وَمَا يكون بِهِ مُخَالفا الْمُسْتَأْجر إِذا كَانَ مَجْهُولا أَو الْأجر مَجْهُولا أَو الْعَمَل أَو الْمدَّة فَالْإِجَارَة فَاسِدَة لِأَنَّهَا جَهَالَة تُفْضِي إِلَى الْمُنَازعَة كَمَا فِي البيع
وَإِجَارَة الْمشَاع فِيمَا يقسم أَو لَا يقسم فَاسِدَة عِنْد أبي حنيفَة وَزفر
وعَلى قَوْلهمَا جَائِزَة وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَأَجْمعُوا أَنَّهَا من الشَّرِيك جَائِزَة
وَأَجْمعُوا أَنه لَو أجر من رجلَيْنِ جَازَ وَلَو مَاتَ أَحدهمَا حَتَّى بطلت الْإِجَارَة فِي حِصَّته وَصَارَت ملكا للْوَارِث فَيصير شيوعا طارئا فَإِنَّهُ لَا تبطل الْإِجَارَة فالشيوع الْمُقَارن مُفسد والطارىء غير مُفسد هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من الرِّوَايَة وَالْمَسْأَلَة تعرف فِي الخلافيات
وَالْإِجَارَة على الْقرب والطاعات كَالْحَجِّ والإمامة والآذان وَنَحْوهَا فَاسِدَة عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ
وَالْإِجَارَة على الْمعاصِي كَمَا إِذا اسْتَأْجر مغنيا أَو نائحة فَهِيَ فَاسِدَة
وَلَا يجوز إِجَارَة النَّهر والبئر والقناة مَعَ المَاء وَلَا إِجَارَة المراعي وَالْآجَام لِأَن هَذِه إِجَارَة على اسْتِهْلَاك الْعين وَالْإِجَارَة لِاسْتِيفَاء الْمَنَافِع مَعَ بَقَاء الْعين
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وَلَو أستجر نَهرا يَابسا أَو موضعا من الأَرْض مَعْلُوما ليسيل فِيهِ مَاء الْمَطَر أَو مَاء الزِّرَاعَة لَا يجوز لتَفَاوت فِي قلَّة المَاء وكثرته وَذَلِكَ مِمَّا يضر بالنهر وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد أَنه يجوز
وَلَو اسْتَأْجر طَرِيقا فِي دَار غَيره ليمر فِيهَا وقتا مَعْلُوما لم يجز فِي قِيَاس قَول أبي حنيفَة وَيجوز فِي قِيَاس قَوْلهمَا بِنَاء على أَن إِجَارَة الْمشَاع فَاسِدَة عِنْده خلافًا لَهما
وَإِذا اسْتَأْجر رجلا للْبيع وَالشِّرَاء لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا يقدر على ذَلِك إِلَّا بِفعل غَيره وَأما إِذا اسْتَأْجرهُ شهرا ليبيع لَهُ وَيَشْتَرِي جَازَ لِأَن الْإِجَارَة وَقعت على مَنْفَعَة الْمدَّة وَهِي مَعْلُومَة
وَلَو اسْتَأْجر أَرضًا فِيهَا رطبَة سنة لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا يُمكن تَسْلِيمهَا إِلَّا بِضَرَر وَهُوَ قلع الرّطبَة فَإِن قلع رب الأَرْض الرّطبَة وَسلم أَرضًا بَيْضَاء جَازَ وَيجْبر على الْقبُول كَمَا إِذا اشْترى جذوعا فِي سقف
وَلَو اسْتَأْجر عبدا للْخدمَة أَو دَابَّة للْحَمْل وَشرط الْمُسْتَأْجر نَفَقَتهَا فَهِيَ فَاسِدَة لِأَن قدر النَّفَقَة مَجْهُول
ثمَّ فِي الْإِجَارَة الْفَاسِدَة إِذا استوفى الْمَنْفَعَة يجب أجر الْمثل مُقَدرا بِالْمُسَمّى عندنَا وَعند زفر يجب أجر الْمثل تَاما على مَا مر
وَأما بَيَان مَا يصير بِهِ مُخَالفا وَمَا لَا يصير بِهِ مُخَالفا فَنَقُول إِذا اسْتَأْجر دَابَّة ليحمل عَلَيْهَا شَيْئا فَحمل عَلَيْهَا غَيره ينظر إِن كَانَ ضَرَر الدَّابَّة من حَيْثُ الخفة والثقل فَإِن كَانَ ذَلِك الشَّيْء مثل الْمَأْمُور بِهِ أَو أخف فَلَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَن التَّعْيِين لَا فَائِدَة فِيهِ
وَإِن كَانَ أثقل فَإِن كَانَ بِخِلَاف جنسه بِأَن حمل مَكَان الشّعير الْحِنْطَة فعطبت الدَّابَّة فَهُوَ مُخَالف وضامن وَلَا أجر عَلَيْهِ لِأَنَّهَا هَلَكت بِفعل غير
[ ٢ / ٣٥٨ ]
مَأْذُون فِيهِ فَوَجَبَ الضَّمَان دون الْأجر لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ
وَإِن كَانَ من جنسه فَحمل الْمُسَمّى وَزَاد عَلَيْهِ بِأَن حمل أحد عشر قَفِيزا مَكَان الْعشْرَة فَإِن سلمت الدَّابَّة فَلهُ مَا سمى من الْأجر وَإِن عطبت فَهُوَ ضَامِن لجزء من أحد عشر جُزْءا من أَجزَاء الدَّابَّة وَعَلِيهِ الْأجر الَّذِي سمي لِأَنَّهَا مَاتَت بِفعل مَأْذُون وَغير مَأْذُون فَيقسم على قدر ذَلِك
فَأَما إِذا كَانَ ضَرَر الدَّابَّة لَا من حَيْثُ الخفة والثقل بِأَن يسْتَأْجر دَابَّة ليحمل عَلَيْهَا مائَة من من قطن فَحمل عَلَيْهَا مثل وَزنه حديدا أَو أقل ضمن لِأَن ثقل الْقطن يكون على جَمِيع الْعُضْو لِأَنَّهُ ينبسط على الْموضع الَّذِي حمل عَلَيْهِ فَأَما ثقل الْحَدِيد فَيكون فِي مَوْضُوع وَاحِد فَيكون أَثَره أقوى فِي الضَّرَر
وعَلى هَذَا إِذا اسْتَأْجرهَا ليرْكبَهَا فأركب من هُوَ مثله فِي الثّقل أَو أخف ضمن لِأَن ذَلِك يخْتَلف بالحذق والخرق وَلَو ركبهَا وأركب مَعَ نَفسه غَيره فعطبت فَإِن كَانَت الدَّابَّة مِمَّا يُمكن أَن يركبهَا اثْنَان يضمن نصف قيمتهَا لِأَن التّلف حصل بركوبهما فَصَارَ كَمَا لَو تلفت بجراحتهما وَأَحَدهمَا غير مَأْذُون وَإِن كَانَ لَا يُمكن فَعَلَيهِ جَمِيع قيمتهَا لِأَن هَذَا إِتْلَاف مِنْهُ
وعَلى هَذَا إِذا اسْتَأْجر دَابَّة بإكاف فأسرجها لَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَن الضَّرَر أقل لِأَنَّهُ يَأْخُذ من الظّهْر أقل
وَإِن اسْتَأْجر حمارا بسرج فأسرجه سرجا آخر فَإِن كَانَ مثل الأول بِأَن يسرج بِهِ الْحمار لَا يضمن وَإِن أسرجه بسرج الْفرس يضمن
فَإِن أوكفه ذكر فِي الأَصْل أَنه يضمن بِقدر مَا زَاد الإكاف على السرج وَفِي
[ ٢ / ٣٥٩ ]
الْجَامِع الصَّغِير على قَول أبي حنيفَة يضمن الْكل
وَعِنْدَهُمَا بِقدر ذَلِك
وَإِن اسْتَأْجر حمارا عُريَانا فأسرجه فَإِن اسْتَأْجر ليركب خَارج الْمصر لَا يضمن
وَإِن اسْتَأْجر ليركبه فِي الْمصر فَإِن كَانَ رجلا من الْأَشْرَاف أَو الأوساط لَا يضمن لِأَن مثله لَا يركب من غير سرج فَيكون إِذْنا دلَالَة وَإِن كَانَ من الأسافل يضمن لِأَن مثله يركب بِغَيْر سرج بالجل وَنَحْوه والسرج أثقل فَيضمن
ثمَّ الْإِجَارَة تفسخ بالاعذار المخصومة عندنَا وَإِن وَقعت الْإِجَارَة صَحِيحَة لَازِمَة بِأَن لم يكن ثمَّة عيب وَلَا مَانع من الِانْتِفَاع
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا تفسخ وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
ثمَّ الْعذر مَا يكون عارضا يتَضَرَّر بِهِ الْعَاقِد مَعَ بَقَاء العقد وَلَا ينْدَفع بِدُونِ الْفَسْخ بَيَان ذَلِك إِذا أَرَادَ الْمُسْتَأْجر أَن ينْتَقل عَن الْبَلَد أَو يُسَافر فَلهُ أَن ينْقض الْإِجَارَة فِي الْعقار وَغَيره
وَكَذَا مُسْتَأْجر الْحَانُوت إِذا ترك ذَلِك الْعَمَل أَو التِّجَارَة وانتقل إِلَى غَيره
وَكَذَا إِذا أفلس
وَلَيْسَ للمؤاجر عِنْد السّفر والنقلة عَن الْبَلَد عذر لِأَنَّهُ لَا ضَرَر عَلَيْهِ فِي تبقيه العقد
وَمرض الْحمال وَالْجمال بِحَيْثُ يضرّهُ الْحمل عذر فِي رِوَايَة أبي يُوسُف لِأَن غَيره لَا يقوم مقَامه إِلَّا بِضَرَر وَذكر مُحَمَّد فِي الأَصْل وَقَالَ
[ ٢ / ٣٦٠ ]
مرض الْجمال لَا يكون عذرا لِأَن خُرُوجه مَعَ الْإِبِل لَيْسَ بمستحق
وَكَذَا الدّين الَّذِي لَا طَرِيق للمؤاجر فِي قَضَائِهِ إِلَّا بيع الْمُسْتَأْجر يكون عذرا
وَكَذَا الْمُسْتَأْجر إِذا كَانَ لَا يحصل لَهُ النَّفْع مِمَّا اسْتَأْجر إِلَّا بِضَرَر يدْخلهُ فِي ملكه أَو بدنه فَبَدَا لَهُ ذَلِك فَلهُ فَسخه كمن اسْتَأْجر رجلا لِيقصرَ لَهُ ثيابًا أَو يقطعهَا أَو يخيطها أَو ينْقض دَارا لَهُ أَو يقطع شَجرا أَو يحدث فِي ملكه شَيْئا من بِنَاء أَو حفر أَو ليحتجم أَو يفتصد أَو يقْلع ضرسا لَهُ أَو ليزرع أَرضًا لَهُ ببذره وَنَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ إِذا بدا لَهُ من ذَلِك ظهر أَنه لَهُ فِيهِ ضَرَرا
ثمَّ الْإِجَارَة تبطل بِمَوْت الْمُسْتَأْجر أَو المؤاجر عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ ونعني بِهِ موت من وَقع لَهُ عقد الْإِجَارَة دون الْعَاقِد حَتَّى إِذا كَانَ وَكيلا لَا تبطل
فَأَما هَلَاك الْمُسْتَأْجر فَإِن كَانَ شَيْئا بِعَيْنِه يبطل
وَإِن كَانَ بِغَيْر عينه بِأَن وَقعت الْإِجَارَة على دَوَاب بِغَيْر عينهَا للْحَمْل أَو الرّكُوب وَسلم إِلَيْهِ الدَّوَابّ فَهَلَكت فعلى المؤاجر أَن يَأْتِي بغَيْرهَا ليحمل الْمَتَاع وَلَيْسَ لَهُ أَن يفْسخ لِأَنَّهُ لم يعجز عَن وَفَاء مَا الْتَزمهُ بِالْعقدِ وَهُوَ حمل مَتَاعه إِلَى مَوضِع كَذَا
ثمَّ إجَازَة الظِّئْر مثل إِجَارَة عبد الْخدمَة لَا بُد من بَيَان الْوَقْت وَبَيَان الْأجر وَنَحْو ذَلِك إِلَّا أَن فِي الظِّئْر إِذا اسْتَأْجرهَا بكسوتها ونفقتها جَازَ من غير بَيَان عِنْد أبي حنيفَة اسْتِحْسَانًا وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ لَا يجوز لِأَن هَذِه جَهَالَة تُفْضِي إِلَى الْمُنَازعَة غَالِبا
وَإِنَّهَا بِمَنْزِلَة أجِير الوحد لَا يجوز لَهَا أَن ترْضع غَيره
وَعَلَيْهَا الرَّضَاع وَالْقِيَام بِأَمْر الصَّبِي فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من غسله وَغسل
[ ٢ / ٣٦١ ]
ثِيَابه وطبخ طَعَامه وتهيئة ذَلِك وَالطَّعَام على الْأَب
وَذكر وَمَا يعالج بِهِ الصّبيان من الريحان والدهن فعلى الظِّئْر وَهَذَا من عَادَة بلدهم فَأَما فِي بِلَادنَا بِخِلَافِهِ فعلى الْأَب
ثمَّ الْإِجَارَة تتَوَقَّف على إجَازَة الْمَالِك ثمَّ ينظر إِن أجَاز العقد قبل اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة جَازَ وَتَكون الْأُجْرَة للْمَالِك
وَإِن أجَازه بعد اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة لم يجز بإجازته وَكَانَت الْأُجْرَة للعاقد لِأَن الْمَنْفَعَة الْمَاضِيَة تلاشت فَلَا يبْقى العقد بعد فَوَات مَحَله فَلَا يلْحقهُ الْإِجَازَة وَيصير الْعَاقِد غَاصبا بِالتَّسْلِيمِ فَصَارَ كَالْغَاصِبِ إِذا آجر وَقَالُوا فِي الْغَاصِب إِذا آجر وَسلم ثمَّ قَالَ الْمَالِك أجزت مَا آجرت إِذا انْقَضتْ الْمدَّة فالأجر للْغَاصِب وَإِن أجَاز فِي نصف الْمدَّة فالأجر كُله للْمَالِك فِي قَول أبي يُوسُف وَقَالَ مُحَمَّد أجر مَا مضى للْغَاصِب وَأجر الْبَاقِي للْمَالِك
وَكَذَا قَالَ مُحَمَّد فِيمَن غصب أَرضًا فأجرها للزِّرَاعَة فَأجَاز رب الأَرْض قَالَ إِن أَعْطَاهَا مُزَارعَة وأجازها صَاحب الأَرْض جَازَت وَإِن كَانَ الزَّرْع قد سنبل مَا لم ييبس فَلَا شَيْء للْغَاصِب من الزَّرْع لِأَن الْمُزَارعَة كالشيء الْوَاحِد لَا ينْفَصل بعض عَملهَا عَن بعض فَإِذا أجازها قبل الْفَرَاغ فَجعل كالابتداء وَأما إِذا يبس الزَّرْع فقد انْقَضى عمل الْمُزَارعَة فَلَا تلْحقهُ الْإِجَازَة فَيكون للْغَاصِب
ثمَّ تَفْسِير الاستصناع هُوَ عقد على مَبِيع فِي الذِّمَّة وَشرط عمله على الصَّانِع
وَالْقِيَاس أَن لَا يجوز
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وَفِي الِاسْتِحْسَان جَائِز لتعامل النَّاس فَلَا جرم اخْتصَّ جَوَازه بِمَا فِيهِ تعامل كَمَا فِي الْخُف والقلنسوة والأواني وَنَحْوهَا بعد بَيَان الْقدر وَالصّفة وَالنَّوْع
وَهُوَ عقد غير لَازم وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا الْخِيَار فِي الِامْتِنَاع قبل الْعَمَل وَبعد الْفَرَاغ من الْعَمَل لَهما الْخِيَار حَتَّى إِن الصَّانِع لَو بَاعه قبل أَن يرَاهُ المستصنع جَازَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعقد لَازم فَأَما إِذا جَاءَ بِهِ إِلَى المستصنع فَقَط سقط خِيَاره لِأَنَّهُ رَضِي بِكَوْنِهِ للمستصنع حَيْثُ جَاءَ بِهِ إِلَيْهِ
فَإِذا رَآهُ المستصنع فَلهُ الْخِيَار إِن شَاءَ أجَاز وَإِن شَاءَ فسخ عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا خِيَار لَهُ لِأَنَّهُ مَبِيع فِي الذِّمَّة بِمَنْزِلَة السّلم
وهما يَقُولَانِ إِنَّه بِمَنْزِلَة الْعين الْمَبِيع الْغَائِب
فَإِذا ضرب الْأَجَل فِي الاستصناع يَنْقَلِب سلما عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما لِأَنَّهُ إِذا ذكر فِيهِ الْأَجَل يكون فِيهِ جَمِيع مَعَاني السّلم وَالْعبْرَة للمعنى لَا للفظ وَلِهَذَا لَو استصنع مَا لَا يجوز استصناعه حَتَّى يكون استصناعا فَاسِدا وَشرط فِيهِ الْأَجَل يَنْقَلِب سلما بِلَا خلاف كَذَا هَذَا وَالله أعلم ب ٣
[ ٢ / ٣٦٣ ]
@