ومسائل الْمَحْظُورَات
ومسائل الْأَمر بِالْحَجِّ
وَبَدَأَ بالإحصار فَقَالَ من منع عَن الْوُصُول إِلَى الْبَيْت بَعْدَمَا أحرم بِالْحَجِّ أَو بِالْعُمْرَةِ أَو بهما بِسَبَب مرض أَو عَدو فَهُوَ محصر
وَالْكَلَام فِي الْإِحْصَار فِي مَوَاضِع أَحدهَا أَن الْإِحْصَار قد يكون بالعدو كفَّارًا كَانُوا أَو مُسلمين وَقد يكون بِالْمرضِ أَو بعلة مَانِعَة عَن الْمَشْي وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يكون إِلَّا بالعدو
وعَلى هَذَا إِذا أَحرمت الْمَرْأَة بِحجَّة الْإِسْلَام فَلم تَجِد محرما أَو مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا فَهِيَ محصرة
فَأَما إِذا سرقت نَفَقَة الْحَاج
أَو هَلَكت رَاحِلَته فَإِن كَانَ لَا يقدر على الْمَشْي أَو يقدر فِي الْجُمْلَة لَكِن يخَاف أَن لَا يُمكنهُ الْمَشْي مَعَ الْقَافِلَة فَإِنَّهُ يكون محصرا وَإِن كَانَ مِمَّن يقدر على الْمَشْي لَا يكون محصرا بل يجب عَلَيْهِ أَن يذهب بِخِلَاف مَا إِذا لم يكن قَادِرًا على الرَّاحِلَة فِي
[ ٤١٥ ]
الِابْتِدَاء لِأَنَّهُ صَار الْحَج لَازِما عَلَيْهِ بِسَبَب الشُّرُوع
فَأَما الْمَرْأَة إِذا أَحرمت بِالْحَجِّ تَطَوّعا فَللزَّوْج أَن يمْنَعهَا لِأَن مَنْفَعَتهَا ملك الزَّوْج وَلم تصر مُسْتَثْنَاة فِي حق التَّطَوُّع فَتَصِير محصرة وَللزَّوْج أَن يحللها بِأَن يقبلهَا أَو يعانقها فَتحل للْحَال من غير أَن تذبح وَعَلَيْهَا أَن تبْعَث الْهَدْي فَيذْبَح فِي الْحرم لِأَن الْإِحْلَال مُسْتَحقّ عَلَيْهَا حَقًا للزَّوْج
وَكَذَلِكَ العَبْد وَالْأمة إِذا أحرما فللمولى أَن يحللهما وَعَلَيْهَا الْهَدْي بعد الْعتاق وَقَضَاء الْحَج وَالْعمْرَة لِأَنَّهُ يصير وَاجِبا بِالشُّرُوعِ
وَلَو أذن الْمولى لعَبْدِهِ فِي الْحَج فَأحْرم يكره لَهُ أَن يحلله لِأَنَّهُ خلاف وعده وَلَكِن مَعَ هَذَا لَو حلله يجوز وَيحل وَلَا يلْزم الْمولى الْهَدْي بِسَبَب الْإِحْلَال لِأَن الْإِحْلَال حق الْمولى
وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَيْسَ لَهُ أَن يحلله لِأَنَّهُ أسقط حق نَفسه بِالْإِذْنِ
وَلَو بَاعَ العَبْد فَلِلْمُشْتَرِي أَن يحلله من غير كَرَاهَة وعَلى قولزفر يكره
وَلَو أذن لأمته بِالْحَجِّ وَلها زوج فأحرمت فَلَيْسَ للزَّوْج أَن يحللها لِأَن للْمولى أَن يُسَافر بهَا فَكَانَ لَهُ أَن يَأْذَن بذلك
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لِأَن الْإِحْصَار يتَحَقَّق بِكُل مَانع من الْوُصُول إِلَى الْبَيْت قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن أحصرتم فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ من غير فصل بَين سَبَب وَسبب فَهُوَ على الْإِطْلَاق
وَمِنْهَا حكم الْإِحْصَار وَهُوَ أَن يبْعَث الْهَدْي إِلَى الْحرم أَو يَأْمر رجلا ليَشْتَرِي هَديا ثمَّة ويواعده بِأَن يذبحه عَنهُ ثمَّة فِي يَوْم
[ ٤١٦ ]
معِين فَإِذا ذبحه عَنهُ يحل لَهُ كل شَيْء وَلَا يحْتَاج إِلَى الْحلق فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَإِن فعل فَحسن
وَقَالَ أَبُو يُوسُف يَنْبَغِي أَن يحلق وَإِن لم يفعل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ
وَرُوِيَ عَنهُ أَنه وَاجِب لَا يسع تَركه
وَله أَن يرجع إِلَى أَهله إِذا بعث الْهَدْي سَوَاء ذبح عَنهُ أَو لَا لِأَن إِذا لم يتَمَكَّن من الْمَشْي إِلَى الْحَج فَلَا فَائِدَة فِي الْمقَام
وَمِنْهَا أَن يتَحَلَّل بِشَاة وَإِن كَانَ اسْم الْهَدْي يَقع على الشَّاة وَالْإِبِل وَالْبَقر لما روى جَابر أَن النَّبِي ﵇ أَمر النَّاس عَام الْحُدَيْبِيَة أَن يتحللوا بِشَاة ويذبحوا الْبَقَرَة عَن سَبْعَة
وَمِنْهَا أَن هدي الْإِحْصَار لَا يجوز ذبحه إِلَّا فِي الْحرم عندنَا
وَعند الشَّافِعِي فِي الْموضع الَّذِي يتَحَلَّل فِيهِ
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْهَدْي معكوفا أَن يبلغ مَحَله﴾
وَمِنْهَا أَن دم الْإِحْصَار يجوز تَقْدِيمه على أَيَّام النَّحْر عِنْد أبي حنيفَة
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد لَا يجوز تَقْدِيمه على أَيَّام النَّحْر
وَأَجْمعُوا أَن هدي الْإِحْصَار عَن الْعمرَة يجوز فِي أَي وَقت شَاءَ
وَمِنْهَا أَن الْمحصر إِذا لم يجد الْهَدْي وَلَا ثمن الْهَدْي لَا يحل بِالْإِطْعَامِ وَالصَّوْم بل يبْقى محرما إِلَى أَن يجد الْهَدْي
فَيذْبَح عَنهُ فِي الْحرم بأَمْره أَو مَتى زَالَ الْإِحْصَار فَيذْهب إِلَى مَكَّة فيحج إِن بَقِي وَقت الْحَج وَإِن فَاتَ وَقت الْحَج فيتحلل بِأَفْعَال الْعمرَة
هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من قَوْلنَا
[ ٤١٧ ]
وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح يحل بِالْإِطْعَامِ ثمَّ بِالصَّوْمِ بِأَن يقوم الْهَدْي طَعَاما فَيتَصَدَّق بِهِ على الْمَسَاكِين وَإِن لم يجد الطَّعَام يَصُوم لكل نصف صَاع يَوْمًا
وَبِه أَخذ أَبُو يُوسُف فِي رِوَايَة
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي قَول يحل بِالصَّوْمِ ويصوم ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج ويصوم سَبْعَة أَيَّام بعْدهَا كَمَا فِي الْمُتَمَتّع والقارن
وَفِي قَول يطعم وَإِن فَاتَ
وَمِنْهَا أَن الْمحصر إِذا حل بِالْهَدْي فَعَلَيهِ قَضَاء حجَّة وَعمرَة من الْقَابِل أما الْحجَّة فَلِأَنَّهُ أوجبهَا بِالشُّرُوعِ وَإِن كَانَت تَطَوّعا وَإِن كَانَت حجَّة الْإِسْلَام وفاتت فَعَلَيهِ أَدَاؤُهَا وَعَلِيهِ قَضَاء عمْرَة لفَوَات الْحَج فِي عَامَّة ذَلِك وفائت الْحَج يتَحَلَّل بِأَفْعَال الْعمرَة هَذَا هُوَ الأَصْل
فَإِذا خرج بِالْهَدْي فَعَلَيهِ قَضَاء الْعمرَة الَّتِي يتَحَلَّل بهَا فَائت الْحَج وَإِن كَانَ قَارنا يقْضِي حجَّة وَعمرَة مَكَان مَا فَاتَهُ من الْحَج وَالْعمْرَة وَعمرَة أُخْرَى لكَونه فَائت الْحَج
وَمِنْهَا مَا ذكرنَا أَن الْقَارِن إِذا أحْصر يبْعَث بهديين وَمَا لم يذبحا جَمِيعًا لَا يحل خلافًا للشَّافِعِيّ
وَمِنْهَا أَنه إِذا ذبح هَدْيه قبل الْيَوْم الَّذِي وَاعد فِيهِ أَو قبل يَوْم النَّحْر على قَوْلهمَا وَقد بَاشر أفعالا هِيَ حرَام بِسَبَب الْإِحْرَام فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْجَزَاء لِأَنَّهُ مَتى ذبح فِي غير ذَلِك الْيَوْم أَو ذبحه فِي غير الْحرم فَهُوَ محمر بعد وَالْمحرم إِذا بَاشر محظوره يجب عَلَيْهِ الْجَزَاء
وَمِنْهَا أَنه إِذا زَالَ الْإِحْصَار وَقدر على إِدْرَاك الْهَدْي وَالْحج جَمِيعًا فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ التَّوَجُّه إِلَى الْبَيْت لِأَن الْهَدْي إِنَّمَا شرع عِنْد الضَّرُورَة للإحلال وَقد زَالَت الضَّرُورَة
[ ٤١٨ ]
وَإِن قدر على إِدْرَاك الْهَدْي دون الْحَج فقد تحقق الْإِحْصَار لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي إِدْرَاك الْهَدْي إِذا فَاتَ الْحَج فَيذْبَح عَنهُ وَيحل وَلَا يجب عَلَيْهِ الذّهاب إِلَى مَكَّة
وَإِن قدر على إِدْرَاك الْحَج دون الْهَدْي فَهَذَا إِنَّمَا يتَحَقَّق على قَول أبي حنيفَة فِي الْحَج وَعند الْكل فِي الْإِحْصَار بِالْعُمْرَةِ لِأَن ذبح الْهَدْي غير مُؤَقّت بِيَوْم النَّحْر فَأَما عِنْدهمَا فَفِي ذبح هدي الْإِحْصَار عَن الْحَج لَا يتَحَقَّق لِأَنَّهُ يذبح يَوْم النَّحْر فَإِذا أدْرك الْحَج فقد أدْرك الْهَدْي
ثمَّ الْجَواب على قِيَاس قَوْله لَا يحل بِالْهَدْي لِأَنَّهُ لم يتَحَقَّق بالإحصار لِأَنَّهُ صَار قادما على أَدَاء الْحَج فَصَارَ كالشيخ الفاني إِذا قدر على الصَّوْم
وَفِي الِاسْتِحْسَان يحل بِالْهَدْي لِأَنَّهُ لما لم يكن قَادِرًا على إِدْرَاك الْهَدْي صَار حَلَالا بِالذبْحِ
فَإِن ذهب من عَامه ذَلِك إِلَى قَضَاء الْحَج فَإِنَّهُ يقْضِي بِإِحْرَام جَدِيد وَعَلِيهِ قَضَاء الْحَج لَا غير لِأَنَّهُ لم يفت عَنهُ الْحَج فِي هَذَا الْعَام
وَإِن قضى فِي عَام آخر فَعَلَيهِ قَضَاء الْحَج وَعَلِيهِ الْعمرَة لفَوَات الْحَج من الْعَام الأول
وَأما مسَائِل المحظوراتفنقول إِذا لبس الْمحرم الْمخيط فَإِن كَانَ يَوْمًا كَامِلا فَعَلَيهِ دم فَأَما إِذا كَانَ فِي بعض الْيَوْم فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ صَدَقَة لِأَن لبس الْمخيط إِنَّمَا حرم لكَونه من مرافق المقيمين واللبس يَوْمًا كَامِلا يكون استمتاعا كَامِلا فَعَلَيهِ دم وَإِلَّا فَيجب بِقَدرِهِ من الصَّدَقَة بِأَن يقسم قيمَة الْهَدْي على سَاعَات الْيَوْم فَمَا يُصِيب ذَلِك الْوَقْت الَّذِي لَيْسَ فِيهِ يجب عَلَيْهِ بِقَدرِهِ وَكَذَا قَالَ بعض أَصْحَابنَا
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يطعم نصف صَاع من بر
[ ٤١٩ ]
وكل صَدَقَة فِي الْإِحْرَام غير مقدرَة فَهِيَ نصف صَاع إِلَّا فِي قتل الجرادة والقملة فَهِيَ كف من طَعَام
وَلَو لبس جَمِيع الثِّيَاب وَلبس الْخُفَّيْنِ أَيْضا لَا يلْزمه إِلَّا جَزَاء وَاحِد لِأَن الْجِنْس وَاحِد
وَلَو لبس قلنسوة ولف عِمَامَة للضَّرُورَة لَا يلْزمه إِلَّا فديَة وَاحِدَة
وَلَو وضع قَمِيصًا على رَأسه وقلنسوة يلْزمه للضَّرُورَة فديَة وللقميص دم لِأَنَّهُ لَا حَاجَة إِلَى الْقَمِيص فِي الرَّأْس
وَلَو لبس قَمِيصًا للضَّرُورَة وَلبس خُفَّيْنِ من غير ضَرُورَة يلْزمه الْفِدْيَة لأجل الضَّرُورَة وَالدَّم لأجل الْخُفَّيْنِ من غير ضَرُورَة
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي لبس الْخُفَّيْنِ وتغطية الْوَجْه وَالرَّأْس فِي حق الرجل
أما الْمَرْأَة فعلَيْهَا أَن تغطي رَأسهَا وَلَكِن لَا تغطي وَجههَا
ثمَّ فِي الْجَواب ظَاهر الرِّوَايَة إِذا غطى ربع الرَّأْس أَو الْوَجْه يَوْمًا وَاحِدًا يجب عَلَيْهِ الدَّم وَإِن كَانَ أقل من يَوْم يجب عَلَيْهِ الصَّدَقَة بِقَدرِهِ
وَفِي رِوَايَة عَن مُحَمَّد أَنه قدر بِالْأَكْثَرِ
وَإِن ألْقى على مَنْكِبَيْه قبَاء أَو توشح قَمِيصًا أَو اتزر بسراويل لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلبْس مُعْتَاد
وَكَذَا لَو غطى رَأسه بِمَا لبس بمعتاد بِأَن وضع الإجانة على رَأسه أَو جوالق حِنْطَة على رَأسه فَلَا شَيْء عَلَيْهِ
[ ٤٢٠ ]
وَلَو أَدخل الْيَد فِي الكمين بَعْدَمَا ألْقى القباء على مَنْكِبَيْه يجب الْجَزَاء لِأَن لبس القباء فِي الْعَادة هَكَذَا
وَإِن لم يجد النَّعْلَيْنِ يَنْبَغِي أَن يقطع الْخُفَّيْنِ أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ ويلبس وَلَا شَيْء عَلَيْهِ
وَكَذَا لَو فتق السَّرَاوِيل وَلم يبْق إِلَى مَوضِع التكة لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَن هَذَا اتزار وَلَيْسَ بِلبْس
وَلَو حلق رَأسه أَو ربع رَأسه فَعَلَيهِ دم عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا إِن حلق أَكثر الرَّأْس يجب دم وَإِن كَانَ أقل يجب صَدَقَة
وَلَو قلم الْأَظْفَار إِن كَانَ قلم يدا وَاحِدَة ورجلا وَاحِدَة أَو قلم الأظافير كلهَا لَا يلْزمه إِلَّا دم وَاحِد لِأَن جنس الْجَنَابَة وَاحِد
وَلَو قلم خَمْسَة أظافير من الْيَدَيْنِ أَو الرجلَيْن لَا يجب عَلَيْهِ الدَّم لِأَن هَذَا لَيْسَ من بَاب الارتفاق وَلَكِن يجب لكل ظفر نصف صَاع من حِنْطَة
وَهَذَا إِذا فعل بِغَيْر عذر
فَأَما إِذا فعل بِعُذْر فَعَلَيهِ الْفِدْيَة وَهُوَ أحد الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام أَو صَدَقَة على سِتَّة مَسَاكِين أَو ذبح شَاة لقَوْله تَعَالَى ﴿ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾
ثمَّ الْمحرم يحرم عَلَيْهِ أَخذ صيد الْبر وَقَتله وَالْإِشَارَة إِلَيْهِ وَالدّلَالَة عَلَيْهِ فَأَما صيد الْبَحْر فحلال لَهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر وَطَعَامه مَتَاعا لكم وللسيارة وَحرم عَلَيْكُم صيد الْبر مَا دمتم حرما﴾
[ ٤٢١ ]
وَالصَّيْد مَا كَانَ متوحشا مُمْتَنعا إِمَّا بجناحيه أَو بقوائمه حَتَّى إِن الدَّجَاج والبط الأهلي لم يكن من الصَّيْد
فَإِن قتل صيدا
فَإِن لم يقْصد الصَّيْد بالإيذاء يلْزمه الْجَزَاء
وَأما إِذا قصد بالإيذاء وَإِن لم يكن مُؤْذِيًا فِي الأَصْل أَو كَانَ من جملَة المؤذيات كَالْكَلْبِ الْعَقُور وَالذِّئْب فَلَا شَيْء عَلَيْهِ
وَأَصله حَدِيث رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ خمس يقتلن فِي الْحل وَالْحرم الْحَيَّة وَالْعَقْرَب والفأرة والحدأة وَالْكَلب الْعَقُور وَفِي رِوَايَة الْغُرَاب الأبقع
وَإِذا قتل شَيْئا من غير المؤذيات ابْتِدَاء ينظر إِمَّا إِن كَانَ مَأْكُول اللَّحْم أَو لم يكن مَأْكُول اللَّحْم
فَإِن كَانَ مَأْكُول اللَّحْم فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ قِيمَته عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَتعْتَبر قِيمَته فِي الْموضع الَّذِي قَتله فِيهِ إِن كَانَ مِمَّا يُبَاع فِي ذَلِك الْموضع أَو فِي أقرب الْأَمَاكِن الَّذِي يُبَاح فِيهِ وَيقوم
وَإِذا ظَهرت قِيمَته فَالْخِيَار إِلَى الْقَاتِل عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَفِي رِوَايَة الْكَرْخِي إِن بلغت قِيمَته هَديا إِن شَاءَ اشْترى بهَا هَديا فذبح فِي الْحرم وَإِن شَاءَ اشْترى بهَا طَعَاما فَتصدق على كل فَقير نصف صَاع من حِنْطَة وَإِن شَاءَ صَامَ مَكَان كل نصف صَاع من حِنْطَة يَوْمًا
فَإِن اشْترى هَديا ذبح فِي الْحرم سقط عَنهُ الْجَزَاء بِمُجَرَّد الذّبْح حَتَّى إِنَّه لَو سرق بعد الذّبْح أَو ضَاعَ بِوَجْه مَا قبل التَّصَدُّق فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَلَو تصدق بكله على فَقير وَاحِد جَازَ لَا يجب عَلَيْهِ التَّفْرِيق على الْمَسَاكِين
[ ٤٢٢ ]
وَلَو ذبحه فِي الْحل لَا يسْقط عَنهُ الْجَزَاء إِلَّا إِذا تصدق بِلَحْمِهِ على الْفُقَرَاء على كل فَقير قدر قيمَة نصف صَاع من حِنْطَة فيجزئه بَدَلا عَن الطَّعَام أَو الصّيام إِذا بلغت قِيمَته قيمَة الصَّيْد وَإِلَّا فيكمل
وَإِذا اخْتَار الطَّعَام أَو الصّيام يجزئانه فِي الْأَمَاكِن كلهَا
وَيجوز فِي الْإِطْعَام الْإِبَاحَة وَالتَّمْلِيك
وَيجوز الصَّوْم مُتَتَابِعًا ومتفرقا
وَلَو لم تبلغ قيمَة الْهَدْي فَلهُ الْخِيَار بَين الْإِطْعَام وَالصِّيَام
وَالْهَدْي هُوَ كل مَا يجوز فِي الْأَضَاحِي من الثنايا فِي الْمعز وَالشَّاة الَّتِي أَتَت عَلَيْهَا السّنة إِلَّا الْجذع من الضَّأْن إِذا كَانَ عَظِيما وَهُوَ الَّذِي أَتَت عَلَيْهِ سِتَّة أشهر فَصَاعِدا
وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ عَن مُحَمَّد الْخِيَار فِي ذَلِك إِلَى الْحكمَيْنِ إِن شاءا حكما عَلَيْهِ هَديا وَإِن شاءا حكما عَلَيْهِ طَعَاما وَإِن شاءا حكما عَلَيْهِ صياما وَلَيْسَ لَهُ أَن يخرج من حكمهمَا فَإِن حكما عَلَيْهِ هَديا يجب عَلَيْهِ ذبح نَظِير الْمُتْلف من النعم الأهلي من حَيْثُ الْهَيْئَة وَالصُّورَة إِن كَانَ لَهُ نَظِير من حَيْثُ الصُّورَة عِنْد مُحَمَّد وَالشَّافِعِيّ سَوَاء كَانَت قِيمَته مثل قيمَة الْمُتْلف أَو أقل أَو أَكثر بِأَن يجب فِي الظبي شَاة وَفِي النعامة بَدَنَة وَفِي الأرنب عنَاق وَفِي اليربوع جفرة والجفرة من أَوْلَاد الْمعز الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ سِتَّة أشهر
وَإِن لم يكن لَهُ نَظِير من حَيْثُ الْخلقَة فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بِقِيمَتِه هَديا فَيذْبَح فِي الْحرم
[ ٤٢٣ ]
فَأَما إِذا مَا حكما عَلَيْهِ طَعَاما أَو صياما فعلى مَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف
فَأَما إِذا كَانَ الْمَقْتُول غير مَأْكُول اللَّحْم سوى المؤذيات الْمَنْصُوص عَلَيْهَا وَقد قَتله ابْتِدَاء لَا بطرِيق الدّفع لأذاة فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْجَزَاء عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ إِلَّا أَنه لَا يُجَاوز عَن ثمن هدي وَإِن كَانَت قِيمَته أَكثر من ذَلِك فِي ظَاهر الرِّوَايَة
وَعَن الْكَرْخِي أَنه قَالَ لَا يبلغ دَمًا بل ينقص مِنْهُ شَيْء
هَذَا حكم الْمحرم
فَأَما حكم صيد الْحرم فَنَقُول إِن أَخذ صيد الْحرم وَقَتله حرَام لحُرْمَة الْحرم قَالَ النَّبِي ﵇ فِي صفة الْحرم لَا يخْتَلى خَلاهَا وَلَا يعضد شَوْكهَا وَلَا ينفر صيدها
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول الْحَلَال إِذا أتلف صيدا مَمْلُوكا فِي الْحَرَام معلما كالبازي وَالْحمام فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ قيمتان قِيمَته معلما للْمَالِك وَقِيمَته غير معلم حَقًا لله تَعَالَى لِأَنَّهُ جنى على حقين إِلَّا أَن فِي حق الله تَعَالَى يضمن من حَيْثُ إِنَّه صيد لَا من حَيْثُ إِنَّه معلم
وَلَو أتلف صيدا غير مَمْلُوك يجب عَلَيْهِ جَزَاء وَاحِد وَهُوَ قِيمَته
وَلَو أتلف الْمحرم صيدا الْحرم فَالْقِيَاس أَن يجب عَلَيْهِ جزآن لوُجُود الْجِنَايَة على الْحرم وَالْإِحْرَام
وَفِي الِاسْتِحْسَان يجب عَلَيْهِ جَزَاء وَاحِد لِأَن حُرْمَة الْإِحْرَام أقوى من حُرْمَة الْحرم فَيجب اعْتِبَار الْأَقْوَى
[ ٤٢٤ ]
وَلَو اشْترك الحلالان فِي إِتْلَاف صيد الْحرم يجب عَلَيْهِمَا جَزَاء وَاحِد لِأَنَّهُ فِي معنى إِتْلَاف مَال النَّاس كإتلاف الْمَسَاجِد لِأَن مَنَافِعهَا ترجع إِلَى الْعباد فَكَانَ وَاجِبا بطرِيق الْجَبْر والفائت وَاحِد فيكتفي بِضَمَان وَاحِد بِخِلَاف المحرمين إِذا أتلفا صيدا يجب على كل وَاحِد مِنْهُمَا جَزَاء كَامِل لِأَنَّهُ وَجب حزاء الْفِعْل وَفعل كل وَاحِد مِنْهُمَا جِنَايَة على حِدة
وَلَو اشْترك الْحَلَال وَالْحرَام فِي قتل صيد خَارج الْحرم إِن كَانَ غير مَمْلُوك لَا يجب على الْحَلَال شَيْء وَيجب على الْمحرم جَزَاء كَامِل
وَإِن كَانَ مَمْلُوكا يجب على الْحَلَال نصف الْقيمَة للْمَالِك وعَلى الْمحرم نصف الْقيمَة للْمَالِك وَجَزَاء كَامِل لأجل الْجِنَايَة على الْإِحْرَام
وَلَو أَن حَلَالا ومفردا بِالْحَجِّ اشْتَركَا فِي قتل صيد الْحرم يجب على الْحَلَال نصف الْجَزَاء وعَلى الْمُفْرد جَزَاء كَامِل
وَلَو اشْترك الْحَلَال والقارن يجب على الْحَلَال النّصْف وعَلى الْقَارِن جزآن
وَلَو اشْترك الْحَلَال والقارن والمفرد يجب على الْحَلَال ثلث الْجَزَاء وعَلى الْمُفْرد جَزَاء وَاحِد وعَلى الْقَارِن جزآن
وَكَذَلِكَ قطع شَجَرَة وحشيش نبت بِنَفسِهِ فِي الْحرم فَإِنَّهُ يحرم قطعه وَعَلِيهِ الْجَزَاء بِقدر قِيمَته
وَإِن كَانَ مِمَّا ينبته النَّاس وَصَارَ ملكا لَهُم لَا يجب الْجَزَاء بِقطعِهِ وَلَكِن تجب الْقيمَة لصَاحبه إِلَّا فِي الْإِذْخر فَإِنَّهُ لَا يجب بإتلافه شَيْء فَإِن النَّبِي ﵇ لما قَالَ لَا يخْتَلى خَلاهَا قَالَ الْعَبَّاس إِلَّا الْإِذْخر فَقَالَ الْإِذْخر اسْتَثْنَاهُ وَحكم الْمُسْتَثْنى خلاف حكم الْمُسْتَثْنى مِنْهُ
[ ٤٢٥ ]
وَأما الكمأة فِي الْحرم فَلَا بَأْس بأخذها لِأَنَّهَا لَيست من جنس النَّبَات
وَكَذَلِكَ إِذا جف النَّبَات وَالشَّجر وَسقط فَلَا بَأْس بِأَخْذِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ من النَّبَات لِأَنَّهُ خرج عَن حد النمو
وَلَو أَن الْحَلَال إِذا دخل الْحرم وَمَعَهُ صيد مَمْلُوك يجب عَلَيْهِ إرْسَاله فِي الْحل وَلم يجز بَيْعه لِأَن التَّعَرُّض للصَّيْد حرَام عَلَيْهِ فِي الْحرم وَفِي إِمْسَاكه تعرض لَهُ وَكَذَلِكَ فِي بَيْعه
وَمعنى يجب عَلَيْهِ إرْسَاله فِي الْحل أَن يَضَعهُ فِي يَد رجل وَدِيعَة لَا أَن يضيعه ويطيره
وَلَو ذبحه يجب عَلَيْهِ الْجَزَاء لِأَنَّهُ لما وَجب عَلَيْهِ الْإِرْسَال لحُرْمَة الْحرم فَيكون بِالذبْحِ تَارِكًا للْوَاجِب
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي الْمحرم فِي الْحل إِذا كَانَ فِي يَده صيد مَمْلُوك يجب أَن يُرْسِلهُ فِي يَد رجل وَلَا يجوز لَهُ أَن يَبِيعهُ ويذبحه لِأَنَّهُ تعرض لَهُ وَإِزَالَة لأمنه وَعَلِيهِ الْجَزَاء لَو فعل ذَلِك
وَأما مسَائِل الْأَمر بالحجفنقول من مَاتَ وَعَلِيهِ حجَّة الْإِسْلَام وَله مَال فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن أَمر بِأَن يحجّ عَنهُ وَأوصى بِهِ أَو لم يَأْمر الْوَصِيّ بِشَيْء
أما إِذا لم يوص سقط عَنهُ فِي حق أَحْكَام الدُّنْيَا وَلَا يجب على الْوَارِث وَالْوَصِيّ أَن يَأْمر بِالْحَجِّ عَنهُ بِمَالِه عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يجب كمن مَاتَ وَعَلِيهِ الزَّكَاة من غير إيصاء فَإِنَّهُ تسْقط الزَّكَاة عَنهُ عندنَا خلافًا لَهُ وَقد ذكرنَا فِي كتاب الزَّكَاة
وَلَو أحج الْوَارِث عَنهُ رجلا بِمَال نَفسه أَو حج عَنهُ بِنَفسِهِ من غير وَصِيَّة من الْمَيِّت قَالَ تسْقط عَن الْمَيِّت حجَّة الْإِسْلَام إِن شَاءَ الله
[ ٤٢٦ ]
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه سَأَلَهُ رجل وَقَالَ إِن أُمِّي قد مَاتَت وَلم تحج أفأحج عَنْهَا فَقَالَ نعم
وَإِنَّمَا قَالَ يجوز إِن شَاءَ الله لِأَن سُقُوط الْحَج بِفعل الْوَارِث بِغَيْر أمره أَنما يثبت بِخَبَر الْوَاحِد وَإنَّهُ لَا يُوجب الْعلم قطعا فَلَا يحكم بسقوطه عَنهُ قطعا وَلَكِن علق السُّقُوط بِالْمَشِيئَةِ احْتِرَازًا عَن الشَّهَادَة على الله تَعَالَى من غير علم قطعا
فَأَما إِذا أوصى فَإِنَّهُ تصح وَصيته من الثُّلُث لِأَن دُيُون الله تَعَالَى من حَيْثُ إِنَّه لَا يجب بمقابلتها عوض مَالِي فَهِيَ بِمَنْزِلَة التَّبَرُّعَات فَيعْتَبر خُرُوجهَا من الثُّلُث
ويحج عَن الْمَيِّت من بَلَده الَّذِي يسكنهُ إِن بلغ الثُّلُث ذَلِك لِأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ الْحَج من بَلَده الَّذِي هُوَ يسكنهُ
وَلَو أَنه خرج إِلَى بلد آخر أقرب إِلَى مَكَّة فَمَاتَ فِيهِ وَأوصى بِالْحَجِّ ينظر إِن خرج لغير الْحَج يحجّ من بَلَده بالِاتِّفَاقِ
فَأَما إِذا خرج لِلْحَجِّ ثمَّ مَاتَ فِي الطَّرِيق قَالَ أَبُو حنيفَة يحجّ من بَلَده
وَقَالا يحجّ من حَيْثُ بلغ لِأَن الْخُرُوج من بَلَده بنية الْحَج يعْتد من الْحَج وَلم يسْقط اعْتِبَاره بِالْمَوْتِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فقد وَقع أجره على الله﴾ أَلا أَن أَبَا حنيفَة قَالَ إِنَّه لما لم يتَّصل بِالْحَجِّ بذلك الْخُرُوج خرج من أَن يكون وَسِيلَة وَإِن كَانَ حكم الثَّوَاب قَائِما بوعد الله أَلا ترى أَنه إِذا خرج إِلَى السقر بنية الْحَج ثمَّ أَقَامَ فِي بعض الْبِلَاد لعذر حَتَّى دارت السّنة ثمَّ مَاتَ وَأوصى بِأَن يحجّ عَنهُ فإنة يحجّ عنة من بَلْدَة لَا من
[ ٤٢٧ ]
هَذَا الْموضع الَّذِي مَا لما ذكرنَا كَذَا هُنَا
وَلَو أوصى بِأَن يحجّ عَنهُ من غير بَلَده من مَوضِع أقرب إِلَى مَكَّة أَو أبعد فَإِنَّهُ يحجّ عَنهُ كَمَا أوصى لِأَنَّهُ لَا يجب الإحجاج عَنهُ بِدُونِ الْوَصِيَّة فَيجب بِمِقْدَار الْوَصِيَّة
وَكَذَلِكَ إِذا أوصى بِأَن يحجّ عَنهُ بِمَال مُقَدّر إِن كَانَ يبلغ أَن يحجّ عَنهُ من بَلَده يحجّ من بَلَده وَإِلَّا يحجّ عَنهُ من حَيْثُ بلغ لِأَنَّهُ لما عين المَال يجب الْحَج بِهَذَا الْقدر من المَال لِأَنَّهُ لم تُوجد الْوَصِيَّة بِالزِّيَادَةِ عَنهُ وَبِدُون الْوَصِيَّة لَا يجب
وَأما إِذا أوصى بِأَن يحجّ عَنهُ مُطلقًا فَإِنَّهُ يحجّ عَنهُ من ثلث مَاله فَإِن بلغ ثلث مَاله أَن يحجّ عَنهُ من بَلَده يجب ذَلِك
وَإِن لم يبلغ من بَلَده فَالْقِيَاس أَن تبطل الْوَصِيَّة لِأَنَّهُ لَا يُمكن تنفيذها على مَا قَصده الْمُوصي
وَفِي الِاسْتِحْسَان يحجّ من حَيْثُ يبلغ لِأَن قَصده إِسْقَاط الْفَرْض عَن نَفسه فَإِن لم يكن على الْكَمَال فيصر إِلَى قدر الْمُمكن
ثمَّ إِن كَانَ الثُّلُث يبلغ أَن يحجّ عَنهُ رَاكِبًا من بَلَده فأحج عَنهُ مَاشِيا لم يجز لِأَن الْفَرْض هُوَ الْحَج رَاكِبًا
أما إِذا لم يبلغ الْحَج رَاكِبًا من بَلَده وَبلغ الْحَج رَاكِبًا من بلد آخر أقرب إِلَى مَكَّة وَمن بَلَده مَاشِيا روى هِشَام عَن مُحَمَّد أَنه يحجّ من حَيْثُ بلغ رَاكِبًا وَلَا يجوز أَن يحجّ من بَلَده مَاشِيا لما ذكرنَا أَن الْفَرْض هُوَ الْحَج رَاكِبًا فتنصرف الْوَصِيَّة إِلَيْهِ
وروى الْحسن عنأبي حنيفَة أَنه قَالَ أَن أحجوا عَنهُ مَاشِيا من بَلْدَة جَازَ وَإِن أحجوا رَاكِبًا من حَيْثُ بلغ جَازَ لِأَن فِي كل وَاحِد
[ ٤٢٨ ]
من الْوَجْهَيْنِ نقص من وَجه وَكَمَال من وَجه فاستويا
ثمَّ الْأَفْضَل أَن يحجّ عَنهُ من قد حج عَن نَفسه حجَّة الْإِسْلَام لِأَن من حضر مَكَّة يكره لَهُ أَن يتْرك حجَّة الْإِسْلَام فَيكون مَا أدّى حجا مَكْرُوها وَلَكِن جَازَ لِأَن النَّبِي ﵇ قَالَ للخثعمية حجي عَن أَبِيك وَلم يسْأَلهَا عَن الْحَج عَن نَفسهَا وَلَو كَانَ الحكم يخْتَلف لاستفسر
وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز وَيَقَع الْحَج عَن الضَّرُورَة أَي عَن نَفسه
وعَلى هَذَا إِذا حج الضَّرُورَة بنية التَّطَوُّع يَقع عَن التَّطَوُّع عندنَا وَعِنْده يَقع عَن الْفَرِيضَة
ثمَّ الْحَاج عَن غَيره إِذا أصَاب فِي إِحْرَامه مَا يُوجب الدَّم وَغير ذَلِك من الصَّدَقَة فَهُوَ على الْحَاج
وَكَذَا دم الْمُتْعَة وَالْقرَان إِذا أَمر بالقران
وَلَا يجب على المحجوج عَنهُ إِلَّا دم الْإِحْصَار لِأَن هَذِه الدِّمَاء إِنَّمَا وَجَبت لفعله فإمَّا دم الْإِحْصَار فَإِنَّهُ يجب للتخليص عَن مشقة السّفر وَهُوَ الَّذِي أوقعه فِي هَذِه الْمَشَقَّة فَعَلَيهِ التخليص
وَلَو جَامع الْحَاج عَن غَيره قبل الْوُقُوف بِعَرَفَة فسد حجه ويمضي فِيهِ وَينْفق من مَاله وَيضمن مَا أنْفق من مَال المحجوج عَنهُ ثمَّ يقْضِي الْحَاج من مَال نَفسه حجَّة وعمره من الْقَابِل لِأَنَّهُ أَمر بِحَجّ صَحِيح فَإِذا أفسد فقد خَالف الْأَمر فَصَارَ حَاجا على نَفسه والمأمور بِالْحَجِّ إِذا حج عَن نَفسه بِنَفَقَة الْآمِر يضمن فَإِذا أفْسدهُ يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء على مَا بَينا
[ ٤٢٩ ]
وَلَو كَانَ مَأْمُورا بالقران فأفسد يلْزمه قَضَاء حجَّة وَعمرَة من مَال نَفسه لما قُلْنَا
فَأَما إِذا فَاتَهُ الْحَج فَإِنَّهُ يصنع كَمَا يصنع الَّذِي فَوته الْحَج وَلَا يضمن النَّفَقَة لِأَنَّهُ لم يُوجد مِنْهُ الْمُخَالفَة حَتَّى يَنْقَلِب الْحَج عَنهُ والفوات حصل لَا بصنعه فَلَا يلْزمه الضَّمَان وَعَلِيهِ من مَال نَفسه الْحَج من قَابل لِأَن الْحجَّة لَزِمته بِالدُّخُولِ فَإِذا فَاتَت لزمَه قَضَاؤُهَا لِأَن فعل الْحَج يَقع عَن الْحَاج وَإِنَّمَا تقع عَن الْمَأْمُور ثَوَاب الْحَج
ثمَّ مَا فضل فِي يَد الْحَاج من النَّفَقَة بعد رُجُوعه فَإِنَّهُ يردهُ على الْوَرَثَة وَلَا يَسعهُ أَن يمسِكهُ لِأَن النَّفَقَة لَا تصير ملكا للْحَاج لِأَن الِاسْتِئْجَار لَا يَصح عندنَا فِي بَاب الْحَج وَسَائِر الْقرب الَّتِي تجْرِي فِيهَا النِّيَابَة حَتَّى يكون المَال أُجْرَة فَيكون ملكا للْأَجِير وَلَكِن ينْفق المَال على حكم ملك الْمَيِّت فِي الْحَج ليَكُون لَهُ ثَوَاب النَّفَقَة فَإِذا فرغ من الْحَج يجب صرفه إِلَى وَرَثَة الْمَيِّت
وَلَو كَانَ للْمُوصي بِالْحَجِّ وطنان فَإِنَّهُ يحجّ عَنهُ من أقرب الوطنين من مَكَّة لأَنا تَيَقنا بِدُخُول الْأَقْرَب فِي الْوَصِيَّة فَكَانَ الْأَخْذ بِالْيَقِينِ أولى
وَلَو كَانَ مكيا فَقدم الرّيّ بِالتِّجَارَة فَمَاتَ وَأوصى بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ يحجّ عَنهُ من مَكَّة لما ذكرنَا أَن الْوَصِيَّة بِالْحَجِّ تصرف إِلَى مَا فرض الله عَلَيْهِ وَالْفَرْض عَلَيْهِ من وَطنه
وَلَو أوصى بِأَن يحجّ عَنهُ فَأعْطى الْوَصِيّ دَرَاهِم إِلَى رجل ليحج عَنهُ فحج عَنهُ مَاشِيا قَالَ يضمن النَّفَقَة ويحج عَن الْمَيِّت رَاكِبًا لِأَن الْحَج الْوَاجِب على الْمُوصي هُوَ الْحَج رَاكِبًا فتنصرف الْوَصِيَّة إِلَيْهِ فَصَارَ كَمَا لَو نَص أَن يحجّ عَنهُ رَاكِبًا وَلَو نَص وَحج مَاشِيا يضمن النَّفَقَة لمُخَالفَة
[ ٤٣٠ ]
أمره كَذَا هُنَا
وَمن حج عَن ميت وَقضى حجه ثمَّ نوى الْمقَام بِمَكَّة خَمْسَة عشر يَوْمًا لَهُ أَن ينْفق من مَال نَفسه فِي مقَامه وَإِذا رَجَعَ بعد ذَلِك ينْفق من مَال الْمَيِّت
وَالْحَاصِل أَن الْإِقَامَة بعد الْفَرَاغ عَن الْحَج إِن كَانَت مُعْتَادَة فالنفقة فِي مَال الْمَيِّت
وَإِن زَادَت على الْعَادة فالنفقة فِي مَاله وَذَلِكَ مُدَّة مقَام الْقَافِلَة لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ الْخُرُوج إِلَّا مَعَ النَّاس
وَإِذا كَانَ منتظرا لخُرُوج الْقَافِلَة فالنفقة فِي مَال الْمَيِّت
وَإِذا تخلف عَن الْقَافِلَة فالنفقة فِي مَاله
وَقد قَالُوا فِي الآفاقي إِذا حج عَن غَيره فَدخل بَغْدَاد فَأَقَامَ بهَا مِقْدَار مَا يُقيم النَّاس فالنفقة فِي مَال الْمَيِّت وَإِن أَقَامَ أَكثر من ذَلِك فَفِي مَاله لَكِن إِذا رَجَعَ فالنفقة فِي مَال الْمَيِّت لِأَن هَذِه مُدَّة الرُّجُوع فَلم يَنْقَطِع حكم السّفر الأول فَهِيَ محسوبة على الْمَيِّت
هَذَا إِذا لم يتَّخذ دَارا بِمَكَّة للإقامة
فَأَما إِذا اتخذ دَارا وَأقَام بهَا مُدَّة
ثمَّ رَجَعَ فالنفقة فِي مَاله لَا فِي مَال الْمَيِّت لِأَنَّهُ انْقَطع حكم السّفر الأول باتخاذه دَارا للإقامة
وَلَو أَن الْحَاج عَن غَيره إِذا تعجل الدُّخُول بِمَكَّة بِأَن دخل فِي شهر رَمَضَان محرما فَإِن عَلَيْهِ أَن ينْفق من مَاله إِلَى عشر الْأَضْحَى وَرُوِيَ إِلَى مَا قبل الْحَج بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ لِأَن هَذَا الْقدر من الْمقَام يعْتَاد فِي مَكَّة لِلْحَجِّ فَأَما الزِّيَادَة عَلَيْهِ فَلَا فَيَنْصَرِف الْأَمر إِلَى الْمُعْتَاد
وَلَو دفع مَالا إِلَى رجل ليحج عَن الْمَيِّت فَلم يبلغ مَال الْمَيِّت
[ ٤٣١ ]
النَّفَقَة فأنفق الْحَاج من مَال نَفسه وَمن مَال الْمَيِّت فَإِن كَانَ مَال الْمَيِّت يبلغ الْكِرَاء وَعَامة النَّفَقَة فَهُوَ جَائِز وَإِلَّا فَهُوَ لمَال الْمَيِّت ويحج عَن الْمَيِّت من مَاله من حَيْثُ يبلغ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عَامَّة النَّفَقَة من مَال الْمَيِّت والقليل من مَال الْحَاج فالقليل يسْقط اعْتِبَاره بمقابلته الْكثير لحَاجَة النَّاس لِأَن الْحَاج يحْتَاج إِلَى أَن يزِيد من عِنْده النَّفَقَة لزِيَادَة الترفه والتوسعة وَأَن يزِيد ثيابًا وَلَو جعل هَذَا مَانِعا لامتنع النَّاس عَن الْحَج عَن الْغَيْر
فَأَما إِذا كَانَ الْأَكْثَر من مَال نَفسه فَلَا عِبْرَة للقليل فَيكون حَاجا عَن نَفسه فَيضمن
ثمَّ فِي الْحَج ثَلَاث خطب بَين كل خطبتين فاصل بِيَوْم فالخطبة الأولى قبل يَوْم التَّرويَة وَهُوَ الْيَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة بِمَكَّة خطْبَة وَاحِدَة لَا يجلس فِيهَا بعد صَلَاة الظّهْر وَيعلم النَّاس فِيهَا أَحْكَام الْمَنَاسِك إِلَى يَوْم عَرَفَة
وَالْخطْبَة الثَّانِيَة يَوْم عَرَفَة قبل صَلَاة الظّهْر يخْطب خطبتين يجلس بَينهمَا جلْسَة خَفِيفَة وَيعلم النَّاس فِيهَا أَحْكَام الْمَنَاسِك إِلَى أَيَّام الثَّانِي من أَيَّام النَّحْر وَذَلِكَ بعد الْأَذَان كَمَا فِي يَوْم الْجُمُعَة
وَالْخطْبَة الثَّالِثَة فِي الْيَوْم الثَّانِي من أَيَّام النَّحْر بعد صَلَاة الظّهْر بمنى خطْبَة وَاحِدَة يعلمهُمْ فِيهَا مَا بَقِي من أَحْكَام الْمَنَاسِك
وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا الثَّلَاثَة
وقالزفر يخْطب فِي الْحَج ثَلَاث خطب مُتَوَالِيَات يَوْم التَّرويَة وَيَوْم عَرَفَة وَيَوْم النَّحْر