الْكَلَام فِي خِيَار الشَّرْط فِي مَوَاضِع أَحدهَا فِي بَيَان شَرط الْخِيَار الْمُفْسد وَالَّذِي لَيْسَ بمفسد وَالثَّانِي فِي بَيَان مِقْدَار مُدَّة الْخِيَار
وَالثَّالِث فِي بَيَان مَا يسْقط الْخِيَار وَالرَّابِع فِي بَيَان عمل الْخِيَار وَحكمه وَالْخَامِس فِي بَيَان كَيْفيَّة الْفَسْخ وَالْإِجَازَة
أما الأول فَنَقُول إِن الْخِيَار الْمُفْسد ثَلَاثَة أَنْوَاع بِأَن ذكر الْخِيَار مُؤَبَّدًا بِأَن قَالَ بِعْت أَو اشْتريت على أَنِّي بِالْخِيَارِ أبدا أَو ذكر الْخِيَار مُطلقًا وَلم يبين وقتا أصلا بِأَن قَالَ على أَنِّي بِالْخِيَارِ أَو ذكر وقتا مَجْهُولا بِأَن قَالَ على أَنِّي بِالْخِيَارِ أَيَّامًا وَلم يبين وقتا مَعْلُوما
وَالْجَوَاب فِي هَذِه الْفُصُول الثَّلَاثَة أَن البيع فَاسد
وَأما الْخِيَار الْمَشْرُوع فنوع وَاحِد وَهُوَ أَن يذكر وقتا مَعْلُوما وَلم يُجَاوز عَن الثَّلَاثَة بِأَن قَالَ على أَنِّي بِالْخِيَارِ يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة أَيَّام
وَهَذَا قَول عَامَّة الْعلمَاء سَوَاء كَانَ الْخِيَار للْبَائِع أَو للْمُشْتَرِي
[ ٢ / ٦٥ ]
وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن شبْرمَة إِن كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي يجوز وَإِلَّا فَلَا
وأصل هَذَا أَن اشْتِرَاط الْخِيَار كَيْفَمَا كَانَ شَرط يُنَافِي مُوجب العقد وَهُوَ ثُبُوت الْملك عِنْد العقد وَإِنَّمَا عرفنَا جَوَازه بِحَدِيث حبَان بن منقذ بِخِلَاف الْقيَاس والْحَدِيث ورد بِالْخِيَارِ فِي مُدَّة مَعْلُومَة وَهِي ثَلَاثَة أَيَّام فَبَقيَ مَا وَرَاء ذَلِك على أصل الْقيَاس إِلَّا إِذا كَانَ ذَلِك فِي مَعْنَاهُ
وَأما إِذا شَرط الْخِيَار أَرْبَعَة أَيَّام أَو شهرا فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَزفر رحمهمَا الله بِأَن البيع فَاسد وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ ﵏ بِأَنَّهُ جَائِز
وَالصَّحِيح مَا قَالَه أَبُو حنيفَة لما قُلْنَا إِنَّه شَرط مُخَالف لمقْتَضى العقد وَالشَّرْع ورد فِي ثَلَاثَة أَيَّام فَبَقيَ مَا زَاد عَلَيْهَا على أصل الْقيَاس
وَأما بَيَان مَا يسْقط الْخِيَار فَنَقُول إِن الْخِيَار بعد ثُبُوته يسْقط بمعان ثَلَاثَة إِمَّا بالإسقاط صَرِيحًا أَو بالإسقاط بطرِيق الدّلَالَة أَو بطرِيق الضَّرُورَة
أما بالإسقاط صَرِيحًا فبأن يَقُول أسقطت الْخِيَار أَو أبطلته أَو أجزت البيع أَو رضيت بِهِ فَيبْطل الْخِيَار لِأَن الْخِيَار شرع للْفَسْخ فَإِذا سقط يبطل الْخِيَار وَالْأَصْل هُوَ لُزُوم العقد ونفاذه فَإِذا بَطل عَاد الأَصْل
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ فسخت العقد
أَو نقضته أَو أبطلته يسْقط
[ ٢ / ٦٦ ]
الْخِيَار لِأَن الْخِيَار هُوَ التَّخْيِير بَين الْفَسْخ وَالْإِجَازَة فَأَيّهمَا وجد سقط
وَأما الْإِسْقَاط بطرِيق الدّلَالَة فَهُوَ أَن يُوجد مِمَّن لَهُ الْخِيَار تصرف يدل على إبْقَاء الْملك وإثباته فالإقدام عَلَيْهِ يبطل خِيَاره تَحْقِيقا لغرضه
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول إِذا كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي وَالْمَبِيع فِي يَده فعرضه على البيع يبطل خِيَاره لِأَن عرض المُشْتَرِي الْمَبِيع على البيع لاختياره الثّمن وَلَا يصير الثّمن ملكا لَهُ إِلَّا بعد ثُبُوت الْملك فِي الْمُبدل فَيصير مُخْتَارًا للْملك وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا بِإِبْطَال الْخِيَار فَيبْطل بطرِيق الدّلَالَة
وَأما الْخِيَار إِذا كَانَ للْبَائِع فعرضه على البيع فَلم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ
وَالأَصَح أَنه يكون إِسْقَاطًا لخياره لِأَنَّهُ دَلِيل إبْقَاء الْملك لِأَنَّهُ لَا يصل إِلَى الثّمن من غَيره إِلَّا بالتمليك مِنْهُ وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بِإِسْقَاط الْخِيَار وَفسخ العقد الأول
وَلَو أَن المُشْتَرِي إِذا كَانَ لَهُ الْخِيَار فِي عبد فَبَاعَهُ أَو أعْتقهُ أَو دبره أَو كَاتبه أَو رَهنه أَو وهبه سلم أَو لم يسلم أَو آجره فَإِن هَذَا كُله مِنْهُ اخْتِيَار للإجازة لِأَن نَفاذ هَذِه التَّصَرُّفَات مُخْتَصَّة بِالْملكِ فَيكون الْإِقْدَام عَلَيْهَا دَلِيل قصد إبْقَاء الْملك وَذَلِكَ بِالْإِجَازَةِ
وَلَو وجدت هَذِه التَّصَرُّفَات من البَائِع الَّذِي لَهُ الْخِيَار يسْقط خِيَاره أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يَصح هَذِه التَّصَرُّفَات إِلَّا بعد نقض التَّصَرُّف الأول إِلَّا أَن الْهِبَة وَالرَّهْن لَا يسْقط الْخِيَار إِلَّا بعد التَّسْلِيم بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي وَوجد مِنْهُ الرَّهْن وَالْهِبَة بِلَا تَسْلِيم لِأَن الْهِبَة وَالرَّهْن بِلَا تَسْلِيم لَا يكون دون الْعرض على البيع وَذَلِكَ يسْقط خِيَار المُشْتَرِي دون البَائِع فِي رِوَايَة فَكَذَلِك هَذَا
[ ٢ / ٦٧ ]
وَأما الْإِجَازَة فَذكر فِي الْبيُوع الأَصْل أَنه يكون اخْتِيَارا من البَائِع وَالْمُشْتَرِي من غير شَرط الْقَبْض
وَذكر فِي بعض الرِّوَايَات وَشرط قبض الْمُسْتَأْجر
وَالأَصَح أَنه لَا يشْتَرط لِأَن الْإِجَارَة عقد لَازم بِخِلَاف الْهِبَة وَالرَّهْن قبل الْقَبْض فَإِنَّهُ غير لَازم
وَلَو كَانَ الْمَبِيع جَارِيَة فَوَطِئَهَا البَائِع أَو المُشْتَرِي إِذا كَانَ لَهُ الْخِيَار يسْقط الْخِيَار أما فِي البَائِع فَلِأَنَّهُ وَإِن كَانَ الْملك قَائِما للْحَال وَلَكِن لَو لم يسْقط الْخِيَار بِالْوَطْءِ فَإِذا أجَاز تبين أَنه وطىء جَارِيَة الْغَيْر من وَجه لِأَنَّهُ يثبت الْملك للْمُشْتَرِي بطرِيق الْإِسْنَاد وَأما فِي المُشْتَرِي فَلهَذَا الْمَعْنى أَيْضا ولمعنى آخر عِنْد أبي حنيفَة خَاصَّة لِأَن الْجَارِيَة الْمَبِيعَة لَا تدخل فِي ملك المُشْتَرِي إِذا كَانَ الْخِيَار لَهُ وَالْوَطْء لَا يحل بِدُونِ الْملك فالإقدام على الْوَطْء دَلِيل اخْتِيَار الْملك
وَلَو لمسها المُشْتَرِي لشَهْوَة وَله الْخِيَار سقط لِأَنَّهُ لَا يحل بِدُونِ الْملك
وَإِن لمس لَا عَن شَهْوَة لَا يسْقط لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى ذَلِك فِي الْجُمْلَة للاختبار لتعرف لينها وخشونتها
وَلَو نظر إِلَى فرجهَا لشَهْوَة سقط لما قُلْنَا
وَلَو نظر بِغَيْر شَهْوَة لَا يسْقط لِأَن النّظر إِلَى الْفرج لَا عَن شَهْوَة قد يُبَاح عِنْد الْحَاجة والضرورة كَمَا فِي حق الْقَابِلَة والطبيب وَللْمُشْتَرِي حَاجَة فِي الْجُمْلَة
وَلَو نظر إِلَى سَائِر أعضائها عَن شَهْوَة لَا يسْقط لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَيْهِ للامتحان فِي الْجُمْلَة
[ ٢ / ٦٨ ]
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي حق البَائِع فِي اللَّمْس عَن شَهْوَة النّظر إِلَى فرجهَا عَن شَهْوَة فَأَما النّظر إِلَى فرجهَا لَا عَن شَهْوَة أَو النّظر إِلَى سَائِر أعضائها لَا عَن شَهْوَة أَو لمس سَائِر أعضائها لَا عَن شَهْوَة فَإِنَّهُ يجب أَن يسْقط بِهِ الْخِيَار بِخِلَاف المُشْتَرِي لِأَن ثمَّ فِي الْجُمْلَة لَهُ حَاجَة إِلَى ذَلِك وَلَا حَاجَة فِي حق البَائِع وَهَذِه التَّصَرُّفَات حرَام من غير ملك
وَلَو نظرت الْجَارِيَة الْمُشْتَرَاة إِلَى فرج المُشْتَرِي لشَهْوَة أَو لمسته فَإِن فعلت ذَلِك بتمكين المُشْتَرِي بِأَن علم المُشْتَرِي ذَلِك مِنْهَا فَتَركهَا حَتَّى فعلت يسْقط خِيَاره
فَأَما إِذا اختلست اختلاسا فلمست من غير تَمْكِين المُشْتَرِي بذلك فَقَالَ أَبُو يُوسُف يسْقط خِيَاره وَقَالَ مُحَمَّد لَا يسْقط وَقَول أبي حنيفَة مثل قَول أبي يُوسُف ذكره بشر بن الْوَلِيد أَنه يثبت الرّجْعَة بهَا فِي قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَلَا يثبت فِي قَول مُحَمَّد
وَأَجْمعُوا أَنَّهَا لَو أدخلت فرج الرجل فِي فرجهَا وَالزَّوْج نَائِم فَإِنَّهُ يسْقط الْخِيَار وَتثبت الرّجْعَة
وَالصَّحِيح قَوْلهمَا لِأَن الْخِيَار لَو لم يسْقط رُبمَا يفْسخ الشِّرَاء فيتبين أَن اللَّمْس وجد من غير ملك وَمَسّ الْعَوْرَة بِلَا ملك حرَام فَيسْقط صِيَانة عَن مُبَاشرَة الْحَرَام وَكَذَلِكَ فِي الرّجْعَة لهَذَا الْمَعْنى
وَأما الِاسْتِخْدَام مِنْهَا فَلَا يَجْعَل اخْتِيَارا لِأَنَّهُ تصرف لَا يخْتَص بِالْملكِ فَإِنَّهُ يُبَاح بِإِذن الْمَالِك
ثمَّ إِنَّمَا يعرف الشَّهْوَة من غير الشَّهْوَة بِإِقْرَار الواطىء والمتصرف وَفِي الْجَارِيَة المختلسة بِإِقْرَار المُشْتَرِي
وَأما الْأَجْنَبِيّ إِذا وطىء الْجَارِيَة الْمَبِيعَة فَإِن كَانَت فِي يَد المُشْتَرِي وَالْخيَار لَهُ سقط الْخِيَار لِأَنَّهُ إِن كَانَ عَن شُبْهَة يجب الْعقر وَإنَّهُ
[ ٢ / ٦٩ ]
زِيَادَة مُنْفَصِلَة حدثت بعد الْقَبْض فتمنع الرَّد
وَإِن كَانَ زنا فَهُوَ عيب فِي الْجوَار وحدوث الْعَيْب فِي يَد المُشْتَرِي يسْقط خِيَاره فَكَذَلِك إِذا ولدت الْجَارِيَة فِي يَد المُشْتَرِي يسْقط خِيَاره لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْوَلَد حَيا وَفِيه وَفَاء بِنُقْصَان الْولادَة فينجبر لَكِن الْوَلَد زِيَادَة مُنْفَصِلَة فَيمْنَع الْفَسْخ وَيسْقط الْخِيَار وَإِن مَاتَ الْوَلَد فالنقصان قَائِم لم ينجبر وحدوث النُّقْصَان عِنْد المُشْتَرِي يمْنَع الرَّد
وَإِن كَانَ فِي يَد البَائِع وَالْخيَار لَهُ لَا يسْقط الْخِيَار فِي وَطْء الْأَجْنَبِيّ لِأَن الزِّنَا لَا يُوجب نقصا فِي عين الْجَارِيَة وَلَكِن للْمُشْتَرِي حق بِسَبَب الْعَيْب وَإِن كَانَ الْوَطْء عَن شُبْهَة والعقر زِيَادَة مُنْفَصِلَة قبل الْقَبْض فَلَا يمْنَع الْفَسْخ وَفِي فصل الْوَلَد إِن كَانَ حَيا ينجبر النُّقْصَان وَإنَّهُ زِيَادَة قبل الْقَبْض فَلَا يمْنَع الْفَسْخ لَكِن ثَبت الْخِيَار للْمُشْتَرِي بِسَبَب الْعَيْب لِأَن صُورَة النُّقْصَان قَائِمَة وَإِن انجبر معنى
وَإِن مَاتَ الْوَلَد فالنقصان قَائِم وَلَكِن لم يفت شَيْء من الْمَعْقُود عَلَيْهِ حَتَّى يَنْفَسِخ العقد فِيهِ فتتفرق الصَّفْقَة على المُشْتَرِي فَيسْقط الْخِيَار وَلَكِن للْمُشْتَرِي حق الْفَسْخ بِسَبَب الْعَيْب وَهُوَ نُقْصَان الْولادَة
وَكَذَلِكَ المُشْتَرِي لَو أسكن الدَّار الْمَبِيعَة رجلا بِأَجْر أَو بِغَيْر أجر أَو رم شَيْئا مِنْهَا بالتطيين والتجصيص أَو أحدث فِيهَا بِنَاء أَو هدم شَيْئا مِنْهَا فَإِنَّهُ يسْقط الْخِيَار لِأَن هَذِه التَّصَرُّفَات دَلِيل اخْتِيَار الْملك وَلَو سقط حَائِط مِنْهَا بِغَيْر صنع أحد يسْقط الْخِيَار لِأَنَّهُ نقص فِي الْمَعْقُود عَلَيْهِ
وَلَو كَانَ الْمَبِيع أَرضًا فِيهَا زروع وثمار قد دخلت تَحت البيع بِالشّرطِ فَسَقَاهُ أَو حصده أَو قصل مِنْهُ شَيْئا لدوابه أَو جد شَيْئا من
[ ٢ / ٧٠ ]
الثِّمَار فَهَذَا إجَازَة مِنْهُ لما ذكرنَا
وَلَو ركب المُشْتَرِي الدَّابَّة ليسقيها أَو ليردها على البَائِع فَالْقِيَاس أَن يكون إجَازَة لما ذكرنَا
وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا يسْقط الْخِيَار لِأَن الدَّابَّة قد لَا يُمكن تسييرها إِلَّا بالركوب
وَلَو ركبهَا لينْظر إِلَى سَيرهَا وقوتها فَهُوَ على الْخِيَار
وَكَذَا لَو لبس الثَّوْب لينْظر إِلَى طوله وَعرضه لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَيْهِ للامتحان
وَلَو ركبهَا مرّة أُخْرَى لمعْرِفَة الْعَدو أَو ركبهَا لمعْرِفَة شَيْء آخر بِأَن ركب مرّة لمعْرِفَة أَنَّهَا هملاج ثمَّ ركب ثَانِيًا لمعْرِفَة الْعَدو لَا يسْقط خِيَاره لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَيْهِ أَيْضا
وَإِن ركبهَا لمعْرِفَة السّير الأول مرّة أُخْرَى ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَات أَنه يسْقط الْخِيَار
وَفِي الثَّوْب إِذا لبس ثَانِيًا لمعْرِفَة الطول وَالْعرض يسْقط الْخِيَار
وَفِي اسْتِخْدَام الرَّقِيق إِذا استخدم مرّة ثمَّ استخدم ثَانِيًا لنَوْع آخر لَا يسْقط الْخِيَار
وَبَعض مَشَايِخنَا قَالُوا فِي الِاسْتِخْدَام وَالرُّكُوب لَا يبطل الْخِيَار بالمرة الثَّانِيَة وَإِن كَانَ من نوع وَاحِد لِأَن الِاخْتِيَار لَا يحصل بِالْفِعْلِ مرّة لاحْتِمَال أَن ذَلِك وَقع اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا الْحَاجة إِلَى معرفَة ذَلِك عَادَة لَهَا وَذَلِكَ لَا يحصل إِلَّا بالمرة الثَّانِيَة لِأَن الْعَادة مُشْتَقَّة من الْعود بِخِلَاف الثَّوْب فَإِن الْغَرَض يحصل بالمرة الْوَاحِدَة
[ ٢ / ٧١ ]
وَأما سُقُوط الْخِيَار بطرِيق الضَّرُورَة فأنواع مِنْهَا إِذا مَضَت الْمدَّة لِأَن الْخِيَار مُؤَقّت بهَا فينتهي الْخِيَار ضَرُورَة فَيبقى العقد بِلَا خِيَار فَيلْزم العقد
وَمِنْهَا إِذا مَاتَ الْمَشْرُوط لَهُ الْخِيَار فَإِنَّهُ يسْقط الْخِيَار وَلَا يُورث سَوَاء كَانَ الْخِيَار للْبَائِع أَو للْمُشْتَرِي أَو لَهما
وَقَالَ الشَّافِعِي يُورث وَيقوم الْوَارِث مقَامه
وَأَجْمعُوا أَن خِيَار الْعَيْب وَخيَار التَّعْيِين يُورث وَأَجْمعُوا أَن خِيَار الْقبُول لَا يُورث
وَكَذَلِكَ خِيَار الْإِجَازَة فِي بيع الْفُضُولِيّ لَا يُورث
وَأما خِيَار الرُّؤْيَة فَهَل يُورث لم يذكر فِي الْبيُوع وَذكر فِي كتاب الْحِيَل أَنه لَا يُورث وَكَذَا روى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد
وَأَجْمعُوا أَن الْأَجَل لَا يُورث
ولقب الْمَسْأَلَة أَن خِيَار الشَّرْط هَل يُورث أم لَا وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَإِذا لم يُورث الْخِيَار عندنَا يسْقط ضَرُورَة فَيصير العقد لَازِما لِأَنَّهُ وَقع الْعَجز عَن الْفَسْخ فَيلْزم ضَرُورَة
وَكَذَا الْجَواب فِيمَا هُوَ فِي معنى الْمَوْت بِأَن ذهب عقل صَاحب الْخِيَار
بالجنون أَو بالإغماء فِي مُدَّة الْخِيَار وَمَضَت الْمدَّة وَهُوَ كَذَلِك صَار العقد لَازِما لِأَنَّهُ عجز عَن الْفَسْخ فَلَا فَائِدَة فِي بَقَاء الْخِيَار
فَإِذا أَفَاق فِي مُدَّة الْخِيَار كَانَ على خِيَاره لِإِمْكَان الْفَسْخ وَالْإِجَازَة
وَكَذَا لَو بَقِي نَائِما فِي آخر مُدَّة الْخِيَار حَتَّى مَضَت سقط الْخِيَار
وَلَو سكر بِحَيْثُ لَا يعلم حَتَّى مَضَت مُدَّة الْخِيَار لم يذكر فِي
[ ٢ / ٧٢ ]
الْكتاب
وَقَالُوا الصَّحِيح أَنه يسْقط الْخِيَار لما قُلْنَا
وَلَو ارْتَدَّ من لَهُ الْخِيَار فِي مُدَّة الْخِيَار إِن مَاتَ أَو قتل على الرَّد صَار البيع لَازِما
وَكَذَلِكَ إِن لحق بدار الْحَرْب وَقضى القَاضِي بلحاقه لِأَن الرِّدَّة بِمَنْزِلَة الْمَوْت بعد الالتحاق بدار الْحَرْب
وَإِن أسلم فِي مُدَّة الْخِيَار كَانَ على خِيَاره وَجعل الْعَارِض كَأَن لم يكن
هَذَا إِذا مَاتَ أَو قتل على الرِّدَّة أَو أسلم قبل أَن يتَصَرَّف بِحكم الْخِيَار فسخا أَو إجَازَة
فَأَما إِذا تصرف فِي مُدَّة الْخِيَار بعد الرِّدَّة فَإِن أجَاز جَازَت إِجَازَته وَلَا يتَوَقَّف بالِاتِّفَاقِ
وَلَو فسخ فَعِنْدَ أبي حنيفَة يتَوَقَّف فَإِن أسلم نفذ وَإِن مَاتَ أَو قتل على الرِّدَّة بَطل الْفَسْخ على مَا يعرف فِي مسَائِل السّير أَن تَصَرُّفَات الْمُرْتَد مَوْقُوفَة عِنْده خلافًا لَهما
وعَلى هَذَا إِذا هَلَكت السّلْعَة الْمَبِيعَة فِي مُدَّة الْخِيَار فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تهْلك فِي يَد البَائِع أَو فِي يَد المُشْتَرِي وَالْخيَار للْبَائِع أَو للْمُشْتَرِي
فَإِن هَلَكت فِي يَد البَائِع فَإِنَّهُ يسْقط الْخِيَار سَوَاء كَانَ الْخِيَار للْبَائِع أَو للْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ يَنْفَسِخ العقد لِأَنَّهُ هلك لَا إِلَى خلف وَلَا يُمكنهُ مُطَالبَة المُشْتَرِي بِالثّمن بِدُونِ تَسْلِيم الْمَبِيع وَقد عجز عَن التَّسْلِيم فَلَا فَائِدَة فِي بَقَائِهِ فَيفْسخ فَيبْطل الْخِيَار ضَرُورَة
وَإِن هَلَكت فِي يَد المُشْتَرِي فَإِن كَانَ الْخِيَار للْبَائِع تهْلك بِالْقيمَةِ وَيسْقط الْخِيَار فِي قَول عَامَّة الْعلمَاء
[ ٢ / ٧٣ ]
وَقَالَ ابْن أبي ليلى تهْلك أَمَانَة
وَالصَّحِيح قَول الْعَامَّة لِأَن الْقَبْض بِسَبَب هَذَا العقد لَا يكون دون الْقَبْض على سوم الشِّرَاء وَذَلِكَ مَضْمُون بِالْقيمَةِ فَهَذَا أولى
وَإِن كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يهْلك عَلَيْهِ بِالثّمن عندنَا
وَعند الشَّافِعِي يهْلك عَلَيْهِ بِالْقيمَةِ
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الْمَبِيع يصير معيبا قبل الْهَلَاك مُتَّصِلا بِهِ لِأَن الْمَوْت يكون بِنَاء على سَبَب مُؤثر فِيهِ عَادَة وَالسَّبَب المفضي إِلَى الْهَلَاك يكون عَيْبا وحدوث الْعَيْب فِي يَد المُشْتَرِي يسْقط خِيَاره لِأَنَّهُ يعجز عَن الرَّد على الْوَجْه الَّذِي أَخذه سليما كَمَا إِذا حدث بِهِ عيب حسا
وَأما إِذا تعيب الْمَبِيع فَإِن كَانَ الْخِيَار للْبَائِع وَهُوَ عيب يُوجب نُقْصَانا فِي عين الْمَبِيع فَإِنَّهُ يبطل خِيَاره سَوَاء كَانَ الْمَبِيع فِي يَده أَو فِي يَد المُشْتَرِي إِذا تعيب بِآفَة سَمَاوِيَّة أَو بِفعل البَائِع لِأَنَّهُ هلك بعضه بِلَا خلف لِأَنَّهُ لَا يجب الضَّمَان على البَائِع لِأَنَّهُ ملكه فينفسخ البيع فِيهِ لفواته وَلَا يُمكن بَقَاء العقد فِي الْقَائِم لما فِيهِ من تَفْرِيق للصفقة على المُشْتَرِي قبل التَّمام
وَأما إِذا تعيب بِفعل المُشْتَرِي أَو بِفعل الْأَجْنَبِيّ كَانَ البَائِع على خِيَاره لِأَنَّهُ يُمكنهُ إجَازَة البيع فِي الْفَائِت والقائم لِأَنَّهُ فَاتَ إِلَى خلف مَضْمُون على المُشْتَرِي وَالْأَجْنَبِيّ بِالْقيمَةِ لِأَنَّهُمَا أتلفا ملك الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه
فَأَما إِذا كَانَ عَيْبا لَا يُوجب نُقْصَانا فِي عين الْمَبِيع كَالْوَطْءِ من الْأَجْنَبِيّ وولادة الْوَلَد وَنَحْو ذَلِك فَلَا يسْقط خِيَاره إِذا تعيب بِفعل البَائِع حَتَّى لَو أَرَادَ أَن يرد على البَائِع بِغَيْر رِضَاهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك
[ ٢ / ٧٤ ]
وَلَكِن للْمُشْتَرِي حق الرَّد بِسَبَب الْعَيْب لِأَنَّهُ لم يفت شَيْء من الْمَبِيع فينفسخ العقد فِيهِ فتتفرق الصَّفْقَة على المُشْتَرِي وَكَذَا إِذا تعيب بِفعل المُشْتَرِي لِأَنَّهُ مَضْمُون عَلَيْهِ
وَأما إِذا كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي وَالْعَبْد فِي يَده يبطل خِيَاره سَوَاء حصل بِآفَة سَمَاوِيَّة أَو بِفعل البَائِع أَو بِفعل المُشْتَرِي أَو بِفعل الْأَجْنَبِيّ حَتَّى لَو أَرَادَ أَن يرد على البَائِع بِغَيْر رِضَاهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِك أما فِي الآفة السماوية وَفعل البَائِع فَلَمَّا ذكرنَا فِي خِيَار البَائِع وَأما فِي فعل المُشْتَرِي وَالْأَجْنَبِيّ فَلِأَنَّهُ فَاتَ شَرط الرَّد لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ أَن يرد جَمِيع مَا قبض كَمَا قبض سليما وَفِي رد الْبَعْض تَفْرِيق الصَّفْقَة على البَائِع قبل التَّمام وَفِي الْأَجْنَبِيّ عِلّة أُخْرَى وَهِي أَنه أوجب الأَرْض وَالْأَرْش زِيَادَة مُنْفَصِلَة حدثت بعد الْقَبْض وَإِنَّهَا تمنع الْفَسْخ عندنَا كَسَائِر أَسبَاب الْفَسْخ فَكَذَا حكم الْخِيَار
ثمَّ فِي خِيَار البَائِع إِذا تعيب بِفعل المُشْتَرِي أَو بِفعل الْأَجْنَبِيّ وَهُوَ فِي يَد المُشْتَرِي لم يسْقط الْخِيَار وَبَقِي على خِيَاره فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُجِيز أَو يفْسخ وَالْعَيْب حصل بِفعل المُشْتَرِي أَو الْأَجْنَبِيّ فَإِن أجَاز البيع وَجب على المُشْتَرِي جَمِيع الثّمن لِأَن البيع جَازَ فِي الْكل وَلم يكن للْمُشْتَرِي حق الرَّد وَالْفَسْخ بِسَبَب التَّغْيِير الَّذِي حصل فِي الْمَبِيع لِأَنَّهُ حدث فِي يَده وَفِي ضَمَانه إِلَّا أَن المُشْتَرِي إِن كَانَ هُوَ الْقَاطِع فَلَا سَبِيل لَهُ على أحد لِأَنَّهُ ضمن بِفعل نَفسه وَإِن كَانَ الْقَاطِع أَجْنَبِيّا فَلِلْمُشْتَرِي أَن يتبع الْجَانِي بِالْأَرْضِ لِأَنَّهُ بِالْإِجَازَةِ ملك العَبْد من وَقت البيع فحصلت الْجِنَايَة على ملكه
وَإِذا اخْتَار الْفَسْخ فَإِن كَانَ الْقَاطِع هُوَ المُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَأْخُذ الْبَاقِي وَيضمن المُشْتَرِي نصف قيمَة العَبْد للْبَائِع لِأَن العَبْد كَانَ
[ ٢ / ٧٥ ]
مَضْمُونا على المُشْتَرِي بِالْقيمَةِ وَقد عجز عَن رد مَا أتْلفه بِالْجِنَايَةِ فَعَلَيهِ رد قِيمَته
وَإِن كَانَ الْقَاطِع أَجْنَبِيّا فالبائع بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ اتبع الْجَانِي لِأَن الْجِنَايَة حصلت على ملكه وَإِن شَاءَ اتبع المُشْتَرِي لِأَن الْجِنَايَة حدثت فِي ضَمَان المُشْتَرِي فَإِن اخْتَار اتِّبَاع الْأَجْنَبِيّ فَلَا يرجع على أحد لِأَنَّهُ ضمن بِفعل نَفسه وَإِن اخْتَار اتِّبَاع المُشْتَرِي فَالْمُشْتَرِي يرجع بذلك على الْجَانِي لِأَن المُشْتَرِي بأَدَاء الضَّمَان قَامَ مقَام البَائِع فِي حق ملك الْبَدَل وَإِن لم يقم مقَامه فِي حق ملك نفس الْفَائِت كَمَا فِي غَاصِب الْمُدبر إِذا قتل الْمُدبر فِي يَده وَضَمنَهُ الْمَالِك كَانَ لَهُ أَن يرجع على الْقَاتِل وَإِن لم يملك الْمُدبر لما قُلْنَا كَذَلِك هَهُنَا
وَأما معرفَة عمل خِيَار الشَّرْط وَحكمه فَنَقُول قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ إِن البيع بِشَرْط الْخِيَار لَا ينْعَقد فِي حق الحكم بل هُوَ مَوْقُوف إِلَى وَقت سُقُوط الْخِيَار فَينْعَقد حِينَئِذٍ
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي قَول مثل قَوْلنَا وَفِي قَول ينْعَقد مُفِيدا للْملك لَكِن يثبت لَهُ خِيَار الْفَسْخ بتسليط صَاحبه كَمَا فِي خِيَار الرُّؤْيَة وَخيَار الْعَيْب
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن خِيَار الشَّرْط شرع لدفع الْغبن لحَدِيث حبَان بن منقذ وَذَلِكَ لَا يحصل إِلَّا بِمَا ذكرنَا فَإِن الْمَبِيع إِذا كَانَ قَرِيبه يعْتق عَلَيْهِ لَو ثَبت الْملك فَلَا يحصل الْغَرَض
ثمَّ الْخِيَار إِذا كَانَ للعاقدين جَمِيعًا لَا يكون العقد منعقدا فِي حق الحكم فِي حَقّهمَا جَمِيعًا
وَإِن كَانَ الْخِيَار لأحد الْعَاقِدين فَلَا شكّ أَن العقد لَا ينْعَقد فِي حق الحكم فِي حق من لَهُ الْخِيَار
وَأما فِي حق الآخر فَهَل ينْعَقد فِي حق
[ ٢ / ٧٦ ]
الحكم وَهُوَ الحكم الَّذِي يثبت بِفِعْلِهِ أَعنِي ثُبُوت الْملك فِي الْمَبِيع بِتَمْلِيك البَائِع وَثُبُوت الْملك فِي الثّمن بِتَمْلِيك المُشْتَرِي قَالَ أَبُو حنيفَة لَا ينْعَقد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد ينْعَقد حَتَّى إِن الْخِيَار إِذا كَانَ للْبَائِع لَا يَزُول الْمَبِيع عَن ملكه وَلَا يدْخل فِي ملك المُشْتَرِي
وَأما الثّمن فَهَل يدْخل فِي ملك البَائِع فَعِنْدَ أبي حنيفَة لَا يدْخل بِأَن كَانَ الثّمن عينا وَلَا يسْتَحق عَلَيْهِ الثّمن للْبَائِع إِن كَانَ دينا
وَعِنْدَهُمَا يدْخل وَيجب الثّمن للْبَائِع
وَإِن كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي لَا يسْتَحق عَلَيْهِ الثّمن وَلَا يخرج عَن ملكه إِذا كَانَ عينا
وَهل يدْخل الْمَبِيع فِي ملك المُشْتَرِي عِنْد أبي حنيفَة يَزُول عَن ملك البَائِع وَلَا يدْخل فِي ملك المُشْتَرِي
وَعِنْدَهُمَا يدْخل
وَالصَّحِيح قَول أبي حنيفَة لِأَن خِيَار المُشْتَرِي يمْنَع زَوَال الثّمن عَن ملكه وَيمْنَع من اسْتِحْقَاق الثّمن عَلَيْهِ وَلَو قُلْنَا إِنَّه يملك الْمَبِيع كَانَ فِيهِ جمع بَين الْبَدَل والمبدل فِي ملك رجل وَاحِد فِي عقد الْمُبَادلَة وَهَذَا لَا يجوز بِخِلَاف خِيَار الرُّؤْيَة وَالْعَيْب لِأَن هُنَاكَ لَا يمْنَع زَوَال الثّمن عَن ملك المُشْتَرِي فَجَاز أَن لَا يمْنَع دُخُول السّلْعَة فِي ملكه
وفوائد هَذَا الأَصْل تظهر فِي مسَائِل كَثِيرَة مَذْكُورَة فِي الْكتب فَنَذْكُر بَعْضهَا
مِنْهَا إِذا اشْترى الرجل أَبَاهُ أَو ذَا رحم محرم مِنْهُ على أَنه بِالْخِيَارِ
[ ٢ / ٧٧ ]
ثَلَاثَة أَيَّام لم يعْتق عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهُ لم يدْخل فِي ملكه وَعِنْدَهُمَا يعْتق
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا قَالَ لعبد الْغَيْر إِن اشتريتك فَأَنت حر فَاشْتَرَاهُ على أَنه بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام يعْتق عَلَيْهِ وَيبْطل خِيَاره
أما عِنْدهمَا فَلِأَنَّهُ يدْخل فِي ملكه وَأما عِنْد أبي حنيفَة فَلِأَن الْمُعَلق بِالشّرطِ كالمنجز عِنْد وجود الشَّرْط وَلَو نجز عتقه بعد شِرَائِهِ بِشَرْط الْخِيَار ينفذ عتقه وَيبْطل الْخِيَار لاختياره الْملك كَذَا هَذَا
وَمِنْهَا إِذا اشْترى زَوجته على أَنه بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام لَا يبطل نِكَاحه عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهَا لم تدخل فِي ملكه
وَعِنْدَهُمَا يبطل لِأَنَّهَا دخلت فِي ملكه
وَلَو وَطئهَا الزَّوْج فِي مُدَّة الْخِيَار ينظر إِن كَانَت بكرا يبطل خِيَاره بالِاتِّفَاقِ لوُجُود التعيب وَإِن كَانَت ثَيِّبًا وَلم ينقصها الْوَطْء لَا يبطل خِيَاره عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهُ وَطئهَا بِملك النِّكَاح وَلَا بِملك الْيَمين فَلَا يصير مُخْتَارًا ضَرُورَة فِي حل الْوَطْء
وَعِنْدَهُمَا يبطل خِيَاره لِأَنَّهُ وَطئهَا بِحكم الشِّرَاء
وَمِنْهَا أَن الْمَبِيع إِذا كَانَ دَارا إِن كَانَ للْبَائِع فِيهَا خِيَار لم يكن للشَّفِيع الشُّفْعَة بِالْإِجْمَاع لِأَن خِيَار البَائِع يمْنَع زَوَال الْمَبِيع عَن ملكه
وَإِن كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي تثبت الشُّفْعَة للشَّفِيع بِالْإِجْمَاع أما عِنْدهمَا فَلِأَن خِيَاره لَا يمْنَع دُخُول السّلْعَة فِي ملك المُشْتَرِي فَتثبت الشُّفْعَة للشَّفِيع وعَلى قَول أبي حنيفَة خِيَار المُشْتَرِي وَإِن منع دُخُول السّلْعَة فِي ملك المُشْتَرِي لم يمْنَع زَوَالهَا عَن ملك البَائِع وَحقّ الشَّفِيع فِي الشُّفْعَة يعْتَمد زَوَال حق البَائِع لَا ملك المُشْتَرِي
[ ٢ / ٧٨ ]
وَأما كَيْفيَّة الْفَسْخ وَالْإِجَازَة فَهُوَ على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا بطرِيق الضَّرُورَة وَالْآخر بطرِيق الْقَصْد وَالِاخْتِيَار
أما الْفَسْخ وَالْإِجَازَة بطرِيق الضَّرُورَة فَيصح من غير حَضْرَة خَصمه وَعلمه كمضي مُدَّة الْخِيَار وهلاك الْمَبِيع ونقصانه على مَا ذكرنَا
وَأما الْفَسْخ وَالْإِجَازَة بطرِيق الْقَصْد فقد أجمع أَصْحَابنَا أَن الْمَشْرُوط لَهُ الْخِيَار ملك إجَازَة العقد بِغَيْر محْضر من صَاحبه بِغَيْر علم مِنْهُ لِأَن صَاحبه الَّذِي لَا خِيَار لَهُ رَضِي بِحكم العقد وَأما من لَهُ الْخِيَار فَلم يرض حكمه ولزومه فَإِذا رَضِي ورضا الآخر قد وجد يجب القَوْل بنفاذ البيع علم الآخر أَو لم يعلم
لَكِن يشْتَرط الرِّضَا بِاللِّسَانِ بِأَن قَالَ أجزت هَذَا العقد أَو رضيت بِهِ فَأَما إِذا رَضِي بِقَلْبِه وَمَا أجَازه صَرِيحًا فَإِنَّهُ لَا يسْقط خِيَاره لِأَن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة تتَعَلَّق بالأقوال وَالْأَفْعَال الظَّاهِرَة الدَّالَّة على الضمائر
وَأما الْفَسْخ وَالرَّدّ إِن وجد بِالْقَلْبِ دون اللِّسَان فَهُوَ بَاطِل لما ذكرنَا
وَأما إِذا فسخ بِلِسَانِهِ فَإِن كَانَ بِمحضر من صَاحبه فَإِنَّهُ يَصح بِالْإِجْمَاع سَوَاء رَضِي بِهِ أَو أَبى
وَأما إِذا كَانَ بِغَيْر محْضر من صَاحبه فقد قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد لَا يَصح وَهُوَ قَول أبي يُوسُف الأول سَوَاء كَانَ الْخِيَار للْبَائِع أَو للْمُشْتَرِي ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ يَصح
وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ إِن كَانَ الْخِيَار للْبَائِع ملك فَسخه بِغَيْر محْضر من المُشْتَرِي وَإِن كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي لَا يملكهُ فَسخه بِغَيْر محْضر من البَائِع ونعني بالحضرة
[ ٢ / ٧٩ ]
الْعلم حَتَّى لَو كَانَ الآخر حَاضرا وَلم يكن عَالما بفسخه لَا يَصح وَلَو كَانَ غَائِبا وَعلم بفسخه فِي مُدَّة الْخِيَار يَنْبَغِي أَن يَصح
وَذكر الْكَرْخِي أَن خِيَار الرُّؤْيَة على هَذَا الْخلاف
وَأَجْمعُوا أَن المُشْتَرِي فِي خِيَار الْعَيْب إِذا فسخ بِغَيْر محْضر من البَائِع لَا يَصح وَإِن كَانَ قبل الْقَبْض وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَو اشْترى رجلَانِ على أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام أَو اشتريا شَيْئا وَلم يرياه أَو اشتريا شَيْئا فوجدا بِهِ عَيْبا هَل يملك أَحدهمَا أَن ينْفَرد بِالْفَسْخِ على قَول أبي حنيفَة لَا يملك وَلَو رد لَا يَصح
وعَلى قَوْلهمَا يَصح
وَإِنَّمَا يَصح عِنْد أبي حنيفَة إِذا اتفقَا على الرَّد أَو اتفقَا على الْإِجَازَة
أما إِذا رد أَحدهمَا وَأَجَازَ الآخر فَهُوَ على الِاخْتِلَاف
وَكَذَا لَو اختارا رد البيع فِي النّصْف وإجازة البيع فِي النّصْف فَهُوَ على الِاخْتِلَاف وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
[ ٢ / ٨٠ ]