(فَصْلٌ):
وَأَمَّا عَدَدُهَا فَالْخَمْسُ، ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، (أَمَّا) الْكِتَابُ فَمَا تَلَوْنَا مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا فَرْضِيَّةُ خَمْسِ صَلَوَاتٍ وقَوْله تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَوَاتِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَعَطَفَ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى عَلَيْهَا، وَالْمَعْطُوفُ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ فَهَذَا يَقْتَضِي جَمْعًا يَكُونُ لَهُ وُسْطَى.
وَالْوُسْطَى غَيْرُ ذَلِكَ الْجَمْعِ، وَأَقَلُّ جَمْعٍ يَكُونُ لَهُ وُسْطَى، وَالْوُسْطَى غَيْرُ ذَلِكَ الْجَمْعِ هُوَ الْخَمْسُ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ وَالسِّتَّ لَا وُسْطَى لَهُمَا، وَكَذَا هُوَ شَفْعٌ إذْ الْوَسَطُ مَا لَهُ حَاشِيَتَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الشَّفْعِ، وَالثَّلَاثُ لَهُ وُسْطَى لَكِنَّ الْوُسْطَى لَيْسَ غَيْرَ الْجَمْعِ إذْ الِاثْنَانِ لَيْسَا بِجَمْعٍ صَحِيحٍ، وَالسَّبْعَةُ وَكُلُّ وِتْرٍ بَعْدَهَا لَهُ وُسْطَى لَكِنَّهُ لَيْسَ بِأَقَلِّ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ الْخَمْسَةَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ.
وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا عَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا؟ فَقَالَ - ﵊ - لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» وَالْأُمَّةُ أَجْمَعَتْ عَلَى هَذَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ: إنَّ الْوِتْرَ سُنَّةٌ لِمَا أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ، وَالسُّنَنَ الْمُتَوَاتِرَةَ وَالْمَشْهُورَةَ مَا أَوْجَبَتْ زِيَادَةً عَلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ فَالْقَوْلُ بِفَرْضِيَّةِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ يَكُونُ قَوْلًا بِفَرْضِيَّةِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ، وَأَنَّهُ خِلَافُ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَلَا يَلْزَمُ هَذَا أَبَا حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِفَرْضِيَّةِ الْوِتْرِ وَإِنَّمَا يَقُولُ بِوُجُوبِهِ (وَالْفَرْقُ) بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْفَرْضِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.