يحْتَاج إِلَى بَيَان مَشْرُوعِيَّة خِيَار الرُّؤْيَة وَإِلَى بَيَان أَنه فِي أَي وَقت يثبت وَفِي بَيَان أَنه يثبت مؤقتا أَو مُطلقًا
وَفِي بَيَان حكمه وَفِي بَيَان مَا يسْقطهُ
أما الأول فَنَقُول قَالَ أَصْحَابنَا ﵏ إِن خِيَار الرُّؤْيَة مَشْرُوع فِي شِرَاء مَا لم يره المُشْتَرِي فَيجوز الشِّرَاء وَيثبت لَهُ الْخِيَار
وَقَالَ الشَّافِعِي شِرَاء مَا لم يره المُشْتَرِي لَا يَصح فَلَا يكون الْخِيَار فِيهِ مَشْرُوعا
وَلَو بَاعَ شَيْئا لم يره البَائِع وَرَآهُ المُشْتَرِي يجوز عندنَا
وَعند الشَّافِعِي فِيهِ قَولَانِ
وَهل يثبت للْبَائِع فِيهِ خِيَار الرُّؤْيَة لم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَذكر الطَّحَاوِيّ فِي اخْتِلَاف الْعلمَاء أَن أَبَا حنيفَة كَانَ يَقُول بِأَنَّهُ يثبت
[ ٢ / ٨١ ]
لَهُ الْخِيَار ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَا يثبت
وَأما بَيَان وَقت ثُبُوت الْخِيَار فَنَقُول يثبت الْخِيَار عِنْد رُؤْيَة المُشْتَرِي لَا قبلهَا حَتَّى لَو أجَاز البيع قبل الرُّؤْيَة لَا يلْزم البيع وَلَا يسْقط الْخِيَار
وَهل يملك الْفَسْخ قبل الرُّؤْيَة لَا رِوَايَة فِي ذَا
وَاخْتلف الْمَشَايِخ قَالَ بَعضهم لَا يملك لِأَنَّهُ لَا يملك الْإِجَازَة قبل الرُّؤْيَة فَلَا يملك الْفَسْخ لِأَن الْخِيَار لم يثبت
وَبَعْضهمْ قَالُوا يملك الْفَسْخ لَا لسَبَب الْخِيَار لِأَنَّهُ غير ثَابت وَلَكِن لِأَن شِرَاء مَا لم يره المُشْتَرِي غير لَازم وَالْعقد الَّذِي لَيْسَ بِلَازِم يجوز فَسخه كالعارية والوديعة
وَأما بَيَان أَن الْخِيَار مُطلق أَو مُؤَقّت فَنَقُول اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ بَعضهم قَالُوا يثبت مُطلقًا فَيكون لَهُ الْخِيَار فِي جَمِيع الْعُمر إِلَّا إِذا وجد مَا يسْقطهُ
وَبَعْضهمْ قَالُوا بِأَنَّهُ مُؤَقّت بِوَقْت إِمْكَان الْفَسْخ بعد الرُّؤْيَة حَتَّى لَو تمكن من الْفَسْخ بعد الرُّؤْيَة وَلم يفْسخ يسْقط خِيَار الرُّؤْيَة وَإِن لم يُوجد مِنْهُ الْإِجَازَة وَالرِّضَا صَرِيحًا وَلَا دلَالَة
وَأما حكمه فَهُوَ التَّخْيِير بَين الْفَسْخ وَالْإِجَازَة إِذا رأى الْمَبِيع وَلَا يمْنَع ثُبُوت الْملك فِي الْبَدَلَيْنِ وَلَكِن يمْنَع اللُّزُوم بِخِلَاف خِيَار الشَّرْط
وَإِنَّمَا يثبت الْخِيَار فِي بيع الْعين بِالْعينِ لكل وَاحِد مِنْهُمَا
[ ٢ / ٨٢ ]
وَفِي بيع الْعين بِالدّينِ تثبت للْمُشْتَرِي
وَلَا يثبت فِي بيع الدّين بِالدّينِ وَهُوَ الصّرْف لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِيهِ
فَأَما إِذا كَانَ الْحق عينا فللناس أغراض فِي الْأَعْيَان فَكَانَ ثُبُوت الْخِيَار فِيهِ لينْظر أَنه هَل يصلح لَهُ فَإِن شَاءَ أجَاز إِن صلح وَإِن شَاءَ فسخ إِن لم يصلح
وَهَذَا إِذا رأى جَمِيع الْمَبِيع
فَأَما إِذا رأى الْبَعْض وَرَضي بِهِ وَلم ير الْبَعْض هَل يكون على خِيَاره أم لَا إِذا رأى الْمَبِيع فَنَقُول الأَصْل فِي هَذَا النَّوْع من الْمسَائِل هُوَ أَن غير المرئي إِذا كَانَ تبعا للمرئي فَلَا خِيَار لَهُ فِي غير المرئي وَإِن كَانَ رُؤْيَة مَا رأى لَا تعرف حَال مَا لم يره لِأَن حكم التبع حكم الأَصْل
وَإِن لم يكن غير المرئي تبعا للمرئي فَإِن كَانَ مَقْصُودا بِنَفسِهِ كالمرئي ينظر إِن كَانَ رُؤْيَة مَا قد رأى لم تعرف حَال غير المرئي كَانَ على خِيَاره فِيمَا لم يره لِأَن الْمَقْصُود من الرُّؤْيَة فِيمَا لم يره لم يحصل بِرُؤْيَتِهِ مَا رأى
وَإِن كَانَ رُؤْيَة مَا رأى تعرف حَال غير المرئي فَإِنَّهُ لَا خِيَار لَهُ أصلا فِي غير المرئي إِذا كَانَ غير المرئي مثل المرئي أَو فَوْقه لِأَنَّهُ حصل بِرُؤْيَة الْبَعْض رُؤْيَة الْبَاقِي من حَيْثُ الْمَعْنى
إِذا ثَبت هَذَا الأَصْل تخرج عَلَيْهِ الْمسَائِل الْآتِيَة إِذا اشْترى جَارِيَة أَو عبدا فَرَأى الْوَجْه دون سَائِر الْأَعْضَاء لَا خِيَار لَهُ وَإِن كَانَ رُؤْيَة الْوَجْه لَا تعرف حَال سَائِر الْأَعْضَاء لِأَن سَائِر
[ ٢ / ٨٣ ]
الْأَعْضَاء تبع للْوَجْه فِي شِرَاء العَبْد وَالْجَارِيَة فِي الْعَادة وَلَو رأى سَائِر الْأَعْضَاء دون الْوَجْه فَهُوَ على خِيَاره لِأَنَّهُ لم ير الْمَتْبُوع
هَذَا فِي بني آدم فَأَما فِي سَائِر الْحَيَوَان مثل الْفرس وَالْحمار وَنَحْوهمَا ذكر مُحَمَّد بن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد أَنه قَالَ إِن نظر إِلَى عَجزه يسْقط خِيَاره
وَإِن لم ير عَجزه فَهُوَ على خِيَاره فَجعل الْعَجز فِي الْحَيَوَانَات بِمَنْزِلَة الْوَجْه فِي بني آدم
وَعَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ هُوَ على خِيَاره مَا لم ير وَجهه ومؤخره فَجعل الأَصْل هذَيْن العضوين وَغَيرهمَا تبعا
وَأما الشَّاة إِذا اشْتَرَاهَا للحم فقد رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ لَا بُد من الجس بعد الرُّؤْيَة حَتَّى يعرف سمنها لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُود
وَإِن اشْتَرَاهَا للدر والنسل فَلَا بُد من رُؤْيَة سَائِر جَسدهَا وَمن النّظر إِلَى ضرْعهَا أَيْضا لِأَنَّهَا تخْتَلف باخْتلَاف الضَّرع
فَأَما فِي غير الْحَيَوَان فَإِن كَانَ شَيْئا وَاحِدًا ينظر إِن كَانَ شَيْء مِنْهُ مَقْصُودا عِنْد النَّاس فِي الْعَادة كالوجه فِي المعافر والطنافس فَإِنَّهُ إِذا رأى الْوَجْه سقط الْخِيَار كَمَا فِي بني آدم وَإِذا رأى
[ ٢ / ٨٤ ]
الظّهْر لَا يسْقط هَكَذَا ذكر الْحسن فِي الْمُجَرّد عَن أبي حنيفَة
وَإِن لم يكن شَيْء مِنْهُ مَقْصُودا كالكرباس فَإِن رُؤْيَة بعضه أَي بعض كَانَ كرؤية الْكل لِأَن بِرُؤْيَة بعضه يعرف الْبَاقِي لِأَن تفَاوت الْأَطْرَاف فِي ثوب وَاحِد يسير فَإِن وجد الْبَاقِي مثل المرئي أَو فَوْقه فَلَا خِيَار لَهُ وَإِن وجده دونه كَانَ على خِيَاره على مَا ذكرنَا
وَإِن كَانَ الْمَعْقُود عَلَيْهِ دَارا أَو بستانا ذكر فِي كتاب الْقِسْمَة وَقَالَ إِذا رأى خَارج الدَّار وظاهرها يسْقط خِيَاره وَإِن لم ير داخلها لِأَنَّهَا شَيْء وَاحِد وَفِي الْبُسْتَان إِذا رأى الْخَارِج ورؤوس الْأَشْجَار يسْقط خِيَاره
وعَلى قَول زفر لَا يسْقط الْخِيَار بِدُونِ رُؤْيَة الدَّاخِل
وَلَكِن مَشَايِخنَا قَالُوا تَأْوِيل مَا ذكر فِي كتاب الْقِسْمَة أَنه إِذا لم يكن فِي دَاخل الدَّار أبنية
فَأَما إِذا كَانَ فِيهَا أبنية فَلَا يسْقط الْخِيَار مَا لم ير دَاخل الدَّار كُله أَو بعضه لِأَن الدَّاخِل هُوَ الْمَقْصُود وَالْخَارِج كالتبع لَهُ
وَذكر الْقَدُورِيّ أَن أَصْحَابنَا قَالُوا إِن أَبَا حنيفَة أجَاب على عَادَة أهل الْكُوفَة فِي زَمَانه فَإِن دُورهمْ وبساتينهم لَا تخْتَلف من حَيْثُ التقطيع والهيئة وَإِنَّمَا تخْتَلف من حَيْثُ الصغر وَالْكبر وَكَذَا من حَيْثُ صغر الْأَشْجَار وكبرها وَذَلِكَ يحصل بِرُؤْيَة الْخَارِج ورؤية رُؤُوس الْأَشْجَار وَعَادَة سَائِر الْبلدَانِ بِخِلَاف
هَذَا إِذا كَانَ الْمَعْقُود عَلَيْهِ شَيْئا وَاحِدًا
فَأَما إِذا كَانَ أَشْيَاء فَإِن كَانَ من العدديات المتفاوتة كالثياب الَّتِي اشْتَرَاهَا فِي جراب
[ ٢ / ٨٥ ]
أَو البطاطيخ فِي الشريجة أَو الرُّمَّان أَو السفرجل فِي القفة والكوارة فَإِذا رأى الْبَعْض فَإِنَّهُ يكون على خِيَاره فِي الْبَاقِي لِأَن الْكل مَقْصُود ورؤية مَا رأى لَا تعرف حَال الْبَاقِي لِأَنَّهَا مُتَفَاوِتَة
وَإِن كَانَ مَكِيلًا أَو مَوْزُونا أَو عدديا متقاربا فَإِنَّهُ إِذا رأى الْبَعْض وَرَضي بِهِ لَا خِيَار لَهُ فِي الَّذِي لم ير إِذا كَانَ مَا لم ير مثل الَّذِي رأى لِأَن رُؤْيَة الْبَعْض من هَذِه الْأَشْيَاء تعرف حَال الْبَاقِي
وَهَذَا إِذا كَانَ فِي وعَاء وَاحِد فَأَما إِذا كَانَ فِي وعاءين فقد اخْتلف الْمَشَايِخ
قَالَ مَشَايِخ بَلخ لَا يكون رُؤْيَة أَحدهمَا كرؤية الآخر لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ إِذا كَانَا فِي وعاءين فَكَانَا كالثوبين
وَقَالَ مَشَايِخ الْعرَاق بِأَن رُؤْيَة أَحدهمَا كرؤيتهما جَمِيعًا إِذا كَانَ مَا لم ير مثل المرئي
وَهَكَذَا رُوِيَ عَن أبي يُوسُف وَهُوَ الْأَصَح
وَهَذَا إِذا كَانَ الْمُشْتَرى مغيبا فِي الْوِعَاء فَأَما إِذا كَانَ مغيبا فِي الأَرْض كالجزر والبصل والثوم والفجل والسلجم وبصل الزَّعْفَرَان وَنَحْو ذَلِك فَفِي أَي وَقت يسْقط الْخِيَار لم يذكر هَذَا فِي ظَاهر الرِّوَايَة
وروى بشر عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ إِذا كَانَ شَيْئا يُكَال أَو يُوزن بعد الْقلع كالثوم والبصل والجزر فَإِنَّهُ إِذا قلع المُشْتَرِي شَيْئا بِإِذن البَائِع أَو قلع البَائِع برضى المُشْتَرِي سقط خِيَاره فِي الْبَاقِي لِأَن رُؤْيَة بعض الْمكيل كرؤية الْكل
[ ٢ / ٨٦ ]
فَأَما إِذا حصل الْقلع من المُشْتَرِي بِغَيْر إِذن البَائِع لم يكن لَهُ أَن يرد سَوَاء رَضِي بالمقلوع أَو لم يرض إِذا كَانَ المقلوع شَيْئا لَهُ قيمَة عِنْد النَّاس لِأَنَّهُ بِالْقَلْعِ صَار معيبا لِأَنَّهُ كَانَ يَنْمُو وَيزِيد وَبعد الْقلع لَا يَنْمُو وَلَا يزِيد ويتسارع إِلَيْهِ الْفساد وحدوث الْعَيْب فِي الْمَبِيع فِي يَد المُشْتَرِي بِغَيْر صنعه يمْنَع الرَّد فَمَعَ صنعه أولى
وَإِن كَانَ المغيب فِي الأَرْض مِمَّا يُبَاع عددا كالفجل والسلق وَنَحْوهمَا فرؤية الْبَعْض لَا تكون كرؤية الْكل لِأَن هَذَا من بَاب العدديات المتفاوتة فرؤية الْبَعْض لَا تَكْفِي كَمَا فِي الثِّيَاب
وَإِن قلع المُشْتَرِي بِغَيْر إِذْنه سقط خِيَاره لأجل الْعَيْب إِذا كَانَ المقلوع شَيْئا لَهُ قيمَة فَأَما إِذا لم يكن لَهُ قيمَة فَلَا يسْقط خِيَاره لِأَنَّهُ لَا يحصل بِهِ الْعَيْب
وَذكر الْكَرْخِي هَهُنَا مُطلقًا من غير هَذَا التَّفْصِيل وَقَالَ إِذا اشْترى شَيْئا مغيبا فِي الأَرْض مثل الجزر والبصل والثوم وبصل الزَّعْفَرَان وَمَا أشبه ذَلِك فَلهُ الْخِيَار إِذا رأى جَمِيعه فَلَا يكون رُؤْيَة بعضه مُبْطلًا خِيَاره وَإِن رَضِي بذلك الْبَعْض فخياره بَاقٍ إِلَى أَن يرى جَمِيعه
وروى عَمْرو عَن مُحَمَّد أَنه قَالَ قَالَ أَبُو حنيفَة المُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إِذا قلع
قلت فَإِن قلع الْبَعْض قَالَ لم يزِيد أَبُو حنيفَة على مَا قلت لَك فَأَما فِي قَول أبي يُوسُف وَقَوْلِي إِذا قلع شَيْئا يسْتَدلّ بِهِ على مَا بَقِي فِي سمنه وعظمه فَرضِي المُشْتَرِي فَهُوَ لَازم لَهُ فهما يَقُولَانِ إِن التَّفَاوُت فِي هَذِه الْأَشْيَاء لَيْسَ بغالب فَصَارَ كالصبرة وَأَبُو حنيفَة يَقُول إِنَّهَا تخْتَلف من حَيْثُ الصغر وَالْكبر والجودة والرداءة فَلم يسْقط الْخِيَار
[ ٢ / ٨٧ ]
بِرُؤْيَتِهِ الْبَعْض كالثياب
وَلَو اشْترى دهن سمسم فِي قَارُورَة فَرَأى من خَارج القارورة الدّهن فِي القارورة روى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد أَنه قَالَ يَكْفِي وَيسْقط خِيَاره لِأَن رُؤْيَته من الْخَارِج تعرفه حَالَة الدّهن فَكَأَنَّهُ رَآهُ خَارج القارورة فِي قَصْعَة وَنَحْوهَا ثمَّ اشْتَرَاهُ
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد فِي رِوَايَة أُخْرَى أَنه لَا يبطل مَا لم ينظر إِلَى الدّهن بَعْدَمَا يخرج من القارورة لِأَن لون الدّهن مِمَّا يتَغَيَّر بلون القارورة
وَلَو نظر إِلَى الْمرْآة فَرَأى الْمَبِيع قَالُوا لَا يسْقط خِيَاره لِأَنَّهُ مَا رأى عين الْمَبِيع وَإِنَّمَا رأى مِثَاله
قَالَ هَكَذَا قَالَ بَعضهم وَالأَصَح أَنه يرى عين الْمَبِيع لَكِن يعرف بِهِ أَصله وَقد تَتَفَاوَت هيئاته بتفاوت الْمرْآة
وعَلى هَذَا قَالُوا من نظر فِي الْمرْآة فَرَأى فرج أم امْرَأَته عَن شَهْوَة لَا تثبت حُرْمَة الْمُصَاهَرَة
وَلَو نظر إِلَى فرج امْرَأَته الْمُطلقَة طَلَاقا رَجْعِيًا عَن شَهْوَة فِي الْمرْآة لَا يصير مراجعا لما قُلْنَا
وَلَو اشْترى سمكًا فِي المَاء يُمكن أَخذه من غير اصطياد فَرَآهُ فِي المَاء قَالَ بَعضهم يسْقط خِيَاره لِأَنَّهُ رأى عين الْمَبِيع
وَقَالَ بَعضهم لَا يسْقط وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن الشَّيْء لَا يرى فِي المَاء كَمَا هُوَ بل يرى أَكثر مِمَّا هُوَ فبهذه الرُّؤْيَة لَا تعرف حَاله حَقِيقَة
وَلَو وكل رجلا بِالنّظرِ إِلَى مَا اشْتَرَاهُ وَلم يره فَيلْزم العقد إِن رَضِي وَيفْسخ العقد إِن شَاءَ وَقَالَ وَيصِح التَّوْكِيل وَيقوم نظره مقَام نظره لِأَنَّهُ جعل الرَّأْي إِلَيْهِ
وَلَو وكل بِقَبْضِهِ فَقَبضهُ فَرَآهُ هَل يسْقط خِيَار الْمُوكل
[ ٢ / ٨٨ ]
عِنْد أبي حنيفَة يسْقط لِأَنَّهُ من تَمام الْقَبْض وَعِنْدَهُمَا لَا يسْقط
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا أرسل رَسُولا بِقَبْضِهِ فَرَآهُ الرَّسُول وَرَضي بِهِ كَانَ الْمُرْسل على خِيَاره
وَأَجْمعُوا فِي خِيَار الْعَيْب أَنه إِذا وكل رجلا بِقَبض الْمَبِيع فَقبض الْوَكِيل وَعلم بِالْعَيْبِ وَرَضي بِهِ لَا يسْقط خِيَار الْمُوكل
وَأما خِيَار الشَّرْط فَلَا رِوَايَة عَن أبي حنيفَة وَاخْتلف الْمَشَايِخ قَالَ بَعضهم على هَذَا الِاخْتِلَاف وَقَالَ بَعضهم لَا يسْقط بالِاتِّفَاقِ
وَأما بَيَان مَا يسْقط بِهِ الْخِيَار فَنَقُول إِن خِيَار الرُّؤْيَة لَا يسْقط بالإسقاط صَرِيحًا بِأَن قَالَ المُشْتَرِي أسقطت خياري
كَذَا روى ابْن رستم عَن مُحَمَّد لَا قبل الرُّؤْيَة وَلَا بعْدهَا بِخِلَاف خِيَار الشَّرْط وَخيَار الْعَيْب
وَالْفرق أَن هَذَا الْخِيَار ثَبت شرعا لحكمة فِيهِ فَلَا يملك العَبْد إِسْقَاطه كَمَا فِي خِيَار الرّجْعَة فَإِنَّهُ لَو قَالَ أسقطت الرّجْعَة وأبطلت لَا تبطل وَلَكِن إِن شَاءَ رَاجع وَإِن شَاءَ تَركهَا حَتَّى تَنْقَضِي الْعدة فَتبْطل الرّجْعَة حكما بِخِلَاف خِيَار الشَّرْط فَإِنَّهُ يثبت شَرطهمَا فَجَاز أَن يسْقط بإسقاطهما وَكَذَلِكَ خِيَار الْعَيْب فَإِن السَّلامَة مَشْرُوطَة من المُشْتَرِي عَادَة فَهُوَ كالمشروط صَرِيحًا
ثمَّ خِيَار الرُّؤْيَة إِنَّمَا يسْقط بِصَرِيح الرِّضَا وَدلَالَة الرِّضَا بعد الرُّؤْيَة لَا قبل الرُّؤْيَة وَيسْقط بتعذر الْفَسْخ وبلزوم العقد
[ ٢ / ٨٩ ]
حكما وضرورة قبل الرُّؤْيَة وَبعدهَا لما ذكرنَا أَنه لَا يثبت فِي الأَصْل إِلَّا بعد الرُّؤْيَة فَلَا يجوز أَن يسْقط بِالرِّضَا صَرِيحًا وَدلَالَة إِلَّا بعد ثُبُوته حَتَّى إِنَّه إِذا رأى وَصلح لَهُ يُجِيزهُ وَإِن لم يصلح لَهُ يردهُ لِأَنَّهُ شرع نظرا لَهُ وَلَكِن إِذا تعذر الْفَسْخ بِأَيّ سَبَب كَانَ أَو لزم العقد بطرِيق الضَّرُورَة سقط قبل الرُّؤْيَة خِيَاره أَو بعْدهَا لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي ثُبُوت حق الْفَسْخ فالتزم العقد ضَرُورَة وَيجوز أَن يثبت الشَّيْء ضَرُورَة وَإِن كَانَ لَا يثبت قصدا كالموكل لَا يملك عزل الْوَكِيل بِدُونِ علمه قصدا وَيملك ضَرُورَة بِأَن بَاعَ الْمُوكل بِنَفسِهِ ليعزل الْوَكِيل
إِذا ثَبت هَذَا تخرج عَلَيْهِ الْمسَائِل إِذا ذهب الْمَبِيع من غَيره وَلم يُسلمهُ أَو عرضه على البيع وَنَحْوهمَا قبل الرُّؤْيَة لَا يسْقط لِأَنَّهُ لَا يسْقط بِصَرِيح الرِّضَا فِي هَذِه الْحَالة فَكَذَا لَا يسْقط بِدلَالَة الرِّضَا
وَلَو أعتق المُشْتَرِي العَبْد أَو دبره أَو استولد الْجَارِيَة فَإِنَّهُ يسْقط الْخِيَار قبل الرُّؤْيَة وَبعدهَا لِأَنَّهُ تعذر الْفَسْخ لِأَن هَذِه حُقُوق لَازِمَة أثبتها للْعَبد وَمن ضَرُورَة ثُبُوت الْحق اللَّازِم من الْمَالِك لغيره لُزُوم الْملك لَهُ فَثَبت اللُّزُوم شرعا ضَرُورَة ثُبُوت الْحق اللَّازِم شرعا وَمَتى ثَبت اللُّزُوم تعذر الْفَسْخ
وَلَو رَهنه المُشْتَرِي وَلم يُسلمهُ أَو أجره من رجل أَو بَاعه على أَن المُشْتَرِي بِالْخِيَارِ سقط خِيَاره قبل الرُّؤْيَة وَبعدهَا حَتَّى لَو أفتك الرَّهْن أَو مَضَت الْمدَّة فِي الْإِجَازَة أَو رده على المُشْتَرِي بِخِيَار الشَّرْط ثمَّ رَآهُ لَا يكون لَهُ الرَّد بِخِيَار الرُّؤْيَة لِأَنَّهُ أثبت حَقًا لَازِما لغيره بِهَذِهِ التَّصَرُّفَات فَيكون من ضَرُورَته لُزُوم الْملك لَهُ وَذَلِكَ بامتناع ثُبُوت الْخِيَار فَيبْطل ضَرُورَة لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِيهِ
وَفِي خِيَار الْعَيْب لَا يسْقط بِهَذِهِ التَّصَرُّفَات لِأَن ثمَّة العقد لَازم
[ ٢ / ٩٠ ]
مَعَ الْعَيْب بعد الْقَبْض حَتَّى لَا يُمكنهُ الرَّد إِلَّا بِقَضَاء أَو رضَا وَإِذا كَانَ لَازِما فَلَا يسْقط الْخِيَار لضَرُورَة اللُّزُوم وَإنَّهُ لَازم
وعَلى هَذَا فَالْمُشْتَرِي إِذا كَاتب ثمَّ عجز العَبْد ورد فِي الرّقّ ثمَّ رَآهُ لَا يثبت لَهُ خِيَار الرُّؤْيَة لِأَن الْكِتَابَة عقد لَازم
وَكَذَلِكَ لَو وهب وَسلم قبل الرُّؤْيَة لِأَنَّهُ بِالتَّسْلِيمِ أثبت حَقًا لَازِما فَإِنَّهُ لَا يقدر على الرُّجُوع إِلَّا بِقَضَاء أَو رضَا
هَذَا إِذا كَانَ المُشْتَرِي بَصيرًا أما إِذا كَانَ المُشْتَرِي أعمى حَتَّى ثَبت لَهُ الْخِيَار بِسَبَب جَهَالَة الْأَوْصَاف لعدم الرُّؤْيَة فبماذا يسْقط خِيَاره اخْتلفت الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِيهِ وَالْحَاصِل أَن مَا يُمكن جسه وذوقه وَشمه يَكْتَفِي بذلك لسُقُوط خِيَاره فِي أشهر الرِّوَايَات وَلَا يشْتَرط بَيَان الْوَصْف لَهُ وَيكون بِمَنْزِلَة نظر الْبَصِير وَفِي رِوَايَة هِشَام عَن مُحَمَّد أَنه يعْتَبر الْوَصْف مَعَ ذَلِك لِأَن التَّعْرِيف الْكَامِل فِي حَقه يثبت بِهَذَا
أما مَا لَا يُمكن جسه بِأَن اشْترى ثمارا على رُؤُوس الْأَشْجَار فَإِنَّهُ يعْتَبر فِيهِ الْوَصْف لَا غير فِي أشهر الرِّوَايَات وَفِي رِوَايَة يُوقف فِي مَكَان لَو كَانَ بَصيرًا لرَأى ذَلِك
وَأما إِذا كَانَ الْمَبِيع دَارا أَو عقارا فَالْأَصَحّ من الرِّوَايَات أَنه يَكْتَفِي بِالْوَصْفِ فَإِذا رَضِي بِهِ كَانَ بِمَنْزِلَة النّظر من الْبَصِير
وَقَالُوا فِي الْأَعْمَى إِذا اشْترى فوصف لَهُ وَرَضي بذلك ثمَّ زَالَ الْعَمى فَلَا خِيَار لَهُ لِأَن الْوَصْف خلف عَن الرُّؤْيَة فِي حَقه وَالْقُدْرَة على الأَصْل بعد حُصُول الْمَقْصُود بِالْبَدَلِ لَا تسْقط حكم الْبَدَل
وَلَو اشْترى الْبَصِير شَيْئا لم يره فوصف لَهُ فَرضِي بِهِ لم يسْقط خِيَاره لِأَنَّهُ لَا عِبْرَة للخلف مَعَ الْقُدْرَة على الأَصْل
[ ٢ / ٩١ ]
وَلَو اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فَقَالَ البَائِع بِعْتُك هَذَا الشَّيْء وَقد رَأَيْته وَقَالَ المُشْتَرِي لم أره فَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي لِأَن البَائِع يَدعِي عَلَيْهِ إِلْزَام العقد وَهُوَ مُنكر فَيكون القَوْل قَوْله ويستحلف المُشْتَرِي لِأَن البَائِع يَدعِي عَلَيْهِ سُقُوط حق الْفَسْخ وَلُزُوم العقد وَهَذَا مِمَّا يَصح بذله وَالْإِقْرَار بِهِ فَيجْرِي فِيهِ الِاسْتِحْلَاف
وَلَو رأى عبدا أَو دَابَّة ثمَّ اشْترى بعد ذَلِك بِشَهْر أَو نَحوه فَلَا خِيَار لَهُ لِأَنَّهُ اشْترى شَيْئا قد رَآهُ وَثُبُوت هَذَا الْخِيَار مُعَلّق بشرَاء شَيْء لم يره وَلِأَن مَا هُوَ الْمَقْصُود من الْخِيَار قد ثَبت فَكَانَ الْإِقْدَام على الشِّرَاء دلَالَة الرِّضَا
وَلَو اخْتلفَا فَقَالَ المُشْتَرِي قد تغير عَن الْحَالة الَّتِي رَأَيْته وَالْبَائِع يُنكر فَالْقَوْل قَول البَائِع مَعَ يَمِينه لِأَن دَعْوَى التَّغْيِير إِمَّا أَن تكون دَعْوَى الْعَيْب أَو دَعْوَى تبدل هَيئته فِيمَا يحْتَمل التبدل وَهَذَا دَعْوَى أَمر عَارض فَيكون القَوْل قَول من تمسك بِالْأَصْلِ
[ ٢ / ٩٢ ]