رجل قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق إِن خرجت من هَذِه الدَّار إِلَّا بإذني أَو برضاي أَو بعلمي أَو بأَمْري أَو بِغَيْر إذني أَو بِغَيْر رضاي فَهَذَا كُله سَوَاء إِذا خرجت بِغَيْر إِذْنه أَو بِغَيْر رِضَاهُ أَو علمه أَو أمره حنث
وَهنا ثَلَاث فُصُول أَحدهَا هَذَا
وَالثَّانِي أَن يَقُول إِلَّا أَن آذن لَك أَو حَتَّى أرْضى
وَالثَّالِث أَن يَقُول إِلَّا أَن آذن لَك أَو إِلَّا أَن أرْضى
أما فِي الأول فَيشْتَرط الْإِذْن فِي كل مرّة لِأَنَّهُ حرم عَلَيْهَا الْخُرُوج عَاما وَاسْتثنى خُرُوجًا مَوْصُوفا بِصفة وَهُوَ أَن يكون مَأْذُونا فِيهِ من جِهَته
فَإِذا وجد خُرُوج بِإِذن فَهُوَ خُرُوج مُسْتَثْنى عَن يَمِينه فَلَا يكون دَاخِلا تَحت الْيَمين فَلَا يَحْنَث
وَإِذا خرجت بعد ذَلِك بِغَيْر إِذن يَحْنَث لِأَن هَذَا لَيْسَ بِخُرُوج مُسْتَثْنى وَالْيَمِين بَاقِيَة فَيحنث نَظِيره إِذا قَالَ لامْرَأَته إِن خرجت إِلَّا بملحفة أَو إِلَّا راكبة فَأَنت طَالِق فَإِن وجد الْخُرُوج الْمُسْتَثْنى لَا يَحْنَث وَإِن وجد لَا على ذَلِك الْوَصْف يَحْنَث لِأَن الْمُسْتَثْنى غير دَاخل فِي الْيَمين وَغير الْمُسْتَثْنى دَاخل فَيحنث لوُجُود الشَّرْط
[ ٢ / ٣٠٥ ]
وَأما الثَّانِي بِكَلِمَة وَحَتَّى فيكتفي فِيهِ بِالْإِذْنِ مرّة وَتسقط الْيَمين
وَإِذا خرجت بِغَيْر إِذن يَحْنَث لِأَنَّهُ جعل الْإِذْن غَايَة ليمينه لِأَن كلمة حَتَّى كلمة غَايَة فَلَا تبقى الْيَمين بعد وجود الْغَايَة فَوجدَ الْخُرُوج الَّذِي هُوَ شَرط الْحِنْث وَلَا يَمِين فَلَا يَحْنَث
وَقبل الْإِذْن الْيَمين بَاقِيَة فَيحنث بِالْخرُوجِ
وَأما الثَّالِث إِلَّا أَن آذن لَك فَعِنْدَ عَامَّة الْعلمَاء هَذَا بِمَنْزِلَة قَوْله حَتَّى
وَقَالَ الْفراء من أهل النَّحْو هَذَا وَقَوله إِلَّا بإذني سَوَاء
وتجيء هَذِه الْفُصُول بِالْفَارِسِيَّةِ ترا طَلَاق اكربيرون آي ازين سرائي مكربد ستوري من
يَا كويد بيرون آي ازين سرائي بِي دستوري من
أَو يَقُول ترا طَلَاق اكربيرون آي ازين سرائي تا من دستوري دهم ترا
أَو يَقُول تراسه طَلَاق أكر ازين سرائي بيرون آئي مكر من دستوري دهم ترا
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وَلَو أَرَادَ بقوله إِلَّا بإذني حَتَّى آذن لَك يَصح نِيَّته حَتَّى لَو أذن لَهَا مرّة سَقَطت يَمِينه لِأَن بَين الْغَايَة وَالِاسْتِثْنَاء مشابهة وَلَكِن قيل يدين فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى دون الْقَضَاء لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر
وَلَو أَرَادَ بقوله حَتَّى آذن لَك إِلَّا بإذني صحت نِيَّته وَيصدق فِي الْقَضَاء لِأَنَّهُ نوى مَا يحْتَملهُ كَلَامه وَفِيه تَشْدِيد على نَفسه
وَلَو أذن لَهَا مرّة فِي قَوْله إِلَّا بإذني ثمَّ نهاها عَن الْخُرُوج قبل أَن تخرج من الدَّار بِإِذْنِهِ يَصح نَهْيه حَتَّى لَو خرجت بعد ذَلِك بِغَيْر إِذْنه يَحْنَث فِي يَمِينه لِأَنَّهُ صَحَّ رُجُوعه عَن الْإِذْن وَالْيَمِين بَاقِيَة فَجعل كَأَنَّهُ لم يَأْذَن
وَفِي مَسْأَلَة حَتَّى إِذا أذن ثمَّ نهاها قبل الْخُرُوج فَخرجت بِغَيْر إِذْنه ثَانِيًا لَا يَحْنَث لِأَن الْيَمين سَقَطت بِالْإِذْنِ فَلَا يعْتَبر النَّهْي بعد ذَلِك
ثمَّ الْحِيلَة فِي قَوْله إِن خرجت من هَذِه الدَّار إِلَّا بإذني حَتَّى لَا يَقع الطَّلَاق مَتى لم يَأْذَن لَهَا عِنْد كل خُرُوج أَن يَقُول لَهَا كلما شِئْت الْخُرُوج فقد أَذِنت لَك حَتَّى يثبت الْإِذْن فِي كل خرجَة وجدت لِأَن كلمة كلما توجب التَّعْمِيم والتكرار
وروى الْمُعَلَّى عَن مُحَمَّد ﵀ أَنه قَالَ فِي قَوْله إِلَّا بإذني إِذا قَالَ الزَّوْج قد أَذِنت لَك عشرَة أَيَّام فَخرجت مرَارًا فِي الْعشْرَة فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ قد أَذِنت لَك أبدا أَو الدَّهْر كُله فَهَذَا إِذن مِنْهُ فِي كل مرّة
وَلَو أَنه إِذا أذن لَهَا إِذْنا عَاما ثمَّ نهاها عَن الْخُرُوج بعد ذَلِك نهيا عَاما عَن الخرجات كلهَا هَل يعْمل نَهْيه رُوِيَ عَن مُحَمَّد أَنه يعْمل
[ ٢ / ٣٠٧ ]
لِأَن النَّهْي فِي الْإِذْن الْخَاص يعْمل فَكَذَلِك فِي الْإِذْن الْعَام
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ لَا يعْمل نَهْيه لِأَنَّهُ بِالْإِذْنِ الْعَام صَارَت الخرجات كلهَا مَأْذُونا فِيهَا وَالشّرط هُوَ الْخُرُوج الْحَرَام فَصَارَ الشَّرْط بِحَال لَا يتَصَوَّر وجوده فَلَا تبقى الْيَمين فَلَا يَصح النَّهْي بعد ذَلِك بِخِلَاف الْإِذْن الْخَاص
وَلَو قَالَ إِن خرجت إِلَّا بِإِذن فلَان فَمَاتَ فلَان قبل الْإِذْن تبطل الْيَمين عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله
وَقَالَ أَبُو يُوسُف ﵀ الْيَمين بَاقِيَة حَتَّى لَو خرجت بعد ذَلِك يَحْنَث كَمَا ذكرنَا فِي مَسْأَلَة الْكوز
وَلَو أذن لَهَا بِالْخرُوجِ من حَيْثُ لَا يسمع فِي الْمَسْأَلَة الأولى فَخرجت بعد الْإِذْن فَإِنَّهُ يَحْنَث عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله وَعند أبي يُوسُف ﵀ لَا يَحْنَث
ف أَبُو يُوسُف يَقُول إِن هَذَا إِذن من وَجه دون وَجه فَإِنَّهُ لَا يحصل مَا هُوَ الْمَقْصُود بِالْإِذْنِ وَهُوَ الْعلم المسموع وَشرط الْحِنْث هُوَ الْخُرُوج من غير إِذن مُطلقًا فَلَا يَحْنَث بِالشَّكِّ
وهما يَقُولَانِ إِنَّه حرم عَلَيْهَا الْخُرُوج عَاما وَاسْتثنى خُرُوجًا مَأْذُونا فِيهِ مُطلقًا وَهَذَا مَأْذُون من وَجه فَلم يكن هَذَا خُرُوجًا مُسْتَثْنى فَبَقيَ دَاخِلا تَحت الْحُرْمَة
وَلَو حلف رجل على زَوجته أَو على عَبده أَو سُلْطَان حلف رجلا أَن لَا يخرج من الدَّار أَو الكورة إِلَّا بِإِذْنِهِ فَبَانَت الْمَرْأَة أَو زَالَ العَبْد عَن ملكه أَو عزل السُّلْطَان عَن عمله ثمَّ خَرجُوا بِغَيْر الْإِذْن لم يَحْنَث وَسَقَطت الْيَمين وتتوقت الْيَمين بِبَقَاء الْولَايَة بِدلَالَة الْحَال فَإِذا زَالَت الْولَايَة انْتَهَت الْيَمين
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وعَلى هَذَا الْغَرِيم إِذا حلف الْمَطْلُوب أَن لَا يخرج من بَلَده إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِن خرج وَعَلِيهِ دين يَحْنَث
وَإِن خرج بعد الْقَضَاء وَالْإِبْرَاء لَا يَحْنَث وتقيدت الْيَمين بِبَقَاء الدّين وَهَذَا من جملَة يَمِين الْفَوْر على مَا مر
وَلَو قَالَ لامْرَأَته إِن خرجت من الْبَيْت فَأَنت طَالِق فَخرجت من الْبَيْت إِلَى صحن الدَّار يَحْنَث لِأَن الْبَيْت غير الدَّار لِأَن الْبَيْت اسْم لمسقف وَاحِد وَالدَّار اسْم لمحدود يجمع الْبيُوت والمنازل
وعَلى هَذَا إِذا قَالَ إِن دخل فلَان بَيْتك فَدخل صحن دارها دون بَيتهَا لم يَحْنَث وَلَكِن هَذَا فِي عرفهم فَأَما فِي عرفنَا فَإِن اسْم الْبَيْت بِالْفَارِسِيَّةِ مُطلقًا يُطلق على الدَّار والمنزل فَيحنث
وَإِن قَالَ إِن خرجت من هَذِه الدَّار فَخرجت من هَذِه الدَّار من أَي بَاب كَانَ وَمن أَي مَوضِع كَانَ من فَوق حَائِط أَو سطح أَو نقب حنث لِأَن المُرَاد الْخُرُوج من الدَّار وَقد وجد وَهُوَ الِانْفِصَال من الْبَاطِن إِلَى الظَّاهِر
وَلَو قَالَ إِن خرجت من بَاب هَذِه الدَّار فَأَنت طَالِق فَخرجت من أَي بَاب كَانَ حنث فِي يَمِينه سَوَاء كَانَ من الْبَاب الْقَدِيم أَو الَّذِي يحدث بعد الْيَمين لِأَنَّهُ ذكر الْبَاب مُطلقًا
وَلَو خرجت من السَّطْح أَو من فَوق حَائِط أَو نقب لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَاب
وَلَو عين الْبَاب فَقَالَ إِن خرجت من هَذَا الْبَاب لَا يَحْنَث مَا لم تخرج من ذَلِك الْبَاب الْمعِين وَإِن خرجت من بَاب آخر لَا يَحْنَث لِأَن فِي التَّعْيِين فَائِدَة فِي الْجُمْلَة لِأَنَّهُ رُبمَا يكون لذَلِك الْبَاب الْمعِين منفذ إِلَى الطَّرِيق الْأَعْظَم دون الثَّانِي
وَلَو قَالَ إِن خرجت من هَذِه الدَّار إِلَّا فِي أَمر كَذَا فَخرجت فِي
[ ٢ / ٣٠٩ ]
ذَلِك الْأَمر مرّة ثمَّ خرجت لأمر آخر يَحْنَث لِأَنَّهُ حرم عَلَيْهَا جَمِيع الخرجات إِلَّا خُرُوجًا مَوْصُوفا بِصفة فَإِذا وجد مِنْهَا الْخُرُوج الْمُسْتَثْنى لَا يَحْنَث وَإِن وجد خُرُوج آخر يَحْنَث وَإِن عَنى بِهِ الْخُرُوج مرّة يَصح وَيصير إِلَّا عبارَة عَن حَتَّى مجَازًا كَأَنَّهُ قَالَ إِن خرجت من هَذِه الدَّار حَتَّى تخرج فِي أَمر كَذَا فَإِذا خرجت فِي ذَلِك الْأَمر يسْقط الْيَمين لوُجُود الْغَايَة لَكِن لَا يدين فِي الْقَضَاء لِأَنَّهُ خلاف الْحَقِيقَة
وَلَو قَالَ إِن خرجت من الدَّار مَعَ فلَان فَأَنت طَالِق فَخرجت وَحدهَا أَو مَعَ غير فلَان ثمَّ خرج فلَان ولحقها لم يَحْنَث لِأَن حرف مَعَ للصحبة وَالْقرَان وَلم يُوجد عِنْد الْخُرُوج والدوام على الْخُرُوج لَيْسَ بِخُرُوج وَإِن وجد بَقَاء الْخُرُوج مَعَ فلَان
وَلَو قَالَ إِن خرجت من هَذِه الدَّار فَأَنت طَالِق فَدخلت فِي صحن الدَّار أَو فِي بَيت علو أَو كنيف شَارِع إِلَى الطَّرِيق الْأَعْظَم فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث لِأَن هَذَا لَا يُسمى خُرُوجًا من الدَّار
وَلَو قَالَ لَهَا وَهِي خَارِجَة من الدَّار إِن خرجت من الدَّار لَا يَحْنَث
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَت فِي الدَّار فَقَالَ إِن دخلت هَذِه الدَّار لَا يَحْنَث وَيَقَع على خُرُوج وَدخُول مُسْتَأْنف
وبمثله لَو قَالَ إِن قُمْت أَو قعدت أَو لبست أَو ركبت وَهِي قَاعِدَة أَو قَائِمَة أَو راكبة أَو لابسة فدامت على ذَلِك سَاعَة يَحْنَث
وَهَذَا كُله مَذْهَبنَا وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الدُّخُول وَالْخُرُوج إِنَّه يَقع على الدَّوَام
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الْخُرُوج هُوَ الِانْتِقَال من الْبَاطِن إِلَى الظَّاهِر وَالدُّخُول على عَكسه وَهَذَا مِمَّا لَا دوَام لَهُ وَأما الرّكُوب ونظائره فَفعل
[ ٢ / ٣١٠ ]
لَهُ دوَام فَيكون لَهُ حكم الِابْتِدَاء
وَكَذَا إِذا قَالَ لَهَا وَهِي فِي الْأكل وَالضَّرْب إِذا أكلت أَو ضربت فَأَنت طَالِق فدامت على ذَلِك يَقع لِأَن كل جُزْء من هَذَا الْفِعْل يُسمى أكلا وَضَربا
وَلَو قَالَ لامْرَأَته وَهِي حَائِض أَو مَرِيضَة إِن حِضْت أَو مَرضت فَأَنت طَالِق فَإِنَّهُ يَقع على الْحَادِث فِي الْعرف
وَلَو نوى مَا يحدث من الْحيض فِي هَذِه الْمدَّة أَو يزْدَاد من الْمَرَض يَصح لِأَن الْحيض ذُو أَجزَاء يحدث حَالا فحالا فَتَصِح نِيَّته
وَلَو قَالَ إِن حِضْت غَدا وَهُوَ لَا يعلم أَنَّهَا حَائِض فَإِنَّهُ يَقع على الْحيض الْحَادِث
وَإِن كَانَ يعلم فَإِنَّهُ يَقع على هَذِه الْحَيْضَة إِذا دَامَ الْحيض مِنْهَا إِلَى أَن يطلع الْفجْر وَاسْتمرّ ثَلَاثَة أَيَّام لِأَنَّهُ لما علم أَنَّهَا حَائِض وَقد حلف فقد أَرَادَ اسْتِمْرَار الْحيض وَمَا لم يكن ثَلَاثَة أَيَّام لَا يكون حيضا
وَلَو حلف أَن لَا يدْخل دَارا أَو بَيْتا أَو مَسْجِدا أَو حَماما فالدخول هُوَ الِانْفِصَال من خَارج ذَلِك الشَّيْء إِلَى دَاخله فعلى أَي وَجه دخل من الْبَاب أَو غَيره حنث لوُجُود الدُّخُول فَإِن نزل إِلَى سطحها حنث لِأَنَّهُ مِنْهَا
وَكَذَا إِذا قَامَ على حائطها لِأَن الدَّار اسْم لما تَدور عَلَيْهِ الدائرة وَفِي عرفنَا لَا يَحْنَث
وَلَو قَامَ على ظلة لَهَا شارعة أَو كنيف شَارِع إِن كَانَ مفتحه فِي الدَّار حنث
لِأَنَّهُ ينْسب إِلَيْهَا
وَإِن قَامَ على أُسْكُفَّة الْبَاب إِن كَانَ الْبَاب إِذا غلق كَانَت الأسكفة خَارِجَة مِنْهُ لم يَحْنَث وَإِن بقيت من
[ ٢ / ٣١١ ]
دَاخل الدَّار حنث
وَلَو دخل دهليز الدَّار حنث لِأَنَّهُ من دَاخل الدَّار
وَلَو دخل ظلة بَاب الدَّار لَا يَحْنَث لِأَنَّهَا اسْم للْخَارِج
وَإِن أَدخل الْحَالِف إِحْدَى رجلَيْهِ فِي الدَّار لَا غير لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ لم يُوجد الدُّخُول مُطلقًا
وَكَذَا إِذا أَدخل رَأسه دون قَدَمَيْهِ
وَلَو حلف لَا يدْخل دَارا فَدخل دَارا بعد انهدامها وَلَا بِنَاء لَهَا لَا يَحْنَث
وَلَو قَالَ وَالله لَا أَدخل هَذِه الدَّار ثمَّ دَخلهَا بعد ذهَاب الْبناء يَحْنَث لِأَن الْبناء وصف مَرْغُوب مُعْتَاد للدَّار فَمَتَى ذكر مُنْكرا يَقع على الدَّار الْمُتَعَارف وَفِي الْمعِين لَا يعْتَبر الصّفة وَيعْتَبر الْمعِين وَاسم الدَّار يَقع عَلَيْهِ بعد الانهدام
وَلَو قَالَ لَا أَدخل هَذَا الْمَسْجِد فَدخل بعد ذهَاب الْبناء يَحْنَث لِأَنَّهُ مَسْجِد وَإِن لم يكن مَبْنِيا وَقَالُوا إِذا صعد سطح الْمَسْجِد يَحْنَث لِأَنَّهُ مَسْجِد
وَلَو حلف لَا يدْخل بَيْتا أَو هَذَا الْبَيْت فدخله بعد ذهَاب بنائِهِ لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ اسْم للمبنى المسقف
وَإِن حلف أَن لَا يدْخل بَيْتا فَدخل مَسْجِدا أَو الْكَعْبَة أَو بيعَة أَو كَنِيسَة أَو بَيت نَار أَو حَماما أَو دهليزا أَو ظلة بَاب دَار لَا يَحْنَث لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء لَا تسمى بَيْتا فِي الْعرف
وَإِن دخل صفة يَحْنَث وَهَذَا فِي عرف أهل الْكُوفَة لِأَن الصّفة عِنْدهم بَيت لَهُ أَربع حَوَائِط أما الَّتِي هِيَ صفة فِي عرفن فَلَا يَحْنَث
وَلَو حلف لَا يدْخل من بَاب هَذِه الدَّار لَا يَحْنَث مَا لم يدْخل من الْبَاب الْقَدِيم
وَلَو حلف لَا يدْخل من بَاب الدَّار فَمن أَي بَاب دخل حنث
[ ٢ / ٣١٢ ]
إِلَّا إِذا أَرَادَ بِهِ الْبَاب الْمَعْرُوف فيدين فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى دون الْقَضَاء
وَلَو حلف لَا يدْخل دَار فلَان فَدخل دَارا بَين رجل وَبَين فلَان فَإِن كَانَ فلَان سَاكِنا فِيهَا حنث لِأَنَّهُ لَو كَانَ سَاكِنا فِيهَا بِالْإِجَارَة يَحْنَث وَهَهُنَا أولى
وَإِن لم يكن سَاكِنا لَا يَحْنَث لِأَن الدَّار مُضَافَة إِلَيْهِمَا لِأَن بعض الدَّار لَا يُسمى دَارا
وَلَو حلف لَا يزرع أَرض فلَان فزرع أَرضًا بَين فلَان وَبَين آخر حنث لِأَن كل جُزْء من الأَرْض يُسمى أَرضًا
وَلَو حلف لَا يدْخل بَيت فلَان وَلَا نِيَّة لَهُ فَدخل صحن دَاره وَفُلَان سَاكن فِيهَا لَا يَحْنَث حَتَّى يدْخل الْبَيْت
وَإِن نوى بقوله لَا يدْخل بَيت فلَان مَسْكَنه يَحْنَث وَهَذَا على عرفهم
وَلَو حلف لَا يدْخل هَذِه الدَّار إِلَّا مجتازا أَو عَابِر سَبِيل فَإِن دخل وَهُوَ لَا يُرِيد الْجُلُوس لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ اسْتثْنى الدُّخُول بِصفة الاجتياز
وَإِن دخل يعود مَرِيضا وَمن رَأْيه الْجُلُوس عِنْده يَحْنَث لِأَن هَذَا غير مُسْتَثْنى وَإِن دخل لَا يُرِيد الْجُلُوس ثمَّ بدا لَهُ بَعْدَمَا دخل فَجَلَسَ لم يَحْنَث لِأَنَّهُ لم يَحْنَث بِدُخُولِهِ والبقاء على الدُّخُول لَيْسَ بِدُخُول
وَإِن نوى بقوله لَا يدخلهَا إِلَّا مجتازا النُّزُول فِيهَا والدوام لَا يَحْنَث بِالْجُلُوسِ لِأَنَّهُ يُقَال دخلت عَابِر سَبِيل بِمَعْنى أَنه لم يدم على الدُّخُول وَلم يسْتَقرّ
وَلَو حلف لَا يسكن هَذِه الدَّار وَهُوَ خَارج مِنْهَا فالسكنى أَن يسكنهَا بِنَفسِهِ وينقل إِلَيْهَا من مَتَاعه مَا يتأثث بِهِ ويستعمله فِي منزله فَإِن كَانَ لَهُ أهل يَنْقُلهُ أَيْضا فَإِذا فعل ذَلِك فَهُوَ سَاكن وَهُوَ حانث فِي يَمِينه لِأَن السُّكْنَى هُوَ الْكَوْن فِي الْمَكَان على طَرِيق الِاسْتِقْرَار والمداومة وَذَلِكَ يكون بِمَا سكن بِهِ عَادَة أَلا ترى أَن من جلس فِي الْمَسْجِد وَبَات فِيهِ لم
[ ٢ / ٣١٣ ]
يكن سَاكِنا لِلْمَسْجِدِ وَلَو أَقَامَ بِمَا يتأثث بِهِ يُوصف بِكَوْنِهِ سَاكن الْمَسْجِد فَكَانَ مُعْتَبرا فِي الْيَمين
وَلَو كَانَ الرجل سَاكِنا فِي دَار وَحلف لَا يسكنهَا فَإِنَّهُ لَا يبر فِي يَمِينه مَا لم ينْتَقل بِنَفسِهِ وَأَهله وَولده ومتاعه وَمن يَأْوِيهَا لخدمته وللقيام بأَمْره فِي منزله لِأَن السُّكْنَى فِي الدَّار بِهَذِهِ الْأَشْيَاء فَكَانَ ترك السُّكْنَى فِيهَا بضدها فَإِذا لم يَأْخُذ فِي النقلَة من سَاعَته مَعَ الْإِمْكَان يَحْنَث فِي يَمِينه وَلَو أَخذ فِي النقلَة من سَاعَته لَا يَحْنَث وَإِن كَانَ فِيهِ من السُّكْنَى قَلِيل لِأَنَّهُ لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ فَكَانَ مُسْتَثْنى دلَالَة وَهَذَا عندنَا خلافًا ل زفر
وَلَو انْتقل بِنَفسِهِ وَلم ينْتَقل بمتاعه وَأَهله قَالَ أَصْحَابنَا يَحْنَث
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يَحْنَث
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما قُلْنَا إِن السُّكْنَى فِي الْمَكَان بِمَا يسكن بِهِ عَادَة وبأهله إِن كَانَ لَهُ أهل فَكَانَ ترك السُّكْنَى بترك الْكل بِخِلَاف مَا إِذا حلف لَا يسكن فِي بلد كَذَا فَخرج مِنْهُ وَترك أَهله فِيهِ لم يَحْنَث لِأَن فِي الْعَادة لَا يُقَال لمن بِالْبَصْرَةِ وَأَهله بِالْكُوفَةِ إِنَّه سَاكن بِالْكُوفَةِ فَأَما إِذا انْتقل بِنَفسِهِ وَأَهله ومتاعه وَترك من أثاثه شَيْئا قَلِيلا فَإِن أَبَا حنيفَة ﵁ قَالَ يَحْنَث وَقَالَ أَبُو يُوسُف إِذا كَانَ الْمَتَاع الْمَتْرُوك لَا يشغل بَيْتا أَو بعض الدَّار على مَا يتعارف النَّاس لَا يَحْنَث
وَكَانَ أَصْحَابنَا ﵏ يَقُولُونَ معنى قَول أبي حنيفَة إِذا ترك شَيْئا يَسِيرا عَنى بِهِ مَا يسكن بِهِ ويعتد بِهِ فِي التأثث فَأَما لَو خلف فِيهَا وتدا أَو مكنسة لم يَحْنَث
فَإِن منع من التَّحَوُّل وَمنعُوا مَتَاعه وأوتقوه وقهروه فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث وَإِن أَقَامَ على ذَلِك أَيَّامًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بساكن إِنَّمَا هُوَ مسكن عَن إِكْرَاه
وَقَالَ مُحَمَّد ﵀ إِذا خرج من سَاعَته وَخلف مَتَاعه كُله فِي
[ ٢ / ٣١٤ ]
الْمسكن وَمكث فِي طلب الْمنزل أَيَّامًا ثَلَاثَة
فَلم يجد مَا يسْتَأْجر وَكَانَ يُمكنهُ أَن يخرج من الْمنزل وَيَضَع مَتَاعه خَارِجا من الدَّار لَا يَحْنَث لِأَن هَذَا من عمل النقلَة عَادَة لِأَن الْمُعْتَاد أَن ينْتَقل من منزل إِلَى قَصده منزل لَا أَن يلقى مَتَاعه على الطَّرِيق
وَقَالَ مُحَمَّد لَو كَانَ السَّاكِن مُوسِرًا وَله مَتَاع كثير وَهُوَ يقدر على أَن يسْتَأْجر من ينْقل مَتَاعه فِي يَوْم فَلم يفعل وَجعل ينْقل بِنَفسِهِ الأول فَالْأول وَمكث فِي ذَلِك سنة وَهُوَ لَا يتْرك الِاشْتِغَال بِالنَّقْلِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ لَا يلْزمه الِانْتِقَال بأسرع الْوُجُوه
وَلَو قَالَ عنيت بِهِ أَن لَا أسكن بنفسي فَفِي الْمَسْأَلَة الأولى فِيمَا لم يكن سَاكِنا فِيهَا يصدق فِي الْقَضَاء لِأَنَّهُ شدد على نَفسه
وَفِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِيمَا إِذا كَانَ سَاكِنا فِيهَا يصدق فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى دون الْقَضَاء لِأَنَّهُ نوى خلاف الظَّاهِر وَالْعَادَة
وَلَو حلف لَا يدْخل عَليّ فلَان وَلم يسم شَيْئا فَإِنَّهُ يَحْنَث إِذا كَانَ يَقْصِدهُ بِالدُّخُولِ
وَإِن لم يَقْصِدهُ بِالدُّخُولِ لَا يَحْنَث وَلِهَذَا قُلْنَا إِذا دخل عَلَيْهِ فِي بَيت رجل آخر وَلم يَقْصِدهُ بِالدُّخُولِ لَا يَحْنَث لِأَن بِهَذَا الاستخفاف بِهِ وَترك إكرامه وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا مَعَ الْقَصْد
وَذكر ابْن سَمَّاعَة فِي نوادره ضد هَذَا فَقَالَ فِي رجل قَالَ وَالله لَا أَدخل على فلَان بَيْتا فَدخل بَيْتا وعَلى قوم وَفِيهِمْ فلَان وَلَا يعلم بِهِ الْحَالِف فَإِنَّهُ حانث بِدُخُولِهِ لِأَن الشَّرْط وجد وَالْعلم بِشَرْط الْحِنْث لَيْسَ بِشَرْط فِي الْحِنْث كمن حلف لَا يكلم زيدا فَكَلمهُ وَهُوَ لَا يعرفهُ إِلَّا أَن ظَاهر الْمَذْهَب مَا ذكرنَا
وَلَو دخل عَلَيْهِ فِي مَسْجِد أَو ظلة أَو سَقِيفَة أَو دهليز دَار لم يَحْنَث لِأَن الدُّخُول الْمُعْتَاد على الْإِنْسَان للزيارة فِي الْبيُوت خَاصَّة
وَفِي عرف
[ ٢ / ٣١٥ ]
بخاري يَحْنَث فِي الْمَسْجِد لأَنهم يَجْلِسُونَ فِيهِ للزيارة
وَلَو دخل عَلَيْهِ فِي خيمة أَو فسطاط أَو بَيت شعر لم يَحْنَث إِلَّا أَن يكون الْمَحْلُوف عَلَيْهِ من أهل الْبَادِيَة لِأَن الدُّخُول على غير البدوي فِي الْبيُوت وَفِي حق البدوي مَا هُوَ بُيُوتهم من الشّعْر
وَلَو دخل فِي دَاره وَالرجل فِي الْبَيْت لم يَحْنَث لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدُخُول عَلَيْهِ
وَلَو كَانَ فِي صحن الدَّار حنث لِأَنَّهُ دُخُول عَلَيْهِ عَادَة
وَلَو دخل الْحَالِف دَارا لَيْسَ فِيهَا فلَان فَدخل فلَان تِلْكَ الدَّار لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ مَا دخل على فلَان بل فلَان دخل عَلَيْهِ فَلَا يَحْنَث
[ ٢ / ٣١٦ ]