على الْجِنَازَة الْكَلَام فِي الْبَاب فِي مَوَاضِع فِي بَيَان أَنَّهَا وَاجِبَة وَفِي بَيَان من يُصَلِّي عَلَيْهِ وَفِي بَيَان كَيْفيَّة صَلَاة الْجِنَازَة وَفِي بَيَان ولَايَة الصَّلَاة لمن هِيَ وَفِي بَيَان مَا يفْسد صَلَاة الْجِنَازَة وَمَا يمْنَع مِنْهَا
أما الأول فَنَقُول الصَّلَاة على الْمَيِّت وَاجِبَة فِي الْجُمْلَة لَا يسع الِاجْتِمَاع على تَركهَا وَمَتى فعلهَا فريق من النَّاس تسْقط عَن البَاقِينَ فَكَانَت وَاجِبَة على سَبِيل الْكِفَايَة
وَبَيَان الْوُجُوب مواظبة الرَّسُول وَأَصْحَابه وَالْأمة بأجمعهم من لدن رَسُول الله ﷺ إِلَى يَوْمنَا هَذَا
وَبَيَان أَنَّهَا وَاجِبَة على طَريقَة الْكِفَايَة لِأَن مَا هُوَ الْفَرْض وَهُوَ قَضَاء حق الْمَيِّت يحصل بِالْبَعْضِ وَلَا يُمكن إِيجَابه على كل أحد من آحَاد النَّاس فَصَارَ بِمَنْزِلَة الْجِهَاد
وَأما بَيَان من يصلى عَلَيْهِ فَنَقُول كل من مَاتَ مُسلما بعد وِلَادَته صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا ذكرا
[ ٢٤٧ ]
كَانَ أَو أُنْثَى حرا كَانَ أَو عبدا إِلَّا الْبُغَاة وقطاع الطَّرِيق وَمن كَانَ بِمثل حَالهم لقَوْله ﵇ صلوا على كل بر وَفَاجِر
وَلَا يصلى على من ولد مَيتا لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ إِذا اسْتهلّ الْمَوْلُود صلي عَلَيْهِ وَمن لم يستهل لم يصل عَلَيْهِ لِأَن الاستهلال دلَالَة الْحَيَاة وَالْمَيِّت فِي عرف النَّاس من زَالَت حَيَاته لَا يعلم أَنه خلقت الْحَيَاة فِيهِ أم لَا فَلم يعلم بِمَوْتِهِ وَلِهَذَا قُلْنَا إِنَّه لَا يَرث وَلَا يُورث وَلَا يغسل وَلَا يُسمى لِأَن هَذِه أَحْكَام الْأَحْيَاء وَلم تثبت حَيَاته
وَرُوِيَ عَن الطَّحَاوِيّ أَن الْجَنِين الْمَيِّت يغسل وَلم يحك خلافًا
وَعَن مُحَمَّد فِي السقط الَّذِي استبان خلقه إِنَّه يغسل ويكفن ويخط وَلَا يصلى عَلَيْهِ
وروى أَبُو يُوسُف عَن أبي حنيفَة فِيمَن ولد مَيتا أَنه لَا يغسل
فعلى الرِّوَايَة الَّتِي لَا يغسل اعْتبر بِالصَّلَاةِ وَأَنه لَا يصلى عَلَيْهِ وَالْغسْل لأجل الصَّلَاة فَسقط الْغسْل
وعَلى الرِّوَايَة الَّتِي يغسل اعْتبر أَنه سنة الْمَوْتَى فِي الأَصْل بِحَدِيث قصَّة آدم ﵇ أَنه قَالَت الْمَلَائِكَة بَعْدَمَا غسلته إِنَّه سنة مَوْتَاكُم وَلِهَذَا يغسل الْكَافِر وَإِن لم يصل عَلَيْهِ
وَأما الْبُغَاة فَلَا يصلى عَلَيْهِم عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ
وَالصَّحِيح قَوْلنَا فَإِن عليا لم يصل على قَتْلَى نهروان وَغَيرهم مِمَّن خَالفه وهم أهل بغي فَإِن الْخَلِيفَة الْحق هُوَ عَليّ ﵁ حَال حَيَاته بعد وَفَاة عُثْمَان ﵁ وَكَانَ ذَلِك بِمحضر من الصَّحَابَة فَيكون إِجْمَاعًا
[ ٢٤٨ ]
وَإِذا ثَبت الحكم فِي الْبُغَاة ثَبت فِي قطاع الطَّرِيق لأَنهم فِي معناهم
وَكَذَلِكَ الَّذِي يقتل النَّاس خنقا حَتَّى يَأْخُذ أَمْوَالهم لِأَن هَذَا ساع فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ
وذكلك المكابرون فِي الْمصر بِالسِّلَاحِ وَمن كَانَ فِي مثل حَالهم
وَأما كَيْفيَّة الصَّلَاة على الميتفنقول أَن يقوم الإِمَام وَالْقَوْم فيكبر الإِمَام أَربع تَكْبِيرَات وَالْقَوْم مَعَه فيكبرون التَّكْبِيرَة الأولى ويحمدون الله بِمَا هُوَ أَهله كَذَا ذكر الْكَرْخِي
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه يكبر الأولى وَيَقُول سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك
إِلَى آخِره ثمَّ يكبرُونَ الثَّانِيَة وَيصلونَ على النَّبِي ﵇ على مَا هُوَ الْمَعْرُوف ثمَّ يكبرُونَ الثَّالِثَة وَيدعونَ للْمَيت ولأموات الْمُسلمين وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُم
وَإِذا كَانَ الْمَيِّت صَبيا فَيَقُول اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لنا فرطا واجعله لنا ذخْرا ثمَّ يكبرُونَ الرَّابِعَة وَلَا يدعونَ بعْدهَا ثمَّ يسلم الإِمَام تسليمتين عَن يَمِينه ويساره وَالْقَوْم مَعَه لِأَن كل صَلَاة لَهَا تَحْرِيم بِالتَّكْبِيرِ فَيكون لَهَا تَحْلِيل بِالتَّسْلِيمِ
هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ قَول عَامَّة الْعلمَاء وَعَلِيهِ الْإِجْمَاع فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن عبد الله بن مسعودأنه قَالَ كل ذَلِك قد كَانَ حِين سُئِلَ عَن تَكْبِيرَات الْجِنَازَة لَكِن رَأَيْت النَّاس أَجمعُوا على أَربع تَكْبِيرَات
ثمَّ إِن عندنَا لَا يرفع يَدَيْهِ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَة الأولى
وعَلى قَول الشَّافِعِي يرفع عِنْد كل تَكْبِيرَة وَقد ذكرنَا قبل هَذَا
وَلَيْسَ فِيهَا قِرَاءَة الْفَاتِحَة أصلا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز بِدُونِ الْفَاتِحَة
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَنَّهَا لَيست بِصَلَاة حَقِيقَة إِنَّمَا شرعت الدُّعَاء على
[ ٢٤٩ ]
الْمَيِّت وَأَصله حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ مَا وَقت لنا رَسُول الله ﷺ فِي صَلَاة الْجِنَازَة قولا وَلَا قِرَاءَة كبر مَا كبر الإِمَام واختر من أطيب الْكَلَام مَا شِئْت
ثمَّ الْمَشْهُور من الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِي الأَصْل وَغَيره أَن يقوم الإِمَام بحذاء صدر الْمَيِّت فِي الرجل وَالْمَرْأَة جَمِيعًا حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهِ
وَعَن الْحسن أَنه يقوم فِي الرجل بحذاء وَسطه وَفِي الْمَرْأَة بحذاء وَسطهَا إِلَّا أَنه يكون إِلَى رَأسهَا أقرب
وَعَن أبي يُوسُف أَنه يقوم من الْمَرْأَة بحذاء وَسطهَا وَمن الرجل مِمَّا يَلِي الرَّأْس وَقَالَ الطَّحَاوِيّ وَهَذَا قَوْله الْأَخير
وَالصَّحِيح هُوَ الأول لِأَنَّهُ لَا بُد من أَن يُحَاذِي جُزْءا من أَجزَاء الْمَيِّت فَكَانَ محاذاة الصَّدْر الَّذِي هُوَ مَوضِع الْإِيمَان أَحَق
وَإِذا اجْتمعت الْجَنَائِز فالإمام بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ الله صلى عَلَيْهَا كلهَا دفْعَة وَاحِدَة وَإِن شَاءَ صلى على كل جَنَازَة على حِدة فَإِن أَرَادَ أَن يُصَلِّي على كل جَنَازَة على حِدة فَالْأولى أَن يقدم الْأَفْضَل مِنْهُم وَإِن صلى كَيفَ شَاءَ فَلَا بَأْس بِهِ وَإِن أَرَادَ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِم جملَة يَنْبَغِي أَن يكون الرِّجَال مِمَّا يَلِي الإِمَام ثمَّ الصّبيان الذُّكُور ثمَّ النِّسَاء ثمَّ الصبيات لما رُوِيَ عَن عمر أَنه صلى على أَربع جنائز رجال وَنسَاء وَجعل الرِّجَال مِمَّا يَلِي الإِمَام
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه يضع أفضلهَا مِمَّا يَلِي الإِمَام
وقالأبو يُوسُف أحسن ذَلِك عِنْدِي أَن يكون أهل الْفضل مِمَّا يَلِي الإِمَام
ثمَّ تكلمُوا فِي كَيْفيَّة الْوَضع من حَيْثُ الْمَكَان
[ ٢٥٠ ]
قَالَ ابْن أبي ليلى إِذا اجْتمعت الْجَنَائِز يوضع رجل خلف رجل رَأس الآخر أَسْفَل من رَأس الأول يوضعون هَكَذَا درجا
وَعَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ إِن وضعُوا كَمَا قَالَ ابْن أبي ليلى فَحسن لِأَن النَّبِي ﵇ وصاحبيه دفنُوا على هَذِه الصّفة والوضع للصَّلَاة كَذَلِك فَإِن وضعُوا رَأس كل وَاحِد مِنْهُم بحذاء رَأس صَاحبه فَحسن لِأَن الْمَقْصُود حَاصِل وَهُوَ الصَّلَاة عَلَيْهِم
وَأما بَيَان ولَايَة الصَّلَاة فَنَقُول ذكر الشيخأبو الْحسن الْكَرْخِي قَالَ أَبُو حنيفَة يُصَلِّي على الْجِنَازَة أَئِمَّة الْحَيّ وَالَّذِي يُصَلِّي بالأحياء هُوَ الَّذِي يُصَلِّي على الْمَوْتَى وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة يُصَلِّي الإِمَام إِن حضر أَو القَاضِي أَو الْوَالِي فَإِن لم يحضر أحد مِنْهُم فَيَنْبَغِي أَن يقدموا إِمَام الْحَيّ فَإِن لم يكن إِمَام الْحَيّ فأقرب النَّاس إِلَيْهِ
وَقَالَ مُحَمَّد يَنْبَغِي للوالي أَن يقدم إِمَام الْمَسْجِد وَلَا يجْبر الْوَالِي على ذَلِك وَهُوَ قَول أبي حنيفَة
عَن ابْن سَمَّاعَة عَن أبي يُوسُف الصَّلَاة على الْمَيِّت إِلَى الْأَوْلِيَاء دون إِمَام الْحَيّ
وَحَاصِل ذَلِك أَن السُّلْطَان إِذا حضر فَهُوَ أولى لما رُوِيَ أَن الْحسن ﵁ لما مَاتَ قدم الحسينرضي الله عَنهُ سعيد بن الْعَاصِ أَمِير الْمَدِينَة وَقَالَ لَوْلَا السّنة لما قدمتك
وَأما إِمَام الْحَيّ فتقديمه على طَرِيق الْأَفْضَل وَلَيْسَ بِوَاجِب بِخِلَاف تَقْدِيم السُّلْطَان هَكَذَا فسر ابْن شُجَاع
[ ٢٥١ ]
ثمَّ أجمع أَصْحَابنَا أَن بعد إِمَام الْحَيّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب من ذَوي الْأَنْسَاب أَحَق فَإِن تساووا فِي الْقَرَابَة فأكبرهم سنا فَإِن أَرَادَ الأسن أَن يقدم غير شَرِيكه فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك إِلَّا بِإِذْنِهِ لِأَن الْولَايَة لَهما وَإِنَّمَا قدم الأسن للسّنة فَأَما إِذا كَانَ أَحدهمَا أقرب
فللأقرب أَن يقدم من شَاءَ
وَلَو أَن امْرَأَة مَاتَت وَتركت زَوجهَا وَابْنهَا يكره للِابْن أَن يتَقَدَّم أَبَاهُ وَعَلِيهِ أَن يقدم أَبَاهُ
أما الزَّوْج فَلَا ولَايَة لَهُ لِأَن الزَّوْجَة قد انْقَطَعت بِالْمَوْتِ
وَأما بَيَان مَا يفْسد صَلَاة الْجِنَازَة وَمَا يمْنَع مِنْهَا فَنَقُول إِن الصَّلَاة كلهَا مَكْرُوهَة فِي الْأَوْقَات الثَّلَاثَة على مَا ذكرنَا لَكِن إِن صلوا على الْجِنَازَة فِي هَذِه الْأَوْقَات لم يجب الْإِعَادَة وَإِن كَانَت وَاجِبَة لِأَن صَلَاة الْجِنَازَة فرض كِفَايَة وَإِنَّمَا يتَعَيَّن الْوُجُوب على الْمُصَلِّين بِالشُّرُوعِ وَقد وجد الشُّرُوع فِي الْوَقْت الْمَكْرُوه فيحب نَاقِصا بِمَنْزِلَة عصر الْوَقْت فيجزئه
وَمن صلى على جَنَازَة رَاكِبًا أَو قَاعِدا من غير عذر فَالْقِيَاس أَن يُجزئهُ
وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا يُجزئهُ لِأَن صَلَاة الْجِنَازَة لَيست بِأَكْثَرَ من الْقيام فَإِذا ترك الْقيام لم تجز
وَلَو صلى على صبي وَهُوَ مَحْمُول على دَابَّة لم تجز لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الإِمَام
وَإِذا صلى الإِمَام من غير طَهَارَة أعادوا لِأَنَّهُ لَا صِحَة لَهَا بِدُونِ الطَّهَارَة فَإِذا لم تصح صَلَاة الإِمَام لم تصح صَلَاة الْقَوْم
فَأَما إِذا كَانَ الإِمَام على طَهَارَة وَالْقَوْم على غير طَهَارَة جَازَت صَلَاة الإِمَام دون صَلَاة الْقَوْم وَلم يُعِيدُوا صَلَاة الْجِنَازَة لِأَن صَلَاة الإِمَام تنوب عَن الْكل
[ ٢٥٢ ]
وَبِهَذَا تبين أَنه لَا تجب صَلَاة الْجَمَاعَة فَإِن الإِمَام مُنْفَرد هُنَا
وَإِذا صلت نسَاء وحدهن على جَنَازَة قَامَت الَّتِي تؤم وسط الصَّفّ وَهَذِه الْمَسْأَلَة تدل على أَنه لَا يشْتَرط أَن يقوم الرِّجَال لصَلَاة الْجِنَازَة دون النِّسَاء وحدهن
وَلَو صلوا على الْمَيِّت ثمَّ علمُوا أَنهم لم يغسلوه فَهَذَا على وُجُوه إِن ذكرُوا قبل أَن يدْفن يغسل وتعاد الصَّلَاة لِأَن غسل الْمَيِّت شَرط جَوَاز الصَّلَاة
وَإِن ذكرُوا بَعْدَمَا دفنوه وأهالوا التُّرَاب عَلَيْهِ وسووا الْقَبْر فَإِنَّهُ لَا ينبش الْقَبْر
فَأَما إِذا لم يهيلوا عَلَيْهِ التُّرَاب فَإِنَّهُ يخرج من الْقَبْر وَيغسل سَوَاء نصبوا اللَّبن عَلَيْهِ أم لَا
وروى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد أَنهم إِذا أهالوا عَلَيْهِ التُّرَاب لم يخرجوه وَلَكِن يصلونَ على قَبره ثَانِيًا لِأَن الطَّهَارَة إِنَّمَا شرطت عِنْد الْقُدْرَة لَا عِنْد الْعَجز وَقد ثَبت الْعَجز بِسَبَب الدّفن
وَالصَّحِيح قَول ظَاهر الرِّوَايَات أَنه لَا يُعَاد الصَّلَاة لِأَن الصَّلَاة بِدُونِ الْغسْل غير مَشْرُوعَة وَلَا وَجه إِلَى الْغسْل لِأَنَّهُ يتَضَمَّن أمرا حَرَامًا وَهُوَ نبش الْقَبْر فَتسقط الصَّلَاة
وَأما إِذا نسوا الصَّلَاة على الْمَيِّت بعد الْغسْل فتذكروا بعد الدّفن فَإِن كَانَ قبل مُضِيّ ثَلَاثَة أَيَّام يصلى على الْقَبْر وَإِن كَانَ بعد ذَلِك لَا يصلى وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه صلى على قبر المسكينة
[ ٢٥٣ ]