وَأَمَّا الِاسْتِحَاضَةُ فَهِيَ مَا انْتَقَصَ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، وَمَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، ثُمَّ الْمُسْتَحَاضَةُ نَوْعَانِ مُبْتَدَأَةٌ، وَصَاحِبَةُ عَادَةٍ وَالْمُبْتَدَأَةُ نَوْعَانِ مُبْتَدَأَةٌ بِالْحَيْضِ، وَمُبْتَدَأَةٌ بِالْحَبَلِ، وَصَاحِبَةُ الْعَادَةِ نَوْعَانِ صَاحِبَةُ الْعَادَةِ فِي الْحَيْضِ، وَصَاحِبَةُ الْعَادَةِ فِي النِّفَاسِ.
(أَمَّا) الْمُبْتَدَأَةُ بِالْحَيْضِ، وَهِيَ الَّتِي اُبْتُدِئَتْ بِالدَّمِ، وَاسْتَمَرَّ بِهَا فَالْعَشَرَةُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ حَيْضٌ؛ لِأَنَّ هَذَا دَمٌ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ، وَأَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا فَيُجْعَلُ حَيْضًا، وَمَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ يَكُونُ اسْتِحَاضَةً، لِأَنَّهُ لَا مَزِيدَ لِلْحَيْضِ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَهْرٍ.
(وَأَمَّا) صَاحِبَةُ الْعَادَّةِ فِي الْحَيْض إذَا كَانَتْ عَادَتُهَا عَشْرَةً فَزَادَ الدَّمُ عَلَيْهَا فَالزِّيَادَةُ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةً فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا حَيْضٌ مَعَهَا إلَى تَمَامِ الْعَشَرَةِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُبْتَدَأَةِ بِالْحَيْضِ، وَإِنْ جَاوَزَ الْعَشَرَةَ فَعَادَتُهَا حَيْضٌ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا اسْتِحَاضَةٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - «الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا» أَيْ: أَيَّامُ حَيْضِهَا، وَلِأَنَّ مَا رَأَتْ فِي أَيَّامِهَا حَيْضٌ بِيَقِينٍ، وَمَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ اسْتِحَاضَةٌ بِيَقِينٍ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يُلْحَقَ بِمَا قَبْلَهُ فَيَكُونُ حَيْضًا، فَلَا تُصَلِّي، وَبَيْنَ أَنْ يُلْحَقَ بِمَا بَعْدَهُ فَيَكُونُ اسْتِحَاضَةً فَتُصَلِّي، فَلَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ بِالشَّكِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِأَنْ كَانَتْ تَرَى شَهْرًا سِتًّا، وَشَهْرًا سَبْعًا فَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَإِنَّهَا تَأْخُذُ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالرَّجْعَةِ بِالْأَقَلِّ، وَفِي حَقِّ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَالْغَشَيَانِ بِالْأَكْثَرِ فَعَلَيْهَا إذَا رَأَتْ سِتَّةَ أَيَّامٍ فِي الِاسْتِمْرَارِ أَنْ تَغْتَسِلَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ لِتَمَامِ السَّادِسِ، وَتُصَلِّيَ فِيهِ، وَتَصُومَ إنْ كَانَ دَخَلَ عَلَيْهَا شَهْرُ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّابِعُ حَيْضًا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونُ فَدَارَ الصَّلَاةُ، وَالصَّوْمُ بَيْنَ الْجَوَازِ مِنْهَا، وَالْوُجُوبِ عَلَيْهَا فِي الْوَقْتِ فَيَجِبُ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ احْتِيَاطًا لِأَنَّهَا إنْ فَعَلَتْ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَوْلَى أَنْ تَتْرُكَ، وَعَلَيْهَا ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ، لِأَنَّ تَرْكَ الرَّجْعَةِ مَعَ
[ ١ / ٤١ ]
ثُبُوتِ حَقِّ الرَّجْعَةِ أَوْلَى مِنْ إثْبَاتِهَا مِنْ غَيْرِ حَقِّ الرَّجْعَةِ.
وَأَمَّا فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَالْغَشَيَانِ فَتَأْخُذُ بِالْأَكْثَرِ لِأَنَّهَا إنْ تَرَكَتْ التَّزَوُّجَ مَعَ جَوَازِ التَّزَوُّجِ أَوْلَى مِنْ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِدُونِ حَقِّ التَّزَوُّجِ، وَكَذَا تَرْكُ الْغَشَيَانِ مَعَ الْحِلِّ أَوْلَى مِنْ الْغَشَيَانِ مَعَ الْحُرْمَةِ فَإِذَا جَاءَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ فَعَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ ثَانِيًا، وَتَقْضِيَ الْيَوْمَ الَّذِي صَامَتْ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، لِأَنَّ الْأَدَاءَ كَانَ وَاجِبًا، وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي السُّقُوطِ إنْ لَمْ تَكُنْ حَائِضًا فِيهِ صَحَّ صَوْمُهَا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ، فَلَا يَسْقُطُ الْقَضَاءُ بِالشَّكِّ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ طَاهِرَةً فِي هَذَا الْيَوْمِ فَقَدْ صَلَّتْ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا فِيهِ فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهَا لِلْحَالِّ، وَلَا الْقَضَاءِ فِي الثَّانِي.
وَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةً فَحَاضَتْ سِتَّةً، ثُمَّ حَاضَتْ حَيْضَةً أُخْرَى سَبْعَةً، ثُمَّ حَاضَتْ حَيْضَةً أُخْرَى سِتَّةً فَعَادَتُهَا سِتَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى يُبْنَى الِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهَا أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلِأَنَّ الْعَادَةَ تَنْتَقِلُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَإِنَّمَا يُبْنَى الِاسْتِمْرَارُ عَلَى الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ، لِأَنَّ الْعَادَةَ انْتَقَلَتْ إلَيْهَا.
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ أَيْضًا فَلِأَنَّ الْعَادَةَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَنْتَقِلُ إلَّا بِالْمَرَّتَيْنِ فَقَدْ رَأَتْ السِّتَّةَ مَرَّتَيْنِ فَانْتَقَلَتْ عَادَتُهَا إلَيْهَا هَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ كُلَّمَا عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَحَيْضُهَا ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ حَيْضَتَانِ، وَطُهْرَانِ لِأَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةٌ، وَأَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ سُؤَالًا وَقَالَ أَرَأَيْت لَوْ رَأَتْ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ خَمْسَةً ثُمَّ طَهُرَتْ خَمْسَةَ عَشْرَ، ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ خَمْسَةً أَلَيْسَ قَدْ حَاضَتْ فِي شَهْرَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَجَابَ فَقَالَ: إذَا ضَمَمْت إلَيْهِ طُهْرًا آخَرَ كَانَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَالشَّهْرُ لَا يَشْتَمِلُ عَلَى ذَلِكَ، وَحُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى عَلِيٍّ - ﵁ - وَقَالَتْ: إنِّي حِضْت فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ - لِشُرَيْحٍ مَاذَا تَقُولُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنْ أَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً مِنْ بِطَانَتِهَا مِمَّنْ يُرْضَى بِدِينِهِ، وَأَمَانَتِهِ قُبِلَ مِنْهَا فَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ - قالون، وَهِيَ بِالرُّومِيَّةِ حَسَنٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ شُرَيْحٌ بِذَلِكَ تَحْقِيقَ النَّفْيِ أَنَّهَا لَا تَجِدُ ذَلِكَ، وَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] أَيْ: لَا يَدْخُلُونَهَا رَأْسًا.
وَدَمُ الْحَامِلِ لَيْسَ بِحَيْضٍ، وَإِنْ كَانَ مُمْتَدًّا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ حَيْضٌ فِي حَقِّ تَرْكِ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَحُرْمَةِ الْقُرْبَانِ لَا فِي حَقِّ أَقْرَاءِ الْعِدَّةِ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ «قَالَ لَفَاطِمَةَ بِنْتِ حُبَيْشٍ أَقْبَلَ قُرْؤُك فَدَعِي الصَّلَاةَ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ حَالٍ، وَحَالٍ، وَلِأَنَّ الْحَامِلَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً، أَوْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ، وَالْحَامِلُ لَيْسَتْ بِصَغِيرَةٍ، وَلَا آيِسَةٍ فَكَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ إلَّا أَنَّ حَيْضَهَا لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ أَقْرَاءِ الْعِدَّةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَقْرَاءِ الْعِدَّةِ فَرَاغُ الرَّحِمِ، وَحَيْضُهَا لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
(وَلَنَا) قَوْلُ عَائِشَةَ - ﵂ - الْحَامِلُ لَا تَحِيضُ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا قَالَتْهُ سَمَاعًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلِأَنَّ الْحَيْضَ اسْمٌ لِلدَّمِ الْخَارِجِ مِنْ الرَّحِمِ، وَدَمُ الْحَامِلِ لَا يَخْرُجُ مِنْ الرَّحِمِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَبِلَتْ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا يَكُونُ حَيْضًا (وَأَمَّا) الْحَدِيثُ فَنَقُولُ بِمُوجِبِهِ لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ أَنَّ دَمَ الْحَامِلِ قُرْءٌ، وَالْكَلَامُ فِيهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْءٍ مَا ذَكَرْنَا، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَتَنَاوَلُ حَالَةَ الْحَبْلِ.
(وَأَمَّا) الْمُبْتَدَأَةُ بِالْحَبَلِ، وَهِيَ الَّتِي حَبِلَتْ مِنْ زَوْجِهَا قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ إذَا وَلَدَتْ فَرَأَتْ الدَّمَ زِيَادَةً عَلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ لِلنِّفَاسِ كَالْعَشَرَةِ لِلْحَيْضِ ثُمَّ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشَرَةِ فِي الْحَيْضِ اسْتِحَاضَةٌ فَكَذَا الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فِي النِّفَاسِ.
(وَأَمَّا) صَاحِبَةُ الْعَادَةِ فِي النِّفَاسِ إذَا رَأَتْ زِيَادَتَهَا عَلَى عَادَتِهَا فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا أَرْبَعِينَ فَالزِّيَادَةُ اسْتِحَاضَةٌ لِمَا مَرَّ، وَإِنْ كَانَتْ دُونَ الْأَرْبَعِينَ فَمَا زَادَ يَكُونُ نِفَاسًا إلَى الْأَرْبَعِينَ فَإِنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ تُرَدُّ إلَى عَادَتِهَا فَتَكُونُ عَادَتُهَا نِفَاسًا، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا يَكُونُ اسْتِحَاضَةً، ثُمَّ يَسْتَوِي الْجَوَابُ فِيمَا إذَا كَانَ خَتْمُ عَادَتِهَا بِالدَّمِ، أَوْ بِالطُّهْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ خَتْمُ عَادَتِهَا بِالدَّمِ فَكَذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ بِالطُّهْرِ، فَلَا، لِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَرَى خَتْمَ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ بِالطُّهْرِ إذَا كَانَ بَعْدَهُ دَمٌ، وَمُحَمَّدٌ لَا يَرَى ذَلِكَ، وَبَيَانُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ إذَا كَانَتْ عَادَتُهَا فِي النِّفَاسِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَانْقَطَعَ دَمُهَا عَلَى رَأْسِ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَطَهُرَتْ عَشْرَةَ أَيَّامٍ تَمَامَ عَادَتِهَا فَصَلَّتْ، وَصَامَتْ ثُمَّ عَاوَدَهَا الدَّمُ، وَاسْتَمَرَّ بِهَا حَتَّى جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ ذَكَرَ أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةً فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِينَ، وَلَا يُجْزِيهَا صَوْمُهَا فِي الْعَشَرَةِ الَّتِي صَامَتْ فَيَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ: هَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ يَسْتَقِيمُ فَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ فَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ أَبَا يُوسُفَ
[ ١ / ٤٢ ]
يَرَى خَتْمَ النِّفَاسِ بِالطُّهْرِ إذَا كَانَ بَعْدَهُ دَمٌ فَيُمْكِنُ جَعْلُ الثَّلَاثِينَ نِفَاسًا لَهَا عِنْدَهُ.
وَإِنْ كَانَ خَتْمُهَا بِالطُّهْرِ، وَمُحَمَّدٌ لَا يَرَى خَتْمَ النِّفَاسِ، وَالْحَيْضِ بِالطُّهْرِ فَنِفَاسُهَا فِي هَذَا الْفَصْلِ عِنْدَهُ عِشْرُونَ يَوْمًا فَلَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ مَا صَامَتْ فِي الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ بَعْدَ الْعِشْرِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَا تَرَاهُ النُّفَسَاءُ مِنْ الدَّمِ بَيْنَ الْوِلَادَتَيْنِ فَهُوَ دَمٌ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَزُفَرَ فَاسِدٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَلَدَتْ، وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ آخَرُ فَالنِّفَاسُ مِنْ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَزُفَرَ مِنْ الْوَلَدِ الثَّانِي، وَانْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِالْوَلَدِ الثَّانِي بِالْإِجْمَاعِ وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَزُفَرَ أَنَّ النِّفَاسَ يَتَعَلَّقُ بِوَضْعِ مَا فِي الْبَطْنِ كَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْوَلَدِ الْأَخِيرِ كَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَهَذَا لِأَنَّهَا بَعْدُ حُبْلَى، وَكَمَا لَا يُتَصَوَّرُ انْقِضَاءُ عِدَّةِ الْحَمْلِ بِدُونِ وَضْعِ الْحَمْلِ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ النِّفَاسِ مِنْ الْحُبْلَى، لِأَنَّ النِّفَاسَ بِمَنْزِلَةِ الْحَيْضِ، وَلِأَنَّ النِّفَاسَ مَأْخُوذٌ مِنْ تَنَفُّسِ الرَّحِمِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ عَلَى الْكَمَالِ إلَّا بِوَضْعِ الْوَلَدِ الثَّانِي فَكَانَ الْمَوْجُودُ قَبْلَ وَضْعِ الْوَلَدِ الثَّانِي نِفَاسًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ عَنْهَا بِالشَّكِّ كَمَا إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا وَاحِدًا وَخَرَجَ بَعْضُهُ دُونَ الْبَعْضِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّ النِّفَاسَ إنْ كَانَ دَمًا يَخْرُجُ عَقِيبَ النَّفْسِ فَقَدْ وُجِدَ بِوِلَادَةِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ دَمًا يَخْرُجُ بَعْدَ تَنَفُّسِ الرَّحِمِ فَقَدْ وُجِدَ أَيْضًا بِخِلَافِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِفَرَاغِ الرَّحِمِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَالنِّفَاسُ يَتَعَلَّقُ بِتَنَفُّسِ الرَّحِمِ، أَوْ بِخُرُوجِ النَّفْسِ وَقَدْ وُجِدَ أَوْ يَقُولُ: بَقَاءُ الْوَلَدِ فِي الْبَطْنِ لَا يُنَافِي النِّفَاسَ لِانْفِتَاحِ فَمِ الرَّحِمِ فَأَمَّا الْحَيْضُ مِنْ الْحُبْلَى فَمُمْتَنِعٌ لِانْسِدَادِ فَمِ الرَّحِمِ، وَالْحَيْضُ اسْمٌ لِدَمٍ يَخْرُجُ مِنْ الرَّحِمِ فَكَانَ الْخَارِجُ دَمَ عِرْقٍ لَا دَمَ رَحِمٍ.
(وَأَمَّا) قَوْلُهُمَا وُجِدَ تَنَفُّسُ الرَّحِمِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَمَمْنُوعٌ بَلْ وُجِدَ عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ لِوُجُودِ خُرُوجِ الْوَلَدِ بِكَمَالِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ، لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنْهُ إنْ كَانَ أَقَلُّهُ لَمْ تَصِرْ نُفَسَاءَ حَتَّى قَالُوا: يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُصَلِّيَ، وَتَحْفِرَ لَهَا حَفِيرَةً، لِأَنَّ النِّفَاسَ يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَادَةِ وَلَمْ يُوجَدْ لِأَنَّ الْأَقَلَّ يُلْحَقُ بِالْعَدَمِ بِمُقَابَلَةِ الْأَكْثَرِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَارِجُ أَكْثَرَهُ فَالْمَسْأَلَةُ مَمْنُوعَةٌ، أَوْ هِيَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَقَدْ وُجِدَتْ الْوِلَادَةُ عَلَى طَرِيقِ الْكَمَالِ فَالدَّمُ الَّذِي يَعْقُبُهُ يَكُونُ نِفَاسًا ضَرُورَةً وَالسِّقْطُ إذَا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ فَهُوَ مِثْلُ الْوَلَدِ التَّامِّ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الْوِلَادَةِ مِنْ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَصَيْرُورَةِ الْمَرْأَةِ نُفَسَاءَ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ وَلَدًا مَخْلُوقًا عَنْ الذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ اسْتَبَانَ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ لِأَنَّا لَا نَدْرِي ذَاكَ هُوَ الْمَخْلُوقُ مِنْ مَائِهِمَا، أَوْ دَمٍ جَامِدٍ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْأَخْلَاطِ الرَّدِيَّةِ اسْتَحَالَ إلَى صُورَةِ لَحْمٍ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْوِلَادَةِ.
(وَأَمَّا) أَحْوَالُ الدَّمِ فَنَقُولُ: الدَّمُ قَدْ يُدَرُّ دُرُورًا مُتَّصِلًا وَقَدْ يُدَرُّ مَرَّةً، وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ اسْتِمْرَارًا مُتَّصِلًا، وَالثَّانِي مُنْفَصِلًا (أَمَّا) الِاسْتِمْرَارُ الْمُتَّصِلُ فَحُكْمُهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنْ يُنْظَرَ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُبْتَدَأَةٌ فَالْعَشَرَةُ مِنْ أَوَّلِ مَا رَأَتْ حَيْضٌ، وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ طُهْرُهَا هَكَذَا إلَى أَنْ يُفَرِّجَ اللَّهُ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ صَاحِبَةَ عَادَةٍ فَعَادَتُهَا فِي الْحَيْضِ حَيْضُهَا، وَعَادَتُهَا فِي الطُّهْرِ طُهْرُهَا، وَتَكُونُ مُسْتَحَاضَةً فِي أَيَّامِ طُهْرِهَا.
(وَأَمَّا) الِاسْتِمْرَارُ الْمُنْفَصِلُ فَهُوَ أَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ مَرَّةً دَمًا وَمَرَّةً طُهْرًا هَكَذَا فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا كَانَ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا يَكُونُ فَاصِلًا بَيْن الدَّمَيْنِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُ الدَّمَيْنِ حَيْضًا يُجْعَلُ ذَلِكَ حَيْضًا، وَإِنْ أَمْكَنَ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْضًا يُجْعَلُ حَيْضًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا حَيْضًا لَا يُجْعَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا، وَكَذَا لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَكُونُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الدَّمَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ الطُّهْرِ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا يَكُونُ طُهْرًا فَاسِدًا وَلَا يَكُونُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ بَلْ يَكُونُ كُلُّهُ كَدَمٍ مُتَوَالٍ، ثُمَّ يُقَدَّرُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ حَيْضًا يُجْعَلُ حَيْضًا، وَالْبَاقِي يَكُونُ اسْتِحَاضَةً وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الدَّمَ إذَا كَانَ فِي طَرَفَيْ الْعَشَرَةِ فَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَهُمَا لَا يَكُونُ فَاصِلًا، وَيُجْعَلُ كُلُّهُ كَدَمٍ مُتَوَالٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّمُ فِي طَرَفَيْ الْعَشَرَةِ كَانَ الطُّهْرُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُ الدَّمَيْنِ حَيْضًا يُجْعَلُ ذَلِكَ حَيْضًا، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْضًا يُجْعَلُ أَسْرَعُهُمَا حَيْضًا، وَهُوَ أَوَّلُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُ أَحَدِهِمَا حَيْضًا لَا يُجْعَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الدَّمَ إذَا كَانَ فِي طَرَفَيْ الْعَشَرَةِ، وَكَانَ بِحَالٍ لَوْ جُمِعَتْ الدِّمَاءُ الْمُتَفَرِّقَةُ تَبْلُغُ
[ ١ / ٤٣ ]
حَيْضًا لَا يَصِيرُ الطُّهْرُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ.
وَيَكُونُ كُلُّهُ حَيْضًا، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ جُمِعَ لَا يَبْلُغُ حَيْضًا يَصِيرُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُ الدَّمَيْنِ حَيْضًا يُجْعَلُ ذَلِكَ حَيْضًا، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْضًا يُجْعَلُ أَسْرَعُهُمَا حَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا حَيْضًا وَلَا يُجْعَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَكُونُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ، وَكُلُّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَالِي، وَإِذَا كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَانَ فَاصِلًا بَيْنَهُمَا، ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُ الدَّمَيْنِ حَيْضًا جُعِلَ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْضًا يُجْعَلُ أَسْرَعُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَلَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا لَا يُجْعَلُ حَيْضًا، وَاخْتَارَ مُحَمَّدٌ لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ مَذْهَبًا فَقَالَ: الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يُعْتَبَرُ فَاصِلًا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الدَّمَيْنِ، وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ الْمُتَوَالِي، وَإِذَا كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَهُوَ طُهْرٌ كَثِيرٌ فَيُعْتَبَرُ لَكِنْ يُنْظَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ الطُّهْرُ مِثْلَ الدَّمَيْنِ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ الدَّمَيْنِ فِي الْعَشَرَةِ لَا يَكُونُ فَاصِلًا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الدَّمَيْنِ يَكُونُ فَاصِلًا، ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا حَيْضًا جُعِلَ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْضًا يُجْعَلُ أَسْرَعُهُمَا حَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا حَيْضًا لَا يُجْعَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا، وَتَقْرِيرُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، وَتَفْسِيرُهَا يُذْكَرُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَأَمَّا) حُكْمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فَمَنْعُ جَوَازِ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ إلَّا بِغِلَافٍ، وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْجُنُبِ إلَّا أَنَّ الْجُنُبَ يَجُوزَ لَهُ أَدَاءُ الصَّوْمِ مَعَ الْجَنَابَةِ وَلَا يَجُوزُ لِلْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءِ لِأَنَّ الْحَيْضَ، وَالنِّفَاسَ أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ، أَوْ بِأَنَّ النَّصَّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ - ﷺ - «تَقْعُدُ إحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمْرِهَا لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي»، أَوْ ثَبَتَ مَعْلُولًا بِدَفْعِ الْحَرَجِ؛ لِأَنَّ دُرُورَ الدَّمِ يُضْعِفُهُنَّ مَعَ أَنَّهُنَّ خُلِقْنَ ضَعِيفَاتٍ فِي الْجِبِلَّةِ فَلَوْ كُلِّفْنَ بِالصَّوْمِ لَا يَقْدِرْنَ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ إلَّا بِحَرَجٍ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْجَنَابَةِ، وَلِهَذَا الْجُنُبُ يَقْضِي الصَّلَاةَ، وَالصَّوْمَ، وَهُنَّ لَا يَقْضِينَ الصَّلَاةَ، لِأَنَّ الْحَيْضَ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ إلَى الْعَشَرَةِ فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهَا صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ فَتُحْرَجُ فِي قَضَائِهَا وَلَا حَرَجَ فِي قَضَاءِ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ فِي السَّنَةِ، وَكَذَا يَحْرُمُ الْقُرْبَانُ فِي حَالَتَيْ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ وَلَا يَحْرُمُ قُرْبَانُ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَجْنَبَتْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وَمِثْلُ هَذَا لَمْ يَرِدْ فِي الْجَنَابَةِ بَلْ وَرَدَتْ الْإِبَاحَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] أَيْ: الْوَلَدَ فَقَدْ أَبَاحَ الْمُبَاشَرَةَ، وَطَلَبَ الْوَلَدِ، وَذَلِكَ بِالْجِمَاعِ مُطْلَقًا عَنْ الْأَحْوَالِ.
(وَأَمَّا) حُكْمُ الِاسْتِحَاضَةِ فَالْمُسْتَحَاضَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ غَيْرَ أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا.