الْولَايَة إِلَى الْعَصَبَات فِي الْجُمْلَة والحضانة إِلَى ذَوَات الرَّحِم الْمحرم لِأَن الْحَضَانَة تبتنى على الشَّفَقَة والرفق بالصغار وَذَلِكَ من جَانب النِّسَاء أوفر وَهن بالتربية أعلم
وَيكون الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب أولى
ثمَّ الْأَقْرَب هَهُنَا هِيَ الْأُم ثمَّ الْجدّة أم الْأُم ثمَّ الْجدّة أم الْأَب ثمَّ الْأَخَوَات فأولاهن الْأُخْت لأَب وَأم ثمَّ الْأُخْت لأم ثمَّ الْأُخْت لأَب ثمَّ بَنَات الْأُخْت على هَذَا التَّرْتِيب ثمَّ بَنَات الْأَخ وعَلى هَذَا التَّرْتِيب وَهَذَا على الرِّوَايَة الَّتِي تقدم الْأُخْت لأَب على الْخَالَة وَهِي رِوَايَة مُحَمَّد عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة وَرِوَايَة الْحسن عَن أبي يُوسُف
وَفِي رِوَايَة عَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف أَن الْخَالَة أولى من الْأُخْت لأَب وَهُوَ قَول مُحَمَّد وَزفر
ثمَّ بعد الْأَخَوَات وأولادهن من الْإِنَاث الخالات على التَّرْتِيب الْخَالَة لأَب وَأم ثمَّ الْخَالَة لأم ثمَّ الْخَالَة لأَب
ثمَّ العمات على التَّرْتِيب الْعمة لأَب وَأم ثمَّ الْعمة لأم ثمَّ الْعمة لأَب
فَأَما بَنَات الْعم وَالْخَال والعمة وَالْخَالَة فَلَا حق لَهُنَّ فِي الْحَضَانَة لِأَن لَهُنَّ رحما غير محرم
ثمَّ الْأُم والجدات أَحَق بالغلام إِلَى أَن يَأْكُل وَحده وَيشْرب وَحده
[ ٢ / ٢٢٩ ]
ويلبس وَحده
وَفِي رِوَايَة عَن مُحَمَّد وَيتَوَضَّأ وَحده أَو يستنجي وَحده
فَأَما الْجَارِيَة فَهِيَ أَحَق بهَا حَتَّى تحيض
وَالْقِيَاس أَن يكون لَهُنَّ حق الْحَضَانَة فِي الْغُلَام إِلَى وَقت الْبلُوغ لحَاجَة الصغار إِلَى التربية فِي الْجُمْلَة إِلَى وَقت الْبلُوغ إِلَّا أَنا استحسنا فِي الْغُلَام لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى التَّأْدِيب وَالْأَب أقدر
ثمَّ عندنَا لَيْسَ للصَّغِير الْعَاقِل اخْتِيَار أحد الْأَبَوَيْنِ فِي الْحَضَانَة
وَعَن الشَّافِعِي يُخَيّر الصَّبِي
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَنَّهُ لَا يعرف الأنظر مِنْهُمَا
وَأما من لَا أَوْلَاد لَهَا من النِّسَاء فَلَا حق لَهُنَّ فِي الْجَارِيَة والغلام بعد الِاسْتِغْنَاء بأنفسهما فِيمَا ذكرنَا
وينتقل الْحق إِلَى الْعَصَبَات من ذَوي الرَّحِم الْمحرم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب على التَّرْتِيب إِلَّا بني الْأَعْمَام لِأَن الْحَاجة إِلَى الْحِفْظ وَخَوف الصَّغِير من الْعصبَة أَشد من خَوفه من غير الْأُمَّهَات من ذَوَات الرَّحِم الْمحرم
فَأَما بَنو الْأَعْمَام فَلَا حق لَهُم فِي الْحَضَانَة لِأَن لَهُم رحما غير محرم وَيحل لَهُم نِكَاحهَا فَلَا يُؤمن عَلَيْهَا
ثمَّ من كَانَ من عصباتها مِمَّن لَا يُؤمن عَلَيْهَا من ذَوي الرَّحِم الْمحرم لفسقه ومجانته لم يكن لَهُ فِيهَا حق لِأَن فِي كفَالَته لَهَا ضَرَرا عَلَيْهَا
فَإِن لم يكن لِلْجَارِيَةِ من عصباتها غير ابْن الْعم فالاختيار إِلَى القَاضِي إِن رَآهُ أصلح ضم إِلَيْهِ وَإِلَّا فَيَضَع عِنْد أَمِينه
وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا من ثُبُوت حق الْحَضَانَة لذوات الرَّحِم الْمحرم إِذا لم يكن لَهُنَّ أَزوَاج فَأَما من لَهَا زوج فَلَا حق لَهَا فِي الْحَضَانَة إِلَّا إِذا كَانَ زَوجهَا ذَا رحم محرم من الصَّغِير لِأَنَّهُ يلْحقهُ الجفا والمذلة من زوج الْأُم
[ ٢ / ٢٣٠ ]
إِذا كَانَ أَجْنَبِيّا
ويضعه القَاضِي حَيْثُ يَشَاء بِمَنْزِلَة من لَا قرَابَة لَهُ
وَأم الْوَلَد وَالزَّوْجَة فِي الْحَضَانَة على السوَاء إِذا أعتقت
فَأَما الرقيقة فَلَا حق لَهَا فِي حضَانَة الْوَلَد الْحر لِأَنَّهُ ضرب من الْولَايَة وَالرّق يُنَافِي الولايات
وَأهل الذِّمَّة فِي هَذَا بِمَنْزِلَة أهل الْإِسْلَام لِأَن هَذَا أَمر يبتنى على الشَّفَقَة
وَلَو كَانَت الْأُم كَافِرَة وَالْولد مُسلم ذكر فِي الأَصْل أَنَّهَا فِي الْحَضَانَة كالمسلمة
وَكَانَ أَبُو بكر الرَّازِيّ يَقُول إِنَّهَا أَحَق بالصغير وَالصَّغِيرَة حَتَّى يعقلا فَإِذا عقلا سقط حَقّهَا لِأَنَّهَا تعودهم أَخْلَاق الْكَفَرَة
وَلَا حق للمرتدة فِي الْوَلَد لِأَنَّهَا تحبس وَفِي الْحَبْس ضَرَر بِالصَّبِيِّ
وَإِذا ثَبت أَن حق الْحَضَانَة للْأُم فَإِذا أَرَادَت أَن تخرج بِالْوَلَدِ إِلَى بلد آخر هَل للْأَب حق الْمَنْع فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون الْأُم زَوجته أَو مُطلقَة بَائِنَة
فَإِن كَانَت زَوجته فَللزَّوْج حق الْمَنْع من الْخُرُوج بِنَفسِهَا وَبِوَلَدِهَا
فَأَما إِذا كَانَت مبتوتة فإمَّا أَن تخرج بِوَلَدِهَا إِلَى بَلَدهَا أَو إِلَى بلد آخر وَقد وَقع النِّكَاح فِي ذَلِك الْبَلَد أم لَا وَيكون بَعيدا أَو قَرِيبا يقدر الْأَب على مُشَاهدَة الْوَلَد وَالْعود إِلَى بَيته قبل اللَّيْل
أما إِذا أَرَادَت الْخُرُوج إِلَى بَلَدهَا وَكَانَ الْبَلَد بَعيدا فَإِن وَقع النِّكَاح فِيهِ لَيْسَ للْأَب حق الْمَنْع لِأَنَّهُ لما عقد النِّكَاح ثمَّ فَالظَّاهِر أَنه الْتزم الْمقَام فِيهِ
لِأَن الظَّاهِر أَن الزَّوْج يُقيم فِي الْبَلَد الَّذِي تزوج فِيهِ إِلَّا أَنه
[ ٢ / ٢٣١ ]
يلْزمهَا اتِّبَاع الزَّوْج إِذا أعْطى جَمِيع الْمهْر حَيْثُ شَاءَ أَو رضيت بذلك فَإِذا زَالَت الزَّوْجِيَّة لم تجب الْمُتَابَعَة فَيَعُود الْأَمر الأول
فَإِن لم يَقع عقد النِّكَاح فِي بَلَدهَا فَلَيْسَ لَهَا أَن تنقل وَلَدهَا إِلَى ذَلِك الْبَلَد لِأَن فِيهِ التَّفْرِيق بَين الْأَب وَبَين وَلَده الصَّغِير وَفِيه ضَرَر بِالْأَبِ وَلم يلْتَزم الضَّرَر حَيْثُ لم يتَزَوَّج ثمَّ
وَإِذا أَرَادَت أَن تنقل الْوَلَد إِلَى الْبَلَد الَّذِي وَقع فِيهِ النِّكَاح وَلَيْسَ ذَلِك بَلَدهَا فَلَيْسَ لَهَا ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ بوطن لَهَا فَهِيَ دَار غربَة لَهَا كَمَا أَن الْبَلَد الَّذِي فِيهِ الزَّوْج دَار غربَة فتساويا وَلَيْسَ لَهَا أَن تلْحق الضَّرَر بِالْأَبِ
وَأما إِذا كَانَ الْبَلَد قَرِيبا بِحَيْثُ يقدر الْأَب أَن يَجِيء إِلَى الْوَلَد وَيَرَاهُ وَيعود إِلَى منزله قبل اللَّيْل فلهَا ذَلِك وَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة أَطْرَاف الْمصر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كثير ضَرَر
وَأما أهل الْقرى إِن أَرَادَت المبتوتة أَن تنْتَقل بِالصَّبِيِّ إِلَى قريتها من قَرْيَة الْأَب إِن وَقع النِّكَاح فِيهَا فلهَا ذَلِك
وَإِن وَقع النِّكَاح فِي غَيرهَا فَلَيْسَ لَهَا أَن تنقل الصَّبِي إِلَى قريتها وَلَا إِلَى الْقرْيَة الَّتِي وَقع النِّكَاح فِيهَا إِذا كَانَت بعيدَة كَمَا فِي البلدين
وَإِن كَانَت قريبَة بِحَيْثُ يُمكن الْأَب رُؤْيَة الصَّبِي وَالْعود إِلَى منزله قبل اللَّيْل فلهَا ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرَر مُعْتَبر
وَإِن كَانَ الْأَب متوطنا فِي الْمصر فَأَرَادَتْ نقل وَلَدهَا إِلَى قريتها وَالنِّكَاح وَقع فِيهِ فلهَا ذَلِك لِأَن الْأَب الْتزم الْمقَام فِي مَكَان النِّكَاح إِذا كَانَ وَطن الزَّوْجَة
وَإِذا أَرَادَت النَّقْل إِلَى قَرْيَة قريبَة من الْمصر بِحَيْثُ يُمكن النّظر إِلَى وَلَده وَالْعود قبل اللَّيْل فَإِن وَقع النِّكَاح فِيهَا فلهَا ذَلِك لِأَنَّهُ رَضِي
[ ٢ / ٢٣٢ ]
بغربة الْوَلَد وَإِن لم يَقع النِّكَاح فِيهِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِك لِأَن أَخْلَاق أهل الْقرى لَا تَسَاوِي أَخْلَاق أهل الْمصر فَيلْحق الصَّبِي بذلك ضَرَر وَفِيه ضَرَر بالوالد فَلم يجز إِذا لم يلتزمه الْأَب
وَقد ذكر مُحَمَّد هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الْجَامِع الصَّغِير مُبْهمَة فَقَالَ إِنَّمَا أنظر فِي هَذَا إِلَى الْموضع الَّذِي وَقع فِيهِ عقد النِّكَاح وَالصَّحِيح مَا ذكرنَا من التَّفْصِيل
ثمَّ الْأُم وَإِن كَانَت أَحَق بالحضانة فَإِنَّهُ لَا يجب عَلَيْهَا إِرْضَاع الصَّبِي لِأَن ذَلِك بِمَنْزِلَة النَّفَقَة وَنَفَقَة الْوَلَد يخْتَص بهَا الْوَالِد إِلَّا أَن لَا يُوجد من يرضعه فتجبر على إرضاعه
وَقَالَ مَالك إِن كَانَت شريفة لم تجبر وَإِن كَانَت دنية تجبر
فَإِن كَانَت لَا ترْضع إِلَّا بِأَجْر فَإِن كَانَ فِي حَال قيام النِّكَاح فَلَيْسَ لَهَا ذَلِك لِأَن الْأجر لحفظ الصَّبِي وغسله وَذَلِكَ من بَاب نظافة الْبَيْت وَهِي مَنْفَعَة تحصل لَهَا بذلك فَلَا تسْتَحقّ الْأجر
وَلَو اسْتَأْجر الْأَب ظِئْرًا وأرادت الْأُم أَن ترْضع فَهِيَ أولى لِأَنَّهَا أشْفق عَلَيْهِ
وَإِن كَانَت الْمَرْأَة مبانة وَهِي فِي الْعدة فَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يجوز لَهَا أَن تَأْخُذ الْأجر لِأَنَّهَا تسْتَحقّ النَّفَقَة كَالزَّوْجَةِ
وَفِي رِوَايَة يجوز لِأَنَّهَا صَارَت أَجْنَبِيَّة
فَأَما إِذا انْقَضتْ الْعدة فَيجوز أَن تَأْخُذ الْأجر لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْأَجْنَبِيَّة وَهِي أولى من الْأَجْنَبِيَّة
وَتجب الْأُجْرَة على الزَّوْج ت بِمثل مَا تَأْخُذ الْأَجْنَبِيَّة
وَإِن قَالَ الْأَب أَنا أجد من ترْضِعه بِغَيْر أجر أَو بِأَقَلّ من ذَلِك
[ ٢ / ٢٣٣ ]
الْأجر فَلَيْسَ لَهَا أَن تمنع الزَّوْج من ذَلِك لِأَن فِي ذَلِك ضَرَرا بِالْأَبِ وَلَكِن ترْضع الظِّئْر فِي بَيت الْأُم مَا لم تتَزَوَّج لِأَن حق الْحَضَانَة لَهَا
[ ٢ / ٢٣٤ ]