باب ما يوجب القضاء والكفارة
قال: " وإذا أكل الصائم أو شرب أو جامع نهارا ناسيا لم يفطر " والقياس أن يفطر وهو قول مالك ﵀ لوجود ما يضاد الصوم فصار كالكلام ناسيا في الصلاة ووجه الاستحسان قوله ﵊ الذي أكل وشرب ناسيا " تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك " وإذا ثبت هذا في الأكل والشرب ثبت في الوقاع للاستواء في الركنية بخلاف الصلاة لأن هيئة الصلاة مذكرة فلا يغلب النسيان ولا مذكر في الصوم فيغلب ولا فرق بين الفرض والنفل لأن النص لم يفصل " ولو كان مخطئا أو مكرها فعليه القضاء " خلافا للشافعي ﵀ فإنه يعتبر بالناسي ولنا أنه لا يغلب وجوده وعذر النسيان غالب ولأن النسيان من قبل من له الحق والإكراه من قبل غيره فيفترقان كالمقيد والمريض في قضاء الصلاة.
قال: " فإن نام فاحتلم لم يفطر " لقوله ﷺ " ثلاث لا يفطرن الصائم القيء والحجامة والاحتلام " ولأنه لم توجد صورة الجماع ولا معناه وهو الإنزال عن شهوة بالمباشرة " وكذا إذا نظر إلى امرأة فأمنى " لما بينا فصار كالمتفكر إذا أمنى وكالمستمني بالكف على ما قالوا " ولو ادهن لم يفطر " لعدم المنافي " وكذا إذا احتجم " لهذا ولما روينا " ولو اكتحل لم يفطر " لأنه ليس بين العين والدماغ منفذ والدمع يترشح كالعرق والداخل من المسام لا ينافي كما لو اغتسل بالماء البارد " ولو قبل امرأة لا يفسد صومه " يريد به إذا لم ينزل لعدم المنافي صورة ومعنى بخلاف الرجعة والمصاهرة لأن الحكم هناك أدير على السبب على ما يأتي في موضعه إن شاء الله " ولو أنزل بقبلة أو لمس فعليه القضاء دون الكفارة " لوجود معنى الجماع ووجود المنافي صورة أو معنى يكفي لإيجاب القضاء
[ ١ / ١٢٠ ]
احتياطا، أما الكفارة فتفتقر إلى كمال الجناية لأنها تندرئ بالشبهات كالحدود " ولا بأس بالقبلة إذا أمن على نفسه " أي الجماع أو الإنزال " ويكره إذا لم يأمن " لأن عينه ليس بمفطر وربما يصير فطرا بعاقبته فإن أمن يعتبر عينه وأبيح له وإن لم يأمن تعتبر عاقبته وكره له والشافعي ﵀ أطلق فيه في الحالين والحجة عليه ما ذكرنا والمباشرة الفاحشة مثل التقبيل في ظاهر الرواية وعن محمد أنه كره المباشرة الفاحشة لأنها قلما تخلو عن الفتنة " ولو دخل حلقه ذباب هو ذاكر لصومه لم يفطر " وفي القياس يفسد صومه لوصول المفطر إلى جوفه وإن كان لا يتغذى به كالتراب والحصاة ووجه الاستحسان أنه لا يستطاع الاحتراز عنه فأشبه الغبار والدخان.
واختلفوا في المطر والثلج والأصح أنه يفسد لإمكان الامتناع عنه إذا آواه خيمة أو سقف " ولو أكل لحما بين أسنانه فإن كان قليلا لم يفطر وإن كان كثيرا يفطر " وقال زفر يفطر في الوجهين لأن الفم له حكم الظاهر حتى لا يفسد صومه بالمضمضة.
ولنا أن القليل تابع لأسنانه بمنزلة ريقه بخلاف الكثير لأنه لا يبقى فيما بين الأسنان والفاصل مقدار الحمصة وما دونها قليل " وإن أخرجه وأخذه بيده ثم أكله ينبغي أن يفسد صومه " لما روي عن محمد ﵀ أن الصائم إذا ابتلع سمسمة بين أسنانه لا يفسد صومه ولو أكلها ابتداء يفسد صومه ولو مضغها لا يفسد لأنها تتلاشى وفي مقدار الحمصة عليه القضاء دون الكفارة عند أبي يوسف ﵀ وعند زفر ﵀ عليه الكفارة أيضا لأنه طعام متغير ولأبي يوسف ﵀ أنه يعافه الطبع " فإن ذرعه القيء لم يفطر " لقوله ﷺ " من قاء فلا قضاء عليه ومن استقاء عامدا فعليه القضاء " ويستوي فيه ملء الفم فما دونه فلو عاد وكان ملء الفم فسد عند أبي يوسف ﵀ لأنه خارج حتى انتقض به الطهارة وقد دخل وعند محمد ﵀ لا يفسد لأنه لم توجد صورة الفطر وهو الابتلاع وكذا معناه لأنه لا يتغذى به عادة وإن أعاده فسد بالإجماع لوجود الإدخال بعد الخروج فتتحقق صورة الفطر وإن كان أقل من ملء الفم فعاد لم يفسد صومه لأنه غير خارج ولا صنع له في الإدخال وإن أعاده فكذلك عند أبي يوسف ﵀ لعدم الخروج وعند محمد ﵀ يفسد صومه لوجود الصنع منه في الإدخال " فإن استقاء عمدا ملء فيه فعليه القضاء " لما روينا والقياس متروك به ولا كفارة عليه لعدم الصورة وإن كان أقل من ملء الفم فكذلك عند محمد ﵀ لإطلاق الحديث وعند أبي يوسف ﵀ لا يفسد لعدم الخروج حكما ثم إن عاد لم يفسد عنده لعدم سبق الخروج وإن أعاده فعنه أنه لا يفسده لما ذكرنا وعنه أنه يفسد فألحقه بملء الفم لكثرة الصنع.
[ ١ / ١٢١ ]
قال: " ومن ابتلع الحصاة أو الحديد أفطر " لوجود صورة الفطر " ولا كفارة عليه " لعدم المعنى " ومن جامع في أحد السبيلين عامدا فعليه القضاء " استدراكا للمصلحة الفائتة " وللكفارة " لتكامل الجناية ولا يشترط الإنزال في المحلين اعتبارا بالاغتسال وهذا لأن قضاء الشهوة يتحقق دونه وإنما ذلك شبع وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا تجب الكفارة بالجماع في الموضع المكروه اعتبارا بالحد عنده والأصح أنها تجب لأن الجناية متكاملة لقضاء الشهوة " ولو جامع ميتة أو بهيمة فلا كفارة أنزل أو لم ينزل " خلافا للشافعي ﵀ لأن الجناية تكاملها بقضاء الشهوة في محل مشتهى ولم يوجد ثم عندنا كما تجب الكفارة بالوقاع على الرجل تجب على المرأة وقال الشافعي ﵀ في قول لا تجب عليها لأنها متعلقة بالجماع وهو فعله وإنما هي محل الفعل وفي قول تجب ويتحمل الرجل عنها اعتبارا بماء الاغتسال.
ولنا قوله ﷺ " من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر " وكلمة " من " تنتظم الذكور أو الإناث ولأن السبب جناية الإفساد لا نفس الوقاع وقد شاركته فيها ولا يتحمل لأنها عبادة أو عقوبة ولا يجري فيها التحمل " ولو أكل أو شرب ما يتغذى به أو ما يداوى به فعليه القضاء والكفارة " وقال الشافعي ﵀ لا كفارة عليه لأنها شرعت في الوقاع بخلاف القياس لارتفاع الذنب بالتوبة فلا يقاس عليه غيره.
ولنا أن الكفارة تعلقت بجناية الإفطار في رمضان على وجه الكمال وقد تحققت وبإيجاب الإيمان تكفيرا عرف أن التوبة غير مكفرة لهذه الجناية.
ثم قال: " والكفارة مثل كفارة الظهار " لما روينا ولحديث الأعرابي فإنه قال يا رسول الله هلكت وأهلكت فقال ماذا صنعت قال واقعت امرأتي في نهار رمضان متعمدا فقال ﷺ " أعتق رقبة " فقال لا أملك إلا رقبتي هذه فقال " صم شهرين متتابعين " فقال وهل جاءني ما جاءني إلا من الصوم فقال " أطعم ستين مسكينا " فقال لا أجد فأمر رسول الله ﷺ أن يؤتى بفرق من تمر ويروى بعرق فيه خمسة عشر صاعا وقال " فرقها على المساكين " فقال والله ما بين لابتي المدينة أحد أحوج مني ومن عيالي فقال " كل أنت وعيالك يجزيك ولا يجزي أحدا بعدك " وهو حجة على الشافعي في قوله يخير لأن مقتضاه الترتيب وعلى مالك في نفي التتابع للنص عليه " ومن جامع فيما دون الفرج فأنزل فعليه القضاء " لوجود الجماع معنى " ولا كفارة عليه " لانعدامه صورة " وليس في إفساد صوم غير رمضان كفارة " لأن الإفطار في رمضان أبلغ في الجناية فلا يحلق به غيره
[ ١ / ١٢٢ ]
" ومن احتقن أو استعط أو أقطر في أذنه أفطر " لقوله ﷺ " الفطر مما دخل " ولوجود معنى الفطر وهو وصول ما فيه صلاح البدن إلى الجوف " ولا كفارة عليه " لانعدامه صورة " ولو أقطر في أذنيه الماء أو دخلهما لا يفسد صومه " لانعدام المعنى والصورة بخلاف ما إذا دخله الدهن " ولو داوى جائفة أو آمة بدواء فوصل إلى جوفه أو دماغه أفطر " عند أبي حنيفة ﵀ والذي يصل هو الرطب وقالا لا يفطر لعدم التيقن بالوصول لانضمام المنفذ مرة واتساعه أخرى كما في اليابس من الدواء وله أن رطوبة الدواء تلاقي رطوبة الجراحة فيزداد ميلا إلى الأسفل فيصل إلى الجوف بخلاف اليابس لأنه ينشف رطوبة الجراحة فينسد فمها " ولو أقطر في إحليله لم يفطر " عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ﵀ يفطر وقول محمد ﵀ مضطرب فيه فكأنه وقع عند أبي يوسف ﵀ أن بينه وبين الجوف منفذا ولهذا يخرج منه البول ووقع عند أبي حنيفة ﵀ أن المثانة بينهما حائل والبول يترشح منه وهذا ليس من باب الفقه " ومن ذاق شيئا بفمه لم يفطر " لعدم الفطر صورة ومعنى " ويكره له ذلك " لما فيه من تعريض الصوم على الفساد " ويكره للمرأة أن تمضغ لصبيها الطعام إذا كان لها منه بد " لما بينا " ولا بأس إذا لم تجد منه بدا " صيانة للولد ألا ترى أن لها أن تفطر إذا خافت على ولدها " ومضغ العلك لا يفطر الصائم " لأنه لا يصل إلى جوفه وقيل إذا لم يكن ملتئما يفسد لأنه يصل إليه بعض أجزائه وقيل إذا كان أسود يفسد وإن كان ملتئما لأنه يتفتت " إلا أنه يكره للصائم " لما فيه من تعريض الصوم للفساد ولأنه يتهم بالإفطار ولا يكره للمرأة إذا لم تكن صائمة لقيامه مقام السواك في حقهن ويكره للرجال على ما قيل إذا لم يكن من علة وقيل لا يستحب لما فيه من التشبه بالنساء " ولا بأس بالكحل ودهن الشارب " لأنه نوع ارتفاق وهو ليس من محظورات الصوم وقد ندب النبي ﷺ إلى الاكتحال يوم عاشوراء وإلى الصوم فيه ولا بأس بالاكتحال للرجال إذا قصد به التداوي دون الزينة ويستحسن دهن الشارب إذا لم يكن من قصده الزينة لأنه يعمل عمل الخضاب ولا يفعل لتطويل اللحية إذا كانت بقدر المسنون وهو القبضة " ولا بأس بالسواك الرطب بالغداة والعشي للصائم " لقوله ﷺ " خير حلال الصائم السواك من غير فصل " وقال الشافعي يكره بالعشي لما فيه من إزالة الأثر المحمود وهو الخلوف فشابه دم الشهيد قلنا هو أثر العبادة والأليق به الإخفاء بخلاف دم الشهيد لأنه أثر الظلم ولا فرق بين الرطب الأخضر وبين المبلول بالماء لما روينا.
[ ١ / ١٢٣ ]