فصل
" وليس في الفصلان والحملان والعجاجيل صدقة " عند أبي حنيفة ﵀ إلا أن يكون معها كبار وهذا آخر أقواله وهو قول محمد ﵀.
وكان يقول أولا يجب فيها ما يجب في المسان وهو قول زفر ومالك رحمهما الله ثم رجع وقال فيها واحدة منها وهو قول أبي يوسف والشافعي رحمهما الله.
وجه قوله الأول: أن الاسم المذكور في الخطاب ينتظم الصغار والكبار ووجه الثاني تحقيق النظر من الجانبين كما يجب في المهازيل واحد منها ووجه الأخير أن المقادير
[ ١ / ٩٩ ]
لا يدخلها القياس فإذا امتنع إيجاب ما ورد به الشرع امتنع أصلا وإذا كان فيها واحد من المسان جعل الكل تبعا له في انعقادها نصابا دون تأدية الزكاة ثم عند أبي يوسف ﵀ لا يجب فيما دون الأربعين من الحملان وفيما دون الثلاثين من العجاجيل شيء ويجب في خمس وعشرين من الفصلان واحد ثم لا يجب شيء حتى تبلغ مبلغا لو كانت مسان يثنى الواجب ثم لا يجب شيء حتى تبلغ مبلغا لو كانت مسان يثلث الواجب ولا يجب فيما دون خمس وعشرين في الرواية وعنه أنه يجب في الخمس خمس فصيل وفي العشر خمسا فصيل على هذا الاعتبار وعنه أنه ينظر إلى قيمة خمس فصيل وسط وإلى قيمة شاة في الخمس فيجب أقلهما وفي العشر إلى قيمة شاتين وإلى قيمة خمسي فصيل على هذا الاعتبار.
قال: " ومن وجب عليه سن فلم توجد أخذ المصدق أعلى منها ورد الفضل أو أخذ دونها وأخذ الفضل " وهذا يبتني على أن أخذ القيمة في باب الزكاة جائز عندنا على ما نذكره إن شاء الله تعالى إلا أن في الوجه الأول له أن لا يأخذ ويطالب بعين الواجب أو بقيمته لأنه شراء وفي الوجه الثاني يجبر لأنه لا بيع فيه بل هو إعطاء بالقيمة " ويجوز دفع القيم في الزكاة " عندنا وكذا في الكفارات وصدقة الفطر والعشر والنذر.
وقال الشافعي ﵀: لا يجوز اتباعا للمنصوص كما في الهدايا والضحايا ولنا أن الأمر بالأداء إلى الفقير إيصال الرزق الموعود إليه فيكون إبطالا لقيد الشاة فصار كالجزية بخلاف الهدايا لأن القربة فيها إراقة لدم وهو لا يعقل ووجه القربة في المتنازع فيه سد خلة المحتاج وهو معقول " وليس في العوامل والحوامل والعلوفة صدقة " خلافا لمالك ﵀ له ظواهر النصوص ولنا قوله ﵊ " ليس في الحوامل والعوامل ولا في البقرة المثيرة صدقة " ولأن السبب هو المال النامي ودليله الإسامة أو الإعداد للتجارة ولم يوجد ولأن في العلوفة تتراكم المؤنة فينعدم النماء معنى ثم السائمة هي التي تكتفي بالرعي في أكثر الحول حتى لو علفها نصف الحول أو أكثر كانت علوفة لأن القليل تابع للأكثر " ولا يأخذ المصدق خيار المال ولا رذالته ويأخذ الوسط " لقوله ﵊ " لا تأخذوا من حزرات أموال الناس أي كرائمها وخذوا من حواشي أموالهم " أي أوساطها ولأن فيه نظرا من الجانبين.
قال: " ومن كان له نصاب فاستفاد في أثناء الحول من جنسه ضمه إليه وزكاه به " وقال الشافعي ﵀ لا يضم لأنه أصل في حق الملك فكذا في وظيفته بخلاف الأولاد والأرباح لأنها تابعة في الملك حتى ملكت بملك الأصل ولنا أن المجانسة هي العلة في
[ ١ / ١٠٠ ]
الأولاد والأرباح لأن عندها يتعسر الميز فيعسر اعتبار الحول لكل مستفاد وما شرط الحول إلا للتيسير.
قال: " والزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله في النصاب دون العفو " وقال محمد وزفر رحمهما الله فيهما حتى لو هلك العفو وبقي النصاب بقي كل الواجب عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعند محمد وزفر يسقط بقدره لمحمد وزفر رحمهما الله أن الزكاة وجبت شكرا لنعمة المال والكل نعمة ولهما قوله ﵊ " وفي خمس من الإبل السائمة شاة وليس في الزيادة شيء حتى تبلغ عشرا " وهكذا قال في كل نصاب ونفى الوجوب عن العفو لأن العفو تبع للنصاب فيصرف الهلاك أولا إلى التبع كالربح في مال المضاربة ولهذا قال أبو حنيفة ﵀ يصرف الهلاك بعد العفو إلى النصاب الأخير ثم إلى الذي يليه إلى أن ينتهي لأن الأصل هو النصاب الأول وما زاد عليه تابع وعند أبي يوسف ﵀ يصرف إلى العفو أولا ثم إلى النصاب شائعا " وإذا أخذ الخوارج الخراج وصدقة السوائم لا يثنى عليهم " لأن الإمام لم يحمهم والجناية بالحماية وأفتوا بأن يعيدوها دون الخراج فيما بينهم وبين الله تعالى لأنهم مصارف الخراج لكونهم مقاتلة والزكاة مصرفها الفقراء فلا يصرفونها إليهم وقيل إذا نوى بالدفع التصدق عليهم سقط عنه وكذا ما دفع إلى كل جائر لأنهم بما عليهم من التبعات فقراء والأول أحوط " وليس على الصبي من بني تغلب في سائمته شيء وعلى المرأة منهم ما على الرجل " لأن الصلح قد جرى على ضعف ما يؤخذ من المسلمين ويؤخذ من نساء المسلمين دون صبيانهم " وإن هلك المال بعد وجوب الزكاة سقطت الزكاة ".
وقال الشافعي ﵀: يضمن إذا هلك بعد التمكن من الأداء لأنه الواجب في الذمة فصار كصدقة الفطر ولأنه منعه بعد الطلب فصار كالاستهلاك ولنا أن الواجب جزء من النصاب تحقيقا للتيسير فيسقط بهلاك محله كدفع العبد الجاني بالجناية يسقط بهلاكه والمستحق فقير يعينه المالك ولم يتحقق منه الطلب وبعد طلب الساعي قيل يضمن وقيل لا يضمن لانعدام التفويت وفي الاستهلاك وجد التعدي وفي هلاك البعض يسقط بقدره اعتبارا له بالكل " وإن قدم الزكاة على الحول وهو مالك للنصاب جاز " لأنه أدى بعد سبب الوجوب فيجوز كما إذا كفر بعد الجرح وفيه خلاف مالك ﵀ " ويجوز التعجيل لأكثر من سنة " لوجود السبب ويجوز لنصب إذا كان في ملكه نصاب واحد خلافا لزفر ﵀ لأن النصاب الأول هو الأصل في السببية والزائد عليه تابع له والله أعلم.
[ ١ / ١٠١ ]