الْيَمين خَمْسَة أَنْوَاع يَمِين بِاللَّه تَعَالَى صَرِيحًا وَهِي نَوْعَانِ يَمِين بأسمائه وَيَمِين بصفاته
وَالثَّالِث يَمِين بِاللَّه تَعَالَى بطرِيق الْكِنَايَة
وَالرَّابِع الْيَمين بِغَيْر الله تَعَالَى صُورَة وَمعنى
وَالْخَامِس الْيَمين بِغَيْر الله تَعَالَى صُورَة وَمعنى
أما الْيَمين بأسماء الله تَعَالَى فالحلف بِكُل اسْم من أَسْمَائِهِ بِأَن قَالَ بِاللَّه أَو وَالله أَو تالله أَو الله أَو الرَّحْمَن أَو الرَّحِيم أَو بالعالم أَو الْقَادِر وَنَحْو ذَلِك لِأَن من أَسمَاء الله تَعَالَى مَا يكون خَاصّا لَا يجوز إِطْلَاقه على غير الله تَعَالَى وَمِنْهَا مَا يجوز لَكِن مَتى ذكر فِي مَوضِع الْقسم وَالْقسم لَا يجوز بِغَيْر الله فَكَانَ المُرَاد بِهِ اسْم الله تَعَالَى
وَأما الْحلف بصفاته فأقسام ثَلَاثَة أَحدهَا أَن يذكر صفة لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي الصّفة فِي عرف النَّاس كَقَوْلِهِم وَعزة الله وعظمته وجلاله وكبريائه
وَإِن كَانَ يسْتَعْمل
[ ٢ / ٢٩٧ ]
صفة لغيره لَكِن تعين كَون صفة الله تَعَالَى مرَادا بِهِ بِالْإِضَافَة إِلَى الله تَعَالَى تنصيصا
وَالْقسم الثَّانِي أَن يحلف بِصفة تسْتَعْمل صفة لله وَلغيره وتستعمل فِي غير الصّفة لَكِن لَا يكون اسْتِعْمَاله فِي غير الصّفة غَالِبا بِحَيْثُ تسبق الأفهام إِلَيْهِ عِنْد الذّكر نَحْو قَوْلهم وقدرة الله وقوته وإرادته ومشيئته وَنَحْو ذَلِك فَيتَعَيَّن صفة لله تَعَالَى مقسمًا بِهِ بِدلَالَة ذكر الْقسم
وَمن هَذَا الْقسم وَأَمَانَة الله فِي ظَاهر الرِّوَايَة خلافًا لما ذكره الطَّحَاوِيّ أَنه لَا يكون يَمِينا وَإِن نوى وَخِلَافًا لما رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه لَا يكون يَمِينا
وَالْقسم الثَّالِث أَن يحلف بِصفة تسْتَعْمل صفة لله تَعَالَى وَلغيره وتستعمل فِي غير الصّفة لَكِن على وَجه غلب اسْتِعْمَاله فِيهِ بِحَيْثُ لَا تسبق الأفهام إِلَّا إِلَيْهِ عِنْد الذّكر مُطلقًا
وَذَلِكَ نَحْو قَوْلهم وَعلم الله وَرَحْمَة الله وَكَلَام الله وَكَذَا الرِّضَا وَالْغَضَب والسخط فَإِنَّهُ يذكر الْعلم وَيُرَاد بِهِ الْمَعْلُوم غَالِبا وَكَذَا الرَّحْمَة تذكر وَيُرَاد بهَا الْجنَّة وآثار الرَّحْمَة من النِّعْمَة وَالسعَة
فعندنا إِن نوى بِهِ الْيَمين يكون يَمِينا وَإِن لم ينْو لَا يكون يَمِينا
وَقَالَ الشَّافِعِي يكون يَمِينا كَسَائِر صِفَاته بِدلَالَة الْقسم
وعَلى هَذَا قَالَ فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَحقّ الله لَا أفعل كَذَا لَا يكون يَمِينا مَا لم ينْو لِأَنَّهُ يسْتَعْمل فِي الْعرف فِي الْحق الْمُسْتَحق لله تَعَالَى على عباده
وَلَو قَالَ وَالْحق لَا أفعل كَذَا يكون يَمِينا لِأَنَّهُ اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى
[ ٢ / ٢٩٨ ]
قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويعلمون أَن الله هُوَ الْحق الْمُبين﴾
وَلَو قَالَ حَقًا بِالْفَارِسِيَّةِ اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ
ثمَّ فِي الْيَمين بأسماء الله تَعَالَى وَصِفَاته إِذا ذكر الْقسم والمقسم بِهِ وَالْخَبَر بِاللَّفْظِ الْمُسْتَعْمل فِي الْحَال بِأَن قَالَ حَلَفت بِاللَّه أَو أَقْسَمت بِاللَّه لَأَفْعَلَنَّ كَذَا يكون يَمِينا بِلَا خلاف
فَأَما إِذا ذكر الْقسم بِاللَّفْظِ الْمُسْتَقْبل بِأَن قَالَ أَحْلف بِاللَّه أَو أقسم بِاللَّه لَأَفْعَلَنَّ كَذَا أَو أشهد بعزة الله تَعَالَى لَأَفْعَلَنَّ كَذَا يكون يَمِينا عندنَا
وَعند الشَّافِعِي لَا يكون يَمِينا إِلَّا بِالنِّيَّةِ
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن هَذَا فِي الْعرف يُرَاد بِهِ الْحَال كَقَوْلِهِم أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَنَحْو ذَلِك
وَأما إِذا ذكر الْقسم وَالْخَبَر وَلم يذكر الْمقسم بِهِ بِأَن قَالَ أشهد أَو أَحْلف أَو أقسم لَأَفْعَلَنَّ كَذَا يكون يَمِينا عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة نوى أَو لم ينْو
وَقَالَ زفر إِن نوى يكون يَمِينا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يكون يَمِينا وَإِن نوى
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن ذكر الْقسم وَالْخَبَر دَلِيل على مقسم مَحْذُوف وَهُوَ اسْم الله تَعَالَى
هَذَا إِذا ذكر الْمقسم بِهِ مرّة وَاحِدَة فَأَما إِذا ذكر مكررا بِأَن قَالَ وَالله وَالله أَو وَالله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِن فعلت كَذَا ذكر فِي الْجَامِع الْكَبِير إِن لم يدْخل بَين الاسمين حرف عطف يكون يَمِينا وَاحِدَة وَإِن دخل بَينهمَا حرف عطف يكون يمينين
وَفِيه اخْتِلَاف الرِّوَايَات
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وَالصَّحِيح مَا ذكر فِي الْجَامِع وَلِهَذَا يسْتَعْمل على بَاب الْقُضَاة هَذِه الْيَمين وَالله الرَّحْمَن الرَّحِيم الطَّالِب الْغَالِب الْمدْرك
فَأَما إِذا ذكر الْخَبَر مَعَه مكررا بِأَن قَالَ وَالله لَا أفعل كَذَا لَا أفعل أَو وَالله لَا أكلم فلَانا وَالله لَا ُأكَلِّمهُ فَإِنَّهُ يكون يمينين لِأَنَّهُ وجد تكْرَار صِيغَة الْيَمين إِلَّا إِذا أَرَادَ بالْكلَام الثَّانِي الْخَبَر عَن الأول فَإِنَّهُ يكون يَمِينا وَاحِدَة
وَكَذَا فِي الْيَمين بِالطَّلَاق وَالْعتاق على هَذَا
وَأما الْيَمين بِاللَّه تَعَالَى من حَيْثُ الْكِنَايَة نَحْو قَول الرجل هُوَ يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ أَو مَجُوسِيّ أَو بَرِيء من الْإِسْلَام أَو كَافِر بِاللَّه وَنَحْو ذَلِك إِن فعل كَذَا يكون يَمِينا وَإِن فعل يلْزمه الْكَفَّارَة اسْتِحْسَانًا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يكون يَمِينا قِيَاسا
وَجه قَوْلنَا أَن النَّاس تعارفوا الْحلف بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ من لدن رَسُول الله ﷺ إِلَى يَوْمنَا هَذَا من غير نَكِير
مَعَ أَن الْيَمين بِغَيْر الله مَعْصِيّة دلّ أَنَّهَا كِنَايَة عَن الْيَمين بِاللَّه فِي الْعرف وَإِن لم يعقل معنى كَقَوْلِهِم لله عَليّ أَن أضْرب ثوبي حطيم الْكَعْبَة كِنَايَة عَن النّذر بِالصَّدَقَةِ فِي عرفهم وَإِن لم يعقل وَجه الْكِنَايَة كَذَا هَذَا
وَأما إِذا قَالَ هُوَ يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ إِن كنت فعلت كَذَا فِي الْمَاضِي كَاذِبًا قصدا لَا يلْزمه الْكَفَّارَة عندنَا
وَلَكِن هَل يكفر اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ
وَالصَّحِيح أَنه لَا يكفر كَذَا روى الْحَاكِم الشَّهِيد عَن أبي يُوسُف لِأَن قَصده ترويج كَلَامه دون الْكفْر
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وَكَذَا إِذا قَالَ يعلم الله أَنه فعل كَذَا وَهُوَ يعلم أَنه لم يفعل لَا رِوَايَة لَهُ وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ وَالصَّحِيح أَنه لَا يكفر
وَقيل هَذَا إِذا كَانَ عِنْده أَنه لَا يكفر فَأَما إِذا كَانَ عِنْده أَنه يكفر إِذا حلف بِهِ فِي الْمَاضِي أَو فِي الْمُسْتَقْبل وَحنث فِي يَمِينه إِنَّه يكفر لِأَنَّهُ بالإقدام عَلَيْهِ صَار مُخْتَار للكفر وَاخْتِيَار الْكفْر كفر
وَأما الْيَمين بِغَيْر الله تَعَالَى صُورَة وَمعنى بِأَن حلف بِالْإِسْلَامِ أَو بِأَنْبِيَاء الله تَعَالَى أَو بملائكته أَو بِالْكَعْبَةِ أَو بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَالْحج أَو قَالَ عَلَيْهِ سخط الله وعذابه لَا يكون يَمِينا وَلَا يجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة
وَأما الْيَمين بِغَيْر الله تَعَالَى صُورَة وَهِي يَمِين بِاللَّه تَعَالَى معنى فَهُوَ الْحلف بِذكر الشَّرْط وَالْجَزَاء لِأَنَّهُ مَانع عَن تَحْصِيل الشَّرْط وحامل على الْبر بِمَنْزِلَة ذكر اسْم الله تَعَالَى وَذَلِكَ نَحْو قَوْلهم إِذا دخلت هَذِه الدَّار فَأَنت طَالِق أَو إِن دخلت أَو مَتى دخلت أَو إِذا مَا دخلت أَو مَتى مَا دخلت إِذا وجد الدُّخُول طلقت لِأَن هَذِه حُرُوف الشَّرْط وَقد وجد الشَّرْط فَيحنث فِي يَمِينه
وَلَو دخلت ثَانِيًا لَا تطلق لِأَن هَذِه الْحُرُوف لَا تَقْتَضِي التّكْرَار
وَلَو قَالَ كلما دخلت هَذِه الدَّار فَأَنت طَالِق فَدخلت الدَّار تطلق
وَلَو دخلت ثَانِيًا وثالثا تطلق عِنْد كل دخلة طَلْقَة وَاحِدَة لِأَن كلمة كلما توجب تكْرَار الْأَفْعَال
وَإِذا طلقت ثَلَاثًا فَتزوّجت بِزَوْج آخر وعادت إِلَيْهِ ثمَّ دخلت الدَّار فِي الْمرة الرَّابِعَة لَا تطلق لِأَن مَحل الْجَزَاء قد فَاتَ
وَلَو قَالَ كل امْرَأَة أَتَزَوَّجهَا فَهِيَ طَالِق فَتزَوج امْرَأَة تطلق لوُجُود الشَّرْط وَلَو تزَوجهَا ثَانِيًا لَا تطلق
[ ٢ / ٣٠١ ]
وَلَو تزوج امْرَأَة أُخْرَى تطلق لِأَن كلمة كل توجب عُمُوم الْأَسْمَاء وَلَا توجب عُمُوم الْأَفْعَال وتكرارها
وَلَو جمع بَين الشَّرْطَيْنِ لَا يَقع الطَّلَاق إِلَّا بوجودهما فَإِن جمع بِحرف الْعَطف بِأَن قَالَ إِن دخلت هَذِه الدَّار وَهَذِه الدَّار فَلَا يَقع إِلَّا بِدُخُول الدَّاريْنِ سَوَاء قدم الشَّرْط أَو أخر أَو كَانَ متوسطا
وَيَسْتَوِي الْجَواب بَين أَن يدْخل الدَّار الْمَذْكُورَة أَولا أَو الثَّانِيَة لِأَن حرف الْوَاو لمُطلق الْجمع ولعطف الشَّيْء على جنسه فَيكون الشَّرْط مَعْطُوفًا على الشَّرْط لَا على الْجَزَاء
وَإِن عطف بِحرف الْفَاء فَقَالَ إِن دخلت هَذِه الدَّار فَهَذِهِ الدَّار فَأَنت طَالِق فَمَا لم تدخل الدَّاريْنِ على التَّرْتِيب بِأَن تدخل الأولى ثمَّ الثَّانِيَة لَا حنث لِأَن حرف الْفَاء للْجمع على سَبِيل التَّرْتِيب والتعقيب بِلَا فصل
وَيَسْتَوِي الْجَواب بَين تقدم الشَّرْط وَتقدم الْجَزَاء وتوسطه
وَلَو عطف بِحرف ثمَّ فَقَالَ إِن دخلت هَذِه الدَّار ثمَّ هَذِه الدَّار فَمَا لم يدْخل الدَّاريْنِ الأولى ثمَّ الْأُخْرَى بعد سَاعَة أَو أَكثر من ذَلِك لَا يَحْنَث لِأَن حرف ثمَّ للتَّرْتِيب على طَرِيق التَّأْخِير
وَكَذَلِكَ إِذا أعَاد حرف الْعَطف مَعَ الْفِعْل فِي هَذِه الْفُصُول بِأَن قَالَ إِن دخلت هَذِه الدَّار وَدخلت هَذِه الدَّار فَالْجَوَاب لَا يخْتَلف
وَكَذَلِكَ فِي حرف الْفَاء وحرف ثمَّ
وَلَو قَالَ وَالله لَا أكلم فلَانا ثمَّ قَالَ فِي ذَلِك الْمجْلس أَو فِي مجْلِس آخر وَالله لَا أكلم فلَانا أَو قَالَ لامْرَأَته إِن دخلت هَذِه الدَّار فَأَنت طَالِق ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك إِن دخلت هَذِه الدَّار فَأَنت طَالِق أَو قَالَ وَالله لَا أَدخل هَذِه الدَّار ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك عَليّ حجَّة إِن دخلت هَذِه الدَّار وعبدي حر إِن دخلت هَذِه الدَّار فَهَذَا على ثَلَاثَة أوجه إِمَّا أَن
[ ٢ / ٣٠٢ ]
لَا يكون لَهُ نِيَّة أَو نوى بِالثَّانِيَةِ التَّغْلِيظ وَالتَّشْدِيد أَو نوى بِالثَّانِيَةِ الأولى فَإِن لم يكن لَهُ نِيَّة فهما يمينان حَتَّى لَو دخل الدَّار مرّة يلْزمه كفارتان فِي الْيَمين بِاللَّه تَعَالَى وَفِي الْيَمين بِالطَّلَاق يَقع طَلْقَتَانِ وَيكون الدُّخُول شرطا فِي اليمينين
وَإِن نوى بِهِ التَّغْلِيظ فَكَذَلِك لِأَن التَّغْلِيظ فِي أَن يكون يمينين حَتَّى يلْزمه كفارتان وَيَقَع طلاقان
وَإِن نوى بِالثَّانِيَةِ الأولى كَانَت يَمِينا وَاحِدَة لِأَنَّهُ نوى التّكْرَار وَهُوَ مُسْتَعْمل فِي الْعرف للتَّأْكِيد إِلَّا أَن فِي مَسْأَلَة الطَّلَاق لَا يصدق فِي الْقَضَاء
[ ٢ / ٣٠٣ ]