الْكَلَام فِيهِ فِي مَوَاضِع فِي بَيَان شَرْعِيَّة خِيَار الْعَيْب وَفِي بَيَان الْعُيُوب الَّتِي توجب الْخِيَار جملَة وتفصيلا وَفِي بَيَان كَيْفيَّة الرَّد وَفِي بَيَان مَا يمْنَع الرَّد وَيسْقط الْخِيَار وَفِي بَيَان مَا يمْنَع الرُّجُوع بِنُقْصَان الْعَيْب وَمَا لَا يمْنَع وَفِي بَيَان الْإِبْرَاء عَن الْعُيُوب
أما الأول فَلِأَن سَلامَة الْبَدَلَيْنِ فِي عقد الْمُبَادلَة مَطْلُوبَة عَادَة فَتكون بِمَنْزِلَة الْمَشْرُوط صَرِيحًا وَلَو اشْترى جَارِيَة على أَنَّهَا بكر أَو خبازة وَلم تُوجد ثَبت الْخِيَار لفَوَات غَرَضه كَذَا هَذَا
وَأما بَيَان الْعُيُوب الْمُوجبَة للخيار فِي الْجُمْلَة فَنَقُول كل مَا أوجب نُقْصَان الْقيمَة وَالثمن فِي عَادَة التُّجَّار فَهُوَ عيب يُوجب الْخِيَار
وَمَا لَا يُوجب نُقْصَان الْقيمَة وَالثمن فَلَيْسَ بِعَيْب
وَأما تَفْصِيل الْعُيُوب فَهِيَ على نَوْعَيْنِ
[ ٢ / ٩٣ ]
أَحدهمَا مَا يُوجب فَوَات جُزْء من الْمَبِيع أَو تَغْيِيره من حَيْثُ الظَّاهِر دون الْبَاطِن
وَالثَّانِي مَا يُوجب النُّقْصَان من حَيْثُ الْمَعْنى دون الصُّورَة
أما الأول فكثير نَحْو الْعَمى والعور والشلل والزمانة والإصبع النَّاقِصَة وَالسّن السَّوْدَاء وَالسّن الساقطة وَالسّن الشاغية وَالظفر الْأسود والصمم والخرس والبكم والقروح والشجاج وَأثر الْجراح والأمراض كلهَا الَّتِي تكون فِي سَائِر الْبدن والحميات وَهَذَا كُله ظَاهر
وَأما الثَّانِي فنحو السعال الْقَدِيم وارتفاع الْحيض فِي زمَان طَوِيل أدناه شَهْرَان فَصَاعِدا فِي الْجَوَارِي
وَمِنْهَا صهوبة الشّعْر والشمط والشيب فِي العبيد والجواري والبخر عيب فِي الْجَوَارِي دون العبيد إِلَّا أَن يكون فَاحِشا أَو يكون عَن دَاء وَكَذَلِكَ الزفر
وَمِنْهَا الزِّنَا عيب فِي الْجَوَارِي دون الغلمان إِلَّا إِذا كثر ذَلِك مِنْهُم وَصَارَ عَادَة لَهُم فَيكون عَيْبا
وَكَذَا كَونه ولد الزِّنَا يكون عَيْبا فِي الْجَوَارِي دون العبيد
[ ٢ / ٩٤ ]
وَالْحَبل عيب فِي الْجَارِيَة لَا فِي الْبَهَائِم
وَالنِّكَاح فِي الْغُلَام وَالْجَارِيَة عيب
وَالْكفْر عيب فِي الْجَارِيَة والغلام
وَمن هَذِه الْجُمْلَة الْإِبَاق وَالسَّرِقَة وَالْبَوْل فِي الْفراش وَالْجُنُون
وَحَاصِل الْجَواب فِيهَا أَنَّهَا فِي الصَّغِير الَّذِي لَا يعقل وَلَا يَأْكُل وَحده لَا تكون عَيْبا لِأَنَّهُ لَا يعرف الِامْتِنَاع من هَذِه الْأَشْيَاء فَلَا يثبت بِهِ وجود الْعَيْب بِالِاحْتِمَالِ فَأَما إِذا كَانَ صَبيا عَاقِلا فَإِنَّهُ يكون عَيْبا وَلَكِن عِنْد اتِّحَاد الْحَالة يثبت حق الرَّد لَا عِنْد الِاخْتِلَاف بِأَن ثَبت أَنه أبق عِنْد البَائِع ثمَّ يأبق عِنْد المُشْتَرِي كِلَاهُمَا فِي حَالَة الصغر أَو كِلَاهُمَا فِي حَالَة الْكبر لِأَن سَبَب وجود هَذِه الْأَشْيَاء فِي حَالَة الصغر عيب وَهُوَ قلَّة المبالاة وقصور الْعقل وَضعف المثانة وَفِي حَال الْكبر يكون السَّبَب سوء اخْتِيَاره وداء فِي الْبَاطِن فَإِذا اتّفق الحالان علم أَن السَّبَب وَاحِد فَيكون هَذَا الْعَيْب ثَابتا عِنْد البَائِع فَأَما إِذا اخْتلف فَلَا يعرف لِأَنَّهُ يجوز أَن يَزُول الَّذِي كَانَ عِنْد البَائِع ثمَّ يحدث النَّوْع الآخر عِنْد المُشْتَرِي فَلَا يكون لَهُ حق الرَّد كَالْعَبْدِ إِذا حم عِنْد البَائِع ثمَّ حم عِنْد المُشْتَرِي فَإِن كَانَ هَذَا الثَّانِي غير ذَلِك النَّوْع لَا يثبت حق الرَّد وَإِن كَانَ من نَوعه ثَبت حق الرَّد كَذَا هَذَا
فَأَما الْجُنُون إِذا ثَبت وجوده عِنْد البَائِع فَهَل يشْتَرط وجوده ثَانِيًا عِنْد المُشْتَرِي لَيْسَ فِيهِ رِوَايَة نصا وَاخْتلف الْمَشَايِخ فبعضهم قَالُوا لَا يشْتَرط لِأَن مُحَمَّدًا قَالَ الْجُنُون عيب لَازم أبدا فَلَا يشْتَرط وجوده ثَانِيًا عِنْد المُشْتَرِي بِخِلَاف السّرقَة والإباق
[ ٢ / ٩٥ ]
وَالْبَوْل فِي الْفراش فَإِنَّهُ مَا لم يُوجد عِنْد المُشْتَرِي لَا يثبت حق الرَّد
وَقَالَ بَعضهم لَا يكون لَهُ حق الرَّد مَا لم يُوجد ثَانِيًا عِنْد المُشْتَرِي كَمَا فِي الْإِبَاق ونظائره إِلَّا أَن الْفرق أَن فِي الْجُنُون لَا يشْتَرط اتِّحَاد الْحَالة فَإِن جن عِنْد البَائِع وَهُوَ صَغِير ثمَّ جن عِنْد المُشْتَرِي بعد الْبلُوغ فَإِنَّهُ يثبت حق الرَّد وَفِي الْإِبَاق وَنَظِيره لَا يثبت حق الرَّد إِلَّا عِنْد اتِّحَاد الْحَالة على مَا ذكرنَا
وَأما كَيْفيَّة الرَّد فَنَقُول إِن المُشْتَرِي إِذا ادّعى عَيْبا بِالْمَبِيعِ فَلَا يَخْلُو من ثَلَاثَة أوجه إِمَّا أَن يكون عَيْبا ظَاهرا مشاهدا كالإصبع الزَّائِدَة وَالسّن الشاغية الزَّائِدَة والعمى وَنَحْوهَا
أَو كَانَ عَيْبا بَاطِنا فِي نفس الْحَيَوَان لَا يعرفهُ إِلَّا الْأَطِبَّاء
أَو يكون فِي مَوضِع لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال ويطلع عَلَيْهِ النِّسَاء
أَو يكون عَيْبا لَا يعرف بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا بالتجربة والامتحان عِنْد الْخُصُومَة وَذَلِكَ كالإباق وَالسَّرِقَة وَالْبَوْل على الْفراش وَالْجُنُون
أما إِذا كَانَ عَيْبا مشاهدا فَإِن القَاضِي لَا يُكَلف المُشْتَرِي بِإِقَامَة الْبَيِّنَة على إِثْبَات الْعَيْب عِنْده لكَون الْعَيْب ثَابتا عِنْده بالعيان والمشاهدة وَيكون للْمُشْتَرِي حق الْخُصُومَة مَعَ البَائِع بِسَبَب هَذَا الْعَيْب فَبعد هَذَا القَاضِي ينظر فِي الْعَيْب الَّذِي يَدعِي فَإِن كَانَ عَيْبا لَا يحدث مثله فِي يَدي المُشْتَرِي كالإصبع الزَّائِدَة وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ يرد على البَائِع وَلَا يُكَلف المُشْتَرِي بِإِقَامَة الْبَيِّنَة على ثُبُوت الْعَيْب عِنْد البَائِع لِأَنَّهُ تَيَقّن ثُبُوته عِنْده إِلَّا أَن يَدعِي البَائِع الرِّضَا وَالْإِبْرَاء فيطلب مِنْهُ الْبَيِّنَة فَإِن أَقَامَ الْبَيِّنَة عَلَيْهِ وَإِلَّا فَحِينَئِذٍ يسْتَحْلف المُشْتَرِي على دَعْوَاهُ
[ ٢ / ٩٦ ]
فَإِن نكل لم يرد عَلَيْهِ وَإِن حلف رد على البَائِع فَإِن كَانَ عَيْبا يجوز أَن يحدث مثله فِي يَد المُشْتَرِي فَإِن القَاضِي يَقُول للْبَائِع هَل حدث هَذَا عنْدك فَإِن قَالَ نعم قضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ إِلَّا أَن يَدعِي الرِّضَا وَالْإِبْرَاء وَإِن أنكر الْحُدُوث عِنْده فَإِنَّهُ يَقُول للْمُشْتَرِي أَلَك بَيِّنَة فَإِن أَقَامَهَا قضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ إِلَّا أَن يَدعِي الرِّضَا وَالْإِبْرَاء وَإِن لم يكن لَهُ بَيِّنَة ذكر فِي الأَصْل وَقَالَ يسْتَحْلف البَائِع على الْبَتَات بِاللَّه لقد بِعته وسلمته وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْب لِأَن هَذَا أَمر لَو أقرّ بِهِ لزمَه فَإِذا أنكر يحلف لصدق قَوْله وَإِنَّمَا يحلف على هَذَا الْوَجْه لِأَن الْعَيْب قد يحدث بعد البيع قبل الْقَبْض فَيثبت لَهُ حق الرَّد فَلَا بُد من ذكر البيع وَالتَّسْلِيم
ثمَّ من الْمَشَايِخ من قَالَ لَا يجب أَن يسْتَحْلف هَكَذَا لِأَنَّهُ يبطل حق المُشْتَرِي فِي الرَّد فِي بعض الْأَحْوَال لِأَنَّهُ يكون للْمُشْتَرِي حق الرَّد بِعَيْب حَادث بعد البيع قبل الْقَبْض فَمَتَى حلف على هَذَا الْوَجْه لم يَحْنَث إِذا حدث الْعَيْب قبل الْقَبْض لِأَن شَرط الْحِنْث وجود الْعَيْب عِنْد البيع وَالْقَبْض جَمِيعًا وَلَكِن الِاحْتِيَاط للْمُشْتَرِي أَن يحلف البَائِع بِاللَّه وَمَا للْمُشْتَرِي رد السّلْعَة بِهَذَا الْعَيْب الَّذِي يَدعِي وَقيل يحلف بِاللَّه لقد سلمته وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْب الَّذِي يَدعِي
وَمِنْهُم من قَالَ بِأَن مَا ذكر مُحَمَّد صَحِيح مَعَ إِضْمَار زِيَادَة فِي كَلَامه فَيحلف البَائِع بِاللَّه لقد بِعته وسلمته وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْب لَا عِنْد البيع وَلَا عِنْد التَّسْلِيم إِلَّا أَن مُحَمَّدًا اختصر كَلَامه والاختصار ثَابت فِي اللُّغَة فَيحمل كَلَامه عَلَيْهِ
وَأما إِذا كَانَ الْعَيْب بَاطِنا لَا يعرفهُ إِلَّا الْخَواص من النَّاس كالأطباء والنخاسين فَإِنَّهُ يعرف ذَلِك مِمَّن لَهُ بصارة فِي ذَلِك الْبَاب فَإِن اجْتمع
[ ٢ / ٩٧ ]
على ذَلِك الْعَيْب رجلَانِ مسلمان أَو قَالَ ذَلِك رجل مُسلم عدل فَإِنَّهُ يقبل قَوْله وَيثبت الْعَيْب فِي حق إِثْبَات الْخُصُومَة ثمَّ بعد هَذَا يَقُول القَاضِي للْبَائِع هَل حدث عنْدك الْعَيْب الَّذِي يَدعِي فَإِن قَالَ نعم قضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ وَإِن أنكر يُقيم المُشْتَرِي الْبَيِّنَة فَإِن لم يكن لَهُ بَيِّنَة اسْتحْلف البَائِع على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا فَإِن حلف لم يرد عَلَيْهِ وَإِن نكل قضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ إِلَّا أَن يَدعِي الرِّضَا أَو الْإِبْرَاء
وَإِن كَانَ الْعَيْب مِمَّا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال ويطلع عَلَيْهِ النِّسَاء فَإِنَّهُ يرجع إِلَى قَول النِّسَاء فترى امْرَأَة مسلمة عدلة والثنتان أحوط
فَإِذا شهِدت على الْعَيْب فَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة عَن أبي يُوسُف رِوَايَتَانِ وَكَذَا عَن مُحَمَّد رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة فرق أَبُو يُوسُف بَين مَا إِذا كَانَ الْمَبِيع فِي يَد البَائِع أَو فِي يَد المُشْتَرِي فَقَالَ إِن كَانَ فِي يَد البَائِع رد الْمَبِيع بشهادتها لِأَن مَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال فَقَوْل الْمَرْأَة الْوَاحِدَة بِمَنْزِلَة الْبَيِّنَة فَيثبت الْعَيْب بقولِهَا وَالْعَيْب الْمَوْجُود عِنْد البَائِع يفْسخ بِهِ البيع
وَإِن كَانَ بعد الْقَبْض أقبل قَوْلهَا فِي حق إِثْبَات الْخُصُومَة وَلَا أقبل فِي حق الرَّد على البَائِع لِأَن الْمَبِيع وجد معيبا فِي ضَمَان المُشْتَرِي فَلَا أنقل الضَّمَان إِلَى البَائِع بقول النِّسَاء وَلَكِن أثبت حق الْخُصُومَة ليثبت الِاسْتِحْقَاق
وَفِي رِوَايَة قَالَ إِن كَانَ الْعَيْب مِمَّا لَا يحدث مثله يفْسخ بقولهن لِأَن الْعَيْب قد ثَبت بشهادتهن وَقد علمنَا كَون الْعَيْب عِنْد البَائِع بِيَقِين فَيثبت حق الْفَسْخ وَإِن كَانَ عَيْبا يحدث مثله لم يثبت حق الْفَسْخ بقولهن لِأَن هَذَا مِمَّا يعلم من جِهَة غَيْرهنَّ
وَأما عَن مُحَمَّد فَفِي رِوَايَة قَالَ لَا يفْسخ بقولهن بِحَال وَفِي رِوَايَة يفْسخ قبل الْقَبْض وَبعده بقولهن لِأَن قَوْلهَا فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ
[ ٢ / ٩٨ ]
الرِّجَال كالبينة كَمَا فِي النّسَب
وَأما الْعَيْب الَّذِي لَيْسَ بمشاهد عِنْد الْخُصُومَة وَلَا يعرف بقول النَّاس كالإباق وَالْجُنُون وَالسَّرِقَة وَالْبَوْل على الْفراش فقد ذكرنَا أَنه لَا بُد من ثُبُوت الْعَيْب عِنْد المُشْتَرِي وَعند البَائِع عِنْد اتِّحَاد الْحَالة إِلَّا فِي الْجُنُون إِن اتِّحَاد الْحَال لَيْسَ بِشَرْط فِي الْجُنُون
فَإِن أَقَامَ المُشْتَرِي الْبَيِّنَة على حُدُوث الْعَيْب عِنْده فَإِنَّهُ يَقُول القَاضِي للْبَائِع هَل أبق عنْدك فَإِن قَالَ نعم قضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ إِلَّا أَن يَدعِي الرِّضَا أَو الْإِبْرَاء وَإِن أنكر الْإِبَاق أصلا وَادّعى اخْتِلَاف الْحَالة يَقُول القَاضِي للْمُشْتَرِي أَلَك بَيِّنَة فَإِن قَالَ نعم وَأقَام الْبَيِّنَة على مَا يدعى قضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ وَإِن قَالَ لَا يسْتَحْلف البَائِع بِاللَّه مَا أبق عنْدك قطّ مُنْذُ بلغ وَلَا جن عنْدك قطّ فَإِن حلف انْقَطَعت الْخُصُومَة بَينهمَا وَإِن نكل عَن الْيَمين قضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ
وَإِن لم يجد المُشْتَرِي بَيِّنَة على إِثْبَات أصل الْعَيْب عِنْد نَفسه هَل يسْتَحْلف القَاضِي البَائِع على ذَلِك أم لَا لم يذكر فِي بُيُوع الأَصْل وَذكر فِي الْجَامِع وَقَالَ يستحلفه على قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَلم يذكر قَول أبي حنيفَة فَمن الْمَشَايِخ من قَالَ يسْتَحْلف بِلَا خلاف وَمِنْهُم من قَالَ هَذِه الْمَسْأَلَة على الِاخْتِلَاف فَقَوْل أبي حنيفَة لَا يسْتَحْلف نَص عَلَيْهِ فِي كتاب التَّزْكِيَة على مَا يعرف فِي الْجَامِع وَالله أعلم
ثمَّ كَيفَ يسْتَحْلف قَالُوا يسْتَحْلف على الْعلم لِأَنَّهَا يَمِين على غير فعله بِاللَّه مَا يعلم أَن هَذَا الْعَيْب مَوْجُود فِي هَذَا العَبْد الْآن فَإِن نكل عَن الْيَمين ثَبت الْعَيْب عِنْد المُشْتَرِي فَيثبت لَهُ حق الْخُصُومَة وَإِن حلف بَرِيء
[ ٢ / ٩٩ ]
وَأما مَا يبطل حق الرَّد وَيمْنَع وجوب الْأَرْش وَمَا لَا يمْنَع فَنَقُول أصل الْبَاب أَن الرَّد بِالْعَيْبِ يمْتَنع بِأَسْبَاب مِنْهَا حُدُوث الْعَيْب عِنْد المُشْتَرِي عندنَا خلافًا لمَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الْمَبِيع خرج عَن ملكه معيبا بِعَيْب وَاحِد فَلَو رد يرد بعيبين وَشرط الرَّد أَن يرد على الْوَجْه الَّذِي أَخذ وَلم يُوجد
وَمِنْهَا الزَّوَائِد الْمُنْفَصِلَة المتولدة من الْعين بعد الْقَبْض كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَة أَو المستفادة بِسَبَب الْعين كالأرض والعقر تمنع الرَّد بِالْعَيْبِ وَسَائِر أَسبَاب الْفَسْخ كالإقالة وَالرَّدّ بِخِيَار الرُّؤْيَة وَالشّرط فِي قَول عُلَمَائِنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا تمنع
وَأَجْمعُوا أَن الْكسْب أَو الْغلَّة الَّتِي تحدث بعد الْقَبْض لَا تمنع فسخ العقد
وَأَجْمعُوا أَن الزَّوَائِد الْمُنْفَصِلَة قبل الْقَبْض لَا تمنع الْفَسْخ بل يفْسخ على الأَصْل والزوائد جَمِيعًا
فَأَما فِي الزَّوَائِد الْمُتَّصِلَة كالسمن وَالْجمال وَنَحْوهَا وَقد حدثت بعد الْقَبْض فَإِنَّهُ لَا يمْنَع الرَّد بِالْعَيْبِ إِذا رَضِي المُشْتَرِي لكَونهَا تَابِعَة للْأَصْل حَقِيقَة وَقت الْفَسْخ فَإِذا انْفَسَخ العقد على الأَصْل يفْسخ فِيهَا تبعا
فَأَما إِذا أَبى المُشْتَرِي أَن يرد وَأَرَادَ الرُّجُوع بِنُقْصَان الْعَيْب وَقَالَ البَائِع لَا أُعْطِيك نُقْصَان الْعَيْب وَلَكِن رد عَليّ الْمَبِيع حَتَّى أرد عَلَيْك الثّمن هَل للْبَائِع ذَلِك
[ ٢ / ١٠٠ ]
على قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لَيْسَ لَهُ ذَلِك
وعَلى قَول مُحَمَّد لَهُ ذَلِك
وَهَذَا لِأَن الزِّيَادَة الْمُتَّصِلَة بعد الْقَبْض تمنع فسخ العقد على الأَصْل إِذا لم يُوجد الرضى مِمَّن لَهُ الْحق فِي الزِّيَادَة عِنْدهمَا وَعند مُحَمَّد لَا تمنع كَمَا فِي مَسْأَلَة الْمهْر إِذا ازْدَادَ زِيَادَة مُتَّصِلَة بعد الْقَبْض ثمَّ طَلقهَا الزَّوْج قبل الدُّخُول بهَا على مَا نذْكر فِي كتاب النِّكَاح
وَمِنْهَا تعذر الْفَسْخ بِأَسْبَاب مَانِعَة من الْفَسْخ على مَا عرف
وَمِنْهَا الرضى بِالْعَيْبِ صَرِيحًا أَو دلَالَة على مَا ذكرنَا فِي خِيَار الشَّرْط أَو وُصُول عوض الْفَائِت إِلَيْهِ حَقِيقَة أَو اعْتِبَارا وَكَانَ للْمُشْتَرِي حق الرُّجُوع بِنُقْصَان الْعَيْب فِي الْمَوَاضِع الَّتِي امْتنع الرَّد إِلَّا إِذا وجد الرِّضَا صَرِيحًا أَو دلَالَة أَو وصل إِلَيْهِ الْعِوَض حَقِيقَة أَو اعْتِبَارا لِأَن ضَمَان النُّقْصَان بدل الْجُزْء الْفَائِت فَإِذا رَضِي بِالْعَيْبِ فقد رَضِي بِالْمَبِيعِ الْقَائِم بِجَمِيعِ الثّمن بِدُونِ الْجُزْء الْفَائِت فَلَا يجب شَيْء وَإِذا حصل الْعِوَض فَكَأَن الْجُزْء الْفَائِت صَار قَائِما معنى بِقِيَام خَلفه
هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا كَانَ المُشْتَرِي عاقدا لنَفسِهِ فَأَما إِذا كَانَ عاقدا لغيره فَإِن كَانَ مِمَّن يجوز أَن يلْزمه الْخُصُومَة كَالْوَكِيلِ وَالشَّرِيك وَالْمُضَارب والمأذون وَالْمكَاتب فالخصومة تلْزمهُ وَيرد عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ بِالْحجَّةِ لِأَنَّهَا من حُقُوق العقد وَحُقُوق العقد ترجع إِلَى الْعَاقِد إِذا كَانَ مِمَّن يلْزمه الْخُصُومَة كالعاقد لنَفسِهِ فَمَا قضى بِهِ على الْعَاقِد رَجَعَ بِهِ على من وَقع لَهُ العقد لكَونه قَائِما مقَامه إِلَّا الْمكَاتب والمأذون فَإِنَّهُمَا لَا يرجعان على الْمولى وَلَكِن الدّين يلْزم الْمكَاتب وَيُبَاع فِيهِ الْمَأْذُون لِأَنَّهُمَا يتصرفان لأنفسهما فَلَا يرجعان على غَيرهمَا
[ ٢ / ١٠١ ]
فَأَما القَاضِي وَالْإِمَام إِذا عقدا بِحكم الْولَايَة أَو أمينهما بأمرهما لم يلْزمهُم الْخُصُومَة وَلم يصيروا خصما فِي الْبَاب إِلَّا أَنه ينصب خصما يُخَاصم فِي ذَلِك فَمَا قضى بِهِ عَلَيْهِ رَجَعَ فِي مَال من وَقع التَّصَرُّف لَهُ وَإِن كَانَ التَّصَرُّف للْمُسلمين رَجَعَ فِي بَيت مَالهم
فَأَما الْعَاقِد إِن كَانَ صَبيا مَحْجُورا أَو عبدا مَحْجُورا بِإِذن إِنْسَان فِي بيع أَو شِرَاء فَلَا خُصُومَة عَلَيْهِمَا وَلَا ضَمَان وَإِنَّمَا الْخُصُومَة على من وكلهما فِي ذَلِك التَّصَرُّف لِأَن حكم العقد وَقع للْمُوكل والعاقد لَيْسَ من أهل لُزُوم الْعهْدَة فَيقوم مقَامه فِي مُبَاشرَة التَّصَرُّف لَا غير بِمَنْزِلَة الرَّسُول وَالْوَكِيل فِي النِّكَاح
وَأما الْبَرَاءَة عَن الْعُيُوب فَنَقُول جملَة هَذَا أَنه إِذا بَاعَ شَيْئا على أَن البَائِع برىء عَن كل عيب فَعم وَلم يخص شَيْئا من الْعُيُوب فَإِن البيع جَائِز وَالشّرط جَائِز فِي قَول عُلَمَائِنَا حَتَّى لَو وجد المُشْتَرِي بِهِ عَيْبا فَأَرَادَ أَن يردهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك
وَقَالَ الشَّافِعِي الْبَرَاءَة عَن كل عيب لَا يَصح مَا لم يسم الْعَيْب فَيَقُول عَن عيب كَذَا
وَكَذَلِكَ على هَذَا الْخلاف والبراءة وَالصُّلْح عَن الدُّيُون المجهولة
وَإِذا لم يَصح الْبَرَاءَة عَن كل عيب عِنْده هَل يفْسد العقد بِهِ أم لَا فَلهُ فِيهِ قَولَانِ فِي قَول يبطل العقد أَيْضا
وَفِي قَول يَصح العقد وَيبْطل الشَّرْط
وَقَالَ ابْن أبي ليلى مَا لم يعين الْعَيْب وَيَضَع يَده على الْعَيْب وَيَقُول أَبْرَأتك عَن هَذَا الْعَيْب فَإِنَّهُ لَا يَصح الْإِبْرَاء
[ ٢ / ١٠٢ ]
ثمَّ إِذا صَحَّ هَذَا الشَّرْط عندنَا يبرأ عَن كل عيب من الْعُيُوب الظَّاهِرَة والباطنة لِأَن اسْم الْعَيْب يَقع على الْكل
فَأَما إِذا قَالَ أَبْرَأتك عَن كل دَاء رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يَقع على كل عيب ظَاهر دون الْبَاطِن
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة على عَكسه أَنه يَقع على كل عيب بَاطِن وَالْعَيْب الظَّاهِر يُسمى مَرضا
وَلَو أَبْرَأ البَائِع عَن كل غائلة رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يَقع على السّرقَة والإباق والفجور وَمَا كَانَ من فعل الْإِنْسَان مِمَّا يعد عَيْبا عِنْد التُّجَّار
ثمَّ اتّفق عُلَمَاؤُنَا على أَنه يدْخل تَحت الْبَرَاءَة الْمُطلقَة الْعَيْب الْمَوْجُود وَقت البيع
وَاخْتلفُوا فِي الْعَيْب الْحَادِث بعد البيع قبل الْقَبْض قَالَ أَبُو يُوسُف يدْخل تَحت الْبَرَاءَة حَتَّى لَا يملك المُشْتَرِي الرَّد بِالْعَيْبِ الْحَادِث
وَقَالَ مُحَمَّد لَا يدْخل حَتَّى يملك الرَّد بذلك الْعَيْب
وَهَذَا فرع مَسْأَلَة أُخْرَى وَهِي أَنه إِذا بَاعَ بِشَرْط الْبَرَاءَة عَن كل عيب يحدث بعد البيع قبل الْقَبْض هَل يَصح هَذَا الشَّرْط أم لَا عِنْد أبي يُوسُف يَصح
وَعند مُحَمَّد لَا يَصح
فَلَمَّا صحت الْبَرَاءَة عَن الْعَيْب الْحَادِث حَالَة التَّنْصِيص فَكَذَا فِي حَالَة الْإِطْلَاق عَن كل عيب فَيدْخل تَحْتَهُ الْحَادِث بعد البيع قبل الْقَبْض فَلَمَّا كَانَت الْبَرَاءَة عَن الْعَيْب الْحَادِث بعد البيع قبل الْقَبْض لَا تصح عِنْد مُحَمَّد حَالَة التَّنْصِيص فحالة الْإِطْلَاق أولى
[ ٢ / ١٠٣ ]
ثمَّ مَا ذكرنَا من الْجَواب فِيمَا إِذا قَالَ أَبْرَأتك عَن كل عيب مُطلقًا
فَأَما إِذا قَالَ أبيعك على أَنِّي بَرِيء من كل عيب بِهِ لم يدْخل فِي ذَلِك الْعَيْب الْحَادِث فِي قَوْلهم جَمِيعًا لِأَنَّهُ لم يعم الْبَرَاءَة وَإِنَّمَا خصها بالموجود الْقَائِم عِنْد العقد دون غَيره
وَلَو قَالَ على أَنِّي بَرِيء من كل عيب كَذَا وسمى ضربا من الْعُيُوب أَو ضَرْبَيْنِ لم يبرأ من غير ذَلِك النَّوْع مثل أَن يبرأ من القروح أَو الكي وَنَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ أسقط الْحق من نوع خَاص
وَلَو كَانَت الْبَرَاءَة عَامَّة فاختلفا فِي عيب فَقَالَ البَائِع كَانَ بِهِ يَوْم العقد وَقَالَ المُشْتَرِي بل حدث قبل الْقَبْض فَالْقَوْل قَول البَائِع عِنْد أبي يُوسُف وَعند مُحَمَّد لِأَن الْبَرَاءَة عَامَّة فَإِذا ادّعى المُشْتَرِي حُدُوث عيب فيريد إبِْطَال الْعُمُوم فَلَا يبطل قَوْله إِلَّا بِبَيِّنَة
وَقَالَ زفر وَالْحسن القَوْل قَول المُشْتَرِي لِأَن الأَصْل هُوَ ثُبُوت الْحق وَالْمُشْتَرِي هُوَ المبرىء فَيكون القَوْل قَوْله فِي مِقْدَار الْبَرَاءَة
وَلَو كَانَت الْبَرَاءَة من عيب خَاص سَمَّاهُ المُشْتَرِي ثمَّ اخْتلفَا فَقَالَ البَائِع كَانَ بهَا وَقَالَ المُشْتَرِي حدث قبل الْقَبْض فَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي عِنْد مُحَمَّد وَلم يثبت عَن أبي يُوسُف قَول لِأَن هَذِه الْبَرَاءَة خَاصَّة فَالْقَوْل فِيهَا قَول المُشْتَرِي كَمَا فِي الْبَرَاءَة عَن دين خَاص
[ ٢ / ١٠٤ ]