افْتِتَاح الصَّلَاة يتَعَلَّق بفروض وَسنَن فَلَا يَصح بِدُونِ استجماع فروضه وَلَا يتم بِدُونِ إتْيَان سنَنه
أما فروضه فَمَا ذكرنَا من الشَّرَائِط السِّتَّة وَهِي الطَّهَارَة وَستر الْعَوْرَة واستقبال الْقبْلَة وَالْوَقْت وَالنِّيَّة وَتَكْبِيرَة الِافْتِتَاح
وَلَا خلاف فِي هَذِه الْجُمْلَة إِلَّا فِي تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح
فَعِنْدَ أبي بكر الْأَصَم يَصح الشُّرُوع فِي الصَّلَاة بِمُجَرَّد النِّيَّة دون التَّكْبِير
وَهُوَ فَاسد لقَوْل النَّبِي ﵇ لَا يقبل الله صَلَاة امرىء حَتَّى يضع الطّهُور موَاضعه وَيسْتَقْبل الْقبْلَة وَيَقُول الله أكبر
ثمَّ عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد يَصح الشُّرُوع بِكُل ذكر هُوَ ثَنَاء خَالص لله تَعَالَى مُرَاد بِهِ تَعْظِيمه لَا غير نَحْو أَن يَقُول الله أكبر الله أعظم
وَكَذَا كل اسْم ذكر مَعَ الصّفة نَحْو الرَّحْمَن أعظم الرَّحِيم أجل أَو يَقُول الْحَمد لله أَو سُبْحَانَ الله أَو لَا إِلَه إِلَّا الله سَوَاء كَانَ يحسن التَّكْبِير أَو لَا يحسن
وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا يصير شَارِعا إِلَّا بِأَلْفَاظ مُشْتَقَّة من التَّكْبِير لَا غير وَهِي ثَلَاثَة أَلْفَاظ الله أكبر الله الْأَكْبَر الله الْكَبِير
[ ١٢٣ ]
إِلَّا إِذا كَانَ لَا يحسن التَّكْبِير
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يَصح إِلَّا بقوله الله أكبر الله الْأَكْبَر
وَقَالَ مَالك لَا يصير شَارِعا إِلَّا بقوله الله أكبر
فَأَما إِذا قَالَ الله أَو الرَّحْمَن أَو الرَّحِيم وَلم يقرن بِهِ الصّفة هَل يصير شَارِعا لم يذكر فِي الرِّوَايَة وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه يصير شَارِعا وَفِي الْجَامِع الصَّغِير إِشَارَة إِلَيْهِ فَإِنَّهُ ذكر إِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله يصير شَارِعا والشروع يَصح بقوله الله لَا بِالنَّفْيِ
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لي لَا يصير شَارِعا لِأَنَّهُ لم يخلص تَعْظِيم الله تَعَالَى بِهِ لِأَن غَرَضه الدُّعَاء
وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِيمَا إِذا قَالَ اللَّهُمَّ وَلم يذكر شَيْئا آخر
فَأَما إِذا قَالَ بِالْفَارِسِيَّةِ خداىء بزرك تَرَ أَو خداىء بزرك فعلى قَول أبي حنيفَة يصير شَارِعا كَيْفَمَا كَانَ
وعَلى قَوْلهمَا إِن كَانَ لَا يحسن الْعَرَبيَّة فَكَذَلِك وَإِن كَانَ يحسن لَا يجوز
ثمَّ إِنَّمَا يصير شَارِعا إِذا كبر فِي حَال الْقيام إِذا كَانَ قَادِرًا
فَأَما إِذا كبر قَاعِدا ثمَّ قَامَ لَا يصير شَارِعا
فَأَما إِذا لم يكن قَادِرًا على الْقيام فَيجوز
ثمَّ النِّيَّة شَرط صِحَة الشُّرُوع لِأَن الْعِبَادَة لَا تصح بِدُونِ النِّيَّة
[ ١٢٤ ]
وتفسيرها إِرَادَة الصَّلَاة لله تَعَالَى على الخلوص والإرادة عمل الْقلب
ثمَّ ذكر مَا نوى بِقَلْبِه بِاللِّسَانِ هَل هُوَ سنة عِنْد بَعضهم لَيْسَ بِسنة
وَقَالَ بَعضهم هُوَ سنة مُسْتَحبَّة فَإِن مُحَمَّدًا ذكر فِي كتاب الْمَنَاسِك إِذا أردْت أَن تحرم الْحَج إِن شَاءَ الله فَقل اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيد الْحَج فيسره لي وتقبله مني فههنا يجب أَن يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيد صَلَاة كَذَا فيسرها لي وتقبلها مني
ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ مُنْفَردا أَو إِمَامًا أَو مقتديا
فَإِن كَانَ مُنْفَردا أَو إِمَامًا فَإِن كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّع يَنْوِي أصل الصَّلَاة وَإِن كَانَ يُصَلِّي الْفَرْض يَنْبَغِي أَن يَنْوِي فرض الْوَقْت أَو ظهر الْوَقْت وَلَا يَكْفِيهِ نِيَّة مُطلق الصَّلَاة لِأَن الْفَرَائِض من الصَّلَوَات مَشْرُوعَة فِي الْوَقْت فَلَا بُد من التَّعْيِين
وَكَذَا يَنْبَغِي أَن يَنْوِي صَلَاة الْجُمُعَة وَصَلَاة الْعِيدَيْنِ وَصَلَاة الْجِنَازَة لِأَن التَّعْيِين يحصل بِهَذَا
وَإِن كَانَ مقتديا يحْتَاج إِلَى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُنْفَرد وَيحْتَاج إِلَيّ نِيَّة الِاقْتِدَاء بِالْإِمَامِ
بِأَن يَنْوِي فرض الْوَقْت والاقتداء بِالْإِمَامِ فِيهِ أَو يَنْوِي الشُّرُوع فِي صَلَاة الإِمَام أَو يَنْوِي الِاقْتِدَاء بِالْإِمَامِ فِي صلَاته
ثمَّ الْأَفْضَل فِي النِّيَّة أَن تكون مُقَارنَة لتكبير وَلَكِن الْقُرْآن لَيْسَ بِشَرْط عِنْد أَصْحَابنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي شَرط
وَلَكِن إِذا نوى قبل الشُّرُوع وَلم يشْتَغل بِعَمَل آخر جَازَ
[ ١٢٥ ]
وَإِذا نوى بعد التَّكْبِير لَا يجوز لِأَن الْحَرج ينْدَفع بِتَقْدِيم النِّيَّة إِلَّا مَا رُوِيَ عَن الْكَرْخِي أَنه يجوز إِذا نوى وَقت الثَّنَاء
وَنِيَّة الْكَعْبَة شَرط عِنْد بعض الْمَشَايِخ وَعند بَعضهم لَيْسَ بِشَرْط وَهُوَ الْأَصَح
وَأما سنَن الِافْتِتَاح فَأن يحذف التَّكْبِير وَلَا يطول وَأَن يرفع الْيَدَيْنِ عِنْد تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح مُقَارنًا لَهَا
وَالسّنة فِي رفع الْيَدَيْنِ أَن ينشر بالأصابع وَيجْعَل كفيه مستقبلي الْقبْلَة
وَأَرَادَ بالنشر أَن لَا يرفعهما مضمومتين بل مفتوحتين حَتَّى تكون الْأَصَابِع نَحْو الْقبْلَة لَا أَن يفرج بَين الْأَصَابِع تفريجا
وَيرْفَع يَدَيْهِ حذاء أُذُنَيْهِ
وَقَالَ الشَّافِعِي يرفع حَذْو مَنْكِبَيْه
وَقَالَ مَالك يرفع حذاء رَأسه
وَلم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة حكم الْمَرْأَة
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنَّهَا ترفع يَديهَا حذاء أذنيها كَالرّجلِ لِأَن كفيها ليسَا بِعَوْرَة
وروى مُحَمَّد بن مقَاتل عَن أَصْحَابنَا إِنَّهَا ترفع يَديهَا حذاء منكبيها
فَإِذا فرغ الْمُصَلِّي من التَّكْبِير يضع يَمِينه على شِمَاله تَحت السُّرَّة
وَقَالَ مَالك السّنة هِيَ إرْسَال الْيَدَيْنِ حَالَة الْقيام
وروى عَن مُحَمَّد فِي النَّوَادِر أَنه يرسلهما حَالَة الثَّنَاء فَإِذا فرغ من
[ ١٢٦ ]
الثَّنَاء يضع يَمِينه على شِمَاله
وَقَالَ الشَّافِعِي يضعهما على الصَّدْر
ثمَّ يَقُول سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك سَوَاء كَانَ مَعَ الإِمَام أَو وَحده
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف يَنْبَغِي أَن يَقُول مَعَ التَّسْبِيح ﴿إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ ﴿قل إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين﴾
ثمَّ يتَعَوَّذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم إِذا كَانَ إِمَامًا أَو مُنْفَردا فَهُوَ سنة فِي حَقّهمَا دون المتقدي عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَلَا يَنْبَغِي أَن يَأْتِي بِهِ
وعَلى قَول أبي يُوسُف سنة فِي حَقه أَيْضا
وَحَاصِل الْخلاف أَن التَّعَوُّذ تبع للثناء أَو تبع للْقِرَاءَة فعلى قَوْلهمَا تبع للْقِرَاءَة وعَلى قَوْله تبع للثناء
وَيخرج عَلَيْهِ ثَلَاث مسَائِل إِحْدَاهمَا أَن الْمُقْتَدِي لَا قِرَاءَة عَلَيْهِ فَلَا يَأْتِي بِمَا هُوَ تبع لَهَا عِنْدهمَا
والمقتدي يَأْتِي بالثناء فَيَأْتِي بِمَا هُوَ تبع لَهُ عِنْده
وَالثَّانيَِة المسبق إِذا شرع فِي صَلَاة الإِمَام وَسبح لَا يتَعَوَّذ وَإِذا قَامَ إِلَى قَضَاء مَا سبق بِهِ يتَعَوَّذ عِنْد ابْتِدَاء الْقِرَاءَة عِنْدهمَا
وَعِنْده يتَعَوَّذ عِنْد التَّسْبِيح لما ذكرنَا
وَالثَّالِثَة الإِمَام
فِي صَلَاة الْعِيد يَأْتِي بالتعوذ بعد التَّكْبِيرَات
[ ١٢٧ ]
عِنْدهمَا لِأَنَّهُ وَقت الْقِرَاءَة وَعِنْده يَأْتِي بِهِ قبل التَّكْبِيرَات كالتسبيح
ثمَّ يخفي بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَهَذَا عندنَا
وَعند الشَّافِعِي يجْهر
وَهَذَا بِنَاء على أَن التَّسْمِيَة عِنْده من الْفَاتِحَة قولا وَاحِدًا وَمن رَأس كل سُورَة قَوْلَيْنِ فيجهر بهما بِمَنْزِلَة الْفَاتِحَة وَالسورَة
وَعِنْدنَا هِيَ آيَة من الْقُرْآن أنزلت للفصل بَين السُّور والافتتاح بهَا تبركا وَلَيْسَت من الْفَاتِحَة وَلَا من رَأس كل سُورَة فَلَا يجْهر بهَا وَلَكِن يَأْتِي بهَا الإِمَام لافتتاح الْقِرَاءَة بهَا تبركا كَمَا يَأْتِي بالتعوذ فِي الرِّوَايَات كلهَا فِي الرَّكْعَة الأولى
وَهل يَأْتِي بهَا فِي أول الْفَاتِحَة فِي الرَّكْعَات الْأُخَر فَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة الْحسن لَا يَأْتِي بهَا
وَفِي رِوَايَة الْمُعَلَّى يَأْتِي وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد
وَهل يَأْتِي بهَا عِنْد رَأس كل سُورَة فِي الصَّلَاة على قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لَا يَأْتِي بهَا
وَقَالَ مُحَمَّد يَأْتِي بهَا
ثمَّ الْقِرَاءَة فرض فِي الصَّلَاة عِنْد عَامَّة الْعلمَاء خلافًا لأبي بكر الْأَصَم وسُفْيَان بن عُيَيْنَة لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لَا صَلَاة إِلَّا بِقِرَاءَة وَهَذَا فِي حق الإِمَام وَالْمُنْفَرد
فَأَما الْمُقْتَدِي فَلَا قِرَاءَة عَلَيْهِ عندنَا
وَعند الشَّافِعِي عَلَيْهِ الْقِرَاءَة وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
ثمَّ عندنَا الْقِرَاءَة فرض فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين حَتَّى لَو تَركهَا فِي
[ ١٢٨ ]
الْأَوليين وَقرأَهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَيكون قَضَاء على الْأَوليين وَهُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب أَصْحَابنَا
وَقدر الْقِرَاءَة الْمَفْرُوض عِنْد أبي حنيفَة آيَة وَاحِدَة
وَعِنْدَهُمَا آيَة طَوِيلَة أَو ثَلَاث آيَات قَصِيرَة
وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة وَالسورَة جَمِيعًا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين لَيست بِفَرْض عندنَا
وَعند الشَّافِعِي فرض
وَلَكِن قراءتهما جَمِيعًا فِي الْأَوليين عندنَا وَاجِبَة حَتَّى لَو تَركهمَا أَو ترك إِحْدَاهمَا عمدا يكون مسيئا وَإِن كَانَ سَاهِيا يلْزمه سُجُود السَّهْو
وَأما فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَالسنة أَن يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب لَا غير
وَلَو سبح فِي كل رَكْعَة ثَلَاث تسبيحات أَجزَأَهُ وَلَا يكون مسيئا
وَإِن لم يقْرَأ وَلم يسبح وَسكت أَجْزَأته صلَاته وَيكون مسيئا
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف هُوَ بِالْخِيَارِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ إِن شَاءَ قَرَأَ وَإِن شَاءَ سبح وَإِن شَاءَ سكت
ويجهر بِالْقِرَاءَةِ فِي جَمِيع الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة إِلَّا فِي صَلَاة الظّهْر وَالْعصر
وَكَذَا يجْهر فِي كل صَلَاة يشْتَرط فِيهَا الْجَمَاعَة سَوَاء كَانَت فرضا أَو وَاجِبَة كَصَلَاة الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ
ثمَّ إِن كَانَ إِمَامًا يجب عَلَيْهِ مُرَاعَاة الْجَهْر فِيمَا يجْهر والمخافتة فِيمَا يُخَافت سَوَاء كَانَ فِي الْفَرْض أَو الْوَاجِب أَو التَّطَوُّع كَمَا فِي
[ ١٢٩ ]
الترويحات وَالْوتر وَالْعِيدَيْنِ حَتَّى لَو ترك ذَلِك سَاهِيا يجب عَلَيْهِ سُجُود السَّهْو
وَإِن كَانَ مُنْفَردا إِن كَانَت صَلَاة يُخَافت فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ خَافت
وَلَو جهر فِيهَا عمدا يكون مسيئا
وَإِن كَانَ سَاهِيا لَا يجب عَلَيْهِ السَّهْو بِخِلَاف الْأَمَام
وَإِن كَانَت صَلَاة يجْهر فِيهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ جهر وَإِن شَاءَ خَافت كَذَا ذكر هَهُنَا
وَفسّر فِي مَوضِع آخر أَنه مُخَيّر بَين خيارات ثَلَاث إِن شَاءَ جهر وأسمع غَيره وَإِن شَاءَ جهر وأسمع نَفسه
وَإِن شَاءَ أسر الْقِرَاءَة فِي نَفسه
وَلَو قَرَأَ الْقُرْآن بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الصَّلَاة فعلى قَول أبي حنيفَة ﵁ تجوز صلَاته سَوَاء كَانَ يحسن الْعَرَبيَّة أَو لَا يحسن
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد إِن كَانَ يحسن الْعَرَبيَّة لَا يجوز
وَإِن كَانَ لَا يحسن يجوز
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز فِي الْحَالين جَمِيعًا
ثمَّ مِقْدَار الْقِرَاءَة الَّذِي يخرج بِهِ عَن حد الْكَرَاهَة هُوَ فَاتِحَة الْكتاب
وَسورَة قَصِيرَة قدر ثَلَاث آيَات أَو ثَلَاث آيَات من أَيَّة سُورَة كَانَت
وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِي مِقْدَار الْمُسْتَحبّ عَن أبي حنيفَة
ذكر فِي كتاب الصَّلَاة وَيقْرَأ فِي الْفجْر بِأَرْبَعِينَ آيَة مَعَ فَاتِحَة الْكتاب أَي سواهَا
وَفِي الظّهْر نَحوا من ذَلِك أَو دونه
وَفِي الْعَصْر عشْرين آيَة مَعَ فَاتِحَة الْكتاب أَي سواهَا
وَفِي الْمغرب يقْرَأ فِي كل رَكْعَة
[ ١٣٠ ]
من الْأَوليين سُورَة قَصِيرَة خمس آيَات أَو سِتا مَعَ فَاتِحَة الْكتاب أَي سواهَا
وَيقْرَأ فِي الْعشَاء مثل مَا يقْرَأ فِي الْعَصْر
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة فِي الْمُجَرّد أَنه يقْرَأ فِي الْفجْر مَا بَين سِتِّينَ إِلَى مائَة آيَة
وَفِي الظّهْر يقْرَأ ب ﴿عبس﴾ أَو ﴿إِذا الشَّمْس كورت﴾ فِي الأولى وَفِي الثَّانِيَة ب ﴿لَا أقسم﴾ أَو ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾
وَفِي الْعَصْر يقْرَأ فِي الأولى ﴿وَالضُّحَى﴾ أَو ﴿وَالْعَادِيات﴾ وَفِي الثَّانِيَة ب ﴿أَلْهَاكُم﴾ أَو ﴿ويل لكل همزَة﴾
وَفِي الْمغرب يقْرَأ فِي الْأَوليين مثل مَا يقْرَأ فِي الْعَصْر
وَفِي الْأَوليين من الْعشَاء مثل مَا فِي الظّهْر
وَذكر فِي الْجَامِع الصَّغِير وَيقْرَأ فِي الْفجْر بِأَرْبَعِينَ أَو خمسين أَو سِتِّينَ سوى الْفَاتِحَة
وَفِي الظّهْر يقْرَأ فِي الْأَوليين مثل رَكْعَتي الْفجْر
وَالْعصر وَالْعشَاء سَوَاء
وَالْمغْرب دون ذَلِك
وروى الْكَرْخِي عَن الْمُعَلَّى عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة فِي مُخْتَصره وَقدر الْقِرَاءَة فِي الْفجْر للمقيم ثَلَاثُونَ آيَة إِلَى سِتِّينَ سوى الْفَاتِحَة فِي الأولى وَفِي الثَّانِيَة مَا بَين عشْرين إِلَى ثَلَاثِينَ
وَفِي الظّهْر فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا سوى الْفَاتِحَة مثل الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَة الأولى من الْفجْر
وَفِي الْعَصْر وَالْعشَاء يقْرَأ فِي كل رَكْعَة قدر عشْرين آيَة سوى فَاتِحَة الْكتاب وَفِي الْمغرب بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة من قصار الْمفصل
وَهَذِه الرِّوَايَة أحب الرِّوَايَات إِلَيّ
وَقَالَ مَشَايِخنَا للْإِمَام أَن يعْمل بِأَكْثَرَ الرِّوَايَات قِرَاءَة فِي مَسْجِد لَهُ قوم زهاد وَعباد وبأوسطها فِي مَسْجِد لَهُ قوم أوساط وبأدناها فِي مَسْجِد يكون على شوارع الطّرق عملا بالروايات كلهَا
هَذَا فِي حق الْمُقِيم فَأَما الْمُسَافِر فَيَنْبَغِي أَن يقْرَأ مِقْدَار مَا يخف عَلَيْهِ
وَأما فِي الْوتر فَإِنَّهُ يقْرَأ الْفَاتِحَة وَسورَة قَصِيرَة وَلَا تَوْقِيت فِيهِ وَيقْرَأ أَحْيَانًا ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ و﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قل هُوَ الله﴾
[ ١٣١ ]
وعَلى الْقَوْم بِأَن يقْرَأ فَاتِحَة الْكتاب وَسورَة قَصِيرَة أحد وَلَا يواظب
وَهَذَا إِذا صلى الْوتر بِجَمَاعَة فَإِن صلى وَحده لَهُ أَن يقْرَأ كَيْفَمَا شَاءَ
وَأما فِي صَلَاة التَّطَوُّع فَلهُ أَن يقْرَأ مَا شَاءَ قل أَو كثر بعد أَن خرج عَن حد الْكَرَاهَة لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى تنفير الْقَوْم
وَالله أعلم
وَإِذا فرغ من الْفَاتِحَة فَإِنَّهُ يَقُول آمين إِمَامًا كَانَ أَو مُنْفَردا أَو مقتديا وَهَذَا قَول عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ بَعضهم لَا يُؤْتى بالتأمين أصلا
وَقَالَ مَالك يَأْتِي بِهِ الْمُقْتَدِي دون الإِمَام وَالْمُنْفَرد
وَلَكِن عندنَا يُؤْتى بِهِ على وَجه المخافتة فَهُوَ السّنة
وَقَالَ الشَّافِعِي يجْهر بِهِ فِي صَلَاة يجْهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَنَّهُ من بَاب الدُّعَاء وَالْأَصْل فِي الدُّعَاء المخافتة دون الْجَهْر
فَإِذا فرغ من الْقِرَاءَة ينحط للرُّكُوع وَيكبر مَعَ الانحطاط وَلَا يرفع يَدَيْهِ عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يرفع
وَكَذَلِكَ عِنْد رفع الرَّأْس من الرُّكُوع
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لما رُوِيَ عَن ابْن عباسرضي الله عَنهُ أَنه
[ ١٣٢ ]
قَالَ إِن الْعشْرَة الَّذين بشر لَهُم رَسُول الله ﵇ بِالْجنَّةِ مَا كَانُوا يرفعون أَيْديهم إِلَّا لافتتاح الصَّلَاة وَخلاف هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة قَبِيح
ثمَّ قدر الْمَفْرُوض فِي الرُّكُوع هُوَ أصل الانحناء
وَكَذَلِكَ فِي السُّجُود هُوَ أصل الْوَضع
فَأَما الطُّمَأْنِينَة والقرار فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود فَلَيْسَ بِفَرْض عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ إِن الْفَرْض هُوَ الرُّكُوع وَالسُّجُود مَعَ الطُّمَأْنِينَة بِمِقْدَار تَسْبِيحَة وَاحِدَة حَتَّى لَو ترك تجوز صلَاته عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَعِنْدَهُمَا لَا تجوز
ولقب الْمَسْأَلَة أَن تَعْدِيل الْأَركان لَيْسَ بِفَرْض عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَعِنْدَهُمَا فرض
وعَلى هَذَا القومة الَّتِي بعد الرُّكُوع والقعدة الَّتِي بَين السَّجْدَتَيْنِ
وَالصَّحِيح قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد لقَوْل الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ارْكَعُوا واسجدوا﴾ وَالرُّكُوع هُوَ الانحناء وَالسُّجُود هُوَ الْوَضع يُقَال سجد الْبَعِير إِذْ وضع جرانه على الأَرْض والطمأنينة دوَام عَلَيْهِ وَالْأَمر بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي الدَّوَام فَلَا تجوز الزِّيَادَة عَلَيْهِ بِخَبَر الْوَاحِد
وَأما سنَن الرُّكُوع فَهِيَ أَن يبسط ظَهره وَلَا يرفع رَأسه وَلَا ينكسه حَتَّى يكون رَأسه سويا لعَجزه أَن يضع يَدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ على سَبِيل الْأَخْذ ويفرج بَين أَصَابِعه حَتَّى تكون أمكن للأخذ
[ ١٣٣ ]
وَيَقُول فِي رُكُوعه سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم ثَلَاثَة وَذَلِكَ أدناه وَإِن زَاد أفضل
وَقَالَ الشَّافِعِي يَكْفِيهِ تَسْبِيحَة وَاحِدَة
هَذَا إِذا كَانَ مُنْفَردا
فَأَما الْمُقْتَدِي فيسبح إِلَى أَن يرفع الإِمَام رَأسه
وَإِن كَانَ إِمَامًا يَنْبَغِي أَن يسبح ثَلَاثًا وَلَا يطول حَتَّى لَا يُؤَدِّي إِلَى تنفير الْقَوْم عَن الْجَمَاعَة
فَإِذا اطْمَأَن رَاكِعا رفع رَأسه وَقَالَ سمع الله لمن حَمده وَلَا يرفع يَدَيْهِ وَلَا يَأْتِي بالتحميد عِنْد أبي حنيفَة إِن كَانَ إِمَامًا
وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ يجمع بَينهمَا
وروى الْحسن بن زِيَاد عَن أبي حنيفَة مثل قَوْلهمَا
وَإِن كَانَ مقتديا فَإِنَّهُ يَأْتِي بالتحميد دون التَّسْبِيح عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يجمع بَينهمَا
وَإِن كَانَ مُنْفَردا لم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة قَول أبي حنيفَة وَإِنَّمَا ذكر قَوْلهمَا إِنَّه يجمع بَينهمَا
وروى الْحسن بن زِيَاد عَن أبي حنيفَة كَذَلِك
وَفِي رِوَايَة النَّوَادِر أَنه يَأْتِي بالتحميد لَا غير
فَإِذا اطْمَأَن قَائِما ينحط للسُّجُود وَيكبر مَعَ الانحطاط وَلَا يرفع يَدَيْهِ وَيَضَع رُكْبَتَيْهِ على الأَرْض ثمَّ يَدَيْهِ ثمَّ جَبهته ثمَّ أَنفه وَقيل أَنفه ثمَّ جَبهته
ثمَّ السُّجُود فرض على بعض الْوَجْه لَا غير عِنْد أَصْحَابنَا الثَّلَاثَة
[ ١٣٤ ]
وقا لزفرالشافعي السُّجُود على الْأَعْضَاء السَّبْعَة وَهِي الْوَجْه وَالْيَدَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ
ثمَّ على قَول أبي حنيفَة مَحل السُّجُود فِي حق الْجَوَاز هِيَ الْجَبْهَة أَو الْأنف غير عين حَتَّى لَو وضع أَحدهمَا فِي حَال الِاخْتِيَار فَإِنَّهُ يجوز غير أَنه لَو وضع الْجَبْهَة وَحدهَا جَازَ من غير كَرَاهَة وَلَو وضع الْأنف وَحده جَازَ مَعَ الْكَرَاهَة
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد الْفَرْض فِي حَال الِاخْتِيَار هُوَ وضع الْجَبْهَة حَتَّى لَو ترك لَا يجوز
واجمعوا أَنه لَو وضع الْأنف فِي حَال الْعذر جَازَ
وَلَا خلاف أَن الْمُسْتَحبّ هُوَ الْجمع بَينهمَا فِي حَال الِاخْتِيَار
وَأما سنَن السُّجُود فَمِنْهَا أَن يسْجد على الْجَبْهَة من غير حَائِل من الْعِمَامَة والقلنسوة
وَلَكِن لَو سجد على كور الْعِمَامَة وجد صلابة الأَرْض جَازَ كَذَا ذكر مُحَمَّد فِي الْآثَار
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز
وَمِنْهَا أَن يضع يَدَيْهِ حذاء أُذُنَيْهِ فِي السُّجُود وَأَن يُوَجه أَصَابِع يَدَيْهِ نَحْو الْقبْلَة وَأَن يعْتَمد على راحتيه فِي السُّجُود ويبدي ضبعيه وَأَن يعتدل فِي سُجُوده وَلَا يفترض ذِرَاعَيْهِ
وَهَذَا فِي حق الرجل فَأَما الْمَرْأَة فَيَنْبَغِي أَن تفترش ذراعيها وتنخفض وَلَا تنتصب كانتصاب الرجل وتلزق بَطنهَا بفخذيها لِأَن هَذَا أستر لَهَا
وَأَن يَقُول فِي سُجُوده سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَذَلِكَ أدناه
[ ١٣٥ ]
قَالَ ثمَّ يرفع رَأسه
وَيكبر حَتَّى يطمئن قَاعِدا ثمَّ يكبر وينحط للسجدة الثَّانِيَة لِأَن السَّجْدَة الثَّانِيَة فرض فَلَا بُد من رفع الرَّأْس للانتقال إِلَيْهَا وَيَقُول وَيفْعل فِيهَا مثل مَا فِي الأولى
قَالَ ثمَّ ينْهض على صُدُور قَدَمَيْهِ مُعْتَمدًا بيدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ لَا على الأَرْض فَلَا يقْعد قعدة خَفِيفَة وَيرْفَع يَدَيْهِ من الأَرْض قبل رُكْبَتَيْهِ
وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يجلس جلْسَة خَفِيفَة ثمَّ يقوم ويعتمد على الأَرْض دون رُكْبَتَيْهِ
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لما روى أَبُو هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﵇ كَانَ ينْهض فِي الصَّلَاة على صُدُور قَدَمَيْهِ
ثمَّ يفعل فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة مثل مَا فعل فِي الأولى
وَيقْعد على رَأس الرَّكْعَتَيْنِ
وَهَذِه الْقعدَة وَاجِبَة شرعت للفصل بَين الشفعين على مَا ذَكرْنَاهُ
فَأَما الْقعدَة الْأَخِيرَة فَفرض عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ مَالك سنة
ثمَّ مِقْدَار فرض الْقعدَة الْأَخِيرَة مِقْدَار التَّشَهُّد لما رُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ إِذا رفع الإِمَام رَأسه من السَّجْدَة الْأَخِيرَة وَقعد قدر التَّشَهُّد ثمَّ أحدث فقد تمت صلَاته
وَالسّنة فِي القعدتين أَن يفترض رجله الْيُسْرَى وَيقْعد عَلَيْهَا
وَينصب الْيَمين نصبا وَيُوجه أَصَابِع رجلَيْهِ نَحْو الْقبْلَة وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْقعدَة الأولى كَذَلِك وَفِي الثَّانِيَة يتورك
وَقَالَ مَالك يتورك فيهمَا
[ ١٣٦ ]
وَتَفْسِير التورك أَن يضع اليتيه على الأَرْض وَيخرج رجلَيْهِ إِلَى جَانِبه الْأَيْمن
هَذَا فِي حق الرجل
أما فِي حق الْمَرْأَة فَذكر محمدفي كتاب الْآثَار تجمع رِجْلَيْهَا من جَانب وَلَا تنتصب انتصاب الرجل
وَذكر مُحَمَّد بن شُجَاع فِي نوادره أَنَّهَا تجْلِس متوركة
ثمَّ التَّشَهُّد الْمُخْتَار عندنَا مَا هُوَ الْمَعْرُوف وَهُوَ تشهد عبد الله بن مَسْعُود
وَالشَّافِعِيّ أَخذ بتشهد عبد الله بن عَبَّاس وَهُوَ أَن يَقُول التَّحِيَّات المباركات الصَّلَوَات الطَّيِّبَات لله سَلام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته سَلام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين
أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن أبي بكر ﵁ أَنه علم النَّاس على مِنْبَر رَسُول الله ﷺ هَذَا التَّشَهُّد وَكَانَ ذَلِك بِمحضر من الصَّحَابَة من غير تكبر فَيكون إِجْمَاعًا
ثمَّ التَّشَهُّد فِي الْقعدَة الأولى سنة عَن عَامَّة مَشَايِخنَا وَاجِب عِنْد بَعضهم أما فِي الْقعدَة الْأَخِيرَة فَوَاجِب وَلَيْسَ بِفَرْض
وعَلى قَول الشَّافِعِي فرض
ثمَّ هَل يُزَاد على التَّشَهُّد من الصَّلَوَات والدعوات فَنَقُول فِي التَّشَهُّد الأول لَا يُزَاد عَلَيْهِ شَيْء عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يُزَاد عَلَيْهِ الصَّلَوَات لَا غير
وَأما فِي التَّشَهُّد الْأَخير فيزاد عَلَيْهِ الصَّلَاة على النَّبِي ﵇ ثمَّ
[ ١٣٧ ]
الدَّعْوَات كَذَا ذكر الطَّحَاوِيّ فِي مُخْتَصره وَلم يذكر فِي الأَصْل
ثمَّ الصَّلَوَات سنة مُسْتَحبَّة عندنَا فِي الصَّلَاة
وَقَالَ الشَّافِعِي فرض حَتَّى تفْسد الصَّلَاة بِتَرْكِهَا
وَأما فِي غير حَالَة الصَّلَاة فَكَانَ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي يَقُول إِن الصَّلَاة على النَّبِي ﵇ فرض على كل مُسلم بَالغ عَاقل فِي الْعُمر مرّة وَاحِدَة
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ تجب عِنْد سَماع اسْمه فِي كل مرّة وَهُوَ الصَّحِيح
والصلوات الَّتِي يُؤْتى بهَا فِي الصَّلَاة مَا تعارفه النَّاس عقيب التَّشَهُّد لِكَثْرَة الْأَحَادِيث فِيهِ
وَإِذا جلس للتَّشَهُّد يَنْبَغِي أَن يضع يَده الْيُمْنَى على فَخذه الْأَيْمن وَيَده الْيُسْرَى على فَخذه الْأَيْسَر كَذَا رُوِيَ عَن مُحَمَّد فِي نوادره
فَإِذا أَرَادَ أَن يسلم بعد الْفَرَاغ من الصَّلَوَات والدعوات يسلم عَن يَمِينه فَيَقُول السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله حَتَّى يرى بَيَاض خَدّه الْأَيْمن ثمَّ عَن يسَاره كَذَلِك
والتسليمتان سنة عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ بَعضهم يسلم تَسْلِيمَة وَاحِدَة تِلْقَاء وَجهه وَهُوَ قَول مَالك وَقيل إِنَّه قَول الشَّافِعِي أَيْضا
وَقَالَ بَعضهم يسلم تَسْلِيمَة وَاحِدَة عَن يَمِينه لَا غير
وَلَكِن إِذا سلم إِحْدَاهمَا يخرج عَن صلَاته عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ بَعضهم لَا يخرج مَا لم يُوجد التسليمتان
[ ١٣٨ ]
وإصابة لَفْظَة السَّلَام لَيست بِفَرْض عندنَا وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ فرض
وَاخْتلف مَشَايِخنَا فَقَالَ بَعضهم إِنَّهَا سنة
وَقَالَ بَعضهم هِيَ وَاجِبَة
ثمَّ يَنْوِي فِي التسليمة الأولى من كَانَ عَن يَمِينه من الْحفظَة وَالرِّجَال وَالنِّسَاء كَيفَ شَاءَ بِلَا تَرْتِيب وَهُوَ الصَّحِيح
وَفِي التسليمة الثَّانِيَة من كَانَ عَن يسَاره من الْحفظَة وَالرِّجَال وَالنِّسَاء
لَكِن قَالَ بَعضهم يَنْوِي من مَكَان مَعَه فِي الصَّلَاة من الرِّجَال وَالنِّسَاء لَا غير
وَقَالَ بَعضهم يَنْوِي جَمِيع الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات كَذَا أَشَارَ الْحَاكِم الْجَلِيل فِي مُخْتَصره
هَذَا فِي حق الإِمَام
فَأَما الْمُنْفَرد فعلى قَول الْأَوَّلين يَنْوِي الْحفظَة لَا غير وعَلى قَول البَاقِينَ يَنْوِي الْحفظَة وَجَمِيع الْبشر من أهل الْإِيمَان
وَأما الْمُقْتَدِي فَإِنَّهُ يَنْوِي مَا يَنْوِي الإِمَام وَيَنْوِي أَيْضا إِن كَانَ يَمِين الإِمَام فِي يسَاره وَإِن كَانَ عَن يسَاره فَفِي يَمِينه
وَإِن كَانَ بحذائه لم يذكر فِي الْكتاب
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يَنْوِي عَن يَمِينه
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه ينويه فِي الْجَانِبَيْنِ
ثمَّ الْمُقْتَدِي يسلم تسليمتين إِحْدَاهمَا لِلْخُرُوجِ عَن الصَّلَاة وَالثَّانيَِة للتسوية بَين الْقَوْم فِي التَّحِيَّة بِمَنْزِلَة الإِمَام وَالْمُنْفَرد
وَقَالَ مَالك يسلم تَسْلِيمَة ثَالِثَة أَيْضا وَيَنْوِي بهَا رد السَّلَام على الإِمَام
وَهُوَ فَاسد لِأَن تسليمهم رد السَّلَام عَلَيْهِ
[ ١٣٩ ]