وَمَا يملك بِهِ وَمَا لَا يملك فِي الْبَاب فصلان أَحدهمَا فِي بَيَان أَنْوَاع الْبيُوع الْفَاسِدَة
وَالثَّانِي فِي بَيَان حكمهمَا
أما الأول فَنَقُول الْبيُوع الْفَاسِدَة أَنْوَاع مِنْهَا أَن يكون الْمَبِيع مَجْهُولا وَالثمن مَجْهُولا جَهَالَة توجب الْمُنَازعَة لِأَنَّهَا مَانِعَة عَن التَّسْلِيم والتسلم وبدونهما يكون البيع فَاسِدا لِأَنَّهُ لَا يُفِيد مَقْصُوده
بَيَانه إِذا اشْترى شَاة من قطيع أَو اشْترى أحد الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة بِكَذَا على أَنه بِالْخِيَارِ بَين أَن يَأْخُذ وَاحِدًا مِنْهَا وَيرد الْبَاقِي أَو اشْترى أحد الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة أَو أحد الشَّيْئَيْنِ وَلم يذكر فِيهِ الْخِيَار فَأَما إِذا ذكر الثَّلَاثَة أَو الِاثْنَيْنِ وَشرط الْخِيَار لنَفسِهِ بَين أَن يَأْخُذ وَاحِدًا وَيرد الْبَاقِي فَهَذَا جَائِز اسْتِحْسَانًا اعْتِبَارا بِشَرْط الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام
وَهل يشْتَرط فِيهِ ذكر مُدَّة خِيَار الشَّرْط اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ وَالأَصَح أَنه لَا يشْتَرط
وَكَذَا إِذا بَاعَ العَبْد بِمِائَة شَاة من هَذَا القطيع وَنَحْوه لَا يجوز لجَهَالَة الثّمن
[ ٢ / ٤٥ ]
فَأَما الْجَهَالَة الَّتِي لَا تُفْضِي إِلَى الْمُنَازعَة فَلَا تمنع الْجَوَاز فَإِنَّهُ إِذا بَاعَ قَفِيزا من صبرَة مُعينَة بِدَرَاهِم أَو بَاعَ هَذَا الْعدْل من الثِّيَاب بِكَذَا وَلَا يعرف عَددهَا أَو بَاعَ هَذِه الصُّبْرَة بِكَذَا وَلَا يعلم عدد القفزان جَازَ لما ذكرنَا
وعَلى هَذَا إِذا اشْترى شَيْئا لم يره بِأَن اشْترى فرسا مجللا أَو جَارِيَة منتقبة أَو كرى حِنْطَة فِي هَذَا الْبَيْت أَو عبدا تركيا فِي هَذَا الْبَيْت فَإِنَّهُ يجوز إِذا وجد كَذَلِك وَللْمُشْتَرِي الْخِيَار إِذا رَآهُ
وَعند الشَّافِعِي فَاسد
وَلَو بَاعَ هَذَا العَبْد بِقِيمَتِه فَهُوَ فَاسد لِأَن الْقيمَة تعرف بالحزر وَالظَّن
وَكَذَا لَو اشْترى عدل زطي أَو جراب هروي بِقِيمَتِه لما قُلْنَا
وَلَو اشْترى بِحكم البَائِع أَو المُشْتَرِي أَو بِحكم فلَان فَهُوَ فَاسد لِأَن الثّمن مَجْهُول
وَكَذَلِكَ لَو اشْترى شَيْئا بِأَلف دِرْهَم إِلَّا دِينَار أَو بِمِائَة دِينَار إِلَّا درهما لِأَن مَعْنَاهُ إِلَّا قدر قيمَة الدِّينَار وَهَذِه جَهَالَة مفضية إِلَى الْمُنَازعَة
وَلَو بَاعَ وَقَالَ هُوَ بِالنَّسِيئَةِ كَذَا وبالنقد كَذَا فَهُوَ فَاسد لِأَن الثّمن مَجْهُول
وَكَذَا لَو قَالَ بِعْت إِلَى أجل كَذَا أَو كَذَا فَهُوَ فَاسد لِأَن الْأَجَل مَجْهُول
وَلَو بَاعَ إِلَى الْحَصاد والدياس أَو إِلَى رُجُوع الْحَاج وقدومهم فَالْبيع
[ ٢ / ٤٦ ]
فَاسد لما ذكرنَا
وَلَو بَاعَ عدل زطي بِرَأْس مَاله أَو برقمه وَلَا يعلم المُشْتَرِي رقمه وَلَا رَأس مَاله فَهُوَ فَاسد لِأَن الثّمن مَجْهُول
فَإِن علم رَأس مَاله أَو رقمه فِي الْمجْلس فَإِنَّهُ يعود البيع جَائِزا اسْتِحْسَانًا خلافًا لزفَر كَمَا فِي الْحَصاد والدياس أَو بِشَرْط الْخِيَار إِلَى شهر إِلَّا أَن الْفرق أَن هُنَاكَ إِذا رفع الْمُفْسد قبل مَجِيء الْحَصاد والدياس وَقبل مَجِيء الْيَوْم الرَّابِع يعود إِلَى الْجَوَاز سَوَاء كَانَ فِي مجْلِس العقد أَو بعد الْمجْلس وَفِي الرقم يشْتَرط لانقلاب البيع جَائِزا ارْتِفَاع الْمُفْسد فِي الْمجْلس
وَمِنْهَا أَن يكون الْمَبِيع محرما أَو ثمنه بِأَن بَاعَ الْخمر أَو الْخِنْزِير أَو بَاعَ بهما فَإِنَّهُ لَا يجوز
وَكَذَا الْمحرم إِذا بَاعَ صيدا مَمْلُوكا أَو اشْترى بصيد مَمْلُوك لِأَن الْحَرَام لَا يصلح مَبِيعًا وَثمنا غير أَنه إِذا كَانَ مَبِيعًا يكون البيع بَاطِلا وَإِذا كَانَ ثمنا ينْعَقد البيع بِالْقيمَةِ عندنَا بيعا فَاسِدا
وَأما إِذا ذكر الْميتَة وَالدَّم ثمنا فقد اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ
وَمِنْهَا إِذا تعلق بِالْمَبِيعِ حق مُحْتَرم للْغَيْر لَا يملك البَائِع إِبْطَاله يكون البيع فَاسِدا نَحْو أَن يَبِيع الرَّاهِن الْمَرْهُون أَو المؤاجر الْمُسْتَأْجر
وَاخْتلفت الْعبارَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الْكتب ذكر فِي بَعْضهَا أَن البيع فَاسد
وَفِي بَعْضهَا أَنه مَوْقُوف على إجَازَة الْمُرْتَهن وَالْمُسْتَأْجر وَهُوَ الصَّحِيح حَتَّى إِن الرَّاهِن لَا يقدر على فَسخه وَكَذَلِكَ المؤاجر وَكَذَا الْمُرْتَهن وَالْمُسْتَأْجر لَا يملكَانِ الْفَسْخ ويملكان الْإِجَازَة
وَإِذا انْقَضتْ هَذِه الْإِجَارَة أَو أفتك الرَّاهِن الرَّهْن يثبت الْملك للْمُشْتَرِي
وَمِنْهَا أَن الْمَبِيع إِذا كَانَ لَا يقدر على تَسْلِيمه وَقت العقد مثل الطير
[ ٢ / ٤٧ ]
الَّذِي طَار عَن يَده أَو العَبْد الْآبِق واللقطة وَالْمَغْصُوب يكون البيع فَاسِدا
وَلَو قدر على التَّسْلِيم فِي الْمجْلس لَا يعود إِلَى الْجَوَاز لِأَنَّهُ وَقع فَاسِدا
وَكَذَلِكَ إِذا جعله ثمنا لِأَن الثّمن إِذا كَانَ عينا فَهُوَ مَبِيع فِي حق صَاحبه
وَعَن الطَّحَاوِيّ أَنه يعود جَائِزا
وَمِنْهَا أَن يكون فِي الْمَبِيع أَو فِي ثمنه غرر مثل بيع السّمك فِي المَاء وَهُوَ لَا يقدر على تَسْلِيمه بِدُونِ الِاصْطِيَاد وَالْحِيلَة وَبيع الطير فِي الْهَوَاء أَو بيع مَال الْغَيْر على أَن يَشْتَرِيهِ فيسلمه إِلَيْهِ لِأَنَّهُ بَاعَ لَيْسَ بمملوك لَهُ للْحَال وَفِي ثُبُوته غرر وخطر
وَمِنْهَا بيع مَا هُوَ مَمْلُوك لَهُ لَكِن قبل الْقَبْض وَقد ذكرنَا تَفْصِيله
وَمِنْهَا إِدْخَال الشَّرْطَيْنِ فِي بيع وَاحِد وَذَلِكَ أَن يَقُول إِن أَعْطَيْتنِي حَالا فبألف وَإِن أجلت شهرا فبألفين أَو قَالَ أبيعك بقفيز حِنْطَة أَو بقفيزي شعير فَهُوَ فَاسد لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه نهى عَن الشَّرْطَيْنِ فِي بيع
وَمِنْهَا بيع الأتباع والأوصاف مَقْصُودا وَذَلِكَ نَحْو بيع الإلية من الشَّاة الْحَيَّة والذراع وَالرَّأْس وَنَحْوهَا وَكَذَا بيع ذِرَاع من الثَّوْب لِأَنَّهُ تبع وَلَا يُمكن تَسْلِيمه إِلَّا بِضَرَر وَهُوَ ذبح الشَّاة وَقطع الثَّوْب
وَكَذَلِكَ بيع جذع من سقف وَلَكِن إِذا نزع من السّقف وَسلم جَازَ
أما بيع قفيز من صبرَة أَو بيع عشرَة دَرَاهِم من نقرة وَنَحْوهَا
[ ٢ / ٤٨ ]
فَجَائِز لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّبْعِيض ضَرَر وَهُوَ لَيْسَ بتبع أَيْضا لِأَن الْقدر أصل فِي المقدرات بِخِلَاف الذرع فِي الذرعيات
وَمِنْهَا بيع الْمَعْدُوم الَّذِي انْعَقَد سَبَب وجوده أَو مَا هُوَ على خطر الْوُجُود كَبيع المضامين والملاقيح ونتاج الْفرس لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه نهى عَن بيع المضامين والملاقيح وَبيع حَبل الحبلة
وَمِنْهَا أَن يشْتَرط الْأَجَل فِي الْمَبِيع الْعين أَو الثّمن الْعين لِأَن الْأَجَل فِي الْأَعْيَان لَا يُفِيد فَلَا يَصح فَيكون شرطا لَا يَقْتَضِيهِ العقد فَيفْسد البيع
وَأما فِي الثّمن الدّين فَإِن كَانَ الْأَجَل مَعْلُوما جَازَ وَإِن كَانَ مَجْهُولا لَا يجوز على مَا مر
وَمِنْهَا البيع بِشَرْط وَهُوَ أَنْوَاع إِن شرطا شرطا يَقْتَضِيهِ العقد بِأَن اشْترى شَيْئا بِشَرْط أَن يسلم البَائِع الْمَبِيع أَو يسلم المُشْتَرِي الثّمن أَو بِشَرْط أَن يملك الْمَبِيع أَو الثّمن فَالْبيع جَائِز لِأَن هَذَا شَرط مُقَرر مُوجب العقد فَإِن ثُبُوت الْملك وَالتَّسْلِيم والتسلم من مُقْتَضى الْمُعَاوَضَات
وَإِن شرطا شرطا لَا يَقْتَضِيهِ العقد وَلَكِن ورد الشَّرْع بِجَوَازِهِ كالأجل وَالْخيَار رخصَة وتيسيرا فَإِنَّهُ لَا يفْسد العقد لِأَنَّهُ لما ورد الشَّرْع بِهِ ذَلِك أَنه من بَاب الْمصلحَة دون الْمفْسدَة وَهَذَا جَوَاب الِاسْتِحْسَان
وَالْقِيَاس أَن يفْسد لكَونه شرطا مُخَالفا لموجب العقد وَهُوَ ثُبُوت الْملك فِي الْحَال فِي الْعِوَضَيْنِ مَعًا
[ ٢ / ٤٩ ]
وَلَكنَّا أَخذنَا بالاستحسان للْحَدِيث الْوَارِد فِي بَاب الْخِيَار
وَإِن شرطا شرطا لَا يَقْتَضِيهِ العقد وَلم يرد الشَّرْع بِهِ أَيْضا لكنه يلائم العقد وَيُوَافِقهُ وَذَلِكَ نَحْو أَن يَشْتَرِي شَيْئا بِشَرْط أَن يُعْطي للْبَائِع كَفِيلا بِالثّمن أَو رهنا بِالثّمن فَهَذَا على وَجْهَيْن إِمَّا أَن يكون الْكَفِيل أَو الرَّهْن مَعْلُوما بِالْإِشَارَةِ وَالتَّسْمِيَة أَو لم يكن مَعْلُوما بِالْإِشَارَةِ وَالتَّسْمِيَة
فَإِن لم يكن مَعْلُوما بِأَن قَالَ أبيعك بِشَرْط أَن تُعْطِينِي رهنا بِالثّمن وَلم يسم رهنا وَلَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَو قَالَ بِشَرْط أَن تُعْطِينِي كَفِيلا بِالثّمن وَلم يسم إنْسَانا وَلَا أَشَارَ إِلَى إِنْسَان كَانَ البيع فَاسِدا لِأَن هَذِه جَهَالَة تُفْضِي إِلَى مُنَازعَة مَانِعَة عَن التَّسْلِيم والتسلم
وَأما إِذا كَانَ مَعْلُوما بِالْإِشَارَةِ أَو بِالتَّسْمِيَةِ فَالْقِيَاس أَن لَا يجوز البيع وَبِه أَخذ زفر
وَفِي الِاسْتِحْسَان يجوز وَهُوَ قَول عُلَمَائِنَا وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن الرَّهْن وَالْكَفَالَة بِالثّمن شرعا توثيقا للثّمن فَيكون بِمَنْزِلَة اشْتِرَاط الْجَوْدَة فِي الثّمن فَيكون شرطا مقررا لما يَقْتَضِيهِ العقد معنى
ثمَّ إِنَّمَا يجوز البيع اسْتِحْسَانًا فِي اشْتِرَاط الْكفَالَة إِذا كَانَ الْكَفِيل حَاضرا فِي الْمجْلس وَقبل
فَأَما إِذا كَانَ غَائِبا فَإِنَّهُ لَا يجوز وَإِن بلغه الْخَبَر فَقبل لِأَن وجوب الثّمن فِي ذمَّة الْكَفِيل مُضَاف إِلَى البيع فَيصير الْكَفِيل بِمَنْزِلَة المُشْتَرِي إِذا كَانَت الْكفَالَة مَشْرُوطَة فِي البيع وحضرة المُشْتَرِي فِي الْمجْلس شَرط لصِحَّة الْإِيجَاب من البَائِع وَلَا يتَوَقَّف إِلَى مَا وَرَاء الْمجْلس فَكَذَلِك حَضْرَة الْكَفِيل بِخِلَاف الرَّهْن فَإِن حَضرته لَيست بِشَرْط فِي الْمجْلس لِأَن الرَّهْن من المُشْتَرِي وَهُوَ حَاضر وَالْتزم الرَّهْن فالرهن صَحِيح
ثمَّ فِي الرَّهْن مَا لم يسلم المُشْتَرِي الرَّهْن إِلَى البَائِع لَا يثبت فِيهِ حكم الرَّهْن
[ ٢ / ٥٠ ]
وَإِن انْعَقَد عقد الرَّهْن بذلك الْكَلَام لِأَن الرَّهْن لَا يثبت فِي حق الحكم إِلَّا بِالْقَبْضِ على مَا عرف فَإِن سلم الرَّهْن مضى العقد على مَا عقدا وَإِن امْتنع عَن التَّسْلِيم لَا يجْبر على التَّسْلِيم عندنَا وَعند زفر يجْبر لَكِن عندنَا يُقَال للْمُشْتَرِي إِمَّا أَن تدفع الرَّهْن أَو قِيمَته أَو تدفع الثّمن أَو تفسخ البيع لِأَن البَائِع مَا رَضِي بِوُجُوب الثّمن فِي ذمَّة المُشْتَرِي إِلَّا بوثيقة الرَّهْن وَفِي هَذِه الْوُجُوه وَثِيقَة فَإِن لم يفعل المُشْتَرِي شَيْئا من ذَلِك فَللْبَائِع أَن يفْسخ البيع لِأَنَّهُ فَاتَ غَرَضه فَلَا يكون العقد لَازِما فَلهُ أَن يفْسخ
وَقَالُوا فِي البيع إِذا شَرط فِيهِ رهن مَجْهُول حَتَّى فسد البيع ثمَّ اتفقَا على تعْيين رهن فِي الْمجْلس إِنَّه يجوز العقد وَإِن افْتَرقَا عَن الْمجْلس تقرر الْفساد لِأَن تَمام الْقبُول توقف على الرَّهْن الْمَشْرُوط فِي العقد أَلا ترى أَن البَائِع لَو قَالَ للْمُشْتَرِي قبلت الثّمن بِغَيْر رهن فَإِنَّهُ لَا يَصح البيع فَإِذا لم يُوجد الرَّهْن لم يُوجد الْقبُول معنى فَإِذا عينا فِي الْمجْلس جَازَ لِأَن الْمجْلس بِمَنْزِلَة حَالَة وَاحِدَة فَصَارَ كَأَنَّهُ قبل العقد فِي آخر الْمجْلس وَإِن افْتَرقَا بَطل
وعَلى هَذَا إِذا قَالَ المُشْتَرِي فِي الرَّهْن الْمَجْهُول أَنا أعطي الثّمن لم يفْسد العقد لِأَن الْغَرَض من الرَّهْن هُوَ الْوُصُول إِلَى الثّمن وَهُوَ حَاصِل فَسقط اعْتِبَار الْوَثِيقَة
وَلَو شَرط البَائِع فِي البيع أَن يحيله المُشْتَرِي بِالثّمن على غَرِيم من غُرَمَائه فَهَذَا على وَجْهَيْن إِن أحَال بِجَمِيعِ الثّمن فَالْبيع فَاسد لِأَنَّهُ يصير بَائِعا بِشَرْط أَن يكون الثّمن على غير المُشْتَرِي وَهُوَ بَاطِل
وَإِن بَاعَ بِشَرْط أَن يحِيل نصف الثّمن على فلَان فَهُوَ جَائِز
[ ٢ / ٥١ ]
إِذا كَانَ حَاضرا وَقبل الْحِوَالَة كَمَا إِذا بَاعَ عبدا من رجل بِأَلف دِرْهَم على أَن يكون نصفه على فلَان وَهُوَ حَاضر فَقبل جَازَ كَذَا هَذَا
ثمَّ إِذا كَانَ الْكَفِيل والمحتال عَلَيْهِ غائبين عَن الْمجْلس فَلم يحضرا حَتَّى افترق العاقدان فَلَا يَصح البيع إِلَّا بِإِيجَاب مبتد لِأَن تَمام العقد يقف على قبُول الْكَفِيل والمحتال عَلَيْهِ فَجعل كَأَن الْقبُول لم يُوجد من المُشْتَرِي فِي الْمجْلس
وَلَو حضرا فِي الْمجْلس وقبلا جَازَ كَمَا لَو قبلا عِنْد العقد لِأَن الْمجْلس لَهُ حكم سَاعَة وَاحِدَة
وَلَو شَرط المُشْتَرِي فِي البيع على أَن يحِيل البَائِع على غَرِيم من غُرَمَائه بِالثّمن ليدفع إِلَيْهِ أَو بَاعَ بِشَرْط أَن يضمن المُشْتَرِي لغريم من غُرَمَائه الثّمن فَالْبيع فَاسد لِأَن شَرط الضَّمَان وَالْحوالَة ثمَّة صَار بِمَنْزِلَة اشْتِرَاط صفة الْجَوْدَة فِي الثّمن لكَونه توكيدا للثّمن وتوثيقا لَهُ وَشرط الضَّمَان هَهُنَا لَيْسَ بِصفة للثّمن بل هُوَ شَرط فِيهِ مَنْفَعَة الْعَاقِد وَالْعقد لَا يَقْتَضِيهِ فَيفْسد البيع
وَإِن شرطا شرطا لَا يَقْتَضِيهِ العقد وَلَا يلائمه ولأحدهما فِيهِ مَنْفَعَة إِلَّا أَنه مُتَعَارَف بِأَن اشْترى نعلا وشراكا على أَن يحذوه البَائِع جَازَ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن لَا يجوز وَهُوَ قَول زفر
وَلَكِن أَخذنَا بالاستحسان لتعارف النَّاس كَمَا فِي الاستصناع
وَلَو شرطا شرطا لَا يَقْتَضِيهِ العقد وَلَا يلائمه وَلَا يتعارفه النَّاس وَفِيه مَنْفَعَة لأحد الْعَاقِدين بِأَن اشْترى حِنْطَة على أَن يطحنها البَائِع أَو ثوبا على أَن يخيطه البَائِع أَو اشْترى حِنْطَة على أَن يَتْرُكهَا فِي دَار البَائِع شهرا وَنَحْو ذَلِك فَالْبيع فَاسد
وَهَذَا كُله مَذْهَب عُلَمَائِنَا
[ ٢ / ٥٢ ]
وَقَالَ ابْن أبي ليلى بِأَن البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل
وَقَالَ ابْن شبْرمَة بِأَن البيع جَائِز وَالشّرط جَائِز
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن اشْتِرَاط الْمَنْفَعَة الزَّائِدَة فِي عقد الْمُعَاوضَة لأحد الْعَاقِدين من بَاب الرِّبَا أَو شُبْهَة الرِّبَا وَإِنَّهَا مُلْحقَة بِحَقِيقَة الرِّبَا فِي بَاب البيع احْتِيَاطًا
وَلَو شرطا شرطا فِيهِ ضَرَر لأحد الْعَاقِدين بِأَن بَاعَ ثوبا أَو حَيَوَانا سوى الرَّقِيق بِشَرْط أَن لَا يَبِيعهُ وَلَا يَهبهُ ذكر فِي الْمُزَارعَة الْكَبِيرَة مَا يدل على أَن البيع بِهَذَا الشَّرْط لَا يفْسد فَإِنَّهُ ذكر أَن أحد المزارعين لَو شَرط فِي الْمُزَارعَة أَن لَا يَبِيع الآخر نصِيبه أَو لَا يَهبهُ قَالَ الْمُزَارعَة جَائِزَة وَالشّرط بَاطِل لِأَنَّهُ لَيْسَ لأحد المتعاملين فِيهِ مَنْفَعَة هَكَذَا ذكر الْحسن فِي الْمُجَرّد
وروى أَبُو يُوسُف فِي الأمالي خِلَافه وَهُوَ قَوْله إِن البيع بِمثل هَذَا الشَّرْط فَاسد
وَالصَّحِيح هُوَ الأول
وَلَو بَاعَ جَارِيَة بِشَرْط أَن يَطَأهَا أَو لَا يَطَأهَا لم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة
وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ البيع فَاسد فِي الْمَوْضِعَيْنِ
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد أَنه قَالَ لَا تفْسد فِي الْمَوْضِعَيْنِ
وَعَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ إِن بَاعَ بِشَرْط أَن يَطَأهَا فَالْبيع جَائِز وَإِن بَاعَ بِشَرْط أَن لَا يَطَأهَا فَالْبيع فَاسد
فَالْحَاصِل أَن البيع بِشَرْط أَن يَطَأهَا فَاسد عِنْد أبي حنيفَة
[ ٢ / ٥٣ ]
وَعِنْدَهُمَا جَائِز لِأَن إِبَاحَة الْوَطْء حكم يَقْتَضِيهِ العقد فَصَارَ كَمَا لَو اشْترى طَعَاما بِشَرْط أَن يَأْكُلهُ وَنَحْو ذَلِك
وَأَبُو حنيفَة يَقُول هَذَا شَرط لَا يَقْتَضِيهِ العقد فَإِنَّهُ لَو صَحَّ الشَّرْط كَانَ حكمه وجوب الْوَطْء وَالْبيع لَا يَقْتَضِيهِ وَفِيه نفع للمعقود عَلَيْهِ وَهُوَ من أهل اسْتِحْقَاق الْحق على مَوْلَاهُ فِي الْجُمْلَة فَإِنَّهُ يسْتَحق النَّفَقَة عَلَيْهِ بِخِلَاف مَا إِذا بَاعَ حَيَوَانا بِشَرْط أَن يعلفه لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل اسْتِحْقَاق الْحق على مَالِكه
وَأما البيع بِشَرْط أَن لَا يَطَأهَا فقد قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف البيع فَاسد
وعَلى قَول مُحَمَّد جَائِز
وَهُوَ قِيَاس مَا روى أَبُو يُوسُف عَنهُ فِي الأمالي إِذا بَاعَ طَعَاما بِشَرْط أَن لَا يَأْكُل أَو لَا يَبِيع فَإِن البيع فَاسد
فَأَما على قِيَاس مَا ذكر فِي الْمُزَارعَة الْكَبِيرَة فَيجب أَن يكون الْجَواب على قَول أبي حنيفَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مثل قَول مُحَمَّد
وَلَو اشْترى عبدا بِشَرْط أَن يعتقهُ المُشْتَرِي قَالَ عُلَمَاؤُنَا البيع فَاسد حَتَّى لَو أعْتقهُ المُشْتَرِي قبل الْقَبْض لم ينفذ عتقه وَإِن أعْتقهُ بعد الْقَبْض عتق فَانْقَلَبَ العقد جَائِزا اسْتِحْسَانًا فِي قَول أبي حنيفَة حَتَّى يجب عَلَيْهِ الثّمن
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد لَا يَنْقَلِب العقد جَائِزا إِذا أعْتقهُ حَتَّى يجب عَلَيْهِ قيمَة العَبْد
وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة مثل قَوْلهمَا
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي أحد قوليه إِن البيع بِهَذَا الشَّرْط جَائِز
وَقد روى أَبُو يُوسُف عَن أبي حنيفَة مثله
وَالصَّحِيح قَول أبي حنيفَة لِأَن هَذَا شَرط يلائم العقد من وَجه دون
[ ٢ / ٥٤ ]
وَجه فَمن حَيْثُ إِن الْإِعْتَاق إِزَالَة الْملك يكون تغييرا لحكم العقد وَمن حَيْثُ إِنَّه إنهاء للْملك يكون ملائما لَهُ لِأَن فِيهِ تقريرا فَقُلْنَا بِفساد البيع فِي الِابْتِدَاء وبالجواز فِي الِانْتِهَاء عملا بالدليلين وَبِالْعَكْسِ لَا يكون عملا بهما لأَنا نجد فَاسِدا يَنْقَلِب جَائِزا كَمَا فِي بيع الرقم وَلَكِن لم نجد جَائِزا يَنْقَلِب فَاسِدا فَكَانَ الْوَجْه الأول أولى
وَلَو بَاعَ بِشَرْط التَّدْبِير وَالْكِتَابَة وَفِي الْأمة بِشَرْط الِاسْتِيلَاد فَالْبيع فَاسد وَلَا يَنْقَلِب إِلَى الْجَوَاز عِنْد وجود الشَّرْط لِأَن هَذَا شَرط لَا يلائم البيع لِأَنَّهُ لَا يثبت إنهاء الْملك هَهُنَا بِيَقِين لاحْتِمَال أَن القَاضِي يقْضِي بِالْجَوَازِ فِي التَّدْبِير وَالِاسْتِيلَاد فَلَا يَتَقَرَّر حكمه
وَلَو بَاعَ الثِّمَار على الْأَشْجَار والزروع الْمَوْجُودَة هَل يكون البيع فَاسِدا فَهَذَا لَا يَخْلُو من وُجُوه إِمَّا إِن كَانَ قبل الْإِدْرَاك أَو بعده بِشَرْط الْقطع أَو بِشَرْط التّرْك
فَإِن كَانَ قبل الْإِدْرَاك فَإِن كَانَ بِشَرْط الْقطع جَازَ وَإِن اشْترى مُطلقًا جَازَ
وَقَالَ الشَّافِعِي إِن اشْترى بِشَرْط الْقطع جَازَ
وَإِن اشْترى مُطلقًا لَا يجوز لِأَنَّهُ صَار شارطا للترك دلَالَة
وَلَكِن الصَّحِيح قَوْلنَا لِأَنَّهُ اشْترى مَا هُوَ مَال وَإِن كَانَ لَا يتكامل الِانْتِفَاع بِهِ بِمَنْزِلَة شِرَاء الجحش وَالْكَلَام الْمُطلق لَا يحمل على الْمُقَيد خُصُوصا إِذا كَانَ فِي ذَلِك فَسَاد العقد
وَأما إِذا بَاعَ بِشَرْط التّرْك فَهُوَ فَاسد بِلَا خلاف بَين أَصْحَابنَا لِأَنَّهُ شَرط فِيهِ مَنْفَعَة للْمُشْتَرِي فَصَارَ كَمَا لَو اشْترى حِنْطَة بِشَرْط أَن يَتْرُكهَا فِي دَار البَائِع شهرا
هَذَا إِذا بَاعَ قبل أَن يَبْدُو صَلَاحهَا
وَإِمَّا إِذا بَاعَ بعد بَدو صَلَاحهَا
[ ٢ / ٥٥ ]
مُطلقًا أَو بِشَرْط الْقطع جَازَ
وَلَو بَاعَ بِشَرْط التّرْك لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
وَقَالَ مُحَمَّد إِن تناهى عظمها جَازَ وَإِن لم يتناه عظمها لَا يجوز لِأَن النَّاس تعاملوا ذَلِك من غير نَكِير
وَالصَّحِيح قَوْلهمَا لِأَن هَذَا شَرط فِيهِ مَنْفَعَة للْمُشْتَرِي وَالْعقد لَا يَقْتَضِيهِ والتعامل لم يكن بِشَرْط التّرْك وَلَكِن الْإِذْن مُعْتَاد بِلَا شَرط فِي العقد
وَلَو اشْترى مُطلقًا وَتركهَا على النّخل من غير شَرط التّرْك وَلم يتناه عظمها فَإِن كَانَ ذَلِك بِإِذن البَائِع جَازَ وَطلب لَهُ الْفضل
وَإِن ترك بِغَيْر إِذن البَائِع تصدق بِمَا زَاد على مَا كَانَ عِنْد العقد لِأَنَّهُ حصل من وَجه بِسَبَب مَحْظُور
وَإِن أخرج النّخل وَالشَّجر فِي مُدَّة التّرْك ثَمَرَة أُخْرَى فَذَلِك كُله للْبَائِع سَوَاء كَانَ التّرْك بِإِذْنِهِ أَو بِغَيْر إِذْنه
وَإِن جللها مِنْهُ البَائِع جَازَ لِأَن هَذَا الْحَادِث لم يَقع عَلَيْهِ العقد وَإِنَّمَا هُوَ نَمَاء ملك البَائِع فَيكون لَهُ فَإِن اخْتَلَط الْحَادِث بالموجود وَقت العقد بِحَيْثُ لَا يُمكن التَّمْيِيز بَينهمَا فَإِن كَانَ قبل أَن يخلي البَائِع بَين المُشْتَرِي وَالثِّمَار فسد البيع لِأَن الْمَبِيع صَار مَجْهُولا بِحَيْثُ يتَعَذَّر تَسْلِيمه حَال وجوب التَّسْلِيم وَالْعجز عَن التَّسْلِيم مُفسد للْبيع وَإِن كَانَ ذَلِك بعد التَّخْلِيَة لم يفْسد البيع وَكَانَت الثَّمَرَة بَينهمَا وَالْقَوْل فِي الزِّيَادَة قَول المُشْتَرِي لِأَن البيع قد تمّ بعد الْقَبْض
فَأَما إِذا اشْترى ثَمَرَة قد تناهى عظمها وَتركهَا على الشَّجَرَة بِغَيْر إِذن البَائِع لم يتَصَدَّق بِشَيْء لِأَنَّهَا لَا تزيد بعد التناهي بل تنقص فَلم يحصل لَهَا زِيَادَة بِسَبَب مَحْظُور
[ ٢ / ٥٦ ]
فَأَما فِي الزَّرْع فالنماء يكون للْمُشْتَرِي طيبا وَإِن تَركه بِغَيْر إِذْنه لِأَنَّهُ نَمَاء ملك المُشْتَرِي لِأَن السَّاق ملكه حَتَّى يكون التِّبْن لَهُ بِخِلَاف الشَّجَرَة
وَأما الزروع الَّتِي يُوجد بَعْضهَا بعد وجود بعض كالباذنجان والبطيخ والكراث وَنَحْوهَا فقد قَالَ أَصْحَابنَا يجوز بيع مَا ظهر مِنْهَا من الْخَارِج الأول وَلَا يجوز بيع مَا لم يظْهر لِأَنَّهُ بيع مَعْدُوم
وَقَالَ مَالك إِذا ظهر الْخَارِج الأول جَازَ بيع الْكل لأجل الضَّرُورَة إِلَّا أَنا نقُول لَا ضَرُورَة فَإِنَّهُ يُمكنهُ بيع الأَصْل بِمَا فِيهِ من الثَّمر فَيصير الأَصْل ملكا لَهُ فَبعد ذَلِك مَا تولد من الأَصْل يحدث على ملكه
وَمِنْهَا أَن يَشْتَرِي شَيْئا بِثمن مَعْلُوم ثمَّ يَبِيعهُ من البَائِع بِأَقَلّ مِمَّا بَاعه قبل نقد الثّمن
فَإِن بَاعه بِجِنْس الثّمن الأول بِأَن اشْتَرَاهُ بِأَلف دِرْهَم ثمَّ بَاعه مِنْهُ بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم قبل نقد الثّمن فَهُوَ فَاسد عندنَا
وَعند الشَّافِعِي صَحِيح
وَإِن كَانَ بِخِلَاف جنس الثّمن الأول جَازَ
وَالْأَصْل فِي ذَلِك حَدِيث عَائِشَة ﵂ فِي قصَّة زيد بن أَرقم وَهُوَ مَعْرُوف
[ ٢ / ٥٧ ]
ثمَّ مَا ذكرنَا من الشُّرُوط الَّتِي إِذا أدخلها فِي نفس العقد يكون مُفْسِدا للْعقد إِذا اعترضت على العقد الصَّحِيح هَل يفْسد العقد عِنْد أبي حنيفَة يفْسد ويلتحق بِأَصْل العقد بِمَنْزِلَة اشْتِرَاط الْخِيَار فِي العقد البات وَالزِّيَادَة والحط فِي الثّمن وَعِنْدَهُمَا لَا يلْتَحق وَيبْطل الشَّرْط وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَأما حكم البيع الْفَاسِد فَنَقُول هَذَا على وَجْهَيْن إِن كَانَ الْفساد من قبل الْمَبِيع بِأَن كَانَ محرما نَحْو الْخمر وَالْخِنْزِير وصيد الْحرم وَالْإِحْرَام فَالْبيع بَاطِل لَا يُفِيد الْملك أصلا وَإِن قبض لِأَنَّهُ لَا يثبت الْملك فِي الْخمر وَالْخِنْزِير للْمُسلمِ بِالْبيعِ وَالْبيع لَا ينْعَقد بِلَا مَبِيع
وَكَذَلِكَ إِذا بَاعَ الْميتَة وَالدَّم وكل مَا لَيْسَ بِمَال مُتَقَوّم
وَكَذَلِكَ إِذا بَاعَ الْمُدبر وَأم الْوَلَد وَالْمكَاتب والمستسعي وَنَحْو ذَلِك
وَكَذَلِكَ الصَّيْد الَّذِي ذبحه الْمحرم أَو صيد الْحرم إِذا ذبح فَإِنَّهُ يكون ميتَة فَلَا يجوز بَيْعه
وَإِن كَانَ الْفساد يرجع لثمن فَإِن ذكر مَا هُوَ مَال فِي الْجُمْلَة شرعا أَو مَا هُوَ مَرْغُوب عِنْد النَّاس لَا يُوجد مجَّانا بِغَيْر شَيْء كَمَا إِذا بَاعَ بِالْخمرِ وَالْخِنْزِير وصيد الْحرم وَالْإِحْرَام فَإِن البيع ينْعَقد بِقِيمَة الْمَبِيع ويفيد الْملك فِي الْمَبِيع بِالْقَبْضِ لِأَن ذكر الثّمن المرغوب دَلِيل على أَن غرضهما البيع فَينْعَقد بيعا بِقِيمَة الْمَبِيع
[ ٢ / ٥٨ ]
وَكَذَلِكَ إِذا جعلا الثّمن مُدبرا أَو مكَاتبا أَو أم ولد لِأَنَّهُ مَرْغُوب فِيهِ
وَإِذا جعلا الْميتَة وَالدَّم ثمنا فقد اخْتلف الْمَشَايِخ
وَكَذَلِكَ لَو بَاعه بِمَا يرْعَى بِهِ إبِله فِي أرضه من الْكلأ أَو بِمَا يشرب دَابَّته من مَاء بئره لِأَنَّهُ ذكر شَيْئا مرغوبا فِيهِ
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْفساد بِإِدْخَال شَرط فَاسد أَو بِاعْتِبَار الْجَهَالَة وَنَحْو ذَلِك
وَإِن ذكر الْمَبِيع وَالثمن فَهُوَ على هَذَا يُفِيد الْملك بِالْقيمَةِ عِنْد الْقَبْض
وَهَذَا كُله عندنَا
وَعند الشَّافِعِي البيع فَاسد لَا يُفِيد الْملك أصلا وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وعَلى هَذَا لَو قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا العَبْد وَلم يذكر الثّمن ينْعَقد البيع بِالْقيمَةِ وَلَو قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا العَبْد بِقِيمَتِه فَكَذَلِك
ثمَّ فِي البيع الْفَاسِد إِنَّمَا يملك بِالْقَبْضِ إِذا كَانَ بِإِذن البَائِع فَأَما إِذا كَانَ بِغَيْر إِذْنه فَهُوَ كَمَا لَو لم يقبض هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا
وَذكر مُحَمَّد فِي الزِّيَادَات إِذا قَبضه بِحَضْرَة البَائِع فَلم يَنْهَهُ وَسكت إِنَّه يكون قبضا وَيصير ملكا لَهُ وَلم يحك خلافًا
وَقد قَالَ أَصْحَابنَا فِيمَن وهب هبة وَالْقِيَاس أَن لَا يملكهَا الْمَوْهُوب لَهُ حَتَّى يقبضهَا بِإِذن الْوَاهِب أَو بتسليمها إِلَيْهِ
إِلَّا أَنهم استحسنوا وَقَالُوا إِذا قبضهَا فِي مجْلِس العقد بِحَضْرَة الْوَاهِب وَلم يَنْهَهُ وَسكت
[ ٢ / ٥٩ ]
جَازَت ويفيد الْملك وَإِذا قبض بعد الِافْتِرَاق عَن الْمجْلس بِحَضْرَتِهِ لَا يَصح الْقَبْض وَإِن سكت لِأَن الْملك من الْمَوْهُوب إِنَّمَا يَقع بِالْعقدِ وَالْقَبْض فَيكون الْإِقْدَام على إِيجَاب الْهِبَة إِذْنا بِالْقَبْضِ كَمَا يكون إِذْنا بِالْقبُولِ وَبعد الِافْتِرَاق عَن الْمجْلس لَا يكون إِذْنا بِالْقبُولِ وَكَذَلِكَ لَا يكون إِذْنا بِالْقَبْضِ فعلى هَذَا يجب أَن يكون فِي البيع الْفَاسِد فِي مجْلِس العقد يكون إِذْنا بِالْقَبْضِ وَبعد الِافْتِرَاق لَا يكون إِذْنا
ثمَّ المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا هَل يملك التَّصَرُّف فِي الْمُشْتَرى وَهل يكره ذَلِك فَنَقُول لَا شكّ أَنه قبل الْقَبْض لَا يملك تَصرفا مَا لعدم الْملك فَأَما بعد الْقَبْض فَيملك التَّصَرُّفَات المزيلة للْملك من كل وَجه أَو من وَجه نَحْو الْإِعْتَاق وَالْبيع وَالْهِبَة وَالتَّسْلِيم وَالتَّدْبِير وَالِاسْتِيلَاد وَالْكِتَابَة لِأَن هَذِه التَّصَرُّفَات تزيل حق الِانْتِفَاع بالحرام
وَلَكِن هَل يُبَاح لَهُ التَّصَرُّفَات الَّتِي فِيهَا انْتِفَاع بِالْمَبِيعِ مَعَ قيام الْملك اخْتلف الْمَشَايِخ
قَالَ بَعضهم لَا يُبَاح الِانْتِفَاع بِهِ حَتَّى لَا يُبَاح لَهُ الْوَطْء إِن كَانَت جَارِيَة وَلَا الْأكل إِن كَانَ طَعَاما وَلَا الِانْتِفَاع بِهِ إِن كَانَ دَارا أَو دَابَّة أَو ثوبا
وَبَعض مَشَايِخنَا قَالُوا لَا يُبَاح لَهُ الْوَطْء لَا غير وَيُبَاح لَهُ سَائِر أَنْوَاع الانتفاعات
فالأولون قَالُوا إِن هَذَا ملك خَبِيث فَلَا يظْهر الْملك فِي حق حل الْوَطْء وَالِانْتِفَاع احْتِيَاطًا
وَالْآخرُونَ قَالُوا إِن الْمَالِك سلطه على التَّصَرُّف وأباح لَهُ التَّصَرُّف فَكل تصرف يُبَاح بِالْإِذْنِ يُبَاح بِهَذَا البيع وَالْوَطْء لَا يُبَاح بِإِذن المَال فَلَا يُبَاح بالتسليط بِخِلَاف سَائِر الانتفاعات
[ ٢ / ٦٠ ]
وَأما الْكَرَاهَة فَنَقُول ذكر الْكَرْخِي وَقَالَ يكره التَّصَرُّفَات كلهَا لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْفَسْخ لحق الشَّرْع وَفِي هَذِه التَّصَرُّفَات إبِْطَال حق الْفَسْخ أَو تَأْخِيره فَيكْرَه
وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا لَا يكره التَّصَرُّفَات المزيلة للْملك لِأَنَّهُ يَزُول الْفساد بِسَبَبِهَا
فَأَما التَّصَرُّفَات الَّتِي توجب تَقْرِير الْملك الْفَاسِد فَإِنَّهُ يكره
وَالصَّحِيح هُوَ الأول
ثمَّ المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا إِذا تصرف فِي المُشْتَرِي بعض الْقَبْض فَإِن كَانَ تَصرفا مزيلا للْملك من كل وَجه كالإعتاق وَالْبيع وَالْهِبَة فَإِنَّهُ يجوز وَلَا يفْسخ لِأَن الْفساد قد زَالَ بِزَوَال الْملك
وَإِن كَانَ تَصرفا مزيلا للْملك من وَجه أَو لَا يكون مزيلا للْملك فَإِن كَانَ تَصرفا لَا يحْتَمل الْفَسْخ كالتدبير وَالِاسْتِيلَاد وَالْكِتَابَة فَإِنَّهُ يبطل حق الْفَسْخ
إِن كَانَ يحْتَمل الْفَسْخ إِن كَانَ يفْسخ بالعذر كَالْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ يفْسخ الْإِجَارَة ثمَّ يفْسخ البيع بِسَبَب الْفساد وَيجْعَل حق الْفَسْخ بِسَبَب الْفساد عذرا فِي فسخ الْإِجَارَة
وَلَو زَوجهَا من إِنْسَان بعد الْقَبْض فَإِن النِّكَاح لَا يمْنَع الْفَسْخ وَالنِّكَاح بِحَالهِ لِأَنَّهُ زَوجهَا وَهِي مَمْلُوكَة لَهُ فصح نِكَاحهَا وَالنِّكَاح مِمَّا لَا يحْتَمل الْفَسْخ فَبَقيَ النِّكَاح
وَلَو أوصى بِالْعَبدِ الْمَبِيع بيعا فَاسِدا فَإِنَّهُ يفْسخ لِأَن الْوَصِيَّة مِمَّا يحْتَمل الرُّجُوع
[ ٢ / ٦١ ]
وَلَو مَاتَ الْمُوصي قبل الْفَسْخ سقط الْفَسْخ لِأَن الْملك انْتقل إِلَى الْمُوصى لَهُ فَصَارَ كَالْبيع
وَلَو مَاتَ المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا فورثه الْوَرَثَة فَللْبَائِع حق الْفَسْخ وَكَذَلِكَ للْوَرَثَة لِأَن الْوَارِث يقوم مقَام الْمَيِّت فِي حق الْفَسْخ وَلِهَذَا يرد بِالْعَيْبِ وَيرد عَلَيْهِ بِخِلَاف الْمُوصى لَهُ
وَلَو حصل فِي الْمَبِيع بيعا فَاسِدا زِيَادَة مُنْفَصِلَة كَالْوَلَدِ وَالثَّمَر وَاللَّبن أَو الْأَرْش بِسَبَب تَفْوِيت بعضه فَإِنَّهُ لَا يمْنَع الْفَسْخ بل للْبَائِع أَن يَأْخُذ الْمَبِيع مَعَ الزَّوَائِد وَيفْسخ البيع لِأَن قبض المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا بِمَنْزِلَة قبض الْغَصْب
ثمَّ إِذا أَخذ الْوَلَد فَإِن كَانَت الْولادَة نقصت الْجَارِيَة نظر فِي قيمَة الْوَلَد فَإِن كَانَ فِيهِ وَفَاء بِالنُّقْصَانِ فَلَا شَيْء على المُشْتَرِي وَإِن لم يكن فِيهِ وَفَاء غرم تَمام النُّقْصَان
وَإِن وطىء المُشْتَرِي الْمَبِيعَة بيعا فَاسِدا فَهَذَا على وَجْهَيْن إِن لم يعلقها فَللْبَائِع أَن يسْتَردّ الْجَارِيَة وَيضمن المُشْتَرِي عقرهَا للْبَائِع بِاتِّفَاق الرِّوَايَات بِخِلَاف الْجَارِيَة الْمَوْهُوبَة إِذا وَطئهَا الْمَوْهُوب لَهُ ثمَّ رَجَعَ الْوَاهِب فَإِنَّهُ لَا يضمن للْوَاهِب عقرهَا لِأَنَّهُ وطىء ملك نَفسه ملكا مُطلقًا فِي حق حل الْوَطْء وَغَيره وبالرجوع لم يظْهر أَن الْملك لم يكن أما فِي البيع الْفَاسِد فَلم يظْهر الْملك فِي حق حل الْوَطْء لَكِن لم يحد للشهبة فَيجب الْعقر
وَإِن أعلقها وَادّعى الْوَلَد يثبت نسب الْوَلَد مِنْهُ وَتصير الْجَارِيَة أم ولد لَهُ وَللْبَائِع أَن يضمن المُشْتَرِي قيمَة الْجَارِيَة وَيبْطل حَقه فِي الْجَارِيَة
وَإِذا وَجَبت الْقيمَة هَل يجب الْعقر ذكر فِي كتاب الْبيُوع وَقَالَ لَا عقر عَلَيْهِ
[ ٢ / ٦٢ ]
وَذكر فِي كتاب الشّرْب وَقَالَ عَلَيْهِ الْعقر
وَلَو أحدث المُشْتَرِي فِي الْمَبِيع بيعا فَاسِدا صنعا لَو فعله الْغَاصِب فِي الْمَغْصُوب يصير ملكا لَهُ بِالْقيمَةِ كَمَا إِذا طحن الْحِنْطَة أَو خاط الثَّوْب قَمِيصًا وَنَحْو ذَلِك يَنْقَطِع حق البَائِع فِي الْفَسْخ وَيلْزمهُ قِيمَته يَوْم الْقَبْض كَمَا فِي الْغَصْب
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ الْمَبِيع ساجة فَأدْخلهَا فِي بنائِهِ
وَإِن كَانَ الْمَبِيع أَرضًا فَبنى فِيهَا المُشْتَرِي فَلَيْسَ للْبَائِع أَن ينْقض البيع عِنْد أبي حنيفَة ﵁
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله للْبَائِع أَن ينْقض كَمَا فِي الْغَصْب فَإِن الْغَاصِب إِذا بنى على الأَرْض الْمَغْصُوبَة لَا يَنْقَطِع حق الْمَالِك فَكَذَا هَذَا
وَأَبُو حنيفَة يَقُول إِن الْمَبِيع صَار ملكا لَهُ وَفِي النَّقْض ضَرَر كثير فَلَا ينْقض بِخِلَاف الْغَاصِب
[ ٢ / ٦٣ ]