مُبْتَدَأِ سَطْحِ الْجَبْهَةِ إلَى مُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ - ﵀ - (وَيَدَيْهِ بِمِرْفَقَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] وَقَوْلُهُ: بِمِرْفَقَيْهِ أَيْ مَعَ مِرْفَقَيْهِ، وَتَكُونُ الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ، يُقَالُ: اشْتَرَيْت الْفَرَسَ بِسَرْجِهِ أَيْ مَعَ سَرْجِهِ، وَقَالَ زُفَرُ لَا تَدْخُلُ الْمَرَافِقُ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا قُلْنَا: نَعَمْ لَا تَدْخُلُ لَكِنَّ الْمُغَيَّا هُنَا إنَّمَا هُوَ الْإِسْقَاطُ، فَتَقْدِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَسْقِطُوا مِنْ الْمَنَاكِبِ إلَى الْمَرَافِقِ، إذْ لَوْلَا هَذَا التَّقْدِيرُ لَمْ يَكُنْ لِإِخْرَاجِ مَا وَرَاءَ الْمَرَافِقِ وَجْهٌ، بَعْدَمَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُ الْيَدِ.
قَالَ - ﵀ - (وَرِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ) وَالْكَلَامُ فِيهِمَا كَالْكَلَامِ فِي الْيَدِ، وَالْكَعْبُ هُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ الْمَفْصِلُ الَّذِي عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا - ﵀ - لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْكَعْبِ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] بِتَثْنِيَةِ الْكَعْبِ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، وَمِنْ اثْنَيْنِ وَهُوَ جُزْءٌ لَهُ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وَلَمْ يَقُلْ قَلْبَاكُمَا وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَهُ لَقِيلَ إلَى الْكِعَابِ كَالْمَرَافِقِ فَبَطَلَ زَعْمُهُ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ وَظِيفَةَ الرِّجْلِ الْمَسْحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الرَّأْسِ، وَلَنَا قِرَاءَةُ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْيَدَيْنِ «، وَقَالَ - ﵇ - بَعْدَمَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ»، وَالْجَرُّ لِلْمُجَاوَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] عَلَى مَنْ قَرَأَ بِالْجَرِّ قَالَ - ﵀ -: (وَمَسْحُ رُبْعِ رَأْسِهِ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ «أَنَّهُ - ﵇ - مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ» وَهِيَ الرُّبْعُ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ جَوَانِبِهِ الْأَرْبَعِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْوَاجِبُ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ اعْتِبَارًا لِآلَةِ الْمَسْحِ، وَهِيَ الْيَدُ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْأَصَابِعُ، وَهِيَ عَشَرَةٌ فَرُبْعُهَا اثْنَانِ وَنِصْفٌ، وَالْوَاحِدُ لَا يَتَجَزَّأُ فَكَمُلَ، وَهُمَا اعْتَبَرَا الْمَمْسُوحَ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا إذْ لَوْ جَازَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ - ﵇ - مَرَّةً تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ،
وَقَوْلُهُ (وَلِحْيَتِهِ) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللِّحْيَةُ مَعْطُوفَةً عَلَى الرَّأْسِ أَيْ وَمَسْحُ رُبْعِ رَأْسِهِ وَرُبْعِ لِحْيَتِهِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ لِعَدَمِ الْمُوَاجَهَةِ بِهِ أَوْ لِتَعَسُّرِهِ وَجَبَ مَسْحُهُ كَالْجَبِيرَةِ، وَالْمَمْسُوحُ لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ فَاعْتُبِرَ الرُّبْعُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى الرُّبْعِ أَيْ وَمَسْحُ رُبْعِ رَأْسِهِ وَمَسْحُ لِحْيَتِهِ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ مَسْحُ كُلِّ اللِّحْيَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرُوِيَ عَنْهُ غَسْلُ الرُّبْعِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا مَسْحُهُ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجِبُ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِ اللِّحْيَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَسَّرَ غَسْلُ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ انْتَقَلَ الْوَاجِبُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ كَالْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ، وَأَقْرَبُ مِنْهُ مَسْحُ الرَّأْسِ لَمَّا تَعَسَّرَ انْتَقَلَ الْوَظِيفَةُ إلَى الشَّعْرِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَرْسِلِ، وَأَمَّا الْمُسْتَرْسِلُ عَنْ الذَّقَنِ فَلَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ
قَالَ - ﵀ - (وَسُنَّتُهُ) أَيْ سُنَّةُ الْوُضُوءِ (غَسْلُ يَدَيْهِ إلَى رُسْغَيْهِ ابْتِدَاءً كَالتَّسْمِيَةِ)، أَمَّا الْبُدَاءَةُ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ فَلِأَنَّهُمَا آلَةُ التَّطْهِيرِ فَيُبْدَأُ بِتَنْظِيفِهِمَا وَقَالَ إلَى رُسْغَيْهِ لِوُقُوعِ الْكِفَايَةِ بِهِ فِي التَّنْظِيفِ، وَأَطْلَقَهُ لِيَتَنَاوَلَ الْمُسْتَيْقِظَ وَغَيْرَهُ، وَقَالَ كَالتَّسْمِيَةِ وَيَعْنِي كَمَا
_________________
(١) [حاشية الشِّلْبِيِّ] (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيَدَيْهِ بِمِرْفَقَيْهِ) وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْأَصَابِعِ وَالْيَدِ الزَّائِدَتَيْنِ وَيَغْسِلُ الْأَقْطَعُ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ حَتَّى طَرَفَ الْعُضْوِ كَنُونٍ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا) أَيْ كَاللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ (قَوْلُهُ إلَى الْمَرَافِقِ) لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] يَتَنَاوَلُ كُلَّ الْأَيْدِي إلَى الْمَنَاكِبِ وَهُوَ لُغَةٌ (قَوْلُهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ) أَيْ لَمَّا قَالَ إلَى الْكَعْبَيْنِ دَلَّ أَنَّهُ ثَنَّى فِي كُلِّ رِجْلٍ (قَوْلُهُ وَمِنْ النَّاسِ) وَهُمْ الرَّوَافِضُ قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَعِنْدَ الرَّوَافِضِ الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ وَالْأَصَابِعِ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَالْغَسْلُ غَيْرُ جَائِزٍ. (قَوْلُهُ عَلَى مَنْ قَرَأَ بِالْجَرِّ) أَيْ هُوَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَسْحُ رُبْعِ رَأْسِهِ) وَالْغَسْلُ يَنُوبُ عَنْهُ وَلَوْ مَعَ الْوَجْهِ، وَالْوُضُوءُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ فَرْضٌ عَلَى الْمُحْدِثِ لِلصَّلَاةِ وَلَوْ جِنَازَةً أَوْ نَفْلًا وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُهَا وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَوَاجِبٌ لِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلِهَذَا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ، وَسُنَّةٌ لِلنَّوْمِ عَلَى طَهَارَةٍ وَقَبْلَ الْغُسْلِ وَبَعْدَ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْكَذِبِ وَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَحَمْلِهِ وَعِنْدَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْخُطْبَةِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلِلْجُنُبِ عِنْدَ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَنَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ وَلِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَبَعْدَ أَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الِاخْتِلَافِ انْتَهَى. (قَوْلُهُ اعْتِبَارًا لِآلَةِ الْمَسْحِ) وَجْهُ اعْتِبَارِ الْآلَةِ أَنَّ الْبَاءَ إنْ دَخَلَتْ عَلَى الْمَحَلِّ اقْتَضَتْ اسْتِيعَابَ الْآلَةِ دُونَ الْمَحَلِّ، وَأَكْثَرُ الْآلَةِ قَائِمَةٌ مَقَامَ كُلِّهَا فَيَجِبُ الْمَسْحُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ انْتَهَى يَحْيَى (قَوْلُهُ وَأَقْرَبُ مِنْهُ مَسْحُ الرَّأْسِ) قِيَاسُ اللِّحْيَةِ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ أَظْهَرُ مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَ اللِّحْيَةِ مِنْ الْبَشَرَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ كَمَا فِي شَعْرِ الرَّأْسِ بِخِلَافِ الْحَاجِبَيْنِ انْتَهَى (قَوْلُهُ فَلَا يَجِبُ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ وَهُوَ أَصَحُّ مَذْهَبِهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ انْتَهَى كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ) تَقُولُ رَأَيْت وَجْهَهُ دُونَ لِحْيَتِهِ وَلَا يُقَالُ طَالَ وَجْهُهُ دُونَ لِحْيَتِهِ وَلَا يُقَالُ طَالَ وَجْهُهُ وَيُقَالُ طَالَتْ لِحْيَتُهُ انْتَهَى [سُنَن الْوُضُوء] (قَوْلُهُ وَسُنَّةُ الْوُضُوءِ) ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَيْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ انْتَهَى عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ إلَى رُسْغَيْهِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الرُّسْغُ كَالْقُفْلِ مَفْصِلٌ مَا بَيْنَ السَّاعِدِ وَالْكَفِّ وَالسَّاقِ وَالْقَدَمِ انْتَهَى (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ ابْتِدَاءً) نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدِئًا انْتَهَى عَيْنِيٌّ السُّنَّةُ نَفْسُ الِابْتِدَاءِ بِفِعْلِ الْيَدَيْنِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْغَسْلِ فَفَرْضٌ انْتَهَى
[ ١ / ٣ ]
أَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةٌ فِي الِابْتِدَاءِ مُطْلَقًا، فَكَذَا غَسْلُ الْيَدَيْنِ سُنَّةٌ مُطْلَقًا، وَتَقْيِيدُهُ بِالْمُسْتَيْقِظِ فِي الْحَدِيثِ لَا يُنَافِي غَيْرَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَتْرُكْهُ - ﵇ - قَطُّ وَكَذَا مَنْ حَكَى وُضُوءَهُ - ﵇ -، وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَلِقَوْلِهِ - ﵇ - «مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ طَهُورًا لِأَعْضَاءِ وُضُوئِهِ»، وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُودَ الْوُضُوءِ بِلَا تَسْمِيَةٍ، وَتُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ حَتَّى لَوْ نَسِيَهَا، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ غَسْلِ الْبَعْضِ وَسَمَّى لَا يَكُونُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ بِخِلَافِ الْأَكْلِ وَنَحْوِهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوُضُوءَ كُلَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَجَزَّأُ، فَيُشْتَرَطُ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ، وَقَدْ فَاتَ وَكُلُّ لُقْمَةٍ مِنْ الْأَكْلِ فِعْلٌ مُبْتَدَأٌ، فَلَمْ يَفُتْ، ثُمَّ قِيلَ يُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ مِنْ الْوُضُوءِ وَقِيلَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الذِّكْرَ عِنْدَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ لَا يَكُونُ تَعْظِيمًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسَمِّي فِيهِمَا احْتِيَاطًا.
قَوْلُهُ (وَالسِّوَاكِ) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَجْرُورًا عَطْفًا عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلَى الْغَسْلِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَسْتَاكَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ لِقَوْلِهِ - ﵇ - «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ»، وَقَدْ وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - وَكَانَ عِنْدَ فَقْدِهِ يُعَالِجُ بِالْأُصْبُعِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ يَعْنِي السِّوَاكَ وَالتَّسْمِيَةَ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ خَصَائِصِ الْوُضُوءِ قَالَ - ﵀ - (وَغَسْلُ فَمِهِ وَأَنْفِهِ) عَدَلَ عَنْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إلَى الْغَسْلِ إمَّا اخْتِصَارًا أَوْ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ يُشْعِرُ بِالِاسْتِيعَابِ فَكَانَ أَوْلَى، وَهَذَا لِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهِمَا الْمُبَالَغَةُ لِقَوْلِهِ - ﵇ - «بَالِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، وَالْغَسْلُ أَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ سُنَّةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - وَاظَبَ عَلَيْهِ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَيَسْتَنْشِقَ كَذَلِكَ يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَمَا رُوِيَ عَنْهُ - ﵇ - «أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ» مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعِنْ بِالْيَدَيْنِ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ، أَوْ مَعْنَاهُ فَعَلَهُمَا بِالْيَدِ الْيُمْنَى فَيَكُونُ رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ: الِاسْتِنْشَاقُ بِالْيُسْرَى؛ لِأَنَّ الْأَنْفَ مَوْضِعُ الْأَذَى كَمَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَقَوْلُهُ وَغَسْلِ فَمِهِ يَجُوزُ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى التَّسْمِيَةِ فَتَكُونُ الْمَضْمَضَةُ مِنْ السُّنَّةِ الَّتِي فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْوُضُوءِ عَلَى اعْتِبَارِ التَّرْتِيبِ.
قَالَ - ﵀ - (وَتَخْلِيلُ لِحْيَتِهِ وَأَصَابِعِهِ) أَمَّا تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ فَقِيلَ هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَقُولُ إنَّهُ - ﵇ - فَعَلَهُ وَعِنْدَهُمَا جَائِزٌ وَمَعْنَاهُ لَا يَكُونُ بِدْعَةً، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ لِأَنَّهُ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ، وَدَاخِلُهَا لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ وَأَمَّا تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ فَسُنَّةٌ إجْمَاعًا لِلْأَمْرِ
_________________
(١) [حاشية الشِّلْبِيِّ] قَوْلُهُ وَتَقْيِيدُهُ بِالْمُسْتَيْقِظِ فِي الْحَدِيثِ) «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي وُضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَبَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ انْتَهَى عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ فِي ابْتِدَائِهِ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ» الْحَدِيثَ انْتَهَى غَايَةٌ (قَوْلُهُ فَلَمْ يَفُتْ) وَهُوَ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ فِي الْأَكْلِ تَحْصِيلَ السُّنَّةِ فِي الْبَاقِي لِاسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَ انْتَهَى. (قَوْلُهُ إنَّهُ يُسَمِّي فِيهِمَا) أَيْ لَا حَالَةَ الِانْكِشَافِ وَلَا فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ انْتَهَى كَمَالٌ. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَالسِّوَاكِ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ مِنْ الْمُحِيطِ أَنَّ الْعَلْكَ لِلْمَرْأَةِ يَقُومُ مَقَامَ السِّوَاكِ لِأَنَّهَا تَخَافُ مِنْ السِّوَاكِ سُقُوطَ سِنِّهَا؛ لِأَنَّ سِنَّهَا أَضْعَفُ مِنْ سِنِّ الرَّجُلِ وَهُوَ مَا يُنَقِّي الْأَسْنَانَ انْتَهَى فَإِنْ قُلْت مِنْ فَوَائِده أَنَّهُ يَشُدُّ اللِّثَةَ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي كَوْنِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ قَدْ تُفْضِي إلَى سُقُوطِ الْأَسْنَانِ مِنْ بَعْضِ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ، وَمِمَّا يَشْهَدُ بِهِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِرِجَالِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ «لَزِمْت السِّوَاكَ حَتَّى خَشِيت أَنْ يَدْرَدَ فِي» وَالدَّرَدُ سُقُوطُ الْأَسْنَانِ لَكِنَّ الْوَجْهَ أَنْ يُقَالَ لَا تُسْتَحَبُّ لِمَنْ هَذِهِ حَالَتُهُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ فِعْلُهُ أَحْيَانًا انْتَهَى. (قَوْلُهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ) قَالَ الْعَيْنِيُّ قُلْت بَلْ الْأَظْهَرُ هُوَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُفِيدِ أَنَّ السِّوَاكَ مِنْ سُنَنِ الدِّينِ فَحِينَئِذٍ يَسْتَوِي فِيهِ كُلُّ الْأَحْوَالِ انْتَهَى. (قَوْلُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا) أَيْ التَّسْمِيَةَ وَالسِّوَاكَ انْتَهَى (قَوْلُهُ عَدَلَ عَنْ الْمَضْمَضَةِ) وَالْمَضْمَضَةُ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ، وَأَمَّا الِاسْتِنْشَاقُ فَهُوَ جَذْبُ الْمَاءِ بِالْمَنْخَرَيْنِ انْتَهَى (قَوْلُهُ يُشْعِرُ بِالِاسْتِيعَابِ) وَإِمَّا تَنْبِيهًا عَلَى حَدَّيْهِمَا انْتَهَى عَيْنِيٌّ (قَوْلُهُ بَالِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ) الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ بِالْغَرْغَرَةِ وَفِي الِاسْتِنْشَاقِ بِالِاسْتِنْثَارِ انْتَهَى. كَافِي (قَوْلُهُ وَهُوَ) أَيْ غَسْلُ فَمِهِ وَأَنْفِهِ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَاظَبَ عَلَيْهِ) وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَا وَاجِبَتَيْنِ إذْ لَمْ يَذْكُرُوا عَنْهُ تَرْكَهُمَا وَلَا مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى الْفِعْلِ مَعَ عَدَمِ التَّرْكِ دَلِيلُ الْوُجُوبِ انْتَهَى. (قَوْلُهُ بِالْيَدِ الْيُسْرَى) أَيْ لِأَنَّ الْأَنْفَ مَوْضِعُ الْأَذَى كَمَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ انْتَهَى (قَوْلُهُ يَجُوزُ بِالْجَرِّ) أَيْ وَيَجُوزُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْغَسْلِ كَمَا قَالَ ذَلِكَ فِي السِّوَاكِ. قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَإِذَا أَخَذَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ فَمَضْمَضَ بِبَعْضِهِ وَاسْتَنْشَقَ بِالْبَاقِي جَازَ، وَلَوْ كَانَ عَلَى خِلَافِهِ لَا يَجُوزُ انْتَهَى (قَوْلُهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ) لِعَدَمِ وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِ الشَّعْرِ، وَيُشْكِلُ عَلَى هَذَا بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فَإِنَّهُمَا سُنَّتَانِ مَعَ أَنَّهُمَا لَيْسَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَقَالَ الْكَاكِيُّ فِي جَوَابِهِ إنَّهُمَا فِي الْوَجْهِ وَالْوَجْهُ مَحَلُّ الْفَرْضِ إذْ لَهُمَا حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ وَجْهٍ كَمَا ذَكَرْنَا انْتَهَى. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ) أَيْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ انْتَهَى (قَوْلُهُ فَسُنَّةٌ إجْمَاعًا لِلْأَمْرِ الْوَارِدِ) فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّخْلِيلُ وَاجِبًا نَظَرًا إلَى الْأَمْرِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْيَدَيْنِ وَاحِدٌ وَثَانِيهَا وَفِي الرِّجْلَيْنِ أَيْضًا مَعَ كَوْنِهِ مَقْرُونًا بِالْوَعِيدِ لِتَارِكِهِ قُلْنَا هَذَا لَا يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ لِكَوْنِهِ مِنْ الْآحَادِ وَلَا الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْوُجُوبِ فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ شَرْطُ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ تَبَعًا لَهَا، وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِسُقُوطِهَا وَيَجِبُ بِوُجُوبِهَا فَلَوْ قُلْنَا
[ ١ / ٤ ]
الْوَارِدِ بِهِ، وَلِأَنَّ أَثْنَاءَهَا مَحَلٌّ لِلْفَرْضِ بِخِلَافِ اللِّحْيَةِ عِنْدَهُمَا هَذَا إذَا وَصَلَ الْمَاءُ إلَى أَثْنَائِهَا، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِأَنْ كَانَتْ مُنْضَمَّةً فَوَاجِبٌ. قَالَ - ﵀ - (وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ) لِأَنَّهُ - ﵇ - «تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ»، ثُمَّ قِيلَ التَّعَدِّي يَرْجِعُ إلَى الزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وَالظُّلْمُ إلَى النُّقْصَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أَيْ لَمْ تَنْقُصْ، فَالْأَوَّلُ فَرْضٌ وَالثَّانِي سُنَّةٌ وَالثَّالِثُ إكْمَالُ السُّنَّةِ، وَقِيلَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ سُنَّةٌ، وَقِيلَ الثَّانِي سُنَّةٌ وَالثَّالِثُ نَفْلٌ، وَقِيلَ عَلَى عَكْسِهِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ أَنَّ الثَّلَاثَ تَقَعُ فَرْضًا كَإِطَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَتَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ قِيلَ أُرِيدَ بِهِ مُجَرَّدُ الْعَدَدِ فِيهِمَا، وَقِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَالنُّقْصَانُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَقِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ، وَالنُّقْصَانُ عَنْ الْحَدِّ الْمَحْدُودِ، وَقِيلَ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ الثَّلَاثَ سُنَّةً حَتَّى لَوْ رَأَى الثَّلَاثَ سُنَّةً، ثُمَّ زَادَ لِحَاجَةٍ أُخْرَى كَإِرَادَةِ الْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَكَذَا النُّقْصَانُ لِحَاجَةٍ أُخْرَى.
قَالَ - ﵀ - (وَنِيَّتُهُ) أَيْ وَنِيَّةُ الْوُضُوءِ وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إلَى الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ، وَكَذَا وَقَعَ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ حَيْثُ قَالَ يَنْوِي الطَّهَارَةَ وَالْمَذْهَبُ أَنْ يَنْوِيَ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَوْ رَفْعَ الْحَدَثِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ وَعَنْ بَعْضِهِمْ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ فِي التَّيَمُّمِ تَكْفِي فَكَذَا هَاهُنَا فَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الشَّخْصِ الْمُتَوَضِّئِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْ وَنِيَّةُ الرَّجُلِ الصَّلَاةَ، فَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا ثُمَّ هِيَ سُنَّةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵀ - فَرْضٌ لِقَوْلِهِ - ﵇ - «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَا يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ، وَلَنَا أَنَّهُ - ﵇ - لَمْ يُعَلِّمْ الْأَعْرَابِيَّ النِّيَّةَ حِينَ عَلَّمَهُ الْوُضُوءَ مَعَ جَهْلِهِ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَعَلَّمَهُ، وَلِأَنَّهُ شَرْطُ الصَّلَاةِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَسَائِرِ شُرُوطِهَا بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ مَأْمُورٌ بِهَا فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] أَيْ فَاقْصِدُوا، وَلِأَنَّهَا فِي التَّيَمُّمِ لِصَيْرُورَةِ التُّرَابِ طَهُورًا لِأَنَّهُ مُلَوَّثِ وَالْمَاءُ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ حِسًّا وَكَذَا شَرْعًا وَحُكْمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] فَمَنْ شَرَطَ النِّيَّةَ لِصَيْرُورَتِهِ طَهُورًا فَقَدْ زَادَ فِيهِ، وَهُوَ نَسْخٌ قَالَ - ﵀ - (وَمَسْحُ كُلِّ رَأْسِهِ مَرَّةً وَأُذُنَيْهِ بِمَائِهِ) أَيْ وَمَسْحُ كُلِّ أُذُنَيْهِ بِمَاءِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّأْسِ وَتَكَلَّمُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَضَعُ كَفَّيْهِ وَأَصَابِعَهُ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَيَمُدُّهُمَا إلَى قَفَاهُ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الرَّأْسِ، ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ بِإِصْبَعَيْهِ وَلَا يَكُونُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِهَذَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ بِمَاءٍ وَاحِدٍ لَا يَكُونُ إلَّا بِهَذِهِ
_________________
(١) [حاشية الشِّلْبِيِّ] بِالْوُجُوبِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ لَسَاوَى التَّبَعُ الْأَصْلَ كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ لَكِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الضَّعْفِ فِي بَيَانِ الْوُصُولِ فِي شَرْحِ الْأُصُولِ وَجَامِعِ الْأَسْرَارِ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ بَلْ الْوَاجِبُ الْقَوِيُّ أَنَّ الْأَمْرَ الثَّابِتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إنَّمَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ إذَا لَمْ يَمْنَعْهُ مَانِعٌ وَلَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ عَنْ ظَاهِرِهِ كَخَبَرِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَخَبَرِ الْفَاتِحَةِ. أَمَّا إذَا وُجِدَ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ وَهَاهُنَا عَارَضَ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ تَعْلِيمِ الْأَعْرَابِيِّ وَالْأَخْبَارِ الَّتِي حُكِيَ فِيهَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِأَنَّ التَّخْلِيلَ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا فَحُمِلَ عَلَى النَّدْبِ أَوْ السُّنَّةِ الَّتِي دُونَ الْوُجُوبِ عَمَلًا بِالدَّلِيلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَهَكَذَا جَمِيعُ الدَّلَائِلِ الَّتِي تَدُلُّ ظَوَاهِرُهَا عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ مُعَارَضٌ بِمَا يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِهِ إذَا تَأَمَّلْت فِيهَا وَقَالَ شَيْخِي الْعَلَّامَةُ فِي قَوْلِهِ - ﵊ - «خَلِّلُوا» الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَظِيفَةَ الرِّجْلِ الْغَسْلُ لَا الْمَسْحُ فَكَانَ حُجَّةً عَلَى الرَّوَافِضِ انْتَهَى كَاكِيٌّ (قَوْلُهُ «فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ») قَالَ الْكَرْمَانِيُّ إنَّهُ ضَعِيفٌ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْإِحْيَاءِ: إنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُ أَصْلًا انْتَهَى فَإِنْ قُلْت لَوْ كَانَ النَّقْصُ مِنْ الثَّلَاثِ ظُلْمًا كَانَ التَّثْلِيثُ وَاجِبًا لَا سُنَّةً قُلْت: كَوْنُهُ ظُلْمًا بِاعْتِبَارِ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةً لَا بِمُجَرَّدِ النَّقْضِ انْتَهَى يَحْيَى. (قَوْلُهُ وَالثَّالِثُ نَفْلٌ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ انْتَهَى فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَقِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ إلَى آخِرِهِ) رَدَّ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ - ﵊ - «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» وَالْحَدِيثُ فِي الْمَصَابِيحِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَحْصُلْ بِدُونِهَا انْتَهَى. (قَوْلُهُ ثُمَّ زَادَ لِحَاجَةٍ أُخْرَى) كَإِرَادَةِ الْوُضُوءِ أَوْ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ انْتَهَى كَافِي (قَوْلُهُ وَكَذَا النُّقْصَانُ لِحَاجَةٍ أُخْرَى) كَإِعْوَازِ الْمَاءِ انْتَهَى (قَوْلُهُ أَنْ يَنْوِيَ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْعِبَادَةِ) فَلَوْ نَوَى الصَّوْمَ مَثَلًا لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الصَّلَاةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ عِبَارَةِ الْمَتْنِ تُفِيدُ أَنَّ السُّنَّةَ نِيَّةُ الطَّهَارَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ السُّنَّةُ أَنْ يَنْوِيَ عِبَادَةً لَا تَصِحُّ بِدُونِ الطَّهَارَةِ كَالصَّلَاةِ فَلَا يَصِحُّ الْحَمْلُ عَلَى الظَّاهِرِ إلَّا عَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ انْتَهَى يَحْيَى وَوَقْتُهَا عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ انْتَهَى جَوْهَرَةٌ قَالَ الْقُدُورِيُّ - ﵀ - فِي مُخْتَصَرِهِ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ - ﵀ - فِي شَرْحِهِ أَيْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ إيقَاعَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ لِلطَّهَارَةِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ: إنَّ الْمَاءَ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَاسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالنِّسْيَانِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ النِّيَّةَ سُنَّةٌ لِأَنَّ بِهَا يَصِيرُ الْفِعْلُ قُرْبَةً بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَسْحُ كُلِّ رَأْسِهِ مَرَّةً) وَتَرْكُهُ دَائِمًا إثْمٌ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالتَّثْلِيثُ فِي الْغَسْلِ سُنَّةٌ وَالتَّثْلِيثُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بِالْمِيَاهِ الْمُخْتَلِفَةِ بِدْعَةٌ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَرِيبِ الرِّوَايَةِ سُنَّةٌ انْتَهَى. (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ ثُمَّ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ بِإِصْبَعَيْهِ) قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ ثُمَّ يُدْخِلُ السَّبَّابَةَ فِي أُذُنِهِ وَيُدِيرُ إبْهَامَيْهِ مِنْ وَرَائِهِمَا انْتَهَى قَالَ فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ وَإِدْخَالُ الْأَصَابِعِ فِي صِمَاخِ الْأُذُنَيْنِ أَدَبٌ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ هُوَ الْمَشْهُورُ وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ انْتَهَى
[ ١ / ٥ ]