هَهُنَا فُصُول أَرْبَعَة أَحدهَا أَن يَقُول لامْرَأَته أَمرك بِيَدِك وَالثَّانِي أَن يَقُول لَهَا اخْتَارِي وَالثَّالِث أَن يَقُول أَنْت طَالِق إِن شِئْت وَالرَّابِع أَن يَقُول طَلِّقِي نَفسك
أما الأول فَهُوَ نَوْعَانِ إِمَّا أَن يكون مُطلقًا أَو مؤقتا
أما إِذا قا أَمرك بِيَدِك مُطلقًا وَلم يوقته بِوَقْت وَيُرِيد بِهِ الطَّلَاق فَإِنَّهُ يصير أمرهَا بِيَدِهَا وَيصير الطَّلَاق مفوضا إِلَيْهَا وَتصير مالكة للتطليق مَا دَامَت فِي مجلسها ذَلِك وَإِن طَال
وَهَذَا إِذا كَانَت حَاضِرَة وَسمعت الْأَمر من الزَّوْج وَعلمت بِهِ
فَأَما إِذا كَانَت غَائِبَة أَو حَاضِرَة وَلم تسمع فلهَا الْخِيَار فِي مجْلِس بلغ إِلَيْهَا الْخَبَر فِيهِ وَعلمت بذلك لِأَن هَذَا تمْلِيك الطَّلَاق وَالتَّمْلِيك يقْتَصر جَوَابه على الْمجْلس وَيكون مؤقتا بِهِ كَمَا فِي قبُول البيع
وَإِذا صَار الْأَمر فِي يَدهَا فَإِن اخْتَارَتْ نَفسهَا فِي الْمجْلس تقع وَاحِدَة بَائِنَة إِذا أَرَادَ الزَّوْج بِهِ طَلَاقا وَاحِدًا أَو اثْنَيْنِ
فَإِن أَرَادَ الزَّوْج
[ ٢ / ١٨٧ ]
ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاث لِأَن هَذَا اللَّفْظ من الْكِنَايَات فَيحْتَمل الثَّلَاث فَلَا بُد من نِيَّة الطَّلَاق على التَّفْصِيل الَّذِي ذكرنَا
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَت طلقت نَفسِي أَو أبنت أَو أَنا مِنْك بَائِن أَو طَالِق أَو قَالَت أَنْت عَليّ حرَام أَو أَنْت مني بَائِن فَإِنَّهُ يكون جَوَابا لِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ للطَّلَاق
فَأَما إِذا وجد مِنْهَا كَلَام أَو فعل يدل على الْإِعْرَاض عَن اخْتِيَار النَّفس فَإِنَّهُ يبطل خِيَارهَا وَيخرج الْأَمر من يَدهَا وَذَلِكَ نَحْو أَن تقوم من مجلسها ذَلِك إِذا سَمِعت بِالْخِيَارِ إِن كَانَت قَاعِدَة أَو كَانَت قَائِمَة فركبت وَإِن كَانَت سائرة فَإِن أجابت على الْفَوْر أَو وقفت للتأمل فِي ذَلِك وَإِلَّا فَيبْطل خِيَارهَا لِأَن ذَلِك دَلِيل الْإِعْرَاض
وَكَذَلِكَ إِذا اشتغلت بافتتاح الصَّلَاة أَو بِالْأَكْلِ وَالشرب حَتَّى يكون ذَلِك مجْلِس الْأكل وَالشرب
فَأَما إِذا أكلت شَيْئا يَسِيرا أَو شربت شربة فَلَا يعْتَبر
فَإِن قَالَت ادعوا لي أبواي حَتَّى أستشيرهما أَو ادعوا لي شُهُودًا أشهدهم عَلَيْهِ لم يبطل خِيَارهَا لِأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى ذَلِك فَلَا يكون دَلِيل الْإِعْرَاض
ثمَّ إِذا اخْتَارَتْ نَفسهَا مرّة لَيْسَ لَهَا أَن تخْتَار ثَانِيًا وَيبْطل الْخِيَار لِأَنَّهُ فوض إِلَيْهَا الْخِيَار مرّة وَاحِدَة
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ لَهَا أَمرك بِيَدِك إِن شِئْت
فَأَما إِذا قَالَ أَمرك بِيَدِك كلما شِئْت فَيكون الْأَمر فِي يَدهَا فِي ذَلِك الْمجْلس وَغَيره حَتَّى تبين بِثَلَاث لِأَن كلمة كلما تَقْتَضِي التّكْرَار لَكِنَّهَا لَا تطلق نَفسهَا فِي الْمجْلس إِلَّا مرّة وَاحِدَة كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا فِي كل مجْلِس أَمرك بِيَدِك فَمَا لم يَتَجَدَّد الْمجْلس لَا يَتَجَدَّد الْخِيَار
[ ٢ / ١٨٨ ]
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لَهَا أَمرك بِيَدِك إِذا شِئْت أَو مَتى شِئْت أَو مَا شِئْت أَو مَتى مَا شِئْت فلهَا الْخِيَار فِي الْمجْلس وَغَيره كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فِي أَي وَقت شِئْت إِلَّا أَنه يكون لَهَا الْخِيَار مرّة لِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ لَا توجب التّكْرَار
فَأَما إِذا كَانَ الْأَمر بِالْيَدِ موقتا بِأَن قَالَ أَمرك بِيَدِك يَوْمًا أَو شهرا أَو سنة أَو هَذَا الْيَوْم أَو هَذَا الشَّهْر أَو هَذِه السّنة فلهَا الْأَمر فِي جَمِيع ذَلِك الْوَقْت وإعراضها عَن الْجَواب فِي ذَلِك الْمجْلس وَغَيره واشتغالها بِغَيْر الْجَواب من الْأَعْمَال والأقوال لَا يبطل خِيَارهَا مَا بَقِي شَيْء من ذَلِك الْوَقْت لِأَنَّهُ فوض الطَّلَاق إِلَيْهَا فِي جَمِيع ذَلِك الْوَقْت غير أَنه إِذا كَانَ الْوَقْت مُنْكرا كَقَوْلِه يَوْمًا أَو شهرا فلهَا الْخِيَار من سَاعَته الَّتِي تكلم إِلَى أَن يتم الْوَقْت وَيكون الشَّهْر بِالْأَيَّامِ
فَأَما إِذا عين فَقَالَ هَذَا الْيَوْم أَو هَذَا الشَّهْر أَو هَذِه السّنة فلهَا الْخِيَار فِي بَقِيَّة الْيَوْم والشهر وَالسّنة
وَلَو لم تعلم بِالْوَقْتِ حَتَّى مضى يبطل خِيَارهَا وَلَا يتَوَقَّف ثُبُوت الْخِيَار على الْوَقْت الَّذِي علمت بِهِ لِأَنَّهُ أثبت الْخِيَار فِي زمَان مُقَدّر فينتهي بانتهاء الْوَقْت إِذْ لَو بَقِي لزاد على مِقْدَار الْوَقْت وَفِي الْأَمر بِالْيَدِ مُطلقًا يتَوَقَّف على مجْلِس الْعلم فَيشْتَرط علمهَا بذلك لِأَنَّهُ مَا قَيده بِالْوَقْتِ
وَلَو اخْتَارَتْ زَوجهَا فِي أول الشَّهْر أَو فِي أول السّنة ثمَّ أَرَادَت أَن تخْتَار نَفسهَا بعد ذَلِك فلهَا فِي ذَلِك قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد لِأَنَّهُ جعل إِلَيْهَا الْخِيَار فِي جَمِيع الْمدَّة واختيارها للزَّوْج فِي الْيَوْم إبِْطَال للخيار فِيهِ فَلَا يُوجب بطلَان الْخِيَار فِي يَوْم آخر فِي ذَلِك الْوَقْت كَمَا إِذا أَعرَضت عَن الْجَواب فِي يَوْم إِذا اشتغلت بِأُمُور كَثِيرَة فَيبْطل خِيَارهَا فِي ذَلِك الْيَوْم لَا فِي بَاقِي الْمدَّة كَذَا هَذَا
وَقَالَ أَبُو يُوسُف يخرج الْأَمر من يَدهَا فِي الشَّهْر كُله لِأَن هَذَا
[ ٢ / ١٨٩ ]
تمْلِيك وَاحِد فِي أشهر فَيبْطل برد وَاحِد كتمليك البيع
وَكَذَلِكَ الْخلاف فِي قَوْله أَمرك بِيَدِك كلما شِئْت وَإِذا شِئْت وَمَتى شِئْت وَقَالُوا أَيْضا إِن الْخلاف على عكس هَذَا
وَأما الْفَصْل الثَّانِي إِذا قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَنَقُول الْجَواب فِي هَذَا وَفِي قَوْله أَمرك بِيَدِك سَوَاء فِي جَمِيع الْأَحْكَام إِلَّا فِي موضِعين أَحدهمَا أَن الزَّوْج إِذا أَرَادَ بِهِ الثَّلَاث لَا يَقع وَفِي قَوْله أَمرك بِيَدِك يَقع لِأَن ذَلِك من كنايات الطَّلَاق وَأما قَوْله اخْتَارِي فَلَيْسَ من أَلْفَاظ الطَّلَاق وَإِنَّمَا هُوَ تَفْوِيض الطَّلَاق بِلَفْظ لَا يَقْتَضِي التّكْرَار
وَالثَّانِي أَنه لَا بُد من ذكر النَّفس هَهُنَا فِي أحد الْكَلَامَيْنِ بِأَن يَقُول الزَّوْج اخْتَارِي نَفسك أَو قَالَت اخْتَرْت نَفسِي إِذا قَالَ الزَّوْج اخْتَارِي لَا غير
وَأما إِذا قَالَ اخْتَارِي فَقَالَت اخْتَرْت لَا يكون شَيْئا
وَكَذَلِكَ إِذا قرن بِالْخِيَارِ مَا يُوجب الِاخْتِصَاص بِاخْتِيَار الطَّلَاق فَهُوَ كَاف بِأَن قَالَ اخْتَارِي الطَّلَاق أَو اخْتَارِي اختيارة
ثمَّ الْمَرْأَة إِذا قَالَت اخْتَرْت نَفسِي أَو طلقت نَفسِي يكون جَوَابا
وَلَو قَالَت اخْتَرْت أُمِّي أَو أبي أَو أَهلِي أَو الْأزْوَاج فَالْقِيَاس أَن لَا يَقع بِهِ شَيْء وَفِي الِاسْتِحْسَان يَقع لِأَن الْمَرْأَة عِنْد الطَّلَاق تلْحق بهؤلاء فَصَارَ اخْتِيَارهَا لذَلِك دلَالَة اخْتِيَار الطَّلَاق كَأَنَّهَا قَالَت اخْتَرْت الطَّلَاق
[ ٢ / ١٩٠ ]
الْفَصْل الثَّانِي إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِن شِئْت فَالْجَوَاب فِيهِ مثل الْجَواب فِي أَمرك بِيَدِك فِي جَمِيع الْأَحْكَام إِن كَانَ مُطلقًا فعلى الْمجْلس وَإِن كَانَ مؤقتا فثابت فِي جَمِيع الْوَقْت كَمَا ذكرنَا فِي الْخِيَار
إِلَّا أَن هُنَا يَقع الطَّلَاق الرَّجْعِيّ وَثمّ يَقع بَائِنا إِلَّا إِذا قَالَ لَهَا أَمرك بِيَدِك فِي تَطْلِيقَة أَو اخْتَارِي تَطْلِيقَة واختارت نَفسهَا يَقع رَجْعِيًا لِأَنَّهُ فوض إِلَيْهَا الرَّجْعِيّ
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِن أردْت أَو رضيت أَو هويت أَو أَحْبَبْت فَإِذا قَالَت شِئْت أَو أردْت فِي الْمجْلس يَقع الطَّلَاق وَإِن كَانَ لَا يعرف مشيئتها حَقِيقَة لِأَن الحكم مُتَعَلق بالإخبار عَن الْمَشِيئَة والإرادة وَلِهَذَا إِذا قَالَ لَهَا إِن كنت تحبيني أَو تبغضيني فَأَنت طَالِق فَقَالَت أحبك وَفِي قَلبهَا بِخِلَافِهِ يَقع وَيعْتَبر الْخَبَر لَا حَقِيقَة الْمحبَّة
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لَهَا إِن كنت تحبين أَن يعذبك الله بالنَّار أَو تكرهين دُخُول الْجنَّة فَأَنت طَالِق فَقَالَت إِنِّي أحب الْعَذَاب بالنَّار وأكره الْجنَّة وَقع الطَّلَاق لوُجُود الْخَبَر
وَلَو قَالَ إِن كنت تحبيني بقلبك فَأَنت طَالِق فَقَالَت أحبك وَفِي قَلبهَا بِخِلَافِهِ يَقع الطَّلَاق عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لما ذكرنَا وَعند مُحَمَّد لَا يَقع لِأَنَّهُ علقه بِحَقِيقَة فعل الْقلب وَلم يُوجد
وَأما الْفَصْل الرَّابِع إِذا قَالَ طَلِّقِي نَفسك فَالْجَوَاب فِيهِ مثل الأول لِأَن هَذَا تمْلِيك الطَّلَاق مِنْهَا بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ لأجنبية طَلِّقِي امْرَأَتي حَيْثُ لَا يقْتَصر على الْمجْلس وَفِي قَوْله طَلِّقِي نَفسك يقْتَصر على الْمجْلس لِأَن ذَلِك تَوْكِيل وَفِي حق
[ ٢ / ١٩١ ]
الْمَرْأَة تمْلِيك إِلَّا أَن الْفرق أَن فِي قَوْله طَلِّقِي نَفسك إِذا أَرَادَ الزَّوْج الثَّلَاث يَقع ثَلَاث وَفِي قَوْله أَنْت طَالِق إِن شِئْت فَقَالَت شِئْت إِذا أَرَادَ الثَّلَاث لَا يَقع
وَلَو قَالَ اخْتَارِي فَقَالَت طلقت يَقع
وَلَو قَالَ طَلِّقِي نَفسك فَقَالَت اخْتَرْت لَا يَقع لِأَن قَوْلهَا اخْتَرْت لَيْسَ من أَلْفَاظ الطَّلَاق أَلا ترى أَنَّهَا لَو قَالَت اخْتَرْت نَفسِي فَبلغ الزَّوْج وَأَجَازَ لَا يَقع بِهِ شَيْء
وَلَو قَالَت طلقت نَفسِي فَأجَاز الزَّوْج يَقع وَإِنَّمَا صَار جَوَابا لقَوْله اخْتَارِي وأمرك بِيَدِك بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع بِخِلَاف الْقيَاس فاقتصر عَلَيْهِ
ثمَّ فِي هَذِه الْفُصُول إِذا أَرَادَ الزَّوْج أَن يعزلها وَيخرج الْأَمر من يَدهَا وَيرجع عَن ذَلِك لَا يَصح وَكَذَلِكَ لَو نهاها عَن ذَلِك لِأَن هَذَا تَفْوِيض الطَّلَاق وتمليك لَهُ وَالطَّلَاق لَا يحْتَمل الْفَسْخ فإيجابه كَذَلِك
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ طَلِّقِي نَفسك أَو طَلِّقِي نَفسك إِن شِئْت فَقَالَت شِئْت لَا يَقع شَيْء
وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق إِن شِئْت فَقَالَت شِئْت يَقع لِأَن ثمَّة أمرهَا بالتطليق وَلم يُوقع وَهنا علق الطَّلَاق بمشيئتها وَقد أَتَت بِالشّرطِ
[ ٢ / ١٩٢ ]