يحْتَاج فِي هَذَا الْبَاب إِلَى بَيَان ركن الظِّهَار شرعا وَإِلَى بَيَان شَرَائِطه وَإِلَى بَيَان حكمه وَإِلَى تَفْسِير الْكَفَّارَة
أما ركن الظِّهَار شرعا فَنَقُول أَن يَقُول الرجل لزوجته أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي فَيَقَع بِهِ الظِّهَار نوى أَو لم ينْو لِأَنَّهُ صَرِيح فِي بَابه
وَكَذَا إِذا نوى بِهِ تَحْرِيم الطَّلَاق أَو تَحْرِيم الْيَمين لَا يَصح لما قُلْنَا إِنَّه صَرِيح فِي الظِّهَار فَإِذا نوى غَيره لَا يَصح
وَلَو قَالَ أردْت بِهِ الْخَبَر عَن الْمَاضِي كَاذِبًا لَا يصدق فِي الْقَضَاء وَيصدق فِيمَا بَينه وَبَين الله
وَكَذَا إِذا أضَاف الظِّهَار إِلَى جُزْء شَائِع أَو جَامع من امْرَأَته
وَلَو أضَاف إِلَى جُزْء معِين غير جَامع وَلَا شَائِع لَا يجوز كَالطَّلَاقِ
[ ٢ / ٢١١ ]
وَلَو شبه امْرَأَته بعضو من أمه غير الظّهْر فَإِن كَانَ لَا يجوز النّظر إِلَيْهِ فَهُوَ ظِهَار نَحْو الْبَطن والفخذ والفرج
وَلَو شبه امْرَأَته بذوات الْمَحَارِم غير الْأُم إِن كَانَت الْحُرْمَة على التَّأْبِيد بِنسَب أَو رضَاع أَو مصاهرة فَإِنَّهُ يكون ظِهَارًا
وَلَو شبه امْرَأَته بِامْرَأَة مُحرمَة عَلَيْهِ فِي الْحَال وَهِي مِمَّن تحل لَهُ فِي حَالَة أُخْرَى مثل أُخْت امْرَأَته وَمثل امْرَأَة لَهَا زوج أَو مَجُوسِيَّة أَو مرتدة لم يكن مُظَاهرا لِأَن النَّص ورد فِي الْأُم وَهِي مُحرمَة على التَّأْبِيد
وَأما شَرَائِط صِحَة الظِّهَار فَنَقُول مِنْهَا أَن يكون الْمظَاهر مُسلما عندنَا
وَعند الشَّافِعِي لَيْسَ بِشَرْط
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن حكمه هُوَ الْحُرْمَة المؤقتة بِالْكَفَّارَةِ وَهِي عبَادَة وَالْكَافِر لَيْسَ من أَهلهَا وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَمِنْهَا أَن تكون الْمَرْأَة محللة بِالنِّكَاحِ لَا بِملك الْيَمين حَتَّى لَو ظَاهر من أمته أَو مدبرته أَو أم وَلَده لَا يَصح لِأَنَّهُ حكم ثَبت بِخِلَاف الْقيَاس بِالنَّصِّ وَقد ورد فِي حق الزَّوْجَة بقوله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم﴾ فَلَا يُقَاس عَلَيْهَا غَيرهَا
وَلَو ظَاهر من المختلعة والمبانة لَا يَصح وَإِن كَانَ يلْحقهَا صَرِيح الطَّلَاق لِأَنَّهَا لَيست بمحللة بِالنِّكَاحِ
وَإِن بَقِي النِّكَاح من وَجه
وَأما حكمه فَهُوَ تَحْرِيم الِاسْتِمْتَاع بهَا من الْوَطْء ودواعيه مؤقتا إِلَى وجود التَّكْفِير مَعَ بَقَاء ملك النِّكَاح لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ للمظاهر الَّذِي وَاقع امْرَأَته اسْتغْفر الله وَلَا تعد حَتَّى تكفر
[ ٢ / ٢١٢ ]
وَيجب على الْمَرْأَة أَن تمنع الزَّوْج عَن الِاسْتِمْتَاع بهَا حَتَّى يكفر
وللمرأة أَن تطالب الزَّوْج بِالْوَطْءِ عِنْد الْحَاكِم وعَلى الْحَاكِم أَن يجْبرهُ حَتَّى يكفر ويطأ لِأَنَّهُ أضرّ بهَا فِي الِامْتِنَاع عَن الْوَطْء مَعَ قيام الْملك وَفِي وَسعه إِزَالَته بالتكفير
ثمَّ هَذِه الْحُرْمَة لَا تَزُول بِسَبَب من أَسبَاب الْإِبَاحَة مَا لم تُوجد الْكَفَّارَة لَا بِالنِّكَاحِ وَلَا بِملك الْيَمين وَلَا بِإِصَابَة الزَّوْج الثَّانِي حَتَّى أَن الْمظَاهر إِذا طَلقهَا طَلَاقا بَائِنا وَانْقَضَت عدتهَا ثمَّ تزَوجهَا لَا يحل لَهُ وَطْؤُهَا مَا لم يكفر
وَكَذَلِكَ لَو كَانَت الزَّوْجَة أمة الْغَيْر فَظَاهر مِنْهَا ثمَّ اشْتَرَاهَا حَتَّى بَطل النِّكَاح لم يحل لَهُ أَن يَطَأهَا بِملك الْيَمين حَتَّى يكفر
وَكَذَلِكَ لَو كَانَت حرَّة فارتدت عَن الْإِسْلَام وَلَحِقت بدار الْحَرْب فسبيت واشتراها
وَكَذَلِكَ لَو طَلقهَا ثَلَاثًا وَتَزَوَّجت بِزَوْج آخر ثمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بِالنِّكَاحِ لَا تحل لَهُ حَتَّى يكفر وَإِن صَحَّ النِّكَاح
وَلَو كفر بعد مَا أَبَانهَا أَو طَلقهَا ثَلَاثًا صَحَّ التَّكْفِير حَتَّى لَو تزَوجهَا حل لَهُ وَطْؤُهَا لِأَن صِحَة التَّكْفِير لَا تعتمد قيام الْملك
وَإِن كَانَ الظِّهَار مؤقتا إِلَى وَقت بِأَن قَالَ أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي يَوْمًا أَو شهر أَو سنة ثمَّ مضى الْوَقْت سقط الظِّهَار عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ لِأَن الشَّرْع جعل التَّكْفِير مزيلا للظهار المؤبد أَو الْمُطلق حَتَّى تَنْتَهِي الْحُرْمَة والمؤقت يَنْتَهِي بِمُضِيِّ الْوَقْت
وَلَو قَالَ أَنْت عَليّ كأمي فَأَنَّهُ يرجع إِلَى نِيَّته عِنْد أبي حنيفَة إِن أَرَادَ الْإِكْرَام لَا يكون ظِهَارًا وَإِن أَرَادَ الطَّلَاق أَو الظِّهَار فَهُوَ كَمَا نوى وَإِن أَرَادَ التَّحْرِيم فَهُوَ إِيلَاء
وَقَالَ مُحَمَّد هُوَ ظِهَار
وَقَالَ أَبُو
[ ٢ / ٢١٣ ]
يُوسُف هُوَ إِيلَاء
وَلَو قَالَ أَنْت عَليّ حرَام كأمي حمل على نِيَّته فَإِن لم يكن لَهُ نِيَّة كَانَ ظِهَارًا لِأَن حرف التَّشْبِيه يخْتَص بالظهار
وَأما بَيَان الْكَفَّارَة فَنَقُول الْكَفَّارَة لَا تجب إِلَّا عِنْد وجود الظِّهَار وَالْعود قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم ثمَّ يعودون لما قَالُوا فَتَحْرِير رَقَبَة من قبل أَن يتماسا﴾ وَفِيه كَلَام أَن سَبَب الْوُجُوب كِلَاهُمَا أَو أَحدهمَا أَو غَيرهمَا
وَالْعود عندنَا هُوَ الْعَزْم على وَطئهَا بعد الظِّهَار
وَقَالَ الشَّافِعِي الْعود أَن يسكت الْمظَاهر عَن طَلاقهَا عقيب الظِّهَار
وَقَالَ أَصْحَاب الظَّوَاهِر الْعود أَن يُكَرر لفظ الظِّهَار
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَنَّهُ بالظهار حرم وَطأهَا على نَفسه فَمَتَى عزم على وَطئهَا فقد قصد الرُّجُوع عَن الأول وَالْعود هُوَ الرُّجُوع فيسمى عودا
ثمَّ الْكَفَّارَة تجب على التَّرْتِيب الْإِعْتَاق عِنْد الْقُدْرَة ثمَّ صِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين عِنْد الْعَجز عَن الْإِعْتَاق ثمَّ إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا عِنْد الْعَجز عَن الصَّوْم
عرف ذَلِك بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله ﴿وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم﴾
وَإِنَّمَا يكفر قبل الْوَطْء لقَوْله تَعَالَى ﴿من قبل أَن يتماسا﴾
[ ٢ / ٢١٤ ]
فَإِن وطىء قبل أَن يكفر فقد بَاشر وطئا حَرَامًا فَعَلَيهِ أَن يسْتَغْفر الله تَعَالَى وَلَا يطَأ حَتَّى يكفر
وَلَو أعتق بعض رَقَبَة عَن كَفَّارَته ثمَّ وطىء ثمَّ أعتق مَا بَقِي مِنْهَا لم يجزه وَعَلِيهِ أَن يسْتَقْبل إِعْتَاق رَقَبَة عِنْد أبي حنيفَة لِأَن الْإِعْتَاق عِنْده مِمَّا يتَجَزَّأ فَيكون معتقا بعضه بعد الْوَطْء وَبَعضه قبل الْوَطْء وَالله تَعَالَى أَمر بِإِعْتَاق رَقَبَة كَامِلَة قبل الْمَسِيس
وعَلى قَوْلهمَا صَحَّ لِأَن عِنْدهمَا الْإِعْتَاق لَا يتَجَزَّأ فإعتاق الْبَعْض إِعْتَاق الْكل
وَلَو جَامع الْمظَاهر فِي خلال الصَّوْم جماعا يفْسد الصَّوْم فَإِنَّهُ يسْتَقْبل الصَّوْم بِالْإِجْمَاع لِأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ صِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين قبل الْمَسِيس مَعَ الْإِمْكَان وَلم يُوجد
وَلَو جَامع فِي الشَّهْرَيْنِ لَيْلًا أَو نَهَارا نَاسِيا لصومه اسْتقْبل عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف يمْضِي على صِيَامه وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَو جَامع فِي خلال الْإِطْعَام لم يلْزمه الِاسْتِقْبَال بِالْإِجْمَاع لِأَن الله تَعَالَى لم يذكر فِي الْإِطْعَام ترك الْمَسِيس لَكِن يمْنَع عَن الْوَطْء قبل الْفَرَاغ من الْإِطْعَام لجَوَاز أَن يقدر على الصَّوْم أَو الْعتْق فَتبين أَن الْوَطْء كَانَ حَرَامًا
وَلَو كفر بِالْإِعْتَاقِ يعْتق رَقَبَة كَامِلَة للذات وَالرّق على مَا نبين فِي كتاب الْإِيمَان
وَلَو كفر بِالْإِطْعَامِ أطْعم سِتِّينَ مِسْكينا كل مِسْكين نصف صَاع من بر أَو دَقِيق أَو سويق أَو صَاعا من تمر أَو شعير كَمَا ذكرنَا فِي صَدَقَة الْفطر وَحكمه حكم ذَلِك
[ ٢ / ٢١٥ ]