أَنْوَاع أَرْبَعَة أَحدهَا بيع الْعين بِالْعينِ كَبيع السّلع بأمثالها نَحْو بيع الثَّوْب بِالْعَبدِ وَغَيره وَيُسمى هَذَا بيع المقايضة
وَالثَّانِي بيع الْعين بِالدّينِ نَحْو بيع السّلع بالأثمان الْمُطلقَة وَبَيْعهَا بالفلوس الرائجة والمكيل وَالْمَوْزُون والعددي المتقارب دينا
وَالثَّالِث بيع الدّين بِالدّينِ وَهُوَ بيع الثّمن الْمُطلق بِالثّمن الْمُطلق وَهُوَ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَإنَّهُ يُسمى عقد الصّرْف وَيعرف فِي كِتَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَالرَّابِع بيع الدّين بِالْعينِ وَهُوَ السّلم فَإِن الْمُسلم فِيهِ مَبِيع وَهُوَ دين وَرَأس المَال قد يكون عينا وَقد يكون دينا وَلَكِن قَبضه شَرط قبل افْتِرَاق الْعَاقِدين بأنفسهما فَيصير عينا
وَالْكَلَام فِي السّلم فِي خَمْسَة مَوَاضِع فِي بَيَان مشروعيته وَفِي بَيَان تَفْسِيره لُغَة وَشَرِيعَة وَفِي بَيَان رُكْنه وَفِي بَيَان شَرطه وَفِي بَيَان حكمه شرعا
[ ٢ / ٧ ]
أما الأول فَالْقِيَاس أَن لَا يجوز السّلم لِأَنَّهُ بيع الْمَعْدُوم
وَفِي الِاسْتِحْسَان جَائِز بِالْحَدِيثِ بِخِلَاف الْقيَاس لحَاجَة النَّاس إِلَيْهِ وَهُوَ قَوْله ﵇ من أسلم مِنْكُم فليسلم فِي كل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم وَرُوِيَ عَنهُ ﵇ أَنه نهى عَن بيع مَا لَيْسَ عِنْد الْإِنْسَان وَرخّص فِي السّلم
وَأما تَفْسِيره لُغَة فَهُوَ عقد يثبت بِهِ الْملك فِي الثّمن عَاجلا وَفِي الْمُثمن آجلا يُسمى سلما وإسلاما وسلفا وإسلافا لما فِيهِ من تَسْلِيم رَأس المَال للْحَال
وَفِي عرف الشَّرْع عبارَة عَن هَذَا أَيْضا مَعَ زِيَادَة شَرَائِط ورد بهَا الشَّرْع لم يعرفهَا أهل اللُّغَة
وَأما رُكْنه فَهُوَ الْإِيجَاب وَالْقَبُول
والإيجاب هُوَ لفظ السّلم وَالسَّلَف بِأَن يَقُول رب السّلم لآخر أسلمت إِلَيْك عشرَة دَرَاهِم فِي كرّ حِنْطَة أَو أسلفت وَقَالَ الآخر قبلت
وَيُسمى هَذَا رب السّلم وَيُسمى الْمُسلم أَيْضا
وَالْآخر يُسمى الْمُسلم إِلَيْهِ
وَتسَمى الْحِنْطَة الْمُسلم فِيهِ
وَلَو قَالَ الْمُسلم إِلَيْهِ لآخر بِعْت مِنْك كرّ حِنْطَة بِكَذَا وَذكر شَرَائِط السّلم فَإِنَّهُ ينْعَقد أَيْضا لِأَنَّهُ بيع على مَا روينَا أَن النَّبِي ﵇ نهى عَن بيع مَا لَيْسَ عِنْد الْإِنْسَان وَرخّص فِي السّلم
وَأما شَرَائِط جَوَاز السّلم فسبعة عشر سِتَّة فِي رَأس المَال وَأحد عشر فِي الْمُسلم فِيهِ
[ ٢ / ٨ ]
أما السِّتَّة الَّتِي فِي رَأس المَال فَهِيَ أَحدهَا بَيَان الْجِنْس أَنه دَرَاهِم أَو دَنَانِير أَو من الْمكيل حِنْطَة أَو شعير أَو من الْمَوْزُون قطن أَو حَدِيد وَنَحْو ذَلِك
وَالثَّانِي بَيَان النَّوْع أَنه دَرَاهِم غطريفية أَو عدلية أَو دَنَانِير محمودية أَو هروية أَو مروية
وَهَذَا إِذا كَانَ فِي الْبَلَد نقود مُخْتَلفَة فَأَما إِذا كَانَ فِي الْبَلَد نقد وَاحِد فَذكر الْجِنْس كَاف وينصرف إِلَيْهِ لتعينه عرفا
وَالثَّالِث بَيَان الصّفة أَنه جيد أَو رَدِيء أَو وسط
وَالرَّابِع إِعْلَام قدر رَأس المَال فَهُوَ شَرط جَوَاز السّلم فِيمَا يتَعَلَّق العقد فِيهِ بِالْقدرِ كالمكيل وَالْمَوْزُون والعددي المتقارب
وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ وَأحد قولي الشَّافِعِي
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد لَيْسَ بِشَرْط وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي
وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا قَالَ رب السّلم أسلمت إِلَيْك هَذِه الدَّرَاهِم وَأَشَارَ إِلَيْهَا أَو هَذِه الدَّنَانِير وَأَشَارَ إِلَيْهَا وَلم يعرف وَزنهَا
وَكَذَا إِذا قَالَ أسلمت هَذِه الْحِنْطَة فِي كَذَا وَلم يعرف مِقْدَار كيل رَأس المَال
وعَلى هَذَا الْخلاف
إِذا قَالَ أسلمت إِلَيْك عشرَة دَرَاهِم فِي كرحنطة وكرشعير وَلم يبين
[ ٢ / ٩ ]
حِصَّة كل وَاحِد مِنْهُمَا من الْعشْرَة
وَكَذَلِكَ إِذا أسلم عشرَة دَرَاهِم فِي ثَوْبَيْنِ مُخْتَلفين فِي الْقيمَة
هَذَا إِذا أسلم فِيمَا يتَعَلَّق العقد فِيهِ بِالْقدرِ
فَأَما إِذا أسلم فِيمَا لَا يتَعَلَّق العقد فِيهِ بِالْقدرِ كالذرعيات والعدديات المتفاوتة فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط بَيَان الذرع فِي الذرعيات وَلَا بَيَان الْقيمَة فِيهَا ويكتفي بِالْإِشَارَةِ وَالتَّعْيِين فِي قَوْلهم جَمِيعًا
وَأَجْمعُوا فِي بيع الْعين أَن إِعْلَام قدر الثّمن لَيْسَ بِشَرْط إِذا كَانَ مشارا إِلَيْهِ وَدَلَائِل الْمَسْأَلَة تعرف فِي الْمَبْسُوط إِن شَاءَ الله
وَالْخَامِس كَون الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير منتقدة فَهُوَ شَرط الْجَوَاز عِنْد أبي حنيفَة أَيْضا مَعَ إِعْلَام الْقدر
وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ بِشَرْط
وَالسَّادِس تَعْجِيل رَأس المَال وَقَبضه قبل افْتِرَاق الْعَاقِدين بأنفسهما فَهُوَ شَرط الْجَوَاز عِنْد عَامَّة الْعلمَاء سَوَاء كَانَ رَأس المَال عينا أَو دينا
وَقَالَ مَالك إِن كَانَ رَأس المَال عينا لَا يشْتَرط تَعْجِيله وَإِن كَانَ دينا يشْتَرط فِي قَول وَفِي قَول قَالَ يجوز التَّأْخِير يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ
وَأَجْمعُوا أَن فِي الصّرْف يشْتَرط قبض الْبَدَلَيْنِ قبل الِافْتِرَاق بأبدانهما سَوَاء كَانَ عينا كالتبر والمصوغ أَو دينا كالدراهم وَالدَّنَانِير
وَأما الشَّرَائِط الَّتِي فِي الْمُسلم فِيهِ فَهِيَ أحد عشر أَحدهَا بَيَان جنس الْمُسلم فِيهِ حِنْطَة أَو شعير أَو نَحْوهمَا
وَالثَّانِي بَيَان نَوعه حِنْطَة سقية أَو بخسية سهلية أَو جبلية
[ ٢ / ١٠ ]
وَالثَّالِث بَيَان الصّفة حِنْطَة جَيِّدَة أَو رَدِيئَة أَو وسط
وَالرَّابِع إِعْلَام قدر الْمُسلم فِيهِ أَنه كرّ أَو قفيز بكيل مَعْرُوف عِنْد النَّاس لِأَن ترك بَيَان هَذِه الْأَشْيَاء يُوجب جَهَالَة مفضية إِلَى الْمُنَازعَة وَهِي مفْسدَة بِالْإِجْمَاع
وَالْخَامِس أَن لَا يَشْمَل الْبَدَلَيْنِ أحد وصفي عِلّة رَبًّا الْفضل وَهُوَ الْقدر الْمُتَّفق أَو الْجِنْس لِأَنَّهُ يتَضَمَّن رَبًّا النِّسَاء وَالْعقد الَّذِي فِيهِ رَبًّا فَاسد
وَالسَّادِس أَن يكون الْمُسلم فِيهِ مِمَّا يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ حَتَّى لَا يجوز السّلم فِي الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير
فَأَما فِي التبر هَل يجوز السّلم فِيهِ على قِيَاس رِوَايَة كتاب الصّرْف لَا يجوز لِأَنَّهُ ألحقهُ بالمضروب وعَلى قِيَاس رِوَايَة كتاب الشّركَة جَازَ لِأَنَّهُ ألحقهُ بالعروض وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي يُوسُف أَيْضا أَنه كالعروض
وَأما السّلم فِي الْفُلُوس فقد ذكر فِي الأَصْل وَقَالَ إِنَّه يجوز وَلم يذكر الِاخْتِلَاف وَيجب أَن يكون ذَلِك على قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لِأَن عِنْدهمَا لَيْسَ بِثمن مُطلق بل يحْتَمل التَّعْيِين فِي الْجُمْلَة
وعَلى قَول مُحَمَّد لَا يجوز لِأَنَّهُ ثمن مُطلق على مَا عرف فِي بيع الْفلس بالفلسين بأعيانهما
وَالسَّابِع الْأَجَل فِي الْمُسلم فِيهِ شَرط الْجَوَاز وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ بِشَرْط
ولقب الْمَسْأَلَة أَن السّلم الْحَال لَا يجوز عندنَا وَعِنْده يجوز
ثمَّ لَا رِوَايَة عَن أَصْحَابنَا فِي الْمَبْسُوط فِي مِقْدَار الْأَجَل وَاخْتلفت الرِّوَايَات عَنْهُم وَالأَصَح مَا رُوِيَ عَن مُحَمَّد أَنه مُقَدّر بالشهر
[ ٢ / ١١ ]
لِأَنَّهُ أدنى الآجل وأقصى العاجل
وَالثَّامِن أَن يكون جنس الْمُسلم فِيهِ مَوْجُودا من وَقت العقد إِلَى وَقت مَحل الْأَجَل وَلَا يتَوَهَّم انْقِطَاعه عَن أَيدي النَّاس كالحبوب
فَأَما إِذا كَانَ مُنْقَطِعًا وَقت العقد أَو وَقت حُلُول الْأَجَل أَو فِيمَا بَين ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يجوز عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي إِن كَانَ مَوْجُودا وَقت مَحل الْأَجَل يجوز وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا فِي غَيره من الْأَحْوَال
ولقب الْمَسْأَلَة أَن السّلم فِي الْمُنْقَطع هَل يجوز أم لَا وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَكَذَلِكَ الْمُسلم فِيهِ إِذا كَانَ مَنْسُوبا إِلَى مَوضِع مَعْلُوم يحْتَمل انْقِطَاعه عَلَيْهِ بالآفة كحنطة قَرْيَة كَذَا أَو أَرض كَذَا لَا يجوز لِأَنَّهُ يحْتَمل الِانْقِطَاع بالآفة
وَذكر فِي الأَصْل إِذا أسلم فِي حِنْطَة هراة لَا يجوز
وقاس عَلَيْهِ بعض مَشَايِخنَا أَنه لَو أسلم فِي حِنْطَة سَمَرْقَنْد أَو بُخَارى لَا يجوز وَإِنَّمَا يجوز إِذا ذكر الْولَايَة نَحْو خُرَاسَان وفرغانة
وَالصَّحِيح أَن فِي حِنْطَة الْبَلدة الْكَبِيرَة يجوز لِأَنَّهَا لَا تحْتَمل الِانْقِطَاع غَالِبا
وَمَا ذكره مُحَمَّد فِي الأَصْل من حِنْطَة هراة أَرَادَ بِهِ اسْم قَرْيَة من قرى عراق دون الْبَلدة الْمَعْرُوفَة الَّتِي تسمى هراة
وَالتَّاسِع أَن يكون العقد باتا لَيْسَ فِيهِ خِيَار الشَّرْط لَهما أَو لأَحَدهمَا حَتَّى لَو أسلم عشرَة دَرَاهِم فِي كرحنطة على أَنه بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام وَقبض الْمُسلم إِلَيْهِ رَأس المَال وتفرقا بأبدانهما وَيبْطل عقد السّلم لِأَن البيع بِشَرْط الْخِيَار ثَبت بِخِلَاف الْقيَاس لحَاجَة النَّاس فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ فِي السّلم
[ ٢ / ١٢ ]
وَلَو أبطلا الْخِيَار قبل التَّفَرُّق وَرَأس المَال قَائِم فِي يَد الْمُسلم إِلَيْهِ يَنْقَلِب جَائِزا عندنَا خلافًا ل زفر وَلَو كَانَ رَأس المَال هَالكا لَا يَنْقَلِب إِلَى الْجَوَاز بِالْإِجْمَاع
والعاشر بَيَان مَكَان الْإِيفَاء فِيمَا لَهُ حمل ومؤونة كالحنطة وَالشعِير وَغَيرهمَا فَإِنَّهُ شَرط لجَوَاز السّلم حَتَّى لَو ترك لم يجز السّلم فِي قَول أبي حنيفَة الآخر
وَكَذَا الْخلاف فِي الْإِجَارَة إِذا آجر دَاره سنة بِأَجْر لَهُ حمل ومؤونة وَلم يعين مَكَانا للإيفاء لم تجز الْإِجَارَة فِي قَوْله الآخر
وعَلى قَوْلهمَا جَازَ
وَحَاصِل الْخلاف رَاجع إِلَى أَن مَكَان العقد هَل يتَعَيَّن مَكَانا للإيفاء فِيمَا لَهُ حمل ومؤونة مَعَ اتِّفَاقهم على أَن مَكَان الْإِيفَاء إِذا كَانَ مَجْهُولا لَا يجوز السّلم لِأَنَّهُ جَهَالَة مفضية إِلَى الْمُنَازعَة
وَإِذا لم يتَعَيَّن مَكَان العقد مَكَانا للإيفاء عِنْد أبي حنيفَة وَلم يعينا مَكَانا آخر للإيفاء صَار مَكَان الْإِيفَاء مَجْهُولا فَيفْسد السّلم
وَعِنْدَهُمَا يتَعَيَّن مَكَان العقد مَكَانا للإيفاء فَلَا يُؤَدِّي إِلَى الْجَهَالَة فَيصح السّلم
وَفِي الْإِجَارَة عِنْدهمَا يتَعَيَّن بتعين مَكَان إِيفَاء الْمَعْقُود عَلَيْهِ مَكَان إِيفَاء الْأُجْرَة فَإِن كَانَ لمستأجر دَارا أَو أَرضًا فتسلم عِنْد الدَّار وَالْأَرْض وَإِن كَانَت دَابَّة فَعِنْدَ المرحلة وَإِن كَانَ ثوبا دفع إِلَى قصار وَنَحْوه يَدْفَعهَا فِي الْموضع الَّذِي يسلم فِيهِ الثَّوْب إِلَيْهِ
وَإِنَّمَا يتَعَيَّن مَكَان العقد مَكَان التَّسْلِيم عِنْدهمَا إِذا أمكن التَّسْلِيم فِي مَكَان العقد فَأَما إِذا لم يُمكن بِأَن كَانَ فِي الْبَحْر أَو على رَأس الْجَبَل فَإِنَّهُ لَا يتَعَيَّن مَكَان العقد للتسليم وَلَكِن يسلم فِي أقرب الْأَمَاكِن الَّذِي
[ ٢ / ١٣ ]
يُمكن التَّسْلِيم فِيهِ من مَكَان العقد
فَأَما الْمُسلم فِيهِ إِذا كَانَ شَيْئا لَيْسَ لَهُ حمل ومؤونة كالمسك والكافور والجواهر واللآلىء وَنَحْوهَا فَعَن أَصْحَابنَا رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة يتَعَيَّن مَكَان العقد
وَفِي رِوَايَة يسلم حَيْثُمَا لقِيه وَلَا يتَعَيَّن مَكَان العقد
وَلَو شرطا مَكَانا آخر للإيفاء سوى مَكَان العقد فَإِن كَانَ فِيمَا لَهُ حمل ومؤونة يتَعَيَّن
وَإِن كَانَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ حمل ومؤونة فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة لَا يتَعَيَّن وَله أَن يُوفيه فِي أَي مَكَان شَاءَ
وَفِي رِوَايَة يتَعَيَّن وَهُوَ الْأَصَح
وَالْحَادِي عشر أَن يكون الْمُسلم فِيهِ مِمَّا يضْبط بِالْوَصْفِ وَهُوَ أَن يكون من الْأَجْنَاس الْأَرْبَعَة الْمكيل وَالْمَوْزُون والذرعي والعددي المتقارب
فَأَما إِذا كَانَ مِمَّا لَا يضْبط بِالْوَصْفِ كالعدديات المتفاوتة والذرعيات المتفاوتة مثل الدّور وَالْعَقار والجواهر واللآلىء والأدم والجلود والخشب والروس والأكارع وَالرُّمَّان والسفرجل والبطاطيخ وَنَحْوهَا لَا يجوز لِأَن الْمُسلم فِيهِ مَا يثبت دينا فِي الذِّمَّة وَسوى هَذِه الْأَجْنَاس الْأَرْبَعَة لَا يثبت دينا فِي الذِّمَّة فِي عُقُود الْمُعَاوَضَات إِلَّا إِذا كَانَ شَيْئا من جنس الْجُلُود والأدم والخشب والجذوع إِذا بَين شَيْئا مَعْلُوما من هَذِه الْأَشْيَاء وطولا مَعْلُوما وغلظا مَعْلُوما وَأَن تَجْتَمِع فِيهِ شَرَائِط السّلم والتحق بالمتقارب يجوز
[ ٢ / ١٤ ]
وَكَذَلِكَ السّلم فِي الجوالق والمسوح والفرش
وَأما السّلم فِي الْحَيَوَان فَجَائِز عِنْد الشَّافِعِي إِذا بَين جنسه ونوعه وسنه وَصفته وَأَنه فِي نجارى فلَان أَو إبل فلَان أَو غنم فلَان
وَعِنْدنَا لَا يجوز كَيْفَمَا كَانَ
وَيجوز السّلم فِي الأليات والشحوم وزنا بِلَا خلاف
وَأما السّلم فِي اللَّحْم مَعَ الْعظم الَّذِي فِيهِ فَلَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة أصلا
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ يجوز إِذا بَين جنس اللَّحْم بِأَن قَالَ لحم شَاة أَو بقر وَبَين السن بِأَن قَالَ لحم شَاة ثني أَو جَذَعَة وَبَين النَّوْع بِأَن قَالَ لحم شَاة ذكر أَو أُنْثَى خصي أَو فَحل معلوفة أَو سَائِمَة وَبَين صفة اللَّحْم بِأَن قَالَ سمين أَو مهزول أَو وسط وَبَين الْموضع بِأَن قَالَ من الْكَتف أَو من الْجنب وَبَين الْمِقْدَار بِأَن قَالَ عشرَة أُمَنَاء
وَأما منزوع الْعظم فقد اخْتلف الْمَشَايِخ على قَول أبي حنيفَة ذكر الْكَرْخِي وَقَالَ يجوز
وَذكر الْجَصَّاص وَقَالَ لَا يجوز لاخْتِلَاف السّمن والهزال
وَأما السّلم فِي السّمك فقد اضْطَرَبَتْ عبارَة الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِي الأَصْل والنوادر
وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب أَن السّلم يجوز فِي السّمك الصغار كَيْلا أَو وزنا وَيَسْتَوِي فِيهِ المالح والطري فِي حِينه وَأما الْكِبَار فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أبي حنيفَة فِي ظَاهر الرِّوَايَة يجوز كَيْفَمَا كَانَ وزنا
[ ٢ / ١٥ ]
وَفِي رِوَايَة أبي يُوسُف فِي الأمالي عَنهُ أَنه لَا يجوز
وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد يجوز فِي ظَاهر الرِّوَايَة كَمَا فِي اللَّحْم
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْهُمَا لَا يجوز بِخِلَاف اللَّحْم
وَأما السّلم فِي الثِّيَاب فَإِذا بَين جنسه ونوعه وَصفته ورقعته وذرعه يجوز اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن لَا يجوز
وَهل يشْتَرط بَيَان الْوَزْن فِي الثَّوْب الْحَرِير اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ قَالَ بَعضهم هُوَ شَرط
وَقَالَ بَعضهم لَيْسَ بِشَرْط لِأَن الْحَرِير ذرعي كالكتان والكرباس
وعَلى هَذَا السّلم فِي الْأَعْدَاد المتقاربة مثل الْجَوْز وَالْبيض وَنَحْوهمَا جَائِز كَيْلا ووزنا وعددا فِي قَول عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة
وَقَالَ زفر يجوز كَيْلا ووزنا وَلَا يجوز عددا
وَقَالَ الشَّافِعِي يجوز كَيْلا ووزنا فِي الْجَوْز واللوز وَلَا يجوز عددا
وَفِي الْبيض يجوز كَيْلا ووزنا وعددا
وَلَو أسلم فِي الْفُلُوس عددا يجوز فِي ظَاهر الرِّوَايَة
وَعَن مُحَمَّد أَنه لَا يجوز لِأَنَّهَا من جملَة الْأَثْمَان
وَلَو أسلم فِي التِّبْن أوقارا لَا يجوز لتَفَاوت فَاحش بَين الوقرين إِلَّا إِذا كَانَ فِي فيمان مَعْلُوم من فيامين النَّاس لم يخْتَلف فَيجوز
وَلَو أسلم فِي الْخبز هَل يجوز لم يذكر مُحَمَّد فِي ظَاهر الرِّوَايَة
وَذكر فِي نَوَادِر ابْن رستم على قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد لَا يجوز وعَلى قَول أبي
[ ٢ / ١٦ ]
يُوسُف يجوز إِذا شَرط ضربا مَعْلُوما ووزنا مَعْلُوما وأجلا مَعْلُوما
وَأما استقراض الْخبز هَل يجوز على قَول أبي حنيفَة لَا يجوز لَا وزنا وَلَا عددا كالسلم
وَأَبُو يُوسُف جوز الْقَرْض فِيهِ وزنا لَا عددا كالسلم
وَمُحَمّد لم يجوز السّلم فِيهِ لَا وزنا وَلَا عددا وَجوز استقراضه عددا لَا وزنا لحَاجَة النَّاس فَكَأَنَّهُ ترك الْقيَاس فِي جَوَاز استقراضه عددا لعرف النَّاس وَإِن لم يكن من ذَوَات الْأَمْثَال
وَأما بَيَان حكم السّلم شرعا فثبوت الْملك لرب السّلم فِي الْمُسلم فِيهِ مُؤَجّلا بِمُقَابلَة ثُبُوت الْملك فِي رَأس المَال
الْمعِين أَو الْمَوْصُوف معجلا للْمُسلمِ إِلَيْهِ بطرِيق الرُّخْصَة دفعا لحَاجَة النَّاس بشرائط مَخْصُوصَة لم تكن مَشْرُوطَة فِي بيع الْعين
وَلَا بُد أَن يخْتَلف البيع وَالسّلم فِي بعض الْأَحْكَام وَنَذْكُر بعض ذَلِك مِنْهَا أَن الِاسْتِبْدَال بِرَأْس مَال السّلم قبل الْقَبْض لَا يجوز والاستبدال بِالثّمن جَائِز إِذا كَانَ دينا لِأَن قبض رَأس المَال شَرط والاستبدال يفوت الْقَبْض حَقِيقَة وَإِن وجد من حَيْثُ الْمَعْنى كَمَا لَا يجوز الِاسْتِبْدَال ببدلي الصّرْف لِأَن قبضهما شَرط حَقِيقَة فَأَما قبض الثّمن فَلَيْسَ بِشَرْط وَالْبدل يقوم مقَامه معنى
وَأما الِاسْتِبْدَال بِالْمُسلمِ فِيهِ فَلَا يجوز قبل الْقَبْض كالاستبدال بِالْمَبِيعِ الْمعِين لِأَن الْمُسلم فِيهِ مَبِيع وَإِن كَانَ دينا فَيكون بيع الْمَبِيع الْمَنْقُول قبل الْقَبْض وَإنَّهُ لَا يجوز بِخِلَاف سَائِر الدُّيُون
[ ٢ / ١٧ ]
وَأما الِاسْتِبْدَال بِرَأْس المَال بعد الْإِقَالَة أَو بعد انْفِسَاخ السّلم بِأَيّ طَرِيق كَانَ فَلَا يجوز فِي قَول عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن يجوز وَهُوَ قَول زفر سَوَاء كَانَ رَأس المَال عينا أَو دينا
وَأَجْمعُوا على أَن الِاسْتِبْدَال ببدلي الصّرْف بعد الْإِقَالَة قبل الْقَبْض جَائِز
وَأَجْمعُوا أَن قبض رَأس المَال بعد الْإِقَالَة فِي بَاب السّلم فِي مجْلِس الْإِقَالَة لَيْسَ بِشَرْط لصِحَّة الْإِقَالَة وَفِي الصّرْف شَرط لصِحَّة الْإِقَالَة
وَأَجْمعُوا على أَن السّلم إِذا كَانَ فَاسِدا فِي الأَصْل فَلَا بَأْس بالاستبدال فِيهِ قبل الْقَبْض وَلَا يكون لَهُ حكم السّلم كَسَائِر الدُّيُون
وَمِنْهَا أَن رب السّلم لَو أَخذ بعض رَأس المَال وَبَعض الْمُسلم فِيهِ بعد مَحل الْأَجَل أَو قبله بِرِضا صَاحبه فَإِنَّهُ يجوز وَيكون إِقَالَة للسلم فِيمَا أَخذ من رَأس المَال وَيبقى السّلم فِي الْبَاقِي وَهُوَ قَول عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ مَالك وَابْن أبي ليلى لَيْسَ لَهُ ذَلِك فَهُوَ إِمَّا أَن يَأْخُذ جَمِيع رَأس المَال أَو يَأْخُذ جَمِيع الْمُسلم فِيهِ
وَفِي بيع الْعين إِذا أقَال فِي الْبَعْض دون الْبَعْض جَازَ بِالْإِجْمَاع
وَأَجْمعُوا أَنه لَو أَخذ جَمِيع رَأس المَال بِرِضا صَاحبه أَو أقَال جَمِيع السّلم أَو تصالحا على رَأس المَال فَإِنَّهُ يكون إِقَالَة صَحِيحَة وينفسخ السّلم
وَلَو أَخذ بعض رَأس المَال قبل مَحل الْأَجَل ليعجل بَاقِي السّلم فَإِنَّهُ لَا يجوز كَذَا ذكر فِي الْكتاب وَمَعْنَاهُ أَنه لَا يجوز هَذَا الشَّرْط
[ ٢ / ١٨ ]
وَتَصِح الْإِقَالَة لِأَنَّهُ يصير فِي معنى الِاعْتِيَاض عَن الْأَجَل فَيكون شرطا فَاسِدا إِلَّا أَن الْإِقَالَة لَا تبطل بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة وَهَذَا على قِيَاس قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد
فَأَما على قِيَاس قَول أبي يُوسُف فَتبْطل الْإِقَالَة وَالسّلم كُله بَاقٍ إِلَى أَجله لِأَن عِنْده الْإِقَالَة بيع جَدِيد وَالْبيع يبطل بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة
وَمِنْهَا أَن الْمُسلم إِلَيْهِ إِذا أَبْرَأ رب السّلم عَن رَأس المَال لَا يَصح بِدُونِ قبُول رب السّلم وَإِذا قبل يَصح الْإِبْرَاء وَيبْطل السّلم لِأَنَّهُ فَاتَ قبض رَأس المَال لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر قَبضه بعد صِحَة الْإِبْرَاء
وَلَو رده أَو لم يقبله بَقِي عقد السّلم صَحِيحا فَلهُ أَن يسلم رَأس المَال قبل الِافْتِرَاق حَتَّى لَا يفْسد
وَلَو أَبْرَأ عَن ثمن الْمَبِيع صَحَّ من غير قبُول إِلَّا أَنه يرْتَد بِالرَّدِّ
وَالْفرق هُوَ أَن قبض رَأس المَال فِي الْمجْلس شَرط صِحَة عقد السّلم فَلَو صَحَّ الْإِبْرَاء من غير قبُول الآخر لانفسخ السّلم من غير رضَا صَاحبه وَهَذَا لَا يجوز بِخِلَاف الثّمن لِأَن قَبضه لَيْسَ بِشَرْط
وَلَو أَبْرَأ عَن الْمُسلم فِيهِ جَازَ لِأَن قَبضه لَيْسَ بِشَرْط وَالْإِبْرَاء عَن دين لَا يجب قَبضه شرعا إِسْقَاط لحقه لَا غير فَيملك ذَلِك
وَلَو أَبْرَأ عَن الْمَبِيع لَا يَصح لِأَن الْإِبْرَاء عَن الْأَعْيَان لَا يَصح
وَمِنْهَا أَن الْحِوَالَة بِرَأْس مَال السّلم وَالْكَفَالَة بِهِ وَالرَّهْن بِهِ وبالمسلم فِيهِ أَيْضا جَائِز عندنَا
وَعند زفر يجوز بِالْمُسلمِ فِيهِ وَلَا يجوز بِرَأْس المَال
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه لَا يجوز ذَلِك كُله لَا بِرَأْس المَال وَلَا بِالْمُسلمِ فِيهِ
[ ٢ / ١٩ ]
وعَلى هَذَا الْخلاف الْحِوَالَة وَالْكَفَالَة وَالرَّهْن بِأحد بدلي الصّرْف
ثمَّ مَتى جَازَ ذَلِك عندنَا يجب أَن يقبض الْمُسلم إِلَيْهِ رَأس المَال من الحويل وَالْكَفِيل أَو من رب السّلم أَو يهْلك الرَّهْن قبل أَن يَتَفَرَّقَا عَن الْمجْلس وَقِيمَة الرَّهْن مثل رَأس المَال أَو أَكثر حَتَّى يحصل الِافْتِرَاق عَن قبض رَأس المَال فَيجوز وَلَا يبطل العقد
وَأما إِذا تفرق رب السّلم وَالْمُسلم إِلَيْهِ قبل الْقَبْض يبطل السّلم وَإِن بَقِي الحويل وَالْكَفِيل مَعَ رب السّلم
وَلَو ذهب الحويل وَالْكَفِيل وَبَقِي الْمُسلم إِلَيْهِ مَعَ رب السّلم لَا يبطل السّلم وَالْعبْرَة لبَقَاء الْعَاقِدين وافتراقهما
وَكَذَلِكَ فِي بَاب الصّرْف الْعبْرَة لبَقَاء الْعَاقِدين
وَكَذَلِكَ فِي الرَّهْن إِذا لم يهْلك حَتَّى تفَرقا يبطل السّلم لِانْعِدَامِ قبض رَأس المَال
هَذَا فِي جَانب رَأس المَال
فَأَما فِي جَانب الْمُسلم فِيهِ فالمحيل يبرأ بِنَفس عقد الْحِوَالَة وَيبقى تَسْلِيم الْمُسلم فِيهِ وَاجِبا على الْمُحْتَال عَلَيْهِ إِذا حل الْأَجَل فَإِذا حل الْأَجَل يُطَالب رب السّلم الْمُحْتَال عَلَيْهِ وَلَا سَبِيل لَهُ على الْمُحِيل
وَفِي الْكفَالَة رب السّلم بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ طَالب الْأَصِيل وَإِن شَاءَ طَالب الْكَفِيل وَله أَن يحبس الرَّهْن حَتَّى يَأْخُذ الْمُسلم فِيهِ
وَمِنْهَا أَن الْمُسلم إِلَيْهِ إِذا قَالَ بعد قبض رَأس المَال إِنَّه زيوف أَو نبهرجة أَو مُسْتَحقّ أَو ستوقة أَو معيب فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن صدقه رب السّلم أَو كذبه
[ ٢ / ٢٠ ]
أما إِذا صدقه فَلهُ حق الرَّد ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ رَأس المَال عينا أَو دينا فَإِن كَانَ عينا فَاسْتحقَّ فِي الْمجْلس أَو رد بِالْعَيْبِ بعد الِافْتِرَاق وَلم يجز لمستحق وَلم يرض الْمُسلم إِلَيْهِ بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ يبطل السّلم لِأَن العقد وَقع على الْعين
فَإِذا لم يجز فقد فَاتَ الْبَدَل فَصَارَ كَمَا لَو هلك الْمَبِيع قبل الْقَبْض
وَلَو أجَاز الْمُسْتَحق أَو رَضِي الْمُسلم إِلَيْهِ بِالْعَيْبِ جَازَ لِأَنَّهُ سلم لَهُ الْبَدَل من الأَصْل
فَأَما إِذا كَانَ رَأس المَال دينا فَقَبضهُ ثمَّ وجده ستوقة أَو رصاصا أَو مُسْتَحقّا أَو زُيُوفًا أَو نبهرجة فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن وجد ذَلِك فِي مجْلِس السّلم أَو بعد الِافْتِرَاق وَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن تجوز بذلك الْمُسلم إِلَيْهِ أَو لم يتجوز
أما إِذا وجد ستوقة أَو رصاصا فِي الْمجْلس فَتجوز بِهِ فَلَا يجوز لِأَن هَذَا لَيْسَ من جنس حَقه فَيكون استبدالا بِرَأْس المَال قبل الْقَبْض فَصَارَ كَمَا لَو استبدل ثوبا من رب السّلم مَكَان الدِّرْهَم
فَأَما إِذا رده وَقبض شَيْئا آخر مَكَانَهُ جَازَ لِأَنَّهُ لما رده وانتقض قَبضه جعل كَأَن لم يكن وَأخر الْقَبْض إِلَى آخر الْمجْلس فَإِن ذَلِك جَائِز كَذَلِك هَذَا
وَأما إِذا وجد ذَلِك مُسْتَحقّا فَإِن صِحَة الْقَبْض مَوْقُوفَة على إجَازَة الْمُسْتَحق إِن أجَاز جَازَ وَإِن لم يجز بَطل
فَأَما إِذا وجد زُيُوفًا أَو نبهرجة فَإِن تجوز بهَا جَازَ لِأَنَّهَا من جنس حَقه فَيصير مُسْتَوْفيا مَعَ النُّقْصَان
وَإِن رده واستبدل مَكَانَهُ فِي مجْلِس العقد جَازَ لِأَنَّهُ وجد مثله فِي
[ ٢ / ٢١ ]
الْمجْلس فَكَانَ الْقَبْض مُتَأَخِّرًا
هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا كَانَ ذَلِك فِي مجْلِس السّلم
فَأَما إِذا كَانَ بعد تفرقهما فَإِن وجد شَيْئا من رَأس المَال ستوقة أَو رصاصا بَطل السّلم بِقَدرِهِ قل أَو كثر كَيْفَمَا كَانَ لِأَنَّهَا لَيست من جنس حق الْمُسلم إِلَيْهِ فَظهر أَن الِافْتِرَاق حصل من غير قبض رَأس المَال بِقدر الستوقة فَيبْطل بِقَدرِهِ وَلَا يعود جَائِزا بِالْقَبْضِ بعد الْمجْلس كَمَا لَو لم يقبض أصلا ثمَّ قبض بعد الِافْتِرَاق
وَإِن وجد ذَلِك مُسْتَحقّا إِن أجَاز الْمُسْتَحق جَازَ لِأَن الْقَبْض مَوْقُوف على إِجَازَته إِذا كَانَ رَأس المَال قَائِما نَص على ذَلِك فِي الْجَامِع الْكَبِير وَإِن رد بَطل السّلم بِقَدرِهِ لما ذكرنَا أَن الْقَبْض مَوْقُوف
وَأما إِذا وجد ذَلِك زُيُوفًا أَو نبهرجة إِن تجوز بِهِ جَازَ وَإِن لم يتجوز بِهِ ورده أَجمعُوا على أَنه إِن لم يسْتَبْدل فِي مجْلِس الرَّد بَطل السّلم بِقدر مَا رد
فَأَما إِذا استبدل مَكَانَهُ جيادا فِي مجْلِس الرَّد فَالْقِيَاس أَن يبطل السّلم بِقَدرِهِ قَالَ الْمَرْدُود أَو كثر وَبِه أَخذ زفر
وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا يبطل قل أَو كثر وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد
وَأَبُو حنيفَة أَخذ فِي الْكثير بِالْقِيَاسِ وَفِي الْقَلِيل بالاستحسان
وَكَذَلِكَ على هَذَا الْخلاف أحد المتصارفين إِذا وجد شَيْئا مِمَّا قبض زُيُوفًا ورده بعد الْمجْلس
ثمَّ اتّفقت الرِّوَايَات عَن أبي حنيفَة أَن مَا زَاد على النّصْف كثير وَمَا دونه فَهُوَ قَلِيل
[ ٢ / ٢٢ ]
وَأما فِي النّصْف فَذكر فِي الأَصْل وَجعله فِي حكم الْقَلِيل فِي مَوضِع وَحكم الْكثير فِي مَوضِع
وَرُوِيَ فِي النَّوَادِر أَنه قدره بِالثُّلثِ فَصَاعِدا وَهُوَ الْأَصَح
هَذَا الَّذِي ذكرنَا حكم رَأس المَال فَأَما حكم الْمُسلم فِيهِ إِذا وجد رب السّلم بِالْمُسلمِ فِيهِ عَيْبا بَعْدَمَا قَبضه فَإِن لَهُ خِيَار الْعَيْب إِن شَاءَ تجوز بِهِ وَإِن شَاءَ رده وَيَأْخُذ مِنْهُ السّلم غير معيب لِأَن حَقه فِي السَّلِيم دون الْمَعِيب
إِلَّا أَن خِيَار الشَّرْط والرؤية لَا يثبت فِي السّلم على مَا ذكرنَا فِي جَانب رَأس المَال
هَذَا إِذا صدقه رب السّلم فَأَما إِذا كذبه وَأنكر أَن تكون الدَّرَاهِم الَّتِي جَاءَ بهَا من دَرَاهِمه الَّتِي أَعْطَاهَا وَادّعى الْمُسلم إِلَيْهِ أَنَّهَا من دَرَاهِمه فَهَذَا لَا يَخْلُو من سِتَّة أوجه إِمَّا إِن كَانَ الْمُسلم إِلَيْهِ أقرّ ذَلِك قبل ذَلِك فَقَالَ قبضت الْجِيَاد أَو قبضت حَقي أَو قبضت رَأس المَال أَو استوفيت الدَّرَاهِم أَو قبضت الدَّرَاهِم أَو قَالَ قبضت وَلم يقل شَيْئا آخر
فَفِي الْفُصُول الْأَرْبَعَة الأولى لَا تسمع دَعْوَاهُ بعد ذَلِك أَنِّي وجدته زُيُوفًا وَلم يكن لَهُ حق استحلاف رب السّلم بِاللَّه إِنَّهَا لَيست من دراهمك الَّتِي قبضتها مِنْك لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ بِقَبض الْجِيَاد يصير مناقضا فِي دَعْوَاهُ لِأَنَّهُ أقرّ بِقَبض الْجِيَاد ثمَّ قَالَ لم أَقبض الْجِيَاد بل هِيَ زيوف والمناقضة تمنع صِحَة الدَّعْوَى وَالْحلف بِنَاء على الدَّعْوَى الصَّحِيحَة
وَأما إِذا قَالَ الْمُسلم إِلَيْهِ قبضت الدَّرَاهِم ثمَّ قَالَ هِيَ زيوف فَالْقِيَاس أَن يكون القَوْل قَول رب السّلم إِنَّهَا لَيست من دَرَاهِمه مَعَ يَمِينه
[ ٢ / ٢٣ ]
على ذَلِك وعَلى الْمُسلم إِلَيْهِ الْبَيِّنَة أَنَّهَا من الدَّرَاهِم الَّتِي قبضهَا مِنْهُ لِأَن الْمُسلم إِلَيْهِ يَدعِي أَنَّهَا مَقْبُوضَة مَعَ الْعَيْب وَرب السّلم يُنكر أَنَّهَا مَقْبُوضَة أَو أَنَّهَا الَّتِي قبضهَا مِنْهُ وَيكون القَوْل قَول الْمُنكر مَعَ يَمِينه
وَفِي الِاسْتِحْسَان القَوْل قَول الْمُسلم إِلَيْهِ مَعَ يَمِينه وعَلى رب السّلم الْبَيِّنَة أَنه أعطَاهُ الْجِيَاد لِأَن رب السّلم بإنكاره أَنَّهَا لَيست من دَرَاهِمه يَدعِي إِيفَاء حَقه وَهُوَ الْجِيَاد وَالْمُسلم إِلَيْهِ بِدَعْوَاهُ أَن هَذِه الدَّرَاهِم قبضتها مِنْك وَإِنَّهَا زيوف يُنكر قبض حَقه فَيكون القَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه أَنه لم يقبض حَقه وعَلى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة أَنه أوفاه حَقه
وَهَذَا هُوَ الْقيَاس فِي الْفُصُول الْأُخَر إِلَّا أَن ثمَّة سبق مِنْهُ مَا يُنَاقض دَعْوَاهُ وَهُوَ الْإِقْرَار بالجياد وَهَهُنَا لم يسْبق لِأَن ذكر قبض الدَّرَاهِم يَقع على الزُّيُوف والجياد جَمِيعًا بِخِلَاف الْفُصُول الأولى
وَأما إِذا قَالَ قبضت لَا غير ثمَّ قَالَ وجدته زُيُوفًا يكون القَوْل قَوْله كَمَا قُلْنَا فِي الْفَصْل الأول إِلَّا أَن هَهُنَا إِذا قَالَ وجدته ستوقة أَو رصاصا فَإِنَّهُ يصدق بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ قبضت الدَّرَاهِم ثمَّ قَالَ وَجدتهَا ستوقة أَو رصاصا فَإِنَّهُ لَا يقبل قَوْله لِأَن فِي قَوْله قبضت إِقْرَارا بِمُطلق الْقَبْض والستوقة تقبض فبقوله مَا قَبضته ستوقة لَا يكون مناقضا وَفِي قَوْله قبضت الدَّرَاهِم يصير مناقضا لقَوْله قبضت الستوقة والرصاص لِأَنَّهُ خلاف جنس الدَّرَاهِم
[ ٢ / ٢٤ ]