باب صفة الصلاة
" فرائض الصلاة ستة: التحريمة " لقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:٣] والمراد تكبيرة الافتتاح " والقيام " لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] " والقراءة " لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] والركوع والسجود لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] " والقعدة في آخر الصلاة مقدار التشهد " لقوله ﵊ لابن مسعود ﵁ حين علمه التشهد " إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك " علق التمام بالفعل قرأ أو لم يقرأ.
قال: " وما سوى ذلك فهو سنة " أطلق اسم السنة وفيها واجبات كقراءة الفاتحة وضم السورة إليها ومراعاة الترتيب فيما شرع مكررا من الأفعال والقعدة الأولى وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة والقنوت في الوتر وتكبيرات العيدين والجهر فيما يجهر فيه والمخافتة فيما يخافت فيه ولهذا تجب عليه سجدتا السهو بتركها هذا هو الصحيح
[ ١ / ٤٧ ]
وتسميتها سنة في الكتاب لما أنه ثبت وجوبها بالسنة.
قال: " وإذا شرع في الصلاة كبر " لما تلونا وقال ﵊ " تحريمها التكبير " وهو شرط عندنا خلافا للشافعي ﵀ حتى إن من تحرم للفرض كان له أن يؤدي بها التطوع عندنا وهو يقول إنه يشترط لها ما يشترط لسائر الأركان وهذا آية الركنية ولنا أنه عطف الصلاة عليه في قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٥] ومقتضاه المغايرة ولهذا لا يتكرر كتكرار الأركان ومراعاة الشرائط لما يتصل به من القيام " ويرفع يديه مع التكبير وهو سنة " لأن النبي ﵊ واظب عليه وهذا اللفظ يشير إلى اشتراط المقارنة وهو المروي عن أبي يوسف والمحكي عن الطحاوي والأصح أنه يرفع يديه أولا ثم يكبر لأن فعله نفي الكبرياء عن غير الله تعالى والنفي مقدم على الإثبات " ويرفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه " وعند الشافعي ﵀ يرفع إلى منكبيه وعلى هذا تكبيرة القنوت والأعياد والجنازة له حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال كان النبي ﵊ إذا كبر رفع يديه إلى منكبيه ولنا رواية وائل بن حجر والبراء وأنس ﵃ أن النبي ﵊ كان إذا كبر رفع يديه حذاء أذنيه ولأن رفع اليد لإعلام الأصم وهو بما قلناه وما رواه يحمل على حالة العذر " والمرأة ترفع يديها حذاء منكبيها " هو الصحيح لأنه أستر لها " فإن قال بدل التكبير الله أجل أو أعظم أو الرحمن أكبر أو لا إله إلا الله أو غيره من أسماء الله تعالى أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى إن كان يحسن التكبير لم يجزئه إلا قوله الله أكبر أو الله الأكبر أو الله الكبير "وقال الشافعي ﵀: لا يجوز إلا بالأولين وقال مالك رحمه الله تعالى لا يجوز إلا بالأول لأنه هو المنقول والأصل فيه التوقيف والشافعي ﵀ يقول إدخال الألف واللام فيه أبلغ في الثناء فقام مقامه وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول إن أفعل وفعيلا في صفات الله تعالى سواء بخلاف ما إذا كان لا يحسن لأنه لا يقدر إلا على المعنى ولهما أن التكبير هو التعظيم لغة وهو حاصل " فإن افتتح الصلاة بالفارسية أو قرأ فيها بالفارسية أو ذبح وسمى بالفارسية وهو يحسن العربية أجزأه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا لا يجزئه إلا في الذبيحة وإن لم يحسن العربية أجزأه "، أما الكلام في الافتتاح فمحمد مع أبي حنيفة رحمه الله تعالى في العربية ومع أبي يوسف في الفارسية لأن لغة العرب لها من المزية ما ليس لغيرها.
وأماالكلام في القراءة فوجه قولهما إن القرآن اسم لمنظوم عربي كما نطق به النص إلا أن عند العجز يكتفى بالمعنى كالإيماء بخلاف التسمية لأن الذكر يحصل بكل لسان.
[ ١ / ٤٨ ]
ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦] ولم يكن فيها بهذه اللغة ولهذا يجوز عند العجز إلا أنه يصير مسيئا لمخالفته السنة المتوارثة ويجوز بأي لسان كان سوى الفارسية هو الصحيح لما تلونا.
والمعنى: لا يختلف باختلاف اللغات والخلاف في الاعتداد ولا خلاف في أنه لا فساد ويروى رجوعه في أصل المسألة إلى قولهما وعليه الاعتماد والخطبة والتشهد على هذا الاختلاف وفي الأذان يعتبر التعارف " ولو افتتح الصلاة باللهم اغفر لي لا يجوز " لأنه مشوب بحاجته فلم يكن تعظيما خالصا ولو افتتح بقوله اللهم فقد قيل يجزئه لأن معناه يا الله وقيل لا يجزئه لأن معناه ياألله آمنا بخير فكان سؤالا.
قال: " ويعتمد بيده اليمنى على اليسرى تحت السرة " لقوله ﵊ " إن من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة " وهو حجة على مالك رحمه الله تعالى في الإرسال وعلى الشافعي رحمه الله تعالى في الوضع على الصدر لأن الوضع تحت السرة أقرب إلى التعظيم وهو المقصود ثم الاعتماد سنة القيام عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى حتى لا يرسل حالة الثناء والأصل أن كل قيام فيه ذكر مسنون يعتمد فيه ومالا فلا هو الصحيح فيعتمد في حالة القنوت وصلاة الجنازة ويرسل في القومة وبين تكبيرات الأعياد " ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره " وعن أبي يوسف ﵀ أنه يضم إليه قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] إلى آخره لرواية علي ﵁ أن النبي ﵊ كان يقول ذلك ولهما رواية أنس ﵁ أن النبي ﵊ كان إذا افتتح الصلاة كبر وقرأ سبحانك الله وبحمدك إلى آخره ولم يزد على هذا وما رواه محمول على التهجد وقوله وجل ثناؤك لم يذكر في المشاهير فلا يأتي به في الفرائض والأولى أن لا يأتي بالتوجه قبل التكبير لتتصل النية به هو الصحيح " ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم " لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨] معناه إذا أردت قراءة القرآن والأولى أن يقول أستعيذ بالله ليوافق القرآن ويقرب منه أعوذ بالله ثم التعوذ تبع للقراءة دون الثناء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لما تلونا حتى يأتي به المسبوق دون المقتدي ويؤخر عن تكبيرات العيد خلافا لأبي يوسف رحمه الله تعالى.
قال: " ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم " هكذا نقل في المشاهير " ويسر بهما " لقول ابن مسعود ﵁ أربع يخفيهن الإمام وذكر منها التعوذ والتسمية وآمين وقال الشافعي رحمه الله تعالى يجهر بالتسمية عند الجهر بالقراءة لما روي أن النبي عليه الصلاة
[ ١ / ٤٩ ]
والسلام جهر في صلاته بالتسمية " قلنا: هو محمول على التعليم لأن أنسا ﵁ أخبر أنه ﵊ كان لا يجهر بها ثم عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يأتي بها في أول كل ركعة كالتعوذ وعنه أنه يأتي بها احتياطا وهو قولهما ولا يأتي بها بين السورة والفاتحة إلا عند محمد رحمه الله تعالى فإنه يأتي بها في صلاة المخافتة " ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة أو ثلاث آيات من أي سورة شاء " فقراءة الفاتحة لا تتعين ركنا عندنا وكذا ضم السورة إليها خلافا للشافعي رحمه الله تعالى في الفاتحة ولمالك رحمه الله تعالى فيهما له قوله ﵊ " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها " وللشافعي رحمه الله تعالى قوله ﵊ " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " ولنا قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] والزيادة عليه بخبر الواحد لا تجوز لكنه يوجب العمل فقلنا بوجوبهما " وإذا قال الإمام ولا الضالين قال آمين ويقولها المؤتم " لقوله ﵊ " إذا أمن الإمام فأمنوا " ولا متمسك لمالك رحمه الله تعالى في قوله ﵊ " إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين " من حيث القسمة لأنه قال في آخره " فإن الإمام يقولها ".
قال: " ويخفونها " لما روينا من حديث ابن مسعود ﵁ ولأنه دعاء فيكون مبناه على الإخفاء والمد والقصر فيه وجهان والتشديد فيه خطأ فاحش قال: " ثم يكبر ويركع " وفي الجامع الصغير: ويكبر مع الانحطاط لأن النبي ﵊ كان يكبر عند كل خفض ورفع " ويحذف التكبير حذفا " لأن المد في أوله خطأ من حيث الدين لكونه استفهاما وفي آخره لحن من حيث اللغة " ويعتمد بيديه على ركبتيه ويفرج بين أصابعه " لقوله ﵊ لأنس ﵁ " إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك وفرج بين أصابعك " ولا يندب إلى التفريج إلا في هذه الحالة ليكون أمكن من الأخذ ولا إلى الضم إلا في حالة السجود وفيما وراء ذلك يترك على العادة " ويبسط ظهره " لأن النبي ﵊ كان إذا ركع بسط ظهره " ولا يرفع رأسه ولا ينكسه " لأن النبي ﵊ كان إذا ركع لا يصوب رأسه ولا يقنعه ويقول " سبحان ربي العظيم ثلاثا وذلك أدناه " لقوله ﵊ " إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثا وذلك أدناه " أي أدنى كمال الجمع " ثم يرفع رأسه ويقول سمع الله لمن حمده ويقول المؤتم ربنا لك الحمد ولا يقولها الإمام عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا يقولها في نفسه " لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﵊ كان يجمع بين الذكرين
[ ١ / ٥٠ ]
ولأنه حرض غيره فلا ينسى نفسه. لأبي حنيفة رحمه الله تعالى قوله ﵊ " إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد " هذه قسمة وإنها تنافي الشركة ولهذا لا يأتي المؤتم بالتسميع عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى ولأنه يقع تحميده بعد تحميد المقتدي وهو خلاف موضوع الإمامة وما رواه محمول على حالة الانفراد " والمنفرد يجمع بينهما في الأصح " وإن كان يروى الاكتفاء بالتسميع ويروى بالتحميد والإمام بالدلالة عليه آت به معنى.
قال: " ثم إذا استوى قائما كبر وسجد " أما التكبير والسجود فلما بينا وأما الاستواء قائما فليس بفرض وكذا الجلسة بين السجدتين والطمأنينة في الركوع والسجود وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف يفترض ذلك كله وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى لقوله ﵊ " قم فصل فإنك لم تصل " قاله لأعرابي حين أخف الصلاة ولهما أن الركوع هو الانحناء والسجود هو الانخفاض لغة فتتعلق الركنية بالأدنى فيهما وكذا في الانتقال إذ هو غير مقصود وفي آخر ما روي تسميته إياه صلاة حيث قال " وما نقصت من هذا شيئا فقد نقصت من صلاتك " ثم القومة والجلسة سنة عندهما
وكذا الطمأنينة في تخريج الجرجاني رحمه الله تعالى وفي تخريج الكرخي ﵀ واجبة حتى تجب سجدتا السهو بتركها ساهيا عنده " ويعتمد بيديه على الأرض " لأن وائل بن حجر ﵁ وصف صلاة رسول الله ﷺ فسجد وأدعم على راحتيه ورفع عجيزته قال: " ووضع وجهه بين كفيه ويديه حذاء أذنيه " لما روي أنه ﵊ فعل كذلك.
قال: " وسجد على أنفه وجبهته " لأن النبي ﵊ واظب عليه " فإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر " وهو رواية عنه لقوله ﵊ " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وعد منها الجبهة " ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أن السجود يتحقق بوضع بعض الوجه وهو المأمور به إلا أن الخد والذقن خارج بالإجماع والمذكور فيما روي الوجه في المشهور ووضع اليدين والركبتين سنة عندنا لتحقق السجود بدونهما وأما وضع القدمين فقد ذكر القدوري رحمه الله تعالى أنه فريضة في السجود.
قال: " فإن سجد على كور عمامته أو فاضل ثوبه جاز " لأن النبي ﵊ كان يسجد على كور عمامته ويروى أنه ﵊ صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها " ويبدي ضبعيه " لقوله ﵊ " وأبد ضبعيك " ويروى " وأبد " من الإبداد وهو المد والأول من الإبداء وهو الإظهار " ويجافي بطنه عن
[ ١ / ٥١ ]
فخذيه " لأنه ﵊ كان إذا سجد جافى حتى إن بهمة لو أرادت أن تمر بين يديه لمرت وقيل إذا كان في الصف لا يحافي كيلا يؤذي جاره " ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة " لقوله ﵊ " إذا سجد المؤمن سجد كل عضو منه فليوجه من أعضائه القبلة ما استطاع " " ويقول في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه " لقوله ﵊ " وإذا سجد أحدكم فليقل في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه " أي أدنى كمال الجمع.
ويستحب أن يزيد على الثلاث في الركوع والسجود بعد أن يختم بالوتر لأنه ﵊ كان يختم بالوتر وإن كان إماما لا يزيد على وجه يمل القوم حتى لا يؤدي إلى التنفير ثم تسبيحات الركوع والسجود سنة لأن النص تناولهما دون تسبيحاتهما فلا يزاد على النص " والمرأة تنخفض في سجودها وتلزق بطنها بفخذيها " لأن ذلك استر لها.
قال: " ثم يرفع رأسه ويكبر " لما روينا " فإذا اطمأن جالسا كبر وسجد " لقوله ﵊ في حديث الأعرابي " ثم ارفع رأسك حتى تستوي جالسا " ولو لم يستو جالسا وكبر وسجد أخرى أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقد ذكرناه وتكلموا في مقدار الرفع والأصح أنه إذا كان إلى السجود أقرب لا يجوز لأنه يعد ساجدا وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز لأنه يعد جالسا فتتحقق الثانية.
قال: " فإذا اطمأن ساجدا كبر " وقد ذكرناه " واستوى قائما على صدور قدميه ولا يقعد ولا يعتمد بيديه على الأرض ".
وقال الشافعي ﵀: يجلس جلسة خفيفة ثم ينهض معتمدا على الأرض لما روي أن النبي ﵊ فعل ذلك ولنا حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵊ كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه وما رواه محمول على حالة الكبر ولأن هذه قعدة استراحة والصلاة ما وضعت لها " ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في " الركعة " الأولى " لأنه تكرار الأركان " إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ " لأنهما لم يشرعا إلا مرة واحدة " ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى " خلافا للشافعي ﵀ في الركوع وفي الرفع منه لقوله ﵊ " لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن تكبيرة الافتتاح وتكبيرة القنوت وتكبيرات العيدين وذكر الأربع في الحج " والذي يرو من الرفع محمول على الابتداء كذا نقل عن ابن الزبير ﵁ " وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية افترش رجله اليسرى فجلس عليها ونصب اليمنى نصبا ووجه أصابعه نحو
[ ١ / ٥٢ ]
القبلة " هكذا وصفت عائشة ﵂ قعود رسول الله ﵊ في الصلاة " ووضع يديه على فخذيه وبسط أصابعه وتشهد " يروى ذلك في حديث وائل بن حجر ﵁ ولأن فيه توجيه أصابع يديه إلى القبلة " فإن كانت امرأة جلست على أليتها اليسرى وأخرجت رجليها من الجانب الأيمن " لأنه أستر لها.
" والتشهد: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي إلى آخره " وهذا تشهد عبد الله بن مسعود ﵁ فإنه قال أخذ رسول الله ﵊ بيدي وعلمني التشهد كما كان يعلمني سورة من القرآن وقال " قل التحيات لله إلى آخره " والأخذ بهذا أولى من الأخذ بتشهد ابن عباس ﵄ وهو قوله التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا إلى آخره لأن فيه الأمر وأقله الاستحباب والألف واللام وهما للاستغراق وزيادة الواو وهي لتجديد الكلام كما في القسم وتأكيد التعليم " ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى " لقول ابن مسعود ﵁ علمني رسول الله ﷺ التشهد في وسط الصلاة وآخرها فإذا كان وسط الصلاة نهض إذا فرغ من التشهد وإذا كان آخر الصلاة دعا لنفسه بما شاء " ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب وحدها " لحديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﵊ قرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب وهذا بيان الأفضل هو الصحيح لأن القراءة فرض في الركعتين على ما يأتيك من بعد إن شاء الله تعالى " وجلس في الأخيرة كما جلس في الأولى " لما روينا من حديث وائل وعائشة ﵄ ولأنها أشق على البدن فكان أولى من التورك الذي يميل إليه مالك ﵀ والذي يرويه أنه ﵊ قعد متوركا ضعفه الطحاوي ﵀ أو يحمل على حالة الكبر " وتشهد " وهو واجب عندنا " وصلى على النبي ﵊ " وهو ليس بفريضة عندنا خلافا للشافعي ﵀ فيهما لقوله ﷺ " إذا قلت هذا أو فعلت فقد تمت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد " والصلاة على النبي ﵊ خارج الصلاة واجبة إما مرة واحدة كما قاله الكرخي أو كلما ذكر النبي ﵊ كما اختاره الطحاوي فكفينا مؤنة الأمر والفرض المروي في التشهد هو التقدير.
قال: " ودعاء بماشاء مما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة " لما روينا من حديث ابن مسعود ﵁ قال له النبي ﵊ " ثم اختر من الدعاء أطيبه وأعجبه إليك " ويبدأ بالصلاة على النبي ﵊ ليكون أقرب إلى الإجابة " ولا يدعو بما يشبه كلام الناس " تحرزا عن الفساد ولهذا يأتي بالمأثور المحفوظ،
[ ١ / ٥٣ ]
ومالا يستحيل سؤاله من العباد كقوله اللهم زوجني فلأنه يشبه كلامهم وما يستحيل كقوله اللهم اغفر ليس ليس من كلامهم وقوله اللهم ارزقني من قبيل الأول هو الصحيح لاستعمالها فيما بين العباد يقال رزق الأمير الجيش " ثم يسلم عن يمينه فيقول السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره مثل ذلك " لما روى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﵊ كان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر " وينوي بالتسليمة الأولى من عن يمينه من الرجال والنساء والحفظة وكذلك في الثانية " لأن الأعمال بالنيات ولا ينوي النساء في زماننا ولا من لا شركة له في صلاته هو الصحيح لأن الخطاب حظ الحاضرين " ولا بد للمقتدي من نية إمامه فإن كان الإمام من الجانب الأيمن أو الأيسر نواه فيهم " وإن كان بحذائه نواه في الأولى عند أبي يوسف ﵀ ترجيحا للجانب الأيمن وعند محمد ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀ نواه فيهما لأنه ذو حظ من الجانبين " والمنفرد ينوي الحفظة لا غير " لأنه ليس معه سواهم " والإمام ينوي بالتسليمتين " هو الصحيح ولا ينوي في الملائكة عددا محصورا لأن الأخبار في عددهم قد اختلفت فأشبه الإيمان بالأنبياء ﵈ ثم إصابة لفظة السلام واجبة عندنا وليست بفرض خلافا للشافعي ﵀ هو يتمسك بقوله ﵊ " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " ولنا ما رويناه من حديث ابن مسعود ﵁ والتخبير ينافي الفرضية والوجوب إلا أنا أثبتنا الوجوب بما رواه احتياطا وبمثله لا تثبت الفرضية والله أعلم.
[ ١ / ٥٤ ]
بالوقت في حق المنفرد على وجه التخيير ولم يوجد أحدهما " ومن قرأ في العشاء في الأوليين السورة ولم يقرأ بفاتحة الكتاب لم يعد في الأخريين وإن قرأ الفاتحة ولم يزد عليها قرأ في الأخريين الفاتحة والسورة وجهر " وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف ﵀ لا يقضي واحدة منهما لأن الواجب إذا فات عن وقته لا يقضى إلا بدليل ولهما وهو الفرق بين الوجهين أن قراءة الفاتحة شرعت على وجه يترتب عليها السورة فلو قضاها في الأخريين تترتب الفاتحة على السورة وهذا خلاف الموضوع بخلاف ما إذا ترك السورة لأنه أمكن قضاؤها على الوجه المشروع ثم ذكر ههنا ما يدل على الوجوب وفي الأصل بلفظة الاستحباب لأنها إن كانت مؤخرة فغير موصولة بالفاتحة فلم يمكن مراعاة موضوعها من كل وجه " ويجهر بهما " هو الصحيح لأن الجمع بين الجهر والمخافتة في ركعة واحدة شنيع وتغيير النقل وهو الفاتحة أولى ثم المخافتة أن يمسع نفسه والجهر أن يسمع غيره وهذا عند الفقيه أبي جعفر الهندواني ﵀ لأن مجرد حركة اللسان لا يسمى قراءة بدون الصوت وقال الكرخي أدنى الجهر أن يسمع نفسه وأدنى المخافتة تصحيح الحروف لأن القراءة فعل اللسان دون الصماخ وفي لفظ الكتاب إشارة إلى هذا وعلى هذا الأصل كل ما يتعلق بالنطق كالطلاق والعتاق والاستثناء وغير ذلك " وأدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة آية عند أبي حنيفة ﵀ وقالا ثلاث آيات قصار أو آية طويلة " لأنه لا يسمى قارئا بدونه فأشبه قراءة ما دون الآية وله قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] من غير فصل إلا أن ما دون الآية خارج والآية ليست في معناه " وفي السفر يقرأ بفاتحة الكتاب وأي سورة شاء " لما روي أن النبي عليه الصلا والسلام قرأ في صلاة الفجر في سفر بالمعوذتين ولأن السفر أثر في إسقاط شطر الصلاة فلأن يؤثر في تخفيف القراءة أولى وهذا إذا كان على عجلة من السير وإن كان في أمنة وقرار يقرأ في الفجر نحو سورة البروج وانشقت لأنه يمكنه مراعاة السنة مع التخفيف " ويقرأ في الحضر في الفجر في الركعتين بأربعين آية أو خمسين آية سوى فاتحة الكتاب ". ويروى من أربعين إلى ستين ومن ستين إلى مائة وبكل ذلك ورد الأثر ووجه التوفيق أنه يقرأ بالراغبين مائة وبالكسالى أربعين وبالأوساط ما بين خمسين إلى ستين وقيل ينظر إلى طول الليالي وقصرها وإلى كثرة الأشغال وقلتها.
قال: " وفي الظهر مثل ذلك " لاستوائهما في سعة الوقت وقال في الأصل أو دونه لأنه وقت الاشتغال فينقص عنه تحرزا عن الملال " والعصر والعشاء سواء يقرأ فيهما بأوساط المفصل وفي المغرب دون ذلك يقرأ فيها بقصار المفصل " والأصل فيه كتاب عمر رضي
[ ١ / ٥٥ ]
الله عنه إلى أبي موسى الأشعري ﵁: أن اقرأ في الفجر والظهر بطوال المفصل وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل وفي المغرب بقصار المفصل ولأن مبنى المغرب على العجلة والتخفيف أليق بها والعصر والعشاء يستحب فيهما التأخير وقد يقعان بالتطويل في وقت غير مستحب فيوقت فيهما بالأوساط " ويطيل الركعة الأولى من الفجر على الثانية " إعانة للناس على إدراك الجماعة.
قال: " وركعتا الظهر سواء " وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد ﵀ أحب إلي أن يطيل الركعة الأولى على غيرها في الصلوات كلها لما روي أن النبي ﵊ كان يطيل الركعة الأولى على غيرها في الصلوات كلها ولهما أن الركعتين استويا في استحقاق القراءة فيستويان في المقدار بخلاف الفجر لأنه وقت نوم وغفلة والحديث محمول على الإطالة من حيث الثناء والتعوذ والتسمية ولا معتبر بالزيادة والنقصان بما دون ثلاث آيات لعدم إمكان الاحتراز عنه من غير حرج " وليس في شيء من الصلوات قراءة سورة بعينها " بحيث لا تجوز بغيرها لإطلاق ما تلونا.
" ويكره أن يوقت بشيء من القرآن لشيء من الصلوات " لما فيه من هجر الباقي وإبهام التفضيل " ولا يقرأ المؤتم خلف الإمام " خلافا للشافعي ﵀ في الفاتحة له أن القراءة ركن من الأركان فيشتركان فيه.
ولنا قوله ﵊ " من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة " وعليه إجماع الصحابة ﵃ وهو ركن مشترك بينهما لكن حظ المقتدي الإنصات والاستماع قال ﵊ " وإذا قرأالإمام فأنصتوا " ويستحسن على سبيل الاحتياط فيما يروى عن محمد ﵀ ويكره عندهما لما فيه من الوعيد " ويستمع وينصت وإن قرأالإمام آية الترغيب والترهيب " لأن الاستماع والإنصات فرض بالنص والقراءة وسؤال الجنة والتعوذ من النار كل ذلك مخل به " وكذلك في الخطبة وكذلك إن صلى على النبي ﵊ " لفرضية الاستماع إلا أن يقرأ الخطيب قوله تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية فيصلي السامع في نفسه واختلفوا في النائي عن المنبر، والأحوط هو السكوت إقامة لفرض الإنصات، والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٥٦ ]