فِي الْبَاب بَيَان حكم الدّفن وَبَيَان أَحْكَام الشُّهَدَاء
أما الأول فَنَقُول يَنْبَغِي أَن يوضع الْمَيِّت فِي الْقَبْر على شقَّه الْأَيْمن يسْتَقْبل الْقبْلَة وَيسْتَقْبل بِهِ الْقبْلَة عِنْد إِدْخَاله الْقَبْر أَيْضا
وَلَا بَأْس بِأَن يدْخل الْقَبْر وَاحِدًا أَو أَكثر وترا كَانَ أَو شفعا على قدر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ
وَيَقُول وَاضعه بِسم الله وعَلى مِلَّة رَسُول الله لَكِن ذَوُو الرَّحِم الْمحرم أولى لإدخال الْمَرْأَة الْقَبْر من غَيرهم لِأَنَّهُ يجوز لَهُم مَسهَا حَالَة الْحَيَاة وَيكرهُ للأجانب مَسهَا حَال الْحَيَاة فَكَذَلِك بعد الْمَمَات
وَالسّنة هِيَ اللَّحْد عندنَا دون الشق حلافا للشَّافِعِيّ
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ اللَّحْد لنا والشق لغيرنا
وَإِذا وضع فِي الْقَبْر فَإِن كَانَت الأكفان قد عقدت تحل العقد
[ ٢٥٥ ]
وَيجْعَل على اللَّحْد اللَّبن والقصب وَيكرهُ الْآجر والخشب لِأَن ذَلِك من بَاب الزِّينَة وَعمارَة الدُّنْيَا
وَالسّنة فِي الْقَبْر أَن يسنم وَلَا يربع وَلَا يطين وَلَا يجصص
وَكره أَبُو حنيفَة الْبناء على الْقَبْر وَأَن يعلم بعلامة
وَعَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ أكره أَن يكْتب عَلَيْهِ لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه نهى عَن تربيع الْقُبُور وَعَن تجصيصها وَعَن الْكِتَابَة عَلَيْهَا
وَأما رش المَاء على الْقَبْر فَلَا بَأْس بِهِ لِأَن ذَلِك مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ لتسوية التُّرَاب عَلَيْهِ
وَعَن أبي يُوسُف أَنه يكره الرش لِأَنَّهُ يجْرِي مجْرى التطيين
وَيكرهُ أَن يُزَاد التُّرَاب على تُرَاب الْقَبْر الْخَارِج مِنْهُ لِأَن ذَلِك يجْرِي مجْرى الْبناء
ويسجى قبر الْمَرْأَة دون الرجل لِأَن الْمَرْأَة عَورَة دونه
وَلَا يَنْبَغِي أَن يدْفن الرّجلَانِ وَالثَّلَاثَة فِي قبر وَاحِد لعمل الْأمة على دفن الْوَاحِد فِي قبر وَاحِد من لدن رَسُول الله ﷺ إِلَى يَوْمنَا هَذَا فَأَما عِنْد الْحَاجة فَلَا بَأْس بِهِ
وَيقدم فِي اللَّحْد أفضلهم وَيجْعَل مَا بَين الرجلَيْن حاجز من تُرَاب هَكَذَا أَمر النَّبِي ﵇ فِي قَتْلَى أحد وَقَالَ قدمُوا أَكْثَرهم قُرْآنًا
وَلَو وضعُوا فِي اللَّحْد مَيتا على غير الْقبْلَة أَو على يسَاره ثمَّ تَذكرُوا فَإِن أَبَا حنيفَة قَالَ إِن كَانَ بعد تشريج اللَّبن قبل أَن يهيلوا التُّرَاب عَلَيْهِ أزالوا ذَلِك وَيُوجه إِلَى الْقبْلَة على يَمِينه وَإِن أهالوا
[ ٢٥٦ ]
التُّرَاب لم ينبش الْقَبْر لِأَن التَّوْجِيه إِلَى الْقبْلَة سنة والنبش حرَام
وَكره أَبُو حنيفَة أَن يُوطأ على قبر أَو يجلس عَلَيْهِ أَو ينَام عَلَيْهِ أَو يقْضِي عَلَيْهِ حَاجَة من غَائِط أَو بَوْل على مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه نهى عَن الْجُلُوس على قبر وَلِأَن فِي هَذِه الْأَشْيَاء ترك تَعْظِيم الْمَيِّت
وَكَذَا يكره أَن يصلى عِنْد الْقَبْر على مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي مَسْجِدا كَمَا اتَّخذت بَنو إِسْرَائِيل قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ لَا يَنْبَغِي أَن يصلى على ميت بَين الْقُبُور وَإِن فعلت أجزت لِأَنَّهُ رُوِيَ عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا كَانَا يكرهان ذَلِك
وروى نَافِع أَنهم صلوا على عَائِشَة وَأم سَلمَة بَين مَقَابِر البقيع وَالْإِمَام أَبُو هُرَيْرَة وَكَانَ ابْن عمر هُنَاكَ
ثمَّ إِذا نبش الْمَيِّت وَأخذ كَفنه فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ طريا لم يتفسخ وَلم يتفتت أَو لم يكن طريا
فَإِن كَانَ طريا يجب إِعَادَة الْكَفَن لِأَن الأول يحْتَاج إِلَى السّتْر تَعْظِيمًا لَهُ وَالْحَاجة قَائِمَة لَكِن ينظر إِن كَانَ قبل الْقِسْمَة يكون ذَلِك من جَمِيع التَّرِكَة وَيقدم على الدّين وَالْوَصِيَّة وَإِن كَانَ بعد الْقِسْمَة فَيكون على الْوَرَثَة لِأَن التَّرِكَة قبل الْقِسْمَة على ملك الْمَيِّت وبالقسمة انْتقل الْملك إِلَى الْوَرَثَة وَإِذا نبش فَأخذ كَفنه فَهَذَا ميت احْتَاجَ إِلَى الْكَفَن وَلَا مَال لَهُ فَيكون على ورثته
وَأما إِذا لم يكن طريا فَإِن لم يكن متفسخا فَكَذَلِك الْجَواب وَإِن كَانَ متفسخا فَإِنَّهُ يلف فِي ثوب وَاحِد وَلَا يُكفن على وَجه السّنة لِأَن حرمته دون حُرْمَة الْآدَمِيّ الْكَامِل الْمركب فَلَا يُسَاوِيه فِي حق الستْرَة
[ ٢٥٧ ]
وَأما حكم الشُّهَدَاء فَنَقُول الشَّهِيد يُخَالف حكمه حكم سَائِر الْمَوْتَى فِي حق التَّكْفِين وَالْغسْل أما التَّكْفِين فَيَنْبَغِي أَن يُكفن فِي ثِيَابه الَّتِي قتل فِيهَا
وَإِن أَحبُّوا أَن يزِيدُوا عَلَيْهِ شَيْئا حَتَّى يبلغ مبلغ السّنة وَأَن ينقصوا عَنهُ شَيْئا فَلَا بَأْس بِهِ
وَينْزع عَنهُ السَّلَام والفرو والجلود وَمَا لَا يصلح للكفن
وَلَا يُكفن ابْتِدَاء فِي ثِيَاب أخر بِدُونِ ثِيَابه
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ زملوهم بكلومهم وَدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُم يبعثون يَوْم الْقِيَامَة وكلومهم تشخب دَمًا اللَّوْن لون الدَّم وَالرِّيح ريح الْمسك
وَأما حكم الْغسْل فَنَقُول الشَّهِيد نَوْعَانِ نوع يغسل وَنَوع لَا يغسل
أما الَّذِي لَا يغسل فَهُوَ الَّذِي فِي معنى شُهَدَاء أحد فَيلْحق بهم فِي حق سُقُوط الْغسْل بِالْحَدِيثِ الَّذِي روينَاهُ وَإِلَّا فَيبقى على الأَصْل الْمَعْهُود وَهُوَ أَن الْغسْل سنة للموتى
وَحَقِيقَة شُهَدَاء أحد أَنهم قتلوا ظلما وَلم يرتثوا وَلم يُؤْخَذ عَن دِمَائِهِمْ عوض دنياوي
فَمَتَى وجد فِي غَيرهم هَذِه الْمعَانِي سقط الْغسْل عَنْهُم أَيْضا فَنَقُول إِن من قتل فِي المعركة أَو غَيرهَا وَهُوَ يُقَاتل عدوا مَعَ الْكفَّار الْمُحَاربين أَو قطاع الطَّرِيق أَو الْبُغَاة أَو قتل بِسَبَب دفع الْقَتْل عَن نَفسه أَو عَن أَهله أَو عَن الْمُسلمين أَو أهل الذِّمَّة فَإِنَّهُ يكون شَهِيدا لِأَن هَؤُلَاءِ فِي معنى شُهَدَاء أحد لوُجُود الْقَتْل ظلما وَلَا يُوجد فِي قَتلهمْ عوض دنياوي
[ ٢٥٨ ]
وَإِذا كَانَ قتلا يجب فِيهِ الْقصاص يكون شَهِيدا لِأَن الْقصاص لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَة مَالِيَّة فَلَا ينْقض معنى الشَّهَادَة وَأما الْمَنْفَعَة الْمَالِيَّة فَتبْطل معنى الشَّهَادَة من وَجه
وَيَسْتَوِي فِيهِ الْقَتْل بِأَيّ آلَة كَانَ جارحة أَو غير جارحة لِأَن شُهَدَاء أحد قتل بَعضهم بِآلَة غير جارحة
ثمَّ إِنَّمَا لَا يغسل فِي هَذِه الْمَوَاضِع إِذا لم يكن الْمَقْتُول مرتثا أما إِذا كَانَ مرتثا فَإِنَّهُ يغسل
وَتَفْسِير الارتثاث مَا رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ الَّذِي كَانَ يحمل على أَيدي النَّاس من المعركة قبل أَن يَمُوت أَو يَأْكُل أَو يشرب فِي مَكَانَهُ أَو يُوصي بِدِينِهِ أَو ببنيه طَال الْكَلَام أَو قل حَتَّى روى ابْن سَمَّاعَة وَإِن تكلم بِكَلِمَة وَرُوِيَ فِي رِوَايَة أُخْرَى إِن تكلم زِيَادَة على كلمة وَاحِدَة أَو يُصَلِّي أَو يمْضِي عَلَيْهِ وَقت صَلَاة وَهُوَ يعقل وَيقدر على أَدَاء الصَّلَاة بِالْإِيمَاءِ حَتَّى يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء بِالتّرْكِ أَو يبْقى حَيا يَوْمًا وَلَيْلَة فِي المعركة وَإِن كَانَ لَا يقدر على أَدَاء الصَّلَاة بعد أَن كَانَ عَاقِلا فَهُوَ مرتث وَإِن كَانَ حَيا أقل من يَوْم وَلَيْلَة وَهُوَ عَاقل أَو كَانَ مغمى عَلَيْهِ لَا يعقل فَلَيْسَ بمرتث وَإِن زَاد على يَوْم وَلَيْلَة
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد مثل قَول أبي يُوسُف فِي جَمِيع ذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ إِن عَاشَ فِي مَكَانَهُ يَوْمًا كَانَ مرتثا سَوَاء كَانَ عَاقِلا أَو لم يكن وَإِن كَانَ أقل من ذَلِك فَلَيْسَ بمرتث وَكَذَلِكَ لم يَجْعَل الْوَصِيَّة ارتثاثا هَكَذَا رُوِيَ عَنهُ مُطلقًا سَوَاء كَانَت الْوَصِيَّة بِأُمُور الدُّنْيَا أَو الْآخِرَة قل أَو كثر
وَقَالَ فِي الزِّيَادَات إِن أوصى بِمثل وَصِيَّة سعد بن الرّبيع وَنَحْوهَا ثمَّ مَاتَ لم يغسل وَإِن كثر ذَلِك فِي كَلَامه حَتَّى طَال غسل
وَحَاصِل هَذَا أَنه إِذا صَار الْمَقْتُول بِحَال جرى عَلَيْهِ شَيْء من أَحْكَام الدُّنْيَا أَو وصل إِلَيْهِ شَيْء من مَنَافِع الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يُوجب نُقْصَان شَهَادَته
[ ٢٥٩ ]
ويخرجه عَن صفة شُهَدَاء أحد فسقوط الْغسْل كَرَامَة لَهُم لَا يكون سقوطا فِي حق من هُوَ دونهم فِي معنى الشَّهَادَة وَلِهَذَا غسل رَسُول الله ﷺ سعد بن معَاذ وَإِن كَانَ شَهِيدا لما أَنه ارتث لما ذكر من أَحْكَام الدُّنْيَا ومصالحه
ثمَّ الشَّهِيد على هَذَا الْوَصْف الَّذِي ذكرنَا إِن كَانَ جنبا يغسل عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدنَا لَا يغسل لعُمُوم الحَدِيث الْوَارِد فِي الشُّهَدَاء وَلَكِن أَبَا حنيفَة قَالَ إِنَّه ورد دَلِيل خَاص فِي الْجنب وَهُوَ مَا رُوِيَ أَن حَنْظَلَة غسلته الْمَلَائِكَة بَعْدَمَا اسْتشْهد وَقد كَانَ قتل جنبا فَصَارَ مَخْصُوصًا عَن الحَدِيث الْعَام
وَأما الْحَائِض أَو النُّفَسَاء فَإِن قتلت بعد انْقِطَاع الدَّم غسلت عِنْد أبي حنيفَة لِأَن الْغسْل وَجب قبل الْمَوْت كَمَا وَجب بالجنابة
وَأما إِذا قتلت قبل انْقِطَاع الدَّم روى أَبُو يُوسُف عَنهُ أَنَّهَا لَا تغسل روى الْحسن عَنهُ أَنَّهَا تغسل
وَمن وجد قَتِيلا فِي المعركة لَيْسَ بِهِ أثر الْقَتْل غسل لِأَنَّهُ لَو كَانَ قَتِيلا لظهر بِهِ أثر الْقَتْل
فَإِن كَانَ الدَّم خرج من عينه أَو أُذُنه لم يغسل لِأَن خُرُوج الدَّم من هَذِه الْمَوَاضِع من آثَار الْقَتْل ظَاهرا
وَإِن خرج من أَنفه أَو ذكره أَو دبره غسل لِأَنَّهُ مُحْتَمل فَلَا يسْقط الْغسْل بِالِاحْتِمَالِ
وَإِن خرج الدَّم من جَوْفه لم يغسل لِأَن الظَّاهِر أَن خُرُوجه بِسَبَب الضَّرْب وَقطع الْعرق
فَأَما الصَّلَاة على الشَّهِيد فواجبة عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن النَّبِي ﵇ صلى على شُهَدَاء أحد وَلِأَن الشَّهِيد إِن اعْتبر بِمن عظمت دَرَجَته يجب أَن يصلى عَلَيْهِ كالأنبياء ﵈ وَإِن اعْتبر بِسَائِر النَّاس الَّذين لم يُوجد مِنْهُم مَا هُوَ
[ ٢٦٠ ]
سَبَب سُقُوط الْمُوَالَاة يجب أَن يصلى عَلَيْهِ لِأَن شَهَادَته إِن لم توجب زِيَادَة كَرَامَة فَلَا توجب نُقْصَانا بِخِلَاف الْبُغَاة وقطاع الطَّرِيق لأَنهم حَرْب للْمُسلمين وَلَا مُوالَاة بَينهم فَلم يستحقا الصَّلَاة الَّتِي شرعت قَضَاء لحقهم بِسَبَب الْمُوَالَاة وَالله أعلم
[ ٢٦١ ]