فصل
" وإذا لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفات ووقف بها " على ما بينا " سقط عنه طواف القدوم " لأنه شرع في ابتداء الحج على وجه يترتب عليه سائر الأفعال فلا يكون الإتيان به على غير ذلك الوجه سنة " ولا شيء عليه بتركه " لأنه سنة وبترك السنة لا يجب الجابر " ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يومها إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج " فأول وقت الوقوف بعد الزوال عندنا لما روى أن النبي ﵊ وقف بعد الزوال وهذا بيان أول الوقت وقال ﵊ " من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة بليل فقد فاته الحج " وهذا بيان آخر الوقت ومالك ﵀ إن كان يقول إن أول وقته بعد طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس فهو محجوج عليه بما روينا " ثم إذا وقف بعد الزوال وأفاض من ساعته أجزأه " عندنا لأنه ﵊ ذكره بكلمة أو فإنه قال " الحج عرفة فمن وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه " وهي كلمة التخيير وقال مالك ﵀ لا يجزئه إلا أن يقف في اليوم وجزء من الليل ولكن الحجة عليه ما رويناه " ومن اجتاز بعرفات نائما أو مغمى عليه أو لا يعلم أنها عرفات جاز عن الوقوف " لأن ما هو الركن قد وجب وهو الوقوف ولا يمتنع ذلك بالإغماء والنوم كركن الصوم بخلاف الصلاة لأنها لا تبقى مع الإغماء والجهل يخل بالنية وهي ليست بشرط لكل ركن " ومن أغمي عليه فأهل عنه رفقاؤه جاز عند أبي حنيفة ﵀ " وقالا
[ ١ / ١٤٨ ]
" لا يجوز، ولو أمر إنسانا بأن يحرم عنه إذا أغمي عليه أو نام فأحرم المأمور عنه صح " بالإجماع حتى إذا أفاق أو استيقظ وأتى بأفعال الحج جاز لهما أنه لم يحرم بنفسه ولا أذن لغيره به وهذا لأنه لم يصرح بالإذن والدلالة تقف على العلم وجواز الإذن به لا يعرفه كثير من الفقهاء فكيف يعرفه العوام بخلاف ما إذا أمر غيره بذلك صريحا وله أنه لما عاقدهم عقد الرفقة فقد استعان بكل واحد منهم فيما يعجز عن مباشرته بنفسه والإحرام هو المقصود بهذا السفر فكان الإذن به ثابتا دلالة والعلم ثابت نظرا إلى الدليل والحكم يدار عليه.
قال: " والمرأة في جميع ذلك كالرجل " لأنها مخاطبة كالرجل " غير أنها لا تكشف رأسها " لأنه عورة " وتكشف وجهها " لقوله ﵊ " إحرام المرأة في وجهها " " ولو سدلت شيئا على وجهها وجافته عنه جاز " هكذا روى عن عائشة ﵂ ولأنه بمنزلة الاستظلال بالمحمل " ولا ترفع صوتها بالتلبية " لما فيه من الفتنة " ولا ترمل ولا تسعى بين الميلين " لأنه مخل بستر العورة " ولا تحلق ولكن تقصر " لما روي أن النبي ﵊ نهى النساء عن الحلق وأمرهن بالتقصير ولأن حلق الشعر في حقها مثله كحلق اللحية في حق الرجل وتلبس من المخيط ما بدا لها لأن في لبس غير المخيط كشف العورة قالوا ولا تستلم الحجر إذا كان هناك جمع لأنها ممنوعة عن مماسة الرجال إلا أن تجد الموضع خاليا.
قال: " ومن قلد بدنة تطوعا أو نذرا أو جزاء صيد أو شيئا من الأشياء وتوجه معها يريد الحج فقد أحرم " لقوله ﵊ " من قلد بدنة فقد أحرم " ولأن سوق الهدى في معنى التلبية في إظهار الإجابة لأنه لا يفعله إلا من يريد الحج أو العمرة وإظهار الإجابة قد يكون بالفعل كما يكون بالقول فيصير به محرما لاتصال النية بفعل هو من خصائص الإحرام.
وصفة التقليد أن يربط على عنق بدنته قطعة نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجرة " فإن قلدها وبعث بها ولم يسقها لم يصر محرما " لما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت كنت أفتل قلائد هدى رسول الله ﵊ فبعث بها وأقام في أهله حلالا " فإن توجه بعد ذلك لم يصر محرما حتى يلحقها " لأن عند التوجه إذا لم يكن بين يديه هدى يسوقه لم يوجد منه إلا مجرد النية وبمجرد النية لا يصير محرما " فإذا أدركها وساقها أو أدركها فقد اقترنت نيته بعمل هو من خصائص الإحرام فيصير محرما " كما لو ساقها في الابتداء.
[ ١ / ١٤٩ ]
قال: " إلا في بدنة المتعة فإنه محرم حين توجه " معناه إذا نوى الإحرام وهذا استحسان وجه القياس فيه ماذكرنا ووجه الاستحسان أن هذا الهدى مشروع على الابتداء نسكا من مناسك الحج وضعا لأنه مختص بمكة ويجب شكرا للجمع بين أداء النسكين وغيره قد يجب بالجناية وإن لم يصل إلى مكة فلهذا اكتفى فيه بالتوجه وفي غيره توقف على حقيقة الفعل " فإن جلل بدنة أو اشعرها أو قلد شاة لم يكن محرما " لأن التجليل لدفع الحر والبرد والذباب فلم يكن من خصائص الحج والإشعار مكروه عند أبي حنيفة ﵀ فلا يكون من النسك في شيء وعندهما إن كان حسنا فقد يفعل للمعالجة بخلاف التقليد لأنه يختص بالهدى وتقليد الشاة غير معتاد وليس بسنة أيضا.
قال: " والبدن من الإبل والبقر " وقال الشافعي ﵀ من الإبل خاصة لقوله ﵊ في حديث الجمعة فالمتعجل منهم كالمهدي بدنة والذين يليه كالمهدي بقرة فصل بينهما.
ولنا أن البدنة تنبئ عن البدانة وهي الضخامة وقد اشتركا في هذا المعنى ولهذا يجزئ كل واحد منهما عن سبعة والصحيح من الرواية في الحديث كالمهدي جزورا والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ١ / ١٥٠ ]