فِي الْبَاب فصلان بَيَان الْمُدبر وَبَيَان حكمه
أما الأول فَنَقُول الْمُدبر نَوْعَانِ مُطلق ومقيد
فالمطلق من تعلق عتقه بِمَوْت الْمولى مُطلقًا من غير قيد الْمَوْت بِصفة وَلَا بِشَرْط آخر سوى الْمَوْت
والمقيد نَوْعَانِ أَحدهمَا أَن يكون عتقه مُعَلّقا بِمَوْت مَوْصُوف بِصفة بِأَن قَالَ إِن مت من مرضِي هَذَا أَو من سَفَرِي هَذَا
وَالثَّانِي أَن يكون عتقه مُعَلّقا بِمَوْتِهِ وبشرط آخر سواهُ
ثمَّ التَّدْبِير الْمُطلق لَهُ ثَلَاثَة أَنْوَاع من الْأَلْفَاظ أَحدهَا صَرِيح اللَّفْظ مثل أَن يَقُول دبرتك أَو أَنْت مُدبر
وروى هِشَام عَن مُحَمَّد رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا إِذا قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت مُدبر بعد موتِي فَإِنَّهُ يصير مُدبرا للْحَال لِأَن الْمُدبر اسْم لمن يعْتق عَلَيْهِ عَن دبر مَوته فَقَوله أَنْت مُدبر بعد موتِي وَأَنت حر بعد موتِي سَوَاء
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أَعتَقتك بعد موتِي أَو أَنْت حر بعد موتِي أَو أَنْت حر عَن دبر موتِي
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وَالثَّانِي بِلَفْظَة الْيَمين بِأَن قَالَ إِن مت فَأَنت حر أَو إِن حدث لي حدث فَأَنت حر وَنَحْو ذَلِك
وَالثَّالِث لَفْظَة الْوَصِيَّة بِأَن قَالَ أوصيت لَك برقبتك أَو أوصِي لَهُ بِثلث مَاله فَيدْخل فِيهِ رقبته أَو بعض رقبته لِأَن الْإِيصَاء للْعَبد بِرَقَبَتِهِ إِزَالَة ملكه عَن رقبته لِأَنَّهُ لَا يثبت لَهُ الْملك فِي رقبته فَبيع نفس العَبْد مِنْهُ إِعْتَاق فَيصير كَأَنَّهُ قَالَ أَنْت حر بعد موتِي
وَأما حكم الْمُدبر الْمُطلق فَنَقُول إِنَّه يعْتق فِي آخر جُزْء من أَجزَاء حَيَاته إِن كَانَ يخرج من الثُّلُث وَإِن لم يخرج يعْتق ثلثه وَيسْعَى فِي ثُلثَيْهِ
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي الْمُدبر الْمُقَيد إِنَّه يعْتق من الثُّلُث
وَأما حكمه فِي حَالَة الْحَيَاة فَإِنَّهُ يثبت لَهُ حق الْحُرِّيَّة أَو الْحُرِّيَّة من وَجه فَلَا يجوز إِخْرَاجه عَن ملكه إِلَّا بِالْإِعْتَاقِ أَو بِالْكِتَابَةِ وَلَا يجوز فِيهِ تصرف يبطل حَقه أما مَا لَا يبطل حَقه فَيجوز
وَلِهَذَا لَا يجوز رهن الْمُدبر لِأَن فِيهِ نقل الْملك فِي حق الْحَبْس
وَلَو زوج الْمُدبرَة جَازَ
وَكَذَلِكَ لَو أجره لِأَن هَذَا تصرف فِي الْمَنْفَعَة
وَكَذَا أكساب الْمُدبر والمدبرة ومهرها وأرشها للْمولى لِأَن الْمُدبر بَاقٍ على ملكه
وَولد الْمُدبر الْمُطلق حكمه حكم أمه يعْتق بِمَوْت الْمولى
وَهَذَا كُله مَذْهَبنَا وَقَالَ الشَّافِعِي يجوز بيع الْمُدبر الْمُطلق وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وَأما حكم الْمُدبر الْمُقَيد فَنَقُول فِي حَال الْحَيَاة إِنَّه لَا يكون مُدبرا حَقِيقَة للْحَال حَتَّى يجوز جَمِيع التَّصَرُّفَات فِيهِ
وَأما حكمه بعد الْمَوْت فَالَّذِي علق عتقه بِمَوْت مَوْصُوف بِصفة بِأَنَّهُ قَالَ إِن مت من مرضِي هَذَا أَو إِن مت من سَفَرِي هَذَا أَو إِن قتلت أَو غرقت فَإِنَّهُ إِذا مَاتَ من غير ذَلِك الْوَجْه لَا يعْتق لِأَنَّهُ لم يُوجد الشَّرْط وَهُوَ الْمَوْت بِصفة
وَإِن مَاتَ من مَرضه أَو سَفَره فَإِنَّهُ يعْتق فِي آخر جُزْء من أَجزَاء حَيَاته وَلَا يحْتَاج إِلَى إِعْتَاق الْوَرَثَة لِأَنَّهُ لم يتَأَخَّر عتقه عَن الْمَوْت
فَأَما إِذا أخر عتقه عَن الْمَوْت بِأَن قَالَ أَنْت حر بعد موتِي بساعة أَو بِيَوْم أَو بِشَهْر وَنَحْوه فَإِنَّهُ لَا يعْتق بِالْمَوْتِ لِأَنَّهُ أخر عتقه عَن الْمَوْت إِلَى وَقت فَيكون مُضَافا إِلَى الْوَقْت فَإِذا جَاءَ الْوَقْت لَا يعْتق وَلَكِن يعتقهُ الْوَصِيّ أَو الْوَارِث أَو القَاضِي لِأَن هَذَا وَصِيَّة بِالْإِعْتَاقِ لِأَن الْمَيِّت لَا يكون من أهل الْإِعْتَاق
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي الْمُدبر الَّذِي علق بِمَوْتِهِ وبشرط آخر بِأَن قَالَ أَنْت حر بعد موتِي وَمَوْت فلَان أَو إِن مت أَنا وَفُلَان فَأَنت حر أَو قَالَ إِن مت وَدخلت الدَّار أَو إِن كلمت فلَانا فَأَنت حر بعد موتِي فَإِن وجد الشَّرْط قبل الْمَوْت بِأَن مَاتَ فلَان أَو كلم فلَانا صَار مُدبرا مُطلقًا لِأَنَّهُ بَقِي عتقه مُعَلّقا بِالْمَوْتِ لَا غير
وَأما إِذا مَاتَ هُوَ أَولا ثمَّ مَاتَ فلَان فَإِنَّهُ لَا يعْتق
وَكَذَلِكَ إِذا مَاتَ ثمَّ دخل العَبْد الدَّار فَإِنَّهُ لَا يعْتق لِأَنَّهُ لم يُوجد الشرطان
وَأما إِذا وجد موت فلَان أَو دُخُول الدَّار فَكَذَلِك لِأَن الْمولى خرج
[ ٢ / ٢٧٩ ]
من أَن يكون من أهل الْإِعْتَاق بِالْمَوْتِ وَلَكِن يَجْعَل هَذَا وَصِيَّة بِالْإِعْتَاقِ فَيَنْبَغِي للْوَصِيّ أَن يعتقهُ
وَمَا عرفت من الْجَواب فِي الْمَوْت الْحَقِيقِيّ فَهُوَ الْجَواب فِي الْمَوْت الْحكمِي وَذَلِكَ نَحْو أَن يرْتَد الْمولى وَيلْحق بدار الْحَرْب وَيَقْضِي القَاضِي بلحاقه لِأَن الْمُرْتَد حكمه حكم الْمَيِّت فِي الْأَحْكَام وَالله أعلم
[ ٢ / ٢٨٠ ]