الرِّبَا نَوْعَانِ رَبًّا الْفضل وَربا النِّسَاء
فَالْأول هُوَ فضل عين مَال على المعيار الشَّرْعِيّ وَهُوَ الْكَيْل وَالْوَزْن عِنْد اتِّحَاد الْجِنْس
وَالثَّانِي هُوَ فضل الْحُلُول على الْأَجَل وَفضل الْعين على الدّين فِي المكيلين والموزونين عِنْد اخْتِلَاف الْجِنْس أَو فِي غير المكيلين وَغير الموزونين عِنْد اتِّحَاد الْجِنْس
وَعلة رَبًّا الْفضل هِيَ الْقدر الْمُتَّفق مَعَ الْجِنْس أَعنِي الْكَيْل فِي المكيلات وَالْوَزْن فِي الْأَثْمَان والمثمنات
وَعلة رَبًّا النِّسَاء هِيَ وجود أحد وصفي عِلّة رَبًّا الْفضل وَهِي الْكَيْل فِي المكيلات أَو الْوَزْن الْمُتَّفق أَعنِي أَن يَكُونَا ثمنين أَو مثمنين لِأَن وزن الثّمن يُخَالف وزن الْمُثمن
وَهَذَا عندنَا وَعند الشَّافِعِي رَبًّا الْفضل هُوَ الْفضل الْمُطلق من حَيْثُ الذَّات أَو حُرْمَة بيع المطعوم بِجِنْسِهِ ثمَّ التَّسَاوِي فِي المعيار الشَّرْعِيّ مَعَ الْيَد مخلص عَن هَذِه الْحُرْمَة بطرِيق الرُّخْصَة
وَربا النِّسَاء هُوَ فضل الْحُلُول فِي المطعومات والأثمان
[ ٢ / ٢٥ ]
وَعلة رَبًّا الْفضل هِيَ الطّعْم فِي المطعومات والثمنية فِي الْأَثْمَان الْمُطلقَة وَهِي الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْجِنْس شَرط
وَعلة رَبًّا النِّسَاء هِيَ عِلّة رَبًّا الْفضل دون الْجِنْس وَهِي الطّعْم أَو الثمنية
وَدَلَائِل هَذِه الْجُمْلَة تعرف فِي الخلافيات
وَفَائِدَة الْخلاف فِي رَبًّا الْفضل تظهر فِي فصلين أَحدهمَا فِي بيع مطعوم بِجِنْسِهِ غير مُقَدّر كَبيع الحفنة بالحفنتين والسفرجلة بالسفرجلتين والبطيخة بالبطيختين وَنَحْوهَا يجوز عندنَا لعدم الْقدر وَلَا يجوز عِنْده لوُجُود الْعلَّة وَهِي الطّعْم
وَالثَّانِي فِي بيع مُقَدّر بمقدر غير مطعوم كَبيع قفيز جص بقفيزي جص أَو من من حَدِيد بمنوي حَدِيد وَنَحْوهمَا لَا يجوز عندنَا فِي الجص لوُجُود عِلّة رَبًّا الْفضل وَهِي الْكَيْل وَالْجِنْس وَعِنْده يجوز لعدم الْعلَّة وَهِي الطّعْم
وَفِي الْحَدِيد لَا يجوز عندنَا لوُجُود الْوَزْن وَالْجِنْس وَعِنْده يجوز لعدم الثمنية والطعم
وَأَجْمعُوا أَنه لَو بَاعَ قفيز أرز بقفيزي أرز لَا يجوز لوُجُود الْكَيْل وَالْجِنْس عندنَا ولوجود الْجِنْس والطعم عِنْده
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا بَاعَ من زعفران بمنوي زعفران أَو من سكر بمنوي سكر لَا يجوز لوُجُود الْوَزْن وَالْجِنْس عندنَا ولوجود الطّعْم وَالْجِنْس عِنْده
وَأما فروع رَبًّا النِّسَاء وَفَائِدَة الْخلاف بَيْننَا وَبَين الشَّافِعِي أَنه إِذا بَاعَ قفيز حِنْطَة بقفيزي شعير نَسِيئَة مُؤَجّلَة أَو دينا مَوْصُوفا فِي الذِّمَّة غير مُؤَجل لَا يجوز بِالْإِجْمَاع لوُجُود عِلّة رَبًّا النِّسَاء وَهِي أحد وصفي عِلّة رَبًّا الْفضل وَهِي الْكَيْل عندنَا والطعم عِنْده
[ ٢ / ٢٦ ]
وَإِذا بَاعَ قفيز جص بقفيزي نورة مُؤَجّلا بِأَن أسلم أَو غير مُؤَجل بِأَن بَاعَ دينا فِي الْخدمَة وَلَا يجوز عندنَا لوُجُود الْكَيْل وَعِنْده يجوز لعدم الطّعْم
وَلَو أسلم من حَدِيد فِي مني حَدِيد لَا يجوز عندنَا لوُجُود الْوَزْن الْمُتَّفق لِكَوْنِهِمَا موزونين وَعِنْده يجوز لعدم الطّعْم والثمنية
وَلَو بَاعَ من سكر بِمن زعفران دينا فِي الذِّمَّة لَا يجوز بِالْإِجْمَاع لوُجُود أحد وصفي عِلّة رَبًّا الْفضل وَهُوَ الْوَزْن الْمُتَّفق عندنَا لِأَنَّهُمَا مثمنان ولوجود الطّعْم عِنْده
وَلَو أسلم دَرَاهِم فِي زعفران أَو فِي قطن أَو حَدِيد فَإِنَّهُ يجوز بِالْإِجْمَاع أما عندنَا فَلِأَنَّهُ لم يُوجد الْوَزْن الْمُتَّفق فَإِن الدَّرَاهِم توزن بالمثاقيل والقطن وَالْحَدِيد والزعفران يُوزن بالقبان
وَلَو أسلم نقرة فضَّة فِي نقرة ذهب لَا يجوز بِالْإِجْمَاع لوُجُود الْوَزْن الْمُتَّفق عندنَا فَإِنَّهُمَا يوزنان بالمثاقيل وَعِنْده لوُجُود الثمنية
وَلَو أسلم الْحِنْطَة فِي الزَّيْت جَازَ عندنَا لِأَن أَحدهمَا مَكِيل وَالْآخر مَوْزُون فَكَانَا مُخْتَلفين قدرا على قَوْله لَا يجوز لوُجُود الطّعْم
فَأَما تَفْسِير الْجِنْس بِانْفِرَادِهِ إِذا أسلم ثوبا هرويا فِي ثوب ههروي لَا يجوز عندنَا لِأَن الْجِنْس أحد وصفي عِلّة رَبًّا الْفضل فَيحرم النِّسَاء وَعند الشَّافِعِي يجوز لِأَن الْجِنْس عِنْده شَرط
وَلَو أسلم ثوبا هرويا فِي ثوب مَرْوِيّ جَازَ بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ لم يُوجد
[ ٢ / ٢٧ ]
الْجِنْس وَلَا الْوَزْن الْمُتَّفق وَلَا الطّعْم وَلَا الثمنية
وَلَو أسلم جوزة فِي جوزة أَو سفرجلة فِي سفرجلة لَا يجوز بِالْإِجْمَاع لوُجُود الْجِنْس عندنَا ولوجود الطّعْم عِنْده
ثمَّ فرق بَين الْمكيل وَالْمَوْزُون وَبَين الثَّوْب وَالثَّوْب من وَجه وَهُوَ أَن رَبًّا النِّسَاء لَا يتَحَقَّق فِي الثَّوْب إِلَّا بطرِيق السّلم لِأَن الثِّيَاب لَا تثبت دينا فِي الذِّمَّة إِلَّا سلما فَأَما فِي الْمكيل وَالْمَوْزُون فَيتَحَقَّق رَبًّا النِّسَاء مُؤَجّلا وَحَالا دينا مَوْصُوفا فِي الذِّمَّة
بَيَانه لَو أسلم ثوبا هرويا فِي ثوب هروي لَا يجوز لِأَنَّهُ مُؤَجل
وَلَو بَاعَ ثوبا هرويا بِثَوْب هروي مَوْصُوف فِي الذِّمَّة حَالا لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون ثمنا إِلَّا بِاعْتِبَار رَبًّا النِّسَاء
وَلَو بَاعَ قفيز حِنْطَة بِعَينهَا بقفيزي شعير مَوْصُوف فِي الذِّمَّة دينا غير مُؤَجل لَا يجوز لِأَن الْعين خير من الدّين وَإِن كَانَ حَالا
[ ٢ / ٢٨ ]