جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُخَالِطُ لَهُ يُخَالِفُهُ فِي الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إذَا غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ يُخَالِفُهُ فِي وَصْفٍ وَاحِدٍ أَوْ وَصْفَيْنِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ اعْتَبَرَ بِالْأَجْزَاءِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُخَالِطُ لَا يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصِّفَاتِ فَإِذَا نَظَرْت وَتَأَمَّلْت وَجَدْت مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا، وَوَجَدْت بَعْضَهَا مُصَرَّحًا بِهِ وَبَعْضَهَا مُشَارًا إلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا تَغَيَّرَ بِمَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُقَيَّدٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ مَاءُ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوُهُ، وَلَنَا قَوْلُهُ - ﵇ - «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» قَالَهُ لِمُحْرِمٍ وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، وَعَنْ «أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» الْحَدِيثَ «وَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ حِينَ أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» فَلَوْلَا أَنَّهُ طَهُورٌ لَمَا أَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ، وَلَمَا «اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِمَاءٍ فِيهِ أَثَرُ الْعَجِينِ» وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - «أَنَّهُ - ﵇ - كَانَ يَغْتَسِلُ وَيَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ وَهُوَ جُنُبٌ وَيُجْتَزَى بِذَلِكَ وَلَا يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ»، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ وَإِضَافَتُهُ إلَى الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ لِلتَّعْرِيفِ كَإِضَافَتِهِ إلَى الْبِئْرِ بِخِلَافِ مَاءِ الْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ حَيْثُ تَكُونُ إضَافَتُهُ لِلتَّقْيِيدِ، وَلِهَذَا يُنْفَى اسْمُ الْمَاءِ عَنْهُ وَلَا يَجُوزُ نَفْيُهُ عَنْ الْأَوَّلِ.
قَالَ - ﵀ - (وَبِمَاءٍ دَائِمٍ فِيهِ نَجَسٌ إنْ لَمْ يَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ) أَيْ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءٍ رَاكِدٍ دَائِمٍ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَبْلُغْ الْمَاءُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ «لِنَهْيِهِ - ﵊ - عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَعَنْ غَمْسِ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا»، وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ لِقَوْلِهِ - ﵇ - «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ» الْحَدِيثَ. وَلَنَا مَا رَوَيْنَاهُ وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَاءِ الْجَارِي لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ فَعَمِلْنَا بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِ بَعْضِهَا وَلِأَنَّ حَدِيثَ بِئْرِ بُضَاعَةَ لَمْ يَثْبُتْ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَلَا يُعَارِضُ الصَّحِيحَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لِقَوْلِهِ - ﵇ - «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ حَتَّى قَالَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ الْحَدِيثُ غَيْرُ قَوِيٍّ وَقَدْ تَرَكَهُ الْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ مَعَ شِدَّةِ اتِّبَاعِهِمَا لِلشَّافِعِيِّ لِضَعْفِهِ فَلَا يُعَارِضُ مَا رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّ الْقِلَّةَ مَجْهُولَةٌ لِتَفَاوُتِ الْقُلَلِ فَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا فَلَا يَتَعَبَّدُنَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَجْهُولٍ وَتَقْدِيرُهُ بِمَا قَدَّرَهُ بِهِ الشَّافِعِيُّ لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ الرَّائِي فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِالنَّقْلِ، وَلِأَنَّ الْقِلَّةَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُقَالُ لِرَأْسِ الْجَبَلِ قُلَّةٌ وَلِلْجَرَّةِ قُلَّةٌ وَلِلْحِبِّ قُلَّةٌ وَلِرَأْسِ الْإِنْسَانِ قُلَّةٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَعْلَاهُ قُلَّةٌ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى أَحَدِهَا إلَّا بِدَلِيلٍ.
قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ
لَنَقْلُ الصَّخْرِ مِنْ قُلَلِ الْجِبَالِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ ذُلِّ السُّؤَالِ
قَالَ - ﵀ - (فَهُوَ كَالْجَارِي) أَيْ إذَا بَلَغَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ يَكُونُ كَالْجَارِي حَتَّى لَا يَتَنَجَّسَ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَقَوْلُهُ فَهُوَ كَالْجَارِي بِالْفَاءِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْوَاوُ أَوْلَى لِئَلَّا تَلْتَبِسَ بِالْجَوَابِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَهُوَ كَالْجَارِي فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى ثُمَّ فِي قَوْلِهِ كَالْجَارِي إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ أَخَذَ مَشَايِخُ بُخَارَى وَبَلْخٍ وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ مَوْضِعَ الْوُقُوعِ يَتَنَجَّسُ
_________________
(١) [حاشية الشِّلْبِيِّ] (قَوْلُهُ حَيْثُ تَكُونُ إضَافَتُهُ لِلتَّقْيِيدِ) وَعَلَامَةُ إضَافَةِ التَّقْيِيدِ قُصُورُ الْمَاهِيَّةِ فِي الْمُضَافِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَصَلَّى الظُّهْرَ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مُطْلَقَةٌ إضَافَتُهَا إلَى الظُّهْرِ لِلتَّعْرِيفِ، وَلَا يَحْنَثُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ، وَإِضَافَتُهَا إلَى الْجِنَازَةِ لِلتَّقْيِيدِ كَذَا فِي الدِّرَايَةِ وَفِي مُشْكِلَاتِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي بَابِ الْكُسُوفِ كُلُّ مَا كَانَتْ الْمَاهِيَّةُ فِيهِ كَامِلَةً فَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ، وَمَا كَانَتْ مَاهِيَّتُهُ نَاقِصَةً فَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلتَّقْيِيدِ. نَظِيرُ الْأَوَّلِ مَاءُ السَّمَاءِ وَمَاءُ الْبَحْرِ وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ، وَنَظِيرُ الثَّانِي مَاءُ الْبَاقِلَاءِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ اهـ. (قَوْلُهُ وَلِهَذَا يَنْفِي اسْمُ الْمَاءِ عَنْهُ) يَقُولُ مَا شَرِبْت مَاءً، وَإِنْ كَانَ شَرِبَ مَاءَ الْبِطِّيخِ وَنَحْوَهُ وَالْحَقِيقَةُ لَا تُنْفَى. اهـ. [الْمَاء الَّذِي لَا يتنجس بوقوع النَّجَاسَة فِيهِ] . (قَوْلُهُ وَلَمْ يَبْلُغْ الْمَاءُ عَشْرًا) كَالْأَوَانِي وَالْآبَارِ (قَوْلُهُ «لِنَهْيِهِ - ﵊ - عَنْ الْبَوْلِ») قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَأَمَّا الْبَوْلُ فِيهِ فَمَكْرُوهٌ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا دَائِمًا أَوْ جَارِيًا وَسَمَّى أَبُو حَنِيفَةَ - ﵁ - مَنْ يَبُولُ فِي الْمَاءِ الْجَارِي جَاهِلًا اهـ. (قَوْلُهُ بِئْرُ بُضَاعَةَ) بِئْرٌ قَدِيمَةٌ بِالْمَدِينَةِ وَعَنْ الْجَوْهَرِيِّ تُكْسَرُ وَتُضَمُّ. اهـ. كَافِي. (قَوْلُهُ وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ) وَاعْتِبَارُ عُمُومِ اللَّفْظِ إنَّمَا يَكُونُ أَوْلَى لَوْ لَمْ يَكُنْ الْعَامُّ مَخْصُوصًا، أَمَّا إذَا كَانَ مَخْصُوصًا فَلَا وَهَاهُنَا مَخْصُوصٌ بِدَلِيلٍ يُسَاوِيهِ وَهُوَ مَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ اهـ. رَازِيٌّ - ﵀ - (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْقُلَّةَ مَجْهُولَةٌ) الْقُلَّةُ الْجَرَّةُ تُحْمَلُ مِنْ الْيُمْنِ تَسَعُ فِيهَا قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا وَالْقُلَّتَانِ خَمْسُ قِرَبٍ كُلُّ قِرْبَةٍ خَمْسُونَ مَنًّا، وَقِيلَ جَرَّةٌ تَسَعُ فِيهَا مِائَةً وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ وَفِي الْحِلْيَةِ الْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ وَقِيلَ الْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ مَنٍّ، وَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ ثَلَثُمِائَةِ مَنٍّ وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ اهـ كَيْ. (قَوْلُهُ يُقَالُ لِرَأْسِ الْجَبَلِ قُلَّةٌ) وَلِقَامَةِ الرَّجُلِ قُلَّةٌ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إذَا بَلَغَ مَاءُ الْوَادِي قَدْرَ الْقَامَتَيْنِ أَوْ رَأْسَ الْجَبَلَيْنِ لَا يَحْتَمِلُ خَبَثًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَحْرًا أَوْ غَدِيرًا عَظِيمًا. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ إذَا بَلَغَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ) وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ عَدَدُ الْعَشَرَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْدَادِ؛ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ أَدْنَى مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ نَوْعُ الْأَعْدَادِ وَقِيلَ عَدَدٌ خَطَرَ فِي الشَّرْعِ، وَلِهَذَا اُعْتُبِرَ فِي نِصَابِ السَّرِقَةِ وَالْمَهْرِ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى)، وَلَكِنَّا إذَا جَعَلْنَا الْفَاءَ تَفْسِيرِيَّةً يَزُولُ الْإِشْكَالُ اهـ ع. (قَوْلُهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ) أَيْ إلَّا إذَا ظَهَرَ الْأَثَرُ (قَوْلُهُ إنَّ مَوْضِعَ الْوُقُوعِ يَتَنَجَّسُ) أَيْ فِي الرَّاكِدِ الَّذِي يَبْلُغُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ، وَأَمَّا الْجَارِي فَالْأَصَحُّ أَنَّ مَوْضِعَ الْوُقُوعِ فِيهِ لَا يَتَنَجَّسُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَرْئِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا قَوْلُ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ، وَقَدْ فَرَّقَ مَشَايِخُ بُخَارَى وَبَلْخٍ بَيْنَ الْمَرْئِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَقَالُوا فِي الْمَرْئِيَّةِ
[ ١ / ٢١ ]
ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْبَدَائِعِ وَالْمُفِيدِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْقُدُورِيُّ بِقَوْلِهِ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ أَنَّ كُلَّ مَا خَالَطَهُ النَّجَسُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ جَارِيًا وَهُوَ الصَّحِيحُ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْوُقُوعِ لَا يَتَنَجَّسُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ إلَّا كَالْجَارِي فَإِذَا تَنَجَّسَ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ مِنْ الْجَارِي فَمِنْهُ أَوْلَى أَنْ يَتَنَجَّسَ، ثُمَّ الْعِبْرَةُ بِحَالَةِ الْوُقُوعِ فَإِنْ نَقَصَ بَعْدَهُ لَا يَتَنَجَّسُ وَعَلَى الْعَكْسِ لَا يَطْهُرُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْمَسْأَلَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ بِالتَّحْرِيكِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ بِالْمِسَاحَةِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ حَتَّى قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ أَنْ يَرْتَفِعَ وَيَنْخَفِضَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا بَعْدَ الْمُكْثِ وَلَا يُعْتَبَرُ أَصْلُ الْحَرَكَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَخْلُو عَنْهُ لِأَنَّهُ مُتَحَرِّكٌ بِطَبْعِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فِي التَّقْدِيرِ فَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْمِسَاحَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ وَمَشَايِخُ بَلْخٍ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ.
قَالَ أَبُو اللَّيْثِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ ثَمَانِيَ فِي ثَمَانٍ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ اثْنَيْ عَشَرَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ وَالذِّرَاعُ الْمَذْكُورُ فِيهِ ذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ وَهُوَ ذِرَاعُ الْعَامَّةِ سِتُّ قَبَضَاتٍ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُعْتَبَرُ ذِرَاعُ الْمِسَاحَةِ وَاخْتَارَهُ فِي خَيْرِ مَطْلُوبٍ وَهِيَ ذِرَاعُ الْمِلْكُ سَبْعَ قَبَضَاتٍ بِإِصْبَعٍ قَائِمَةٍ ثُمَّ لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَاءِ تَنَجَّسَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ إلَى عَشْرَةِ أَذْرُعٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى تَنَجُّسَ مَوْضِعِ الْوُقُوعِ، وَأَمَّا مَنْ اعْتَبَرَ بِالتَّحْرِيكِ فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَهُ بِالِاغْتِسَالِ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْهُ بِالتَّوَضُّؤِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالْيَدِ مِنْ غَيْرِ اغْتِسَالٍ وَلَا وُضُوءٍ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِغَمْسِ الرِّجْلِ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَخْلُصَ الْجُزْءُ الْمُسْتَعْمَلُ نَفْسُهُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ إلَّا بِحَرَكَةِ الِاسْتِعْمَالِ لَا بِالِاضْطِرَابِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَاءِ عَادَةً، وَقِيلَ يَكْفِي فِيهِ قَدْرُ النَّجَاسَةِ مِنْ الصِّبْغِ فَمَوْضِعٌ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الصِّبْغُ لَمْ يَتَنَجَّسْ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ التَّكَدُّرُ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَكْبَرُ الرَّأْيِ يَعْنِي رَأْيَ الْمُبْتَلَى بِهِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ وَصَلَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَإِلَّا جَازَ ذَكَرَهُ فِي الْغَايَةِ.
قَالَ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الظَّاهِرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ التَّحَرِّي وَالتَّفْوِيضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ مِنْ غَيْرِ تَحَكُّمٍ بِالتَّقْدِيرِ فِيمَا لَا تَقْدِيرَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ ثُمَّ، الْمُعْتَبَرُ فِي الْعُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ بِالِاغْتِرَافِ لِأَنَّهُ إذَا انْحَسَرَ يَنْقَطِعُ الْمَاءُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ وَيَصِيرُ الْمَاءُ فِي مَكَانَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْهِنْدُوَانِيُّ، وَالصَّحِيحُ إذَا أَخَذَ الْمَاءُ وَجْهَ الْأَرْضِ يَكْفِي وَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقِيلَ مُقَدَّرٌ بِذِرَاعٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَقِيلَ بِمِقْدَارِ شِبْرٍ وَقِيلَ بِزِيَادَةٍ عَلَى عَرْضِ الدِّرْهَمِ الْكَبِيرِ الْمِثْقَالِ، وَلَوْ تَنَجَّسَ
_________________
(١) [حاشية الشِّلْبِيِّ] لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ وَفِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ اهـ. يَحْيَى. (قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ) الْمَاءُ الْكَثِيرُ الَّذِي إذَا وَقَعَ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يَتَنَجَّسُ اخْتَلَفُوا فِي بَيَانِهِ فَقِيلَ: يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ وَلَا يُقَدَّرُ فِيهِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ، وَقِيلَ يُقَدَّرُ إمَّا بِالتَّحْرِيكِ أَوْ الْمِسَاحَةِ أَوْ تَغَيُّرِ اللَّوْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْآرَاءِ. اهـ. يَحْيَى الْحَوْضُ الْكَبِيرُ إذَا انْجَمَدَ مَاؤُهُ فَثَقَبَ إنْسَانٌ فِيهِ ثَقْبًا وَتَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إنْ كَانَ الْمَاءُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْجَمْدِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْحَوْضِ الْمُسَقَّفِ، وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْقَصْعَةِ قَالَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ وَقَالَ قَاضِي خَانْ حَوْضٌ كَبِيرٌ تَجَمَّدَ وَثُقِبَ إنْ كَانَ الْمَاءُ تَحْتَ الْجَمْدِ غَيْرَ مُلْتَزِقٍ بِالْجَمْدِ جَازَ فِيهِ الْوُضُوءُ، وَإِنْ كَانَ مُلْتَزِقًا بِالْجَمْدِ إلَّا أَنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِالتَّحْرِيكِ فَإِنْ حُرِّكَ الْمَاءُ عِنْدَ إدْخَالِ كُلِّ عُضْوٍ مَرَّةً جَازَ، وَإِنْ خَرَجَ الْمَاءُ مِنْ الثَّقْبِ وَانْبَسَطَ عَلَى وَجْهِ الْجَمْدِ بِقَدْرِ مَا لَوْ دَفَعَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ لَا يَنْحَسِرُ مَا تَحْتَهُ مِنْ الْجَمْدِ جَازَ فِيهِ الْوُضُوءُ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ فِي الثَّقْبِ كَالْمَاءِ فِي الطَّسْتِ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْوُضُوءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّقْبُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ، وَقَالَ قَاضِي خَانْ حَوْضٌ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَتَنَجَّسَ أَعْلَاهُ، ثُمَّ انْتَهَى إلَى مَوْضِعٍ هُوَ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ يَصِيرُ طَاهِرًا، وَيُجْعَلُ كَأَنَّ النَّجَاسَةَ وَقَعَتْ فِي الْحَالِ كَالْحَوْضِ الْمُنْجَمِدِ إذَا كَانَ الْمَاءُ فِي ثَقْبِهِ، وَثَقْبُهُ أَقَلُّ مِنْ عَشْرٍ فِي عَشْرٍ تَنَجَّسَ مَا كَانَ فِي الثَّقْبِ فَإِنْ قَلَّ الْمَاءُ وَتَسَفَّلَ يَطْهُرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَطْهُرُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، ثُمَّ انْبَسَطَ وَصَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ اهـ. (قَوْلُهُ ذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ) تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ أَقْصَرُ مِنْ ذِرَاعِ الْمِسَاحَةِ بِإِصْبَعٍ اهـ. كَافِي قَالَ الْكَاكِيُّ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الْكُتُبِ فِي تَعْيِينِ الذِّرَاعِ فَجُعِلَ الصَّحِيحُ هُنَا أَيْ فِي الْهِدَايَةِ ذِرَاعَ الْكِرْبَاسِ، وَهُوَ سَبْعُ مُشْتَاتٍ لَيْسَ فَوْقَ كُلِّ مُشْتٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ ذَكَرَهُ فِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَالْمُجْتَبَى وَجَعَلَ الصَّحِيحَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ ذِرَاعَ الْمِسَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِالْمَمْسُوحَاتِ وَهُوَ سَبْعُ مُشْتَاتٍ فَوْقَ كُلِّ مُشْتٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ وَفِي الْمُحِيطِ الْأَصَحُّ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ ذِرَاعُهُمْ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ وَالْمِسَاحَةِ اهـ. (قَوْلُهُ سِتُّ قَبَضَاتٍ) قَالَ الْكَمَالُ - ﵀ - وَذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ سِتُّ قَبَضَاتٍ لَيْسَ فَوْقَ كُلِّ قَبْضَةٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ، وَجَعَلَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ سَبْعًا اهـ. (قَوْلُهُ وَقِيلَ يُعْتَبَرُ التَّكَدُّرُ) أَيْ إنْ كَانَ الْمَاءُ بِحَالٍ لَوْ اغْتَسَلَ فِيهِ تَكَدَّرَ الْجَانِبُ الَّذِي اغْتَسَلَ فِيهِ بِسَبَبِ الِاغْتِسَالِ إنْ وَصَلَتْ الْكُدْرَةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَهُوَ مِمَّا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، وَإِنْ لَمْ تَصِلْ فَهُوَ مِمَّا لَا يَخْلُصُ نِهَايَةٌ. (قَوْلُهُ بِالِاغْتِرَافِ) أَيْ لَا يَنْكَشِفُ بِالِاغْتِرَافِ حَتَّى لَوْ انْحَسَرَ ثُمَّ اتَّصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. اهـ. كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَوْ تَنَجَّسَ الْحَوْضُ الصَّغِيرُ) قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ الْحَوْضُ الصَّغِيرُ إذَا كَانَ نَجِسًا فَدَخَلَ الْمَاءُ مِنْ جَانِبٍ، وَخَرَجَ مِنْ جَانِبٍ يَطْهُرُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِثْلُ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ
[ ١ / ٢٢ ]