يحْتَاج فِي الْبَاب إِلَى تَفْسِير الْكِتَابَة وَإِلَى بَيَان حكمهَا
أما الأول فَنَقُول الْكِتَابَة عقد مَشْرُوع مَنْدُوب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ سَبَب الْعتْق قَالَ الله تَعَالَى ﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾
ثمَّ الْكِتَابَة نَوْعَانِ حَالَة ومؤجلة
أما الْكِتَابَة الْحَالة فجائزة عندنَا وَعند الشَّافِعِي لَا تجوز على عكس السّلم فالسلم الْحَال لَا يجوز عندنَا وَعند الشَّافِعِي السّلم الْحَال جَائِز
وَأما الْكِتَابَة المؤجلة فجائزة بِلَا خلاف
وتفسيرها أَن يَقُول الرجل لعَبْدِهِ كاتبتك على ألف دِرْهَم على أَن تُؤدِّي إِلَيّ كل شهر كَذَا على أَنَّك إِذا أدّيت فَأَنت حر
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ إِذا أدّيت إِلَيّ ألف دِرْهَم كل شهر مِنْهُ كَذَا فَأَنت حر وَقبل العَبْد فَإِنَّهُ يكون كِتَابَة لِأَن معنى الْكِتَابَة لَيْسَ إِلَّا الْإِعْتَاق على مَال مُؤَجل منجم بنجوم مَعْلُومَة وَلَكِن إِنَّمَا يجوز إِذا قبل بدل الْكِتَابَة لِأَنَّهُ عقد مُعَاوضَة فَلَا بُد من الْإِيجَاب وَالْقَبُول
[ ٢ / ٢٨١ ]
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ كاتبتك على ألف دِرْهَم ونجمه وسمى النُّجُوم وَقبل العَبْد فَإِنَّهُ يكون كِتَابَة وَإِن لم يعلق الْعتْق بِالْأَدَاءِ وَلم يقل على أَنَّك إِن أدّيت إِلَيّ ألفا فَأَنت حر لِأَنَّهُ عقد مُعَاوضَة فَيعتق بِحكم الْمُعَاوضَة لَا بِحكم الشَّرْط
وعَلى قَول الشَّافِعِي لَا بُد من ذكر التَّعْلِيق بِشَرْط الْأَدَاء
وَلِهَذَا إِنَّه لَو أَبْرَأ الْمكَاتب عَن بدل الْكِتَابَة يعْتق وَلَو كَانَ مُعَلّقا بِالْأَدَاءِ لَا يعْتق بِدُونِ الشَّرْط
وَأما حكم الْكِتَابَة فَنَقُول أما حكمهَا قبل أَدَاء الْكِتَابَة فَأن يكون أَحَق بمنافعه ومكاسبه وَيبقى على ملك الْمولى حَتَّى لَو أعتق عَن كَفَّارَة يَمِينه جَازَ عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَهِي مَسْأَلَة كتاب الْأَيْمَان
وَأَجْمعُوا أَنه لَو أُدي بعض بدل الْكِتَابَة فَأعْتقهُ عَن الْكَفَّارَة لَا يجوز لِأَنَّهُ يصير فِي معنى الْإِعْتَاق على عوض من وَجه
وَلَو أَرَادَ الْمولى أَن يمنعهُ من الْكسْب لَيْسَ لَهُ ذَلِك لِأَن الْكسْب حق الْمكَاتب
وَلَو تزوج لَا يجوز لِأَنَّهُ لَيْسَ من بَاب الْكسْب وَفِيه ضَرَر بالمولى بِلُزُوم الْمهْر فِي رقبته
وَلَا يجوز فِيهِ تصرف يُفْضِي إِلَى إبِْطَال حق الْمكَاتب من البيع وَالشِّرَاء وَالْإِجَارَة وَالرَّهْن وَنَحْوهَا فَلَا يجوز فِيهِ إِلَّا الْإِعْتَاق وَالتَّدْبِير لِأَن فِيهِ مَنْفَعَة لَهُ
ثمَّ عقد الْكِتَابَة لَازم فِي حق الْمولى حَتَّى لَا يملك فَسخه إِلَّا بِرِضا
[ ٢ / ٢٨٢ ]
الْمكَاتب وَغير لَازم فِي حق الْمكَاتب حَتَّى أَن لَهُ أَن يعجز نَفسه فَيفْسخ عقد الْكِتَابَة بِدُونِ رضى الْمولى إِلَّا أَنه إِذا أخل بِنَجْم فَلم يؤد وَعجز عَنهُ للْمولى أَن يفْسخ العقد وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه لَا يفْسخ مَا لم يخل بنجمين لِأَنَّهُ لَو لم يثبت حق الْفَسْخ عِنْد الِامْتِنَاع عَن الْأَدَاء يتَضَرَّر بِهِ الْمولى
فَأَما حكم الْأَدَاء فَإِنَّهُ إِذا أدّى الْبَدَل بِتَمَامِهِ يثبت الْعتْق لِأَنَّهُ عقد مُعَاوضَة فَمَتَى سلم الْبَدَل يسلم الْمُبدل وَيكون أكسابه وَأَوْلَاده سَالِمَة لَهُ فَيعتق أَوْلَاده بِعِتْقِهِ
وَكَذَلِكَ إِذا أَبرَأَهُ الْمولى عَن الْبَدَل لِأَنَّهُ حق الْمولى فَيقدر على إِسْقَاطه عَنهُ كَمَا فِي سَائِر الدُّيُون
وَإِذا مَاتَ الْكَاتِب فَإِن مَاتَ عَاجِزا فَإِنَّهُ يَنْفَسِخ عقد الْكِتَابَة لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي بَقَائِهِ
فَأَما إِذا مَاتَ عَن وَفَاء فَإِنَّهُ يُؤَدِّي بدل كِتَابَته من تركته فَيَأْخُذ الْمولى فَيعتق عَن آخر جُزْء من أَجزَاء حَيَاته فَيعتق أَوْلَاده وَمَا فضل من التَّرِكَة يكون مِيرَاثا لوَرثَته الْأَحْرَار
وَكَذَلِكَ إِذا لم يتْرك وَفَاء وَلَكِن ترك ولدا مولودا فِي الْكِتَابَة فَإِن الْوَلَد يقوم مقَامه فِي أَدَاء الْبَدَل لكَونه مكَاتبا تبعا لَهُ فَإِذا عجز الأَصْل قَامَ التبع مقَامه وَإِذا أدّى يعْتق الْمكَاتب وَولده
وَبَين الْفَصْلَيْنِ فرق فِي حق بعض الْأَحْكَام على مَا يعرف فِي الزِّيَادَات إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَلَو قَالَ لعَبْدِهِ إِذا أدّيت إِلَيّ ألف دِرْهَم فَأَنت حر أَو إِذا أدّيت إِلَيّ قيمتك فَأَنت حر فأداه يعْتق لِأَن الْعتْق مُعَلّق بِالْأَدَاءِ فَإِذن
[ ٢ / ٢٨٣ ]
وجد شَرطه قَالَ الْكَرْخِي وَلَا يكون هَذَا كِتَابَة وَإِن كَانَ فِيهِ معنى الْكِتَابَة من وَجه حَتَّى أَن العَبْد إِذا جَاءَ بِالْبَدَلِ فَإِنَّهُ يجْبر على قبُوله أَي يصير الْمولى قَابِضا لَهُ كَمَا فِي الْكِتَابَة
وَبَيَان التَّفْرِقَة بَينهمَا فِي مسَائِل فَإِنَّهُ إِذا مَاتَ العَبْد هَهُنَا قبل الْأَدَاء وَترك مَالا فَالْمَال كُله للْمولى وَلَا يُؤَدِّي عَن فَيعتق بِخِلَاف الْكِتَابَة
وَكَذَا لَو مَاتَ الْمولى وَفِي يَد العَبْد كسب فَالْعَبْد رَقِيق يُورث عَنهُ مَعَ أكسابه بِخِلَاف الْكِتَابَة
وَلَو كَانَت هَذِه أمة فَولدت ثمَّ أدَّت لم يعْتق وَلَدهَا بِخِلَاف الْمُكَاتبَة إِذا ولدت ثمَّ أدَّت فعتقت يعْتق وَلَدهَا
وَلَو قَالَ العَبْد للْمولى حط عني مائَة فحط الْمولي عَنهُ فَأدى تِسْعمائَة فَإِنَّهُ لَا يعْتق بِخِلَاف الْكِتَابَة
وَلَو أَبْرَأ الْمولى العَبْد عَن الْألف لم يعْتق
وَلَو أَبْرَأ الْمكَاتب عَن بدل الْكِتَابَة يعْتق
وَلَو بَاعَ هَذَا العَبْد ثمَّ اشْتَرَاهُ وَأدّى إِلَيْهِ يجْبر على الْقبُول عِنْد أبي يُوسُف
وَقَالَ مُحَمَّد فِي الزِّيَادَات لَا يجْبر على قبُولهَا فَإِن قبلهَا عتق
وَكَذَلِكَ لورد إِلَيْهِ بِخِيَار أَو بِعَيْب
وَلَو بَاعَ الْمكَاتب لَا يجوز إِلَّا بِرِضَاهُ وَمَتى رَضِي يَنْفَسِخ الْكِتَابَة
وَذكر فِي الأَصْل إِذا قَالَ لعَبْدِهِ إِن أدّيت إِلَيّ ألفا فَأَنت حر فَإِن ذَلِك على الْمجْلس لِأَن الْعتْق مُعَلّق بِاخْتِيَار العَبْد فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْت حر إِن شِئْت
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه لَا يقف على الْمجْلس لِأَن
[ ٢ / ٢٨٤ ]
الْعتْق مُعَلّق بِالشّرطِ فَلَا يقف على الْمجْلس كَقَوْلِه إِن دخلت الدَّار
وَأما الْإِعْتَاق على مَال فَهُوَ خلاف الْكِتَابَة وَخلاف تَعْلِيق الْعتْق بِالْأَدَاءِ فَإِنَّهُ إِذا قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت حر على ألف دِرْهَم فَقبل العَبْد فَإِنَّهُ يعْتق من سَاعَته وَيكون الْبَدَل وَاجِبا فِي ذمَّته لِأَنَّهُ أعْتقهُ بعوض فَمَتَى قبل يَزُول الْعِوَض عَن صَاحبه كَمَا فِي البيع
وَكَذَا إِذا قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت حر على قيمَة رقبتك فَقبل ذَلِك فَإِنَّهُ يعْتق
وَكَذَا لَو أعْتقهُ على مَكِيل أَو مَوْزُون مَوْصُوف فِي الذِّمَّة مَعْلُوم الْجِنْس يجوز فَإِن هَذَا يصلح عوضا فِي البيع
وَلَو أعتق على عوض بِعَيْنِه وَهُوَ ملك غَيره فَإِنَّهُ يعْتق فَإِن أجَاز الْمَالِك يسْتَحق عينه وَإِن لم يجز يجب على العَبْد قيمَة رقبته
وَكَذَلِكَ لَو أعتق على عوض بِغَيْر عينه مَعْلُوم الْجِنْس جَازَ فَإِن كَانَ مَوْصُوفا فَعَلَيهِ تَسْلِيمه وَإِن لم يكن مَوْصُوفا فَعَلَيهِ الْوسط من ذَلِك فَإِن جَاءَ بِالْقيمَةِ أجبر الْمولى على الْقبُول كَمَا فِي الْمهْر
وَلَو أعْتقهُ الْمولى على مَجْهُول الْجِنْس بِأَن قَالَ أَنْت حر على ثوب يعْتق وَيلْزمهُ قيمَة نَفسه لِأَن جَهَالَة الْجِنْس تمنع صِحَة الْبَدَل كَمَا فِي الْمهْر
فَلَو أدّى إِلَيْهِ الْعِوَض فَاسْتحقَّ من يَد الْمولي فَإِن كَانَ بِغَيْر عينه فِي العقد فعلى العَبْد مثله لِأَنَّهُ لم يعجز عَن الَّذِي هُوَ مُوجب العقد
وَإِن كَانَ عينا فِي العقد وَهُوَ عوض أَو حَيَوَان فَإِنَّهُ يرجع على العَبْد بِقِيمَة نَفسه عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
وَقَالَ مُحَمَّد يرجع بِقِيمَة الْمُسْتَحق
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا بَاعَ نفس العَبْد مِنْهُ بِجَارِيَة ثمَّ اسْتحقَّت الْجَارِيَة أَو هَلَكت قبل التَّسْلِيم فعندهما يرجع بِقِيمَة العَبْد وَعِنْده يرجع بِقِيمَة الْجَارِيَة وَهِي مَذْكُورَة فِي الخلافيات
[ ٢ / ٢٨٦ ]