الْكَلَام فِي الِاعْتِكَاف فِي مَوَاضِع فِي بَيَان كَونه سنة أَو وَاجِبا
وَفِي بَيَان شَرَائِطه
وَفِي بَيَان رُكْنه
وَفِي بَيَان مَا يُفْسِدهُ
وَفِي بَيَان سنَنه وآدابه
أما الأول فالاعتكاف سنة فقد فعله النَّبِي ﵇ وواظب عَلَيْهِ على مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة وَأبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﵇ كَانَ يعْتَكف الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان حَتَّى توفاه الله
لَكِن يصير وَاجِبا بِالنذرِ وبالشروع لِأَنَّهُمَا جعلا من أَسبَاب الْوُجُوب فِي الشَّرْع
فَأَما الشَّرَائِط فَمِنْهَا الصَّوْم فِي الِاعْتِكَاف الْوَاجِب فِي ظَاهر الرِّوَايَة لَا فِي التَّطَوُّع
وَفِي رِوَايَة الْحسن فِي التَّطَوُّع أَيْضا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ بِشَرْط
وروى الْحسن عَن عَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن
[ ٣٧١ ]
عَليّ مثل قَوْلنَا
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود مثل قَول الشَّافِعِي
وَلنَا أَن أحد ركني الصَّوْم وَهُوَ الْإِمْسَاك عَن الْجِمَاع شَرط فِي بَاب الِاعْتِكَاف فَكَذَلِك الرُّكْن الآخر وَهُوَ الْإِمْسَاك عَن الْأكل وَالشرب وَهَذَا لِأَن الِاعْتِكَاف مجاورة بَيت الله تَعَالَى والإعراض عَن الدُّنْيَا والاشتغال بِخِدْمَة الْمولى وَهَذَا لَا يتَحَقَّق بِدُونِ ترك قَضَاء الشهوتين إِلَّا بِقدر مَا فِيهِ ضَرُورَة وَهُوَ الْأكل وَالشرب فِي اللَّيَالِي وَلَا ضَرُورَة فِي الْجِمَاع
وَيَنْبَنِي على هَذَا الأَصْل أَن الِاعْتِكَاف لَا يجوز فِي اللَّيْل وَحده عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ لِأَن الصَّوْم شَرط الِاعْتِكَاف أَو رُكْنه على مَا ذكرنَا وَلَا وجود للشَّيْء بِدُونِ رُكْنه وَشَرطه
وَأما إِذا أوجب الِاعْتِكَاف أَيَّامًا يدْخل اللَّيْل تبعا فَلَا يشْتَرط لَهُ شَرط الأَصْل
وَعند الشَّافِعِي الصَّوْم لَيْسَ بِشَرْط فَيكون اللَّيْل وَالنَّهَار سَوَاء
وَمِنْهَا أَن الْإِمْسَاك عَن الْجِمَاع شَرط قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد﴾
وَأما الْمَرْأَة فقد ذكر هَهُنَا وَقَالَ لَا تعتكف الْمَرْأَة إِلَّا فِي مَسْجِد بَيتهَا وَلَا يَنْبَغِي أَن تخرج من الْمنزل فِي الِاعْتِكَاف
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَن للْمَرْأَة أَن تعتكف فِي مَسْجِد
[ ٣٧٢ ]
الْجَمَاعَة وَإِن شَاءَت اعتكفت فِي مَسْجِد بَيتهَا وَمَسْجِد بَيتهَا أفضل لَهَا من مَسْجِد حيها وَمَسْجِد حيها أفضل لَهَا من الْمَسْجِد الْجَامِع
وَهَذَا لَيْسَ باخْتلَاف الرِّوَايَة لِأَنَّهُ على الرِّوَايَتَيْنِ يجوز الِاعْتِكَاف فِي الْمَسْجِد وَالْأَفْضَل هُوَ فِي مَسْجِد بَيتهَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز فِي مَسْجِد بَيتهَا
وَهُوَ فَاسد فَإِن صلَاتهَا تجوز فِي مَسْجِد بَيتهَا وَهَذَا الْمَكَان مُتَعَيّن للصَّلَاة فالاعتكاف أولى
وَأما ركن الِاعْتِكَاف فَهُوَ كاسمه وَهُوَ اللَّيْث وَالْمقَام فِي الْمَسْجِد
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيحرم الْخُرُوج من مُعْتَكفه لِأَنَّهُ يضاده وَلَا بَقَاء للشَّيْء مَعَ ضِدّه وَإِبْطَال الْعِبَادَة حرَام
وَإِنَّمَا يُبَاح الْخُرُوج لأجل الضَّرُورَة وَذَلِكَ لحجة الْبَوْل وَالْغَائِط ولأداء الْجُمُعَة لِأَنَّهَا فرض عَلَيْهِ
فَأَما الْأكل وَالشرب وَالنَّوْم فَجَائِز فِي الْمَسْجِد فَلَا ضَرُورَة فِي ذَلِك
وَلِهَذَا قَالُوا لَا يُبَاح لَهُ فخروج لعيادة الْمَرِيض وتشييع الْجِنَازَة لِأَن ذَلِك لَيْسَ بِفَرْض عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْض عين فَإِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ
ثمَّ إِذا أَرَادَ أَن يخرج إِلَى الْجُمُعَة يَنْبَغِي أَن يخرج وَقت سَماع الْأَذَان فَيكون فِي الْمَسْجِد مِقْدَار مَا يُصَلِّي قبلهَا أَرْبعا وَبعدهَا أَرْبعا أَو سِتا كَذَا ذكر هَهُنَا
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة مِقْدَار مَا يُصَلِّي قبلهَا أَرْبعا وَبعدهَا أَرْبعا
وَقَالَ مُحَمَّد إِذا كَانَ منزله بَعيدا يخرج حِين يرى أَنه يبلغ الْمَسْجِد
[ ٣٧٣ ]
عِنْد النداء لِأَن الْفَرْض أَدَاء الْجُمُعَة فَيقدر بِوَقْت يُمكنهُ فِيهِ أَدَاء الْجُمُعَة بسنتها
فَإِن أَقَامَ فِي الْمَسْجِد الْجَامِع
حِين خرج إِلَى الْجُمُعَة يَوْمًا وَلَيْلَة لم ينْتَقض اعْتِكَافه لِأَن الْجَامِع يصلح لابتداء الِاعْتِكَاف فيصلح للبقاء وَلَكِن لَا أحب أَن يفعل ذَلِك بل يكره لَهُ ذَلِك لِأَن الْتزم فعل الِاعْتِكَاف فِي الْمَسْجِد الْمعِين فَيلْزمهُ ذَلِك مَعَ الْإِمْكَان
وَلَو أَنه انْهَدم الْمَسْجِد الَّذِي اعْتكف فِيهِ أَو أخرجه عَنهُ سُلْطَان أَو غَيره فَدخل مَسْجِدا آخر من سَاعَته صَحَّ اعْتِكَافه اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن يفْسد لِأَنَّهُ ترك اللّبْث الْمُسْتَحق وَهُوَ الِاعْتِكَاف فِي الْمَسْجِد الْمعِين وَوجه الِاسْتِحْسَان أَنه مَعْذُور فِي الْخُرُوج فَقدر زمَان الْمَشْي مُسْتَثْنى من الْجُمْلَة كَمَا فِي الْخُرُوج إِلَى الْجُمُعَة
فَأَما إِذا خرج لغير مَا ذكرنَا من الْأُمُور سَاعَة فسد اعْتِكَافه عِنْد أبي حنيفَة
وعندأبي يُوسُف وَمُحَمّد لَا يفْسد حَتَّى يخرج أَكثر من نصف يَوْم
وَقَالَ مُحَمَّد قَول أبي حنيفَة أَقيس وَقَول أبي يُوسُف أوسع
هَذَا الَّذِي ذكرنَا فِي الِاعْتِكَاف الْوَاجِب
فَأَما فِي اعْتِكَاف التَّطَوُّع فَلَا بَأْس بِأَن يعود الْمَرِيض وَيشْهد الْجِنَازَة على جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة
وَأما على رِوَايَة الْحسن مُقَدّر بِالْيَوْمِ فَالْجَوَاب فِيهِ وَفِي الْوَاجِب سَوَاء لِأَنَّهُ صَار وَاجِبا بِالشُّرُوعِ
وَأما بَيَان مَا يفْسد الِاعْتِكَاف فَمن ذَلِك مَا لَو جَامع فِي الِاعْتِكَاف لَيْلًا أَو نَهَارا نَاسِيا أَو عَامِدًا فَإِنَّهُ يفْسد الِاعْتِكَاف لِأَنَّهُ من مَحْظُورَات الِاعْتِكَاف قَالَ الله
[ ٣٧٤ ]
تَعَالَى ﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد﴾
وَلِهَذَا إِنَّه إِذا خرج من الْمَسْجِد نَاسِيا للاعتكاف يفْسد اعْتِكَافه فالنسيان لم يَجْعَل عذرا فِي بَاب الِاعْتِكَاف وَفِي بَاب الصَّوْم جعل عذرا بِالنَّصِّ الْخَاص
وَلَو جَامع فِيمَا دون الْفرج أَو قبل وَأنزل يفْسد اعْتِكَافه فَأَما إِذا لم ينزل فَلَا يفْسد اعْتِكَافه وَلَكِن يكون حَرَامًا لِأَن الْجِمَاع حرَام هَهُنَا بِالنَّصِّ فَيحرم بدواعيه وَفِي بَاب الصَّوْم الْإِفْطَار حرَام وَحرم الْجِمَاع لكَونه إفطارا وَذَلِكَ الْمَعْنى لم يُوجد فِي الدَّوَاعِي
وَلَو خرج الْمُعْتَكف إِلَى مَسْجِد آخر من غير عذر انْتقض اعْتِكَافه عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا لَا يبطل لما ذكرنَا أَن الْخُرُوج من غير عذر مُبْطل للاعتكاف عِنْده خلافًا لَهما
وَلَيْسَ للْمَرْأَة أَن تعتكف بِدُونِ إِذن زَوجهَا وَكَذَلِكَ العَبْد فَإِن أذن الزَّوْج لَهَا فِي الِاعْتِكَاف فاعتكفت لَيْسَ لَهُ أَن يرجع بِخِلَاف الْمولى لِأَن مَنَافِع العَبْد مَمْلُوكَة للْمولى وَإِنَّمَا أعارها من العَبْد فيمكنه الرُّجُوع والاسترداد بِخِلَاف الزَّوْجَة فَإِنَّهَا حرَّة لَكِنَّهَا أمرت بِخِدْمَة الزَّوْج فَمَتَى أذن فقد أسقط فِي حق نَفسه فَيظْهر حَقّهَا الْأَصْلِيّ فَمَا لم تمض الْمدَّة الَّتِي أذن لَهَا فِيهَا لَيْسَ لَهُ حق الرُّجُوع
وَلَو أوجب على نَفسه اعْتِكَافه لَيْلَة لَا يلْزمه لِأَنَّهَا لَيست بِوَقْت للصَّوْم
وَلَو أوجب اعْتِكَاف يَوْم يَصح وَلَا يلْزمه اعْتِكَاف يَوْم بليلة لِأَن الْيَوْم اعْتِكَاف يَوْم مَعَ ليلته
وَإِن أوجب على نَفسه اعْتِكَاف يَوْمَيْنِ أَو أَكثر تلْزمهُ الْأَيَّام وَمَا يقابلها من اللَّيَالِي لِأَن ذكر الْأَيَّام ذكر اللَّيَالِي وَكَذَلِكَ ذكر اللَّيَالِي ذكر الْأَيَّام قَالَ الله تَعَالَى ﴿ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا رمزا﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿ثَلَاث لَيَال﴾ اسْم لزمان مُقَدّر وَهُوَ وَقت الصَّوْم فَيجوز
[ ٣٧٥ ]
وَإِن نوى يَوْمًا بليلته يلْزمه سويا والقصة قصَّة وَاحِدَة
وَلَو لم يكن الْأَمر على مَا قُلْنَا يُؤَدِّي إِلَى التَّنَاقُض فِي خبر الله تَعَالَى وَإنَّهُ لَا يجوز
وَلَو أوجب على نَفسه اعْتِكَاف شهر بِعَيْنِه يجب عَلَيْهِ اعْتِكَاف ذَلِك الشَّهْر لِأَنَّهُ أوجب عينا وَلَو أفسد صَوْم يَوْم يجب عَلَيْهِ اعْتِكَاف الْبَاقِي وَكَذَلِكَ لَو ترك اعْتِكَاف يَوْم يجب عَلَيْهِ بَاقِي الشَّهْر وَيَقْضِي يَوْمًا وَلَا يلْزمه اسْتِقْبَال لِأَن التَّتَابُع ثَبت لمجاورة الْأَيَّام لَا بِالنذرِ
وَلَو قَالَ لله عَليّ أَن أعتكف شهرا أَو ثَلَاثِينَ يَوْمًا يلْزمه مُتَتَابِعًا حَتَّى لَو ترك اعْتِكَاف يَوْم فِيهِ يلْزمه الِاسْتِقْبَال لِأَن التَّتَابُع وَجب حكم النّذر فَيجب الْوَفَاء بِهِ
وَلَو أوجب على نَفسه اعْتِكَاف شهر بِعَيْنِه وَترك الِاعْتِكَاف فِيهِ حَتَّى مضى يجب عَلَيْهِ قَضَاء شهر مُتَتَابِعًا لِأَنَّهُ وَجب عَلَيْهِ قَضَاء شهر بِغَيْر عينه
وَلَو أوجب على نَفسه اعْتِكَاف ثَلَاثِينَ يَوْمًا وعنى بِهِ النَّهَار دون اللَّيْل تصح نِيَّته لِأَن حَقِيقَة الْيَوْم لبياض النَّهَار وَإِنَّمَا يحمل على الْوَقْت الْمُطلق بِدَلِيل فَإِذا نوى حَقِيقَة كَلَامه يَصح
وَلَو أوجب على نَفسه اعْتِكَاف ثَلَاثِينَ لَيْلَة وَنوى اللَّيْل دون النَّهَار يصدق وَلَا يَصح الِاعْتِكَاف لعدم وَقت الصَّوْم
[ ٣٧٦ ]
وَلَو أوجب اعْتِكَاف شهر بِغَيْر عينه وَنوى اللَّيَالِي دون الْأَيَّام أَو الْأَيَّام دون اللَّيَالِي لَا يصدق لِأَن الشَّهْر اسْم لزمان مُقَدّر بعضه أَيَّام وَبَعضه لَيَال فَيكون اسْما لمركب خَاص فَلَا ينْطَلق اسْم الشَّهْر على بعضه فَإِذا نوى مَا ذكرنَا فقد نوى مَا لَا يحْتَملهُ كَلَامه بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ إِلَّا اللَّيَالِي أَو أوجب اعْتِكَاف شهر بِالنَّهَارِ دون اللَّيَالِي صَحَّ لِأَن الِاسْتِثْنَاء تكلم بِالْبَاقِي وَذكر النَّهَار مُقَارنًا لذكر الشَّهْر بَيَان وَتَفْسِير لَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ لله عَليّ أَن أعتكف ثَلَاثِينَ نَهَارا فَهُوَ الْفرق بَينهمَا وَالله أعلم
[ ٣٧٧ ]