزء الأول والأهلية منعدمة عنده وعن أبي يوسف ﵀ أنه إذا زال الكفر أو الصبا قبل الزوال فعليه القضاء لأنه أدرك وقت النية وجه الظاهر أن الصوم لا يتجزأ وجوبا وأهلية الوجوب منعدمة في أوله إلا أن للصبي أن ينوي التطوع في هذه الصورة دون الكافر على ما قالوا لأن الكافر ليس من أهل التطوع أيضا والصبي أهل له " وإذا نوى المسافر الإفطار ثم قدم المصر قبل الزوال فنوى الصوم أجزأه " لأن السفر لا ينافي أهلية الوجوب ولا صحة الشروع " وإن كان في رمضان فعليه أن يصوم " لزوال المرخص في وقت النية ألا ترى أنه لو كان مقيما في أول اليوم ثم سافر لا يباح له الفطر ترجيحا لجانب الإقامة لهذا أولى إلا أنه إذا أفطر في المسئلتين لا تلزمه الكفارة لقيام شبهة المبيح " ومن أغمي عليه في رمضان لم يقض اليوم الذي حدث فيه الإغماء " لوجود الصوم فيه وهو الإمساك المقرون بالنية إذ الظاهر وجودها منه " وقضى ما بعده " لانعدام النية " وإن أغمي عليه أول ليلة منه قضاه كله غير يوم تلك الليلة " لما قلنا. وقال مالك ﵀ لا يقضي ما بعده لأن صوم رمضان عنده يتأدى بنية واحدة بمنزلة الاعتكاف وعندنا لا بد من النية لكل يوم لأنها عبادات متفرقة لأنه يتخلل بين كل يومين ما ليس بزمان لهذه العبادة بخلاف الاعتكاف " ومن أغمي عليه في رمضان كله قضاه " لأنه نوع مرض يضعف القوى ولا يزيل الحجى فيصير عذرا في التأخير لا في الإسقاط " ومن جن في رمضان كله لم يقضه " خلافا لمالك ﵀ هو يعتبره بالإغماء.
ولنا أن المسقط هو الحرج والإغماء لا يستوعب الشهر عادة فلا حرج والجنون يستوعبه فيتحقق الحرج " وإن أفاق المجنون في بعضه مضى ما قضى " خلافا لزفر والشافعي
[ ١ / ١٢٥ ]
رحمهما الله هما يقولان لم يجب عليه الأداء لانعدام الأهلية والقضاء مرتب عليه وصار كالمستوعب.
ولنا أن السبب قد وجد وهو الشهر والأهلية بالذمة وفي الوجوب فائدة وهو صيرورة مطلوبا على وجه لا يحرج في أدائه بخلاف المستوعب لأنه يحرج في الأداء فلا فائدة وتماما في الخلافيات ثم لا فرق بين الأصلي والعارض قيل هذا في ظاهر الرواية وعن محمد ﵀ أنه فرق بينهما لأنه إذا بلغ مجنونا التحق بالصبي فانعدم الخطاب بخلاف ما إذا بلغ عاقلا ثم جن وهذا مختار بعض المتأخرين " ومن لم ينو في رمضان كله لا صوما ولا فطرا فعليه قضاؤه " وقال زفر ﵀ يتأدى صوم رمضان بدون النية في حق الصحيح المقيم لأن الإمساك مستحق عليه فعلى أي وجه يؤديه يقع عنه كما إذا وهب كل النصاب من الفقير.
ولنا أن المستحق الإمساك بجهة العبادة ولا عبادة إلا بالنية وفي نية النصاب وجد نية القربة على ما مر في الزكاة " ومن أصبح غير ناو للصوم فأكل لا كفارة عليه " عند أبي حنيفة ﵀ وقال زفر ﵀ عليه الكفارة لأنه يتأدى بغير النية عنده وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا أكل قبل الزوال تجب الكفارة لأنه فوت إمكان التحصيل فصار كغاصب الغاصب ولأبي حنيفة ﵀ أن الكفارة تعلقت بالإفساد وهذا امتناع إذ لا صوم إلا بالنية " وإذا حاضت المرأة أو نفست أفطرت وقضت " بخلاف الصلاة لأنها تحرج في قضائها وقد مر في الصلاة " وإذا قدم المسافر أو طهرت الحائض في بعض النهار أمسكا بقية يومهما " وقال الشافعي ﵀ لا يجب الإمساك وعلى هذا الخلاف كل من صار أهلا للزوم ولم يكن كذلك في أول اليوم هو يقول التشبه خلف فلا يجب إلا على من يتحقق الأصل في حقه كالمفطر متعمدا أو مخطئا.
ولنا أنه وجب قضاء لحق الوقت لا خلفا لأنه وقت معظم بخلاف الحائض والنفساء والمريض والمسافر حيث لا يجب عليهم حال قيام هذه الأعذار لتحقق المانع عن التشبه حسب تحققه عن الصوم.
قال: " وإذا تسحر وهو يظن أن الفجر لم يطلع فإذا هو قد طلع أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت فإذا هي لم تغرب أمسك بقية يومه " قضاء لحق الوقت بالقدر الممكن أو نفيا للتهمة " وعليه القضاء " لأنه حق مضمون بالمثل كما في المريض والمسافر
[ ١ / ١٢٦ ]
" ولا كفارة عليه " لأن الجناية قاصرة لعدم القصد وفيه قال عمر ﵁ ما تجانفنا لإثم قضاء يوم علينا يسير والمراد بالفجر الفجر الثاني وقد بيناه في الصلاة " ثم التسحر مستحب " لقوله ﵊ " تسحروا فإن في السحور بركة " والمستحب تأخيره لقوله ﵊ " ثلاث من أخلاق المرسلين تعجيل الإفطار وتأخير السحور والسواك " " إلا أنه إذا شك في الفجر " ومعناه تساوي الظنين " الأفضل أن يدع الأكل تحرزا عن المحرم ولا يجب عليه ذلك ولو أكل فصومه تام " لأن الأصل هو الليل وعن أبي حنيفة ﵀ إذا كان في موضع لا يستبين الفجر أو كانت الليلة مقمرة أو متغيمة أو كان ببصره علة وهو يشك لا يأكل ولو أكل فقد أساء لقوله ﵊ " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " وإن كان أكبر رأيه أنه أكل والفجر طالع فعليه قضاؤه عملا بغالب الرأي وفيه الاحتياط وعلى ظاهر الرواية لاقضاء عليه لأن اليقين لا يزال إلا بمثله " ولو ظهر أن الفجر طالع لا كفارة عليه " لأنه بنى الأمر على الأصل فلا تتحقق العمدية " ولو شك في غروب الشمس لا يحل له الفطر " لأن الأصل هو النهار " ولو أكل فعليه القضاء " عملا بالأصل وإن كان أكبر رأيه أنه أكل قبل الغروب فعليه القضاء رواية واحدة لأن النهار هو الأصل ولو كان شاكا فيه وتبين أنها لم تغرب ينبغي أن تجب الكفارة نظرا إلى ما هو الأصل وهو النهار " ومن أكل في رمضان ناسيا وظن أن ذلك يفطره فأكل بعد ذلك متعمدا عليه القضاء دون الكفارة " لأن الاشتباه استند إلى القياس فتحقق الشبهة وإن بلغه الحديث وعلمه فكذلك في ظاهر الرواية وعن أبي حنيفة ﵀ أنها تجب وكذا عنهما لأنه لا اشتباه فلا شبهة وجه الأول قيام الشبهة الحكمية بالنظر إلى القياس فلا ينتفي بالعلم كوطء الأب جارية ابنه "ولو احتجم وظن أن ذلك يفطره ثم أكل متعمدا عليه القضاء والكفارة" لأن الظن ما استند إلى دليل شرعي إلا إذا أفتاه فقيه بالفساد لأن الفتوى دليل شرعي في حقه ولو بلغه الحديث فاعتمده فكذلك عند محمد ﵀ لأن قول الرسول ﵊ لا ينزل عن قول المفتي وعن أبي يوسف ﵀ خلاف ذلك لأن على العامي الاقتداء بالفقهاء لعدم الاهتداء في حقه إلى معرفة الأحاديث وإن عرف تأويله تجب الكفارة لانتفاء الشبهة وقول الأوزاعي ﵀ لا يورث الشبهة لمخالفتة القياس " ولو أكل بعد ما اغتاب متعمدا فعليه القضاء والكفارة كيفما كان " لأن الفطر يخالف القياس والحديث مؤول بالإجماع " وإذا جومعت النائمة أو المجنونة وهي صائمة عليها القضاء دون الكفارة " وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا قضاء عليهما اعتبارا بالناسي والعذر هنا أبلغ لعدم القصد ولنا أن النسيان يغلب وجوده وهذا نادر ولا تجب الكفارة لانعدام الجناية.
[ ١ / ١٢٧ ]