(وَأَمَّا) الثَّانِي فَهُوَ الْقَهْقَهَةُ فِي صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ، وَهِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي لَهَا رُكُوعٌ، وَسُجُودٌ، فَلَا يَكُونُ حَدَثًا خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَلَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ.
وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَكُونَ حَدَثًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا خِلَافَ فِي التَّبَسُّمِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَدَثًا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَى جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ «الضَّحِكُ يَنْقُضُ الصَّلَاةَ، وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ»، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْحَدَثُ حَقِيقَةً، وَلَا مَا هُوَ سَبَبُ وُجُودِهِ، وَالْوُضُوءُ لَا يُنْتَقَضُ إلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ، وَلِهَذَا لَمْ يُنْتَقَضْ بِالْقَهْقَهَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَفِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلَا يُنْقَضُ بِالتَّبَسُّمِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ فِي الْمَشَاهِيرِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ «كَانَ يُصَلِّي فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فِي عَيْنَيْهِ سَوْءٌ فَوَقَعَ فِي بِئْرٍ عَلَيْهَا خُصْفَةٌ فَضَحِكَ بَعْضُ مَنْ خَلْفِهِ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - الصَّلَاةَ قَالَ مَنْ قَهْقَهَ مِنْكُمْ فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ، وَالصَّلَاةَ، وَمِنْ تَبَسَّمَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ» طَعَنَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي الْحَدِيث مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِئْرٌ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِالصَّحَابَةِ الضَّحِكُ خُصُوصًا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهَذَا الطَّعْنُ فَاسِدٌ لِأَنَّا مَا رَوَيْنَا الصَّلَاةَ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى أَنَّهُ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ حَفِيرَةٌ يُجْمَعُ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ، وَمِثْلُهَا يُسَمَّى بِئْرًا.
وَكَذَا مَا رَوَيْنَا أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ، أَوْ الْعَشَرَةَ الْمُبَشِّرِينَ أَوْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، أَوْ فُقَهَاءَ الصَّحَابَةِ، وَكِبَارَ الْأَنْصَارِ هُمْ الَّذِينَ ضَحِكُوا بَلْ كَانَ الضَّاحِكُ بَعْضُ الْأَحْدَاثِ، أَوْ الْأَعْرَابِ، أَوْ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ، حَتَّى رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَحَدِيثُ جَابِرٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا دُونِ الْقَهْقَهَةِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلَائِلِ مَعَ أَنَّهُ قِيلَ إنَّ الضَّحِكَ مَا يُسْمِعُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ، وَلَا يُسْمِعُ جِيرَانَهُ، وَالْقَهْقَهَةُ مَا يُسْمِعُ جِيرَانَهُ، وَالتَّبَسُّمُ مَا لَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ، وَلَا جِيرَانَهُ وَقَوْلُهُ لَمْ يُوجَدْ الْحَدَثُ، وَلَا سَبَبُ وُجُودِهِ مُسَلَّمٌ لَكِنْ هَذَا حُكْمُ عُرْفٍ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ، وَالنَّصُّ وَرَدَ بِانْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ فِي صَلَاةٍ مُسْتَتِمَّةِ الْأَرْكَانِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ.
وَرُوِيَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ أَنَّهُ قَالَ «مَا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إلَّا تَبَسَّمَ، وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ» .
وَرُوِيَ «أَنَّهُ - ﷺ - تَبَسَّمَ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا فَرَغَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَتَانِي جِبْرِيلُ - ﵇ -، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ مَنْ صَلَّى عَلَيْك مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا»، وَلَوْ قَهْقَهَ الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ جَمِيعًا فَإِنْ قَهْقَهَ الْأَمَامُ أَوَّلًا انْتَقَضَ وَضْؤُهُ دُونَ الْقَوْمِ، لِأَنَّ قَهْقَهَتَهُمْ لَمْ تُصَادِفْ تَحْرِيمَةَ الصَّلَاةِ لِفَسَادِ صَلَاتِهِمْ بِفَسَادِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَجَعَلْت قَهْقَهْتُمْ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ قَهْقَهَ الْقَوْمُ أَوَّلًا، ثُمَّ الْإِمَامُ انْتَقَضَ طَهَارَةُ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ قَهْقَهَتَهُمْ حَصَلَتْ فِي الصَّلَاةِ أَمَّا الْقَوْمُ، فَلَا إشْكَالَ.
وَأَمَّا الْإِمَامُ فَلِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ بِخُرُوجِ الْقَوْمِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَهْقَهُوا مَعًا لِأَنَّ قَهْقَهَةَ الْكُلِّ حَصَلَتْ فِي تَحْرِيمَةِ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا تَغْمِيضُ الْمَيِّتِ وَغَسْلِهِ وَحَمْلُ الْجِنَازَةِ وَأَكْلُ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ وَالْكَلَامُ الْفَاحِشِ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَدَثًا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ ذَلِكَ حَدَثٌ وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ غَمَّضَ مَيِّتًا فَلْيَتَوَضَّأْ، وَمَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَ جِنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ»، وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ لِلْمُتَسَابَّيْنِ إنَّ بَعْضَ مَا أَنْتُمَا فِيهِ لَشَرٌّ مِنْ الْحَدَثِ فَجَدِّدَا الْوُضُوءَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ»، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ مِنْ لَحْمِ الْإِبِلِ خَاصَّةً.
وَرُوِيَ «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» (وَلَنَا) مَا رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّمَا عَلَيْنَا الْوُضُوءُ مِمَّا يَخْرُجُ لَيْسَ مِمَّا يَدْخُلُ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - الْوُضُوءُ مِمَّا يَخْرُجُ، يَعْنِي: الْخَارِجَ النَّجِسَ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَالْمَعْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْحَدَثَ هُوَ خُرُوجُ النَّجَسِ حَقِيقَةً، أَوْ مَا هُوَ سَبَبُ الْخُرُوجِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - حِينَ بَلَغَهُ حَدِيثُ حَمْلِ الْجِنَازَةِ فَقَالَ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَسِّ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا يَغْلِبُ وُجُودُهَا فَلَوْ جُعِلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَدَثًا لَوَقَعَ النَّاسِ فِي الْحَرَجِ، وَمَا رَوَوْا أَخْبَارَ آحَادٍ وَرَدَتْ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَيَغْلِبُ وُجُودُهُ، وَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي مِثْلِهِ، لِأَنَّهُ دَلِيلُ عَدَمِ الثُّبُوتِ إذْ لَوْ ثَبَتَ لَاشْتَهَرَ بِخِلَافِ خَبَرِ الْقَهْقَهَةِ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَشَاهِيرِ مَعَ أَنَّهُ مَا وَرَدَ فِيمَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، لِأَنَّ الْقَهْقَهَةَ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا لَا يَغْلِبُ وُجُودُهُ، وَلَوْ ثَبَتَ مَا رَوَوْا فَالْمُرَادُ مِنْ الْوُضُوءِ بِتَغْمِيضِ الْمَيِّتِ غَسْلُ الْيَدِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لَا يَخْلُو عَنْ قَذَارَةٍ عَادَةً، وَكَذَا بِأَكْلِ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، وَلِهَذَا خَصَّ لَحْمَ الْإِبِلِ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ لَهُ
[ ١ / ٣٢ ]
مِنْ اللُّزُوجَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وَهَكَذَا رُوِيَ «أَنَّهُ أَكَلَ طَعَامًا فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَقَالَ هَكَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ»، وَالْمُرَادُ مِنْ حَدِيثِ الْغُسْلِ فَلْيَغْتَسِلْ إذَا أَصَابَتْهُ الْغَسَّالَاتُ النَّجِسَةُ وَقَوْلُهُ فَلْيَتَوَضَّأْ فِي حَمْلِ الْجِنَازَةِ لِلْمُحْدِثِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَعَائِشَةُ - ﵂ - إنَّمَا نَدَبَتْ الْمُتَسَابَّيْنِ إلَى تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ تَكْفِيرًا لِذَنْبِ سَبِّهِمَا.
وَمَنْ تَوَضَّأَ، ثُمَّ جَزَّ شَعْرَهُ، أَوْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ، أَوْ قَصَّ شَارِبَهُ، أَوْ نَتَفَ إبِطَيْهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَعِنْدَ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي قَلْمِ الظُّفْرِ وَجَزِّ الشَّعْرِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ مَا حَصَلَ فِيهِ التَّطْهِيرُ قَدْ زَالَ، وَمَا ظَهَرَ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ التَّطْهِيرُ فَأَشْبَهَ نَزْعَ الْخُفَّيْنِ.
(وَلَنَا) أَنَّ الْوُضُوءَ قَدْ تَمَّ؛ فَلَا يُنْتَقَضُ إلَّا بِالْحَدَثِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ يَحِلُّ ظَاهِرَ الْبَدَنِ.
وَقَدْ زَالَ الْحَدَثُ عَنْ الظَّاهِرِ إمَّا بِالْغَسْلِ، أَوْ بِالْمَسْحِ، وَمَا بَدَا لَمْ يَحِلَّهُ الْحَدَثُ السَّابِقُ، وَبَعْدَ بُدُوِّهِ لَمْ يُوجَدْ حَدَثٌ آخَرُ، فَلَا تُعْقَلُ إزَالَتُهُ بِخِلَافِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، لِأَنَّ الْوُضُوءِ هُنَاكَ لَمْ يَتِمَّ، لِأَنَّ تَمَامَهُ بِغَسْلِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَقَامَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ لِضَرُورَةِ تَعَذُّرِ النَّزْعِ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَإِذَا نَزَعَ زَالَتْ الضَّرُورَةُ فَوَجَبَ غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ تَتْمِيمًا لِلْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ نَتْفَ الْإِبِطِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يَظْهَرُ بِالنَّتْفِ مَحَلًّا لِحُلُولِ الْحَدَثِ فِيهِ بِخِلَافِ قَلْمِ الْأَظْفَارِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ مَنْ مَسَحَ إبِطَيْهِ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَتَأْوِيلُهُ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ لِتَلَوُّثِهِمَا بِعَرَقِهِ.
وَلَوْ مَسَّ كَلْبًا، أَوْ خِنْزِيرًا، أَوْ وَطِئَ نَجَاسَةً لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ لِانْعِدَامِ الْحَدَثِ حَقِيقَةً، وَحُكْمًا إلَّا أَنَّهُ إذَا الْتَزَقَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِلَّا، فَلَا.
وَمَنْ أَيْقَنَ بِالطَّهَارَةِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْحَدَثِ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَهُوَ عَلَى الْحَدَثِ، لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ الْمُتَوَضِّئُ إذَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ دَخَلَ الْخَلَاءَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَشَكَّ أَنَّهُ خَرَجَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهَا، أَوْ بَعْدَ مَا قَضَاهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَا خَرَجَ إلَّا بَعْدَ قَضَائِهَا، وَكَذَلِكَ الْمُحْدِثُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ جَلَسَ لِلْوُضُوءِ، وَمَعَهُ الْمَاءُ، وَشَكَّ فِي أَنَّهُ تَوَضَّأَ، أَوْ قَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ، فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَقُومُ مَا لَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَوْ شَكَّ فِي بَعْضِ وُضُوئِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا شَكَّ غَسَلَ الْمَوْضِعَ الَّذِي شَكَّ فِيهِ، لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْحَدَثِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَفِي شَكِّ مَنْ غَسَلَهُ.
وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلَ مَا شَكَّ أَنَّ الشَّكَّ فِي مِثْلِهِ لَمْ يَصِرْ عَادَةً لَهُ؛ لَا أَنَّهُ لَمْ يَبْتَلَّ بِهِ قَطُّ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ ذَلِكَ كَثِيرًا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَسْوَسَةٌ، وَالسَّبِيلُ فِي الْوَسْوَسَةِ قَطْعُهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِذَلِكَ لَأَدَّى إلَى أَنْ يَتَفَرَّعَ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَلَوْ تَوَضَّأَ، ثُمَّ رَأَى الْبَلَلَ سَائِلًا مِنْ ذَكَرِهِ أَعَادَ الْوُضُوءَ لِوُجُودِ الْحَدَثِ، وَهُوَ سَيَلَانُ الْبَوْلِ، وَإِنَّمَا قَالَ رَآهُ سَائِلًا لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْبَلَلِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَاءِ الطَّهَارَةِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ بَوْلٌ ظَهَرَ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَائِلًا، وَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يُرِيه ذَلِكَ كَثِيرًا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ بَوْلٌ، أَوْ مَاءٌ مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْوَسْوَسَةِ فَيَجِبُ قَطْعُهَا وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَنْفُخُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ فَيَقُولُ أَحْدَثْت أَحْدَثْت، فَلَا يَنْصَرِفْ، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا» .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْضَحَ فَرْجَهُ، أَوْ إزَارَهُ بِالْمَاءِ إذَا تَوَضَّأَ قَطْعًا لِهَذِهِ الْوَسْوَسَةِ، حَتَّى إذَا أَحَسَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَحَالَهُ إلَى ذَلِكَ الْمَاءِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ كَانَ يَنْضَحُ إزَارَهُ بِالْمَاءِ إذَا تَوَضَّأَ»، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَالَ «نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه، وَأَمَرَنِي بِذَلِكَ» .
مَطْلَبُ مَسِّ الْمُصْحَفِ (وَأَمَّا) الثَّانِي، وَهُوَ بَيَانُ حُكْمِ الْحَدَثِ فَلِلْحَدَثِ أَحْكَامٌ، وَهِيَ أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْمُحْدِثِ أَدَاءُ الصَّلَاةِ لِفَقْدِ شَرْطِ جَوَازِهَا، وَهُوَ الْوُضُوءُ قَالَ - ﷺ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِوُضُوءٍ»، وَلَا مَسُّ الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ غُلَافٍ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُبَاحُ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ غُلَافٍ وَقَاسَ الْمَسَّ عَلَى الْقِرَاءَةِ فَقَالَ: يَجُوزُ لَهُ الْقِرَاءَةُ فَيَجُوزُ لَهُ الْمَسُّ.
(وَلَنَا) قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ»، وَلِأَنَّ تَعْظِيمَ الْقُرْآنِ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ مِنْ التَّعْظِيمِ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِيَدٍ حَلَّهَا حَدَثٌ، وَاعْتِبَارُ الْمَسِّ بِالْقِرَاءَةِ غَيْرُ سَدِيدٍ، لِأَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْفَمِ وَظَهَرَ فِي الْيَدِ بِدَلِيلٍ أَنَّهُ افْتَرَضَ غَسْلَ الْيَدِ، وَلَمْ يَفْتَرِضْ غَسْلَ الْفَمِ فِي الْحَدَثِ فَبَطَلَ الِاعْتِبَارُ، وَلَا مَسُّ الدَّرَاهِمِ الَّتِي عَلَيْهَا الْقُرْآنُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمُصْحَفِ كَحُرْمَةِ مَا كُتِبَ مِنْهُ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْكِتَابَةُ فِي الْمُصْحَفِ، وَعَلَى الدَّرَاهِمِ، وَلَا مَسُّ كِتَابِ التَّفْسِيرِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَسِّهِ مَاسًّا لِلْقُرْآنِ.
وَأَمَّا مَسُّ كِتَابِ الْفِقْهِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ
[ ١ / ٣٣ ]
وَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ.
وَإِنْ طَافَ جَازَ مَعَ النُّقْصَانِ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ شَبِيهٌ بِالصَّلَاةِ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ»، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَلَاةٍ حَقِيقِيَّةٍ فَلِكَوْنِهِ طَوَافًا حَقِيقَةً يَحْكُمُ بِالْجَوَازِ، وَلِكَوْنِهِ شَبِيهًا بِالصَّلَاةِ يُحْكَمَ بِالْكَرَاهَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْغِلَافَ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْسِيرَهُ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي تَفْسِيرِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْجِلْدُ الْمُتَّصِلُ بِالْمُصْحَفِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْكُمُّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ الْغِلَافُ الْمُنْفَصِلُ عَنْ الْمُصْحَفِ، وَهُوَ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الْمُصْحَفُ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْجِلْدِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الثَّوْبِ، وَهُوَ الْخَرِيطَةُ، لِأَنَّ الْمُتَّصِلَ بِهِ تَبَعٌ لَهُ فَكَانَ مَسُّهُ مَسًّا لِلْقُرْآنِ، وَلِهَذَا لَوْ لِبَيْعِ الْمُصْحَفُ دَخَلَ الْمُتَّصِلُ بِهِ فِي الْبَيْعِ، وَالْكُمُّ تَبَعٌ لِلْحَامِلِ فَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ فَلَيْسَ بِتَبَعٍ، حَتَّى لَا يَدْخُلَ فِي بَيْعِ الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّمَا يُكْرَهُ لَهُ مَسُّ الْمَوْضِعِ الْمَكْتُوبِ دُونَ الْحَوَاشِي، لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّ الْقُرْآنَ حَقِيقَةً، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُكْرَهُ مَسُّ كُلِّهِ، لِأَنَّ الْحَوَاشِيَ تَابِعَةٌ لِلْمَكْتُوبِ فَكَانَ مَسُّهَا مَسًّا لِلْمَكْتُوبِ، وَيُبَاحُ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «كَانَ لَا يَحْجِزُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إلَّا الْجَنَابَةُ» .
وَيُبَاحُ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ وُفُودَ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، وَالصَّلَاةُ حَتَّى يَجِبَ قَضَاؤُهُمَا بِالتَّرْكِ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ أَدَاءِ الصَّوْمِ، فَلَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ وُجُوبِهِ، وَلَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ يُنَافِي أَهْلِيَّةَ أَدَائِهَا، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ رَفْعُهُ بِالطَّهَارَةِ.