باب الماء الذي يجوز به الوضوء ومالا يجوز
" الطهارة من الأحداث جائزة بماء السماء والأودية والعيون والآبار والبحا ر" لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وقوله ﵊ " الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " وقوله ﵊ في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " ومطلق الاسم ينطلق على هذه المياه قال: " ولا يجوز بما اعتصر من الشجر والثمر " لأنه ليس بماء مطلق والحكم عند فقده منقول إلى التيمم والوظيفة في هذه الأعضاء تعبدية فلا تتعدى إلى غير المنصوص عليه وأما الماء الذي يقطر من الكرم فيجوز التوضي به لأنه ماء يخرج من غير علاج ذكره في جوامع أبي يوسف ﵀ وفي الكتاب إشارة إليه حيث شرط الاعتصار. قال: " ولا " يجوز " بماء غلب عليه غيره فأخرجه عن طبع الماء كالأشربة والخل وماء الباقلا والمرق وماء الورد وماء
[ ١ / ٢٠ ]
الزردج " لأنه لا يسمى ماء مطلقا والمراد بماء الباقلا وغيره ما تغير بالطبخ فإن تغير بدون الطبخ يجوز التوضي به.
قال: " وتجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه كماء المد والماء الذي اختلط به اللبن أو الزعفران أو الصابون أو الأشنان " قال الشيخ الإمام: أجري في المختصر ماء الزردج مجرى المرق والمروي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه بمنزلة ماء الزعفران وهو الصحيح كذا اختاره الناطفي والإمام السرخسي رحمه الله تعالى وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا يجوز التوضي بماء الزعفران وأشباهه مما ليس من جنس الأرض لأنه ماء مقيد ألا ترى أنه يقال ماء الزعفران بخلاف أجزاء الأرض لأن الماء لا يخلو عنها عادة ولنا أن اسم الماء باق على الإطلاق ألا ترى أنه لم يتجدد له اسم على حدة وإضافته إلى الزعفران كإضافته إلى البئر والعين ولأن الخلط القليل لا معتبر به لعدم إمكان الإحتراز عنه كما في أجزاء الأرض فيعتبر الغالب والغلبة بالأجزاء لا بتغير اللون هو الصحيح " فإن تغير بالطبخ بعدما خلط به غيره لا يجوز التوضي به " لأنه لم يبق في معنى المنزل من السماء إذ النار غيرته إلا إذا طبخ فيه ما يقصد به المبالغة في النظافة كالأشنان ونحوه لأن الميت قد يغسل بالماء الدي أغلى بالسدر بذلك وردت السنة إلا أنيغلب ذلك على الماء فيصير كالسويق المخلوط لزوال اسم الماء عنه " وكل ماء وقعت فيها لنجاسة لم يجز الوضوء به قليلا كانت النجاسة أو كثيرا " وقال مالك ﵀: يجوز ما لم يتغير أحد أوصافه لما روينا وقال الشافعي ﵀ يجوز إذا كان الماء قلتين لقوله ﵊ " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا " ولنا حديث المستيقظ من منامه، وقوله ﵊ " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة " من غير فصل والذي رواه مالك رحمه الله تعالى ورد في بئر بضاعة وماؤها كان جاريا في البساتين وما رواه الشافعي ﵀ ضعفه أبو داود وهو يضعف عن احتمال النجاسة "والماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء منه إذا لم ير لها أثر لأنها لا تستقر مع جريان الماء " والأثر: هو الرائحة أو الطعم أو اللون والجاري: مالا يتكرر استعماله، وقيل ما يذهب بتبنة قال: " والغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر، لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه " إذ أثر التحريك في السراية فوق أثر النجاسة ثم عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه يعتبر التحريك بالاغتسال وهو قول أبي يوسف رحمه الله تعالى وعنه التحريك باليد وعن محمد رحمه الله تعالى بالتوضي ووجه الأول أن الحاجة إلى الاغتسال في الحياض أشد منها إلى التوضي،
[ ١ / ٢١ ]
وبعضهم قدروا بالمساحة عشرا في عشر بذراع الكرباس توسعة للأمر على الناس وعليه الفتوى والمعتبر في العمق أن يكون بحال لا ينحسر بالاغتراف هو الصحيح وقوله في الكتاب جاز الوضوء من الجانب الآخر إشارة إلى أنه ينجس موضع الوقوع وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا ينجس إلا بظهور أثر النجاسة فيه كالماء الجاري.
قال: " وموت ما ليس له نفس سائلة في الماء لا ينجسه كالبق والذباب والزنابير والعقرب ونحوها " وقال الشافعي رحمه الله تعالى يفسده لأن التحريم لا بطريق الكرامة آية النجاسة بخلاف دود الخل وسوس الثمار لأن فيه ضرورة ولنا قوله ﵊ فيه " هذا هو الحلال أكله وشربه والوضوء منه " ولأن المنجس هو اختلاط الدم المسفوح بأجزائه عند الموت حتى حل المذكى لانعدام الدم فيه ولا دم فيها والحرمة ليست من ضرورتها النجاسة كالطين. قال: " وموت ما يعيش في الماء فيه لا يفسده كالسمك والضفدع والسرطان " وقال الشافعي رحمه اله يفسده إلا السمك لما مر ولنا أنه مات في معدنه فلا يعطى له حكم النجاسة كبيضة حال محها دما ولأنه لا دم فيها إذ الدموي لا يسكن الماء والدم هو المنجس وفي غير الماء قيل غير السمك يفسده لانعدام المعدن وقيل لا يفسده لعدم الدم وهو الأصح والضفدع البحري والبري فيه سواء وقيل البري مفسد لوجود الدم وعدم المعدن وما يعيش في الماء ما يكون توالده ومثواه في الماء ومائي المعاش دون مائي المولد مفسد.
قال: " والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث " خلافا لمالك والشافعي رحمهما الله هما يقولان إن الطهور ما يطهر غيره مرة بعد أخرى كالقطوع وقال زفر ﵀ وهو أحد قولي الشافعي ﵀ إن كان المستعمل متوضئا فهو طهور وإن كان محدثا فهو طاهر غير طهور لأن العضو طاهر حقيقة وباعتباره يكون الماء طاهرا لكنه نجس حكما وباعتباره يكون الماء نجسا فقلنا بانتفاء الطهورية وبقاء الطهارة عملا بالشبهين وقال محمد ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو طاهر غير طهور لأن ملاقاة الطاهر لا توجب التنجس إلا أنه أقيمت به قربة فتغيرت به صفته كمال الصدقة وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى هو نجس، لقوله ﵊ " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم " الحديث، ولأنه ماء أزيلت به النجاسة الحكمية فيعتبر بماء أزيلت به النجاسة الحقيقية ثم في رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنه نجس نجاسة غليظة اعتبارا بالماء المستعمل في النجاسة الحقيقية وفي رواية أبي يوسف عنه رحمه الله تعالى وهو قوله إنه نجس نجاسة خفيفة لمكان الاختلاف.
[ ١ / ٢٢ ]
قال: " والماء المستعمل: هو ماء أزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القربة " قال ﵁: وهذا عند أبي يوسف ﵀ وقيل هو قول أبي حنيفة ﵀ أيضا وقال محمد ﵀ لا يصير مستعملا إلا بإقامة القربة لأن الاستعمال بانتقال نجاسة الآثام إليه وأنها تزال بالقرب وأبو يوسف ﵀ يقول إسقاط الفرض مؤثر أيضا فيثبت الفساد بالأمرين ومتى يصير الماء مستعملا الصحيح أنه كما زايل العضو صار مستعملا لأن سقوط حكم الاستعمال قبل الانفصال للضرورة ولا ضرورة بعده والجنب إذا انغمس في البئر لطلب الدلو فعند أبي يوسف رحمه الله تعالى الرجل بحاله لعدم الصب وهو شرط عنده لإسقاط الفرض والماء بحاله لعدم الأمرين وعند محمد رحمه الله تعالى كلاهما طاهران الرجل لعدم اشتراط الصب والماء لعدم نية القربة وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى كلاهما نجسان الماء لإسقاط الفرض عن البعض بأول الملاقاة والرجل لبقاء الحدث في بقية الأعضاء وقيل عنده نجاسة الرجل بنجاسة الماء المستعمل وعنه أن الرجل طاهر لأن الماء لا يعطى له حكم الاستعمال قبل الانفصال وهو أوفق الروايات عنه.
قال: " وكل إهاب دبغ فقد طهر وجازت الصلاة فيه والوضوء منه إلا جلد الخنزير والآدمي " لقوله ﵊ " أيما إهاب دبغ فقد طهر " وهو بعمومه حجة على مالك ﵀ في جلد الميتة ولا يعارض بالنهي الوارد عن الإنتفاع من الميتة بإهاب وهو قوله ﵊ " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب " لأنه اسم لغير المدبوغ وحجة على الشافعي رحمه الله تعالى في جلد الكلب وليس الكلب بنجس العين ألا يرى أنه ينتفع به حراسة واصطيادا بخلاف الخنزير لأنه نجس العين إذ الهاء في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] منصرف إليه لقربه وحرمة الإنتفاع بأجزاء الآدمي لكرامته فخرجا عما روينا ثم ما يمنع النتن والفساد فهو دباغ وإن كان تشميسا أو تتريبا لأن المقصود يحصل به فلا معنى
لاشتراط غيره ثم ما يطهر جلده بالدباغ يطهر بالذكاة لأنها تعمل عمل الدباغ في إزالة الرطوبات النجسة وكذلك يطهر لحمه هو الصحيح وإن لم يكن مأكولا. قال: " وشعر الميتة وعظمها طاهر " وقال الشافعي رحمه الله تعالى نجس لأنه من أجزاء الميتة ولنا أنه لا حياة فيهما ولهذا لا يتألم بقطعهما فلا يحلهما الموت إذ الموت زوال الحياة " وشعر الإنسان وعظمه طاهر " وقال الشافعي نجس لأنه لا ينتفع به ولا يجوز بيعه ولنا أن عدم الإنتفاع والبيع لكرامته فلا يدل على نجاسته والله أعلم.
[ ١ / ٢٣ ]