يحْتَاج فِي هَذَا الْبَاب إِلَى بَيَان ركن البيع وَالشِّرَاء وَبَيَان شُرُوطه وَبَيَان أقسامه وَبَيَان حكمه شرعا
أما بَيَان الرُّكْن فَهُوَ الْإِيجَاب من البَائِع وَالْقَبُول من المُشْتَرِي إِلَّا أَن ذَلِك قد يكون بلفظين وَقد لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِثَلَاثَة أَلْفَاظ
أما مَا يتَحَقَّق بلفظين فقد يكون بِدُونِ النِّيَّة وَقد يكون مَعَ النِّيَّة
أما من غير النِّيَّة فبأن يكون اللفظان بِصِيغَة الْمَاضِي نَحْو أَن يَقُول البَائِع بِعْت مِنْك هَذَا العَبْد بِكَذَا فَقَالَ المُشْتَرِي ابتعت أَو اشْتريت أَو مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ كَقَوْلِه أخذت وَقبلت ورضيت وَفعلت وَنَحْو ذَلِك لِأَن هَذَا فِي عرف أهل اللُّغَة وَالشَّرْع مُسْتَعْمل لإِيجَاب الْملك للْحَال بعوض وَإِن كَانَ بِصِيغَة الْمَاضِي
وَكَذَلِكَ إِذا بَدَأَ المُشْتَرِي فَقَالَ اشْتريت مِنْك هَذَا العَبْد بِكَذَا فَقَالَ البَائِع بِعته مِنْك أَو أَعْطيته أَو بذلته أَو رضيت أَو هولك
[ ٢ / ٢٩ ]
وَأما الَّذِي لَا ينْعَقد بِدُونِ النِّيَّة فَأن يخبر عَن نَفسه فِي الْمُسْتَقْبل بِلَفْظَة الِاسْتِقْبَال وَهُوَ أَن يَقُول البَائِع أبيع مِنْك هَذَا العَبْد بِأَلف أَو أبذله أَو أعطيكه
فَقَالَ المُشْتَرِي اشتريه بذلك أَو آخذه ونويا الْإِيجَاب للْحَال أَو كَانَ أَحدهمَا بِلَفْظ الْمَاضِي وَالْآخر بِلَفْظ الْمُسْتَقْبل مَعَ نِيَّة الْإِيجَاب للْحَال فَإِنَّهُ ينْعَقد البيع لِأَن صِيغَة الِاسْتِقْبَال تحْتَمل الْحَال فَصحت النِّيَّة
وَإِن كَانَ أَحدهمَا بِلَفْظ الِاسْتِفْهَام بِأَن قَالَ أتبيع مني هَذَا الشَّيْء فَقَالَ بِعْت وَنوى لَا ينْعَقد البيع لِأَن لفظ الِاسْتِفْهَام لَا يسْتَعْمل للْحَال إِذا أمكن الْعَمَل بِحَقِيقَة الِاسْتِفْهَام
فَأَما إِذا كَانَ بلفظين يعبر بهما عَن الْمُسْتَقْبل إِمَّا على سَبِيل الْأَمر أَو الْخَبَر أَو بِأَحَدِهِمَا من غير نِيَّة الْحَال فَإِنَّهُ لَا ينْعَقد البيع عندنَا وَذَلِكَ أَن يَقُول البَائِع اشْتَرِ مني هَذَا العَبْد بِأَلف دِرْهَم فَقَالَ المُشْتَرِي اشْتريت أَو قَالَ المُشْتَرِي بِعْ مني هَذَا العَبْد فَقَالَ بِعْت أَو قَالَ البَائِع أبيع هَذَا العَبْد مِنْك بِأَلف دِرْهَم فَقَالَ المُشْتَرِي اشْتريت
وَفِي بَاب النِّكَاح إِذا كَانَ أحد اللَّفْظَيْنِ يعبر بِهِ عَن الْأَمر أَو الْخَبَر فِي الْمُسْتَقْبل بِأَن قَالَ زوجيني نَفسك بِأَلف دِرْهَم فَقَالَت زوجت أَو قَالَ الزَّوْج أتزوجك على ألف دِرْهَم فَقَالَت زوجت نَفسِي مِنْك بذلك ينْعَقد النِّكَاح
وَقَالَ الشَّافِعِي البيع وَالنِّكَاح سَوَاء ينعقدان بلفظين يعبر بِأَحَدِهِمَا عَن الْمَاضِي وَالْآخر عَن الْحَال من غير نِيَّة
فَأَما إِذا كَانَ أحد اللَّفْظَيْنِ بطرِيق الِاسْتِفْهَام فَإِنَّهُ لَا ينْعَقد النِّكَاح وَالْبيع بِالْإِجْمَاع
[ ٢ / ٣٠ ]
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا فَإِن البيع فِي الْعرف غَالِبا لَا يكون بِنَاء على مُقَدمَات وَلَفظ الْمُسْتَقْبل للعدة فِي الأَصْل وَلَفظ الْأَمر للمساومة فَيحمل على حَقِيقَته إِلَّا بِدَلِيل
وَلم يُوجد بِخِلَاف النِّكَاح فَإِنَّهُ بِنَاء على مُقَدّمَة الْخطْبَة فَلَا يحمل على المساومة بِدلَالَة الْعَادة
وَأما إِذا وجد ثَلَاثَة أَلْفَاظ بِأَن قَالَ المُشْتَرِي بِعْ عَبدك هَذَا مني بِأَلف دِرْهَم فَقَالَ البَائِع بِعْت فَقَالَ المُشْتَرِي اشْتريت فَإِنَّهُ ينْعَقد بِالْإِجْمَاع
فَأَما إِذا تبَايعا وهما يمشيان أَو يسيران على دَابَّة وَاحِدَة أَو دابتين فَإِن كَانَ الْإِيجَاب وَالْقَبُول متصلين وَخرج الكلامان من غير فصل بَينهمَا فَإِنَّهُ يَصح البيع فَأَما إِذا كَانَ بَينهمَا فصل وسكوت وَإِن قل فَإِنَّهُ لَا يَصح لِأَن الْمجْلس يتبدل بِالْمَشْيِ وَالسير هَكَذَا قَالَ عَامَّة مَشَايِخنَا وقاسوا على آيَة السَّجْدَة وَخيَار المخيرة
وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا إِذا تبَايعا فِي حَال السّير وَالْمَشْي فَوجدَ الْإِيجَاب مُنْفَصِلا عَن الْقبُول فَإِنَّهُ ينْعَقد مَا لم يفترقا بأبدانهما وَإِن وجد الْقبُول بعد الِافْتِرَاق لَا يجوز لِأَن الْقيام عَن الْمجْلس دَلِيل الْإِعْرَاض عَن الْجَواب فَأَما السّير بِلَا افْتِرَاق فَلَيْسَ بِدَلِيل الْإِعْرَاض فصح الْقبُول وَيكون جَوَابا وَهَكَذَا قَالُوا فِي خِيَار المخيرة
أما فِي تِلَاوَة السَّجْدَة فبخلافه لِأَن الأَصْل أَن تجب السَّجْدَة لكل تِلَاوَة لَكِن جعلت التلاوات كتلاوة وَاحِدَة عِنْد اتِّحَاد الْمجْلس والمجلس يخْتَلف بالسير حَقِيقَة
[ ٢ / ٣١ ]
وَلَو وَقفا وتبايعا جَازَ وَإِن وجد الْقبُول بعد الْإِيجَاب بسكتة لِاتِّحَاد الْمجْلس
فَأَما إِذا وَقفا فَأوجب أَحدهمَا البيع فَسَار الآخر وَلم يقبل ثمَّ قبل بعد ذَلِك لَا يَصح وَيجْعَل سيره دَلِيل الْإِعْرَاض
وَكَذَا لَو سَار البَائِع قبل أَن يقبل المُشْتَرِي لِأَنَّهُ دَلِيل الْإِعْرَاض أَيْضا وَإنَّهُ يملك الرُّجُوع فِي إِيجَاب البيع
وَلَو خير امْرَأَته بَعْدَمَا وَقفا ثمَّ سَار الرجل وَبقيت الْمَرْأَة واقفة فلهَا الْخِيَار لِأَن الْعبْرَة بجانبها فَمَا دَامَت فِي مجلسها فَلم يُوجد مِنْهَا دَلِيل الْإِعْرَاض وَكَلَام الزَّوْج لَا يبطل بِالْإِعْرَاضِ
هَذَا إِذا كَانَ العاقدان حاضرين فِي الْمجْلس
فَأَما إِذا كَانَ أَحدهمَا غَائِبا فَوجدَ من أَحدهَا البيع أَو الشِّرَاء فَإِنَّهُ لَا يتَوَقَّف
بَيَانه أَن من قَالَ بِعْت عَبدِي هَذَا من فلَان الْغَائِب بِأَلف دِرْهَم فَبَلغهُ الْخَبَر فَقبل لَا يَصح لِأَن شطر البيع لَا يتَوَقَّف بِالْإِجْمَاع
وَلَو قَالَ بِعْت عَبدِي هَذَا بِأَلف دِرْهَم من فلَان بَين يَدي رجل وَقَالَ لَهُ اذْهَبْ إِلَى فلَان وَقل لَهُ: إِن فلَانا بَاعَ عَبده فلَانا مِنْك بِأَلف دِرْهَم فجَاء الرَّسُول وَأخْبرهُ بِمَا قَالَ فَقَالَ المُشْتَرِي فِي مَجْلِسه ذَلِك: اشْتريت أَو قبلت تمّ البيع بَينهمَا لِأَن الرَّسُول معبر وسفير فينقل كَلَامه إِلَيْهِ فَإِذا اتَّصل بِهِ الْجَواب ينْعَقد وَكَذَا الْكتاب على هَذَا بِأَن كتب إِلَى رجل وَقَالَ أما بعد فقد بِعْت عَبدِي فلَانا مِنْك بِأَلف دِرْهَم فَلَمَّا بلغه الْكتاب وَقَرَأَ وَفهم مَا فِيهِ قَالَ فِي مَجْلِسه ذَلِك: اشْتريت أَو قبلت ينْعَقد البيع لِأَن الْخطاب وَالْجَوَاب من الْغَائِب بِالْكتاب يكون
[ ٢ / ٣٢ ]
وعَلى هَذَا الْجَواب فِي الْإِجَارَة وَالْهِبَة وَالْكِتَابَة فَأَما فِي الْخلْع وَالْعِتْق على مَال فَإِنَّهُ يتَوَقَّف شطر العقد من الزَّوْج وَالْمولى على قبُول الآخر وَرَاء الْمجْلس بِالْإِجْمَاع فَإِن من قَالَ: خلعت امْرَأَتي فُلَانَة الغائبة على ألف دِرْهَم فبلغها الْخَبَر فأجازت أَو قبلت صَحَّ وَكَذَا إِذا قَالَ: اعتقت عَبدِي فلَانا الْغَائِب بِأَلف دِرْهَم فَإِنَّهُ يتَوَقَّف على إجَازَة العَبْد فَأَما فِي جَانب الْمَرْأَة وَالْعَبْد: فَلَا يتَوَقَّف إِذا كَانَ الزَّوْج وَالْمولى غائبين فَأَما فِي النِّكَاح فَلَا يتَوَقَّف الشّطْر عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وعَلى قَول أبي يُوسُف: يتَوَقَّف ثمَّ فِي كل مَوضِع لَا يتَوَقَّف شطر العقد فَإِنَّهُ يجوز من الْعَاقِد الرُّجُوع عَنهُ وَلَا يجوز تَعْلِيقه بِالشُّرُوطِ والإخطار لِأَنَّهُ عقد مُعَاوضَة وَفِي كل مَوضِع يتَوَقَّف شطر العقد كالخلع وَالْعِتْق على مَال لَا يَصح الرُّجُوع عَنهُ وَيصِح التَّعْلِيق بِالشُّرُوطِ لِأَنَّهُ فِي جَانب الزَّوْج وَالْمولى بِمَنْزِلَة التَّعْلِيق وَفِي جَانبهَا بِمَنْزِلَة الْمُعَاوضَة