أصل الْبَاب مَا ذكرنَا أَن الْمُعْتَبر فِي بَاب التِّجَارَة معنى الْمَالِيَّة وَالْقيمَة دون الْعين لِأَن سَبَب وجوب الزَّكَاة هُوَ المَال النامي الْفَاضِل عَن الْحَاجة والنماء فِي مَال التِّجَارَة بالاسترباح وَذَلِكَ من حَيْثُ الْمَالِيَّة إِلَّا أَن حَقِيقَة النَّمَاء مِمَّا يتَعَذَّر اعْتِبَاره فأقيمت التِّجَارَة الَّتِي هِيَ سَبَب النَّمَاء مَعَ الْحول الَّذِي هُوَ زمَان النَّمَاء مقَامه فَمَتَى حَال الْحول على مَال التِّجَارَة يكون ناميا فَاضلا عَن الْحَاجة تَقْديرا
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول كل مَا كَانَ من أَمْوَال التِّجَارَة كَائِنا مَا كَانَ من الْعرُوض وَالْعَقار والمكيل وَالْمَوْزُون وَغَيرهَا تجب فِيهِ الزَّكَاة إِذا بلغ نِصَاب الذَّهَب أَو الْفضة وَحَال عَلَيْهِ الْحول وَهُوَ ربع عشره
وَهَذَا قَول عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ أَصْحَاب الظَّوَاهِر لَا زَكَاة فِيهَا
وَقَالَ مَالك لَا تجب الزَّكَاة فِيهَا مَا دَامَت أعيانا فَإِذا نضت وَصَارَت دَرَاهِم أَو دَنَانِير تجب فِيهَا زَكَاة حول وَاحِد
وَالصَّحِيح قَول عَامَّة الْعلمَاء لما رُوِيَ عَن شمرة بن جُنْدُب عَن النَّبِي ﵇ أَنه كَانَ يَأْمُرنَا بِإِخْرَاج الزَّكَاة من الرَّقِيق الَّذِي نعده للْبيع وَالْمعْنَى مَا ذكرنَا فِي الأَصْل
[ ٢٧١ ]
ثمَّ مَا سوى الذَّهَب وَالْفِضَّة إِنَّمَا يصير للتِّجَارَة بِالنِّيَّةِ وَالتِّجَارَة جَمِيعًا حَتَّى إِنَّه إِذا كَانَ لَهُ عرُوض للبذلة والمهنة ثمَّ نوى أَن تكون للتِّجَارَة بعد ذَلِك لَا تصير للتِّجَارَة مَا لم يُوجد مِنْهُ الشِّرَاء بعد ذَلِك بذلك المَال فَيكون بدله للتِّجَارَة
فَأَما إِذا كَانَ لَهُ مَال للتِّجَارَة وَنوى أَن يكون للبذلة يخرج عَن التِّجَارَة وَإِن لم يَسْتَعْمِلهُ لِأَن التِّجَارَة عمل مَعْلُوم وَلَا يُوجد بِمُجَرَّد النِّيَّة فَلَا يعْتَبر مُجَرّد النِّيَّة فَأَما إِذا نوى الابتذال فقد ترك التِّجَارَة للْحَال فَتكون النِّيَّة مُقَارنَة لعمل هُوَ ترك التِّجَارَة فاعتبرت النِّيَّة
ثمَّ مَال الزَّكَاة يعْتَبر فِيهِ كَمَال النّصاب فِي أول الْحول وَآخره
ونقصان النّصاب بَين طرفِي الْحول لَا يمْنَع وجوب الزَّكَاة سَوَاء كَانَ مَال التِّجَارَة أَو الذَّهَب وَالْفِضَّة أَو السوائم
هَذَا عِنْد أَصْحَابنَا الثَّلَاثَة
وَقَالَ زفر يعْتَبر كَمَال النّصاب من أَوله إِلَى آخِره وَالنُّقْصَان فِيمَا بَين ذَلِك يقطع حكم الْحول
وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي غير أَمْوَال التِّجَارَة فَأَما فِي مَال التِّجَارَة فَيعْتَبر كَمَا النّصاب فِي آخر الْحول لَا فِي أَوله ووسطه
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَنَّهُ كَمَال النّصاب شَرط وجوب الزَّكَاة فَيعْتَبر حَال انْعِقَاد السَّبَب وَحَال ثُبُوت الحكم وَهُوَ أول الْحول وَآخره ووسط الْحول لَيْسَ حَال انْعِقَاد لسَبَب وَلَا حَال الْوُجُوب فَلَا يجب اشْتِرَاطه فِيهِ
فَأَما إِذا هلك النّصاب أصلا بِحَيْثُ لم يبْق مِنْهُ شَيْء يسْتَأْنف الْحول لِأَنَّهُ لم يُوجد شَيْء من النّصاب الْأَصْلِيّ حَتَّى يضم إِلَيْهِ الْمُسْتَفَاد
[ ٢٧٢ ]
وَفِي الْفَصْل الأول بعض الأَصْل بَاقٍ فيضم إِلَيْهِ الْمُسْتَفَاد فيتكامل الْحول
وَلَو استبدل أَمْوَال التِّجَارَة كلهَا فِي الْحول بِجِنْس آخر لم يَنْقَطِع الْحول وَإِن هلك الْجِنْس الأول لِأَن الأول قَائِم من حَيْثُ الْمَعْنى وَهُوَ الْمَالِيَّة
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير إِذا بَاعهَا بجنسها أَو بِخِلَاف جِنْسهَا أَعنِي الدَّرَاهِم أَو بِالدَّنَانِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِع حكم الْحول لِأَن الحكم ثمَّة مُتَعَلق بِالْمَعْنَى أَيْضا وعَلى قَول الشَّافِعِي يَنْقَطِع لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فعلى قَول مذْهبه لَا تجب الزَّكَاة فِي أَمْوَال الصيارفة لوُجُود الِاسْتِبْدَال فِي كل سَاعَة
وَأما إِذا بَاعَ السَّائِمَة بالسائمة فَإِن بَاعَ الْجِنْس بِخِلَاف الْجِنْس كَالْإِبِلِ بالبقر يَنْقَطِع الْحول بالِاتِّفَاقِ
أما إِذا بَاعَ الْجِنْس بِالْجِنْسِ فَيَنْقَطِع عندنَا خلافًا لزفَر
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الزَّكَاة فِي السوائم تتَعَلَّق بِالْعينِ والأعيان مُخْتَلفَة فَلم يتم الْحول على النّصاب لَا حَقِيقَة وَلَا تَقْديرا
ثمَّ إِذا تمّ الْحول على مَال التِّجَارَة فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَن يقومها حَتَّى يعرف مِقْدَار مَال الزَّكَاة لَكِن عِنْد أبي حنيفَة يقوم بِمَا هُوَ أوفى الْقِيمَتَيْنِ وأنظرهما للْفُقَرَاء من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير كَذَا ذكر هَهُنَا وَذكر فِي كتاب الزَّكَاة وَقَالَ إِن شَاءَ قَومهَا بِالدَّرَاهِمِ وَإِن شَاءَ قَومهَا بِالدَّنَانِيرِ
ومشايخنا حملُوا رِوَايَة كتاب الزَّكَاة على مَا إِذا كَانَ لَا يتَفَاوَت النَّفْع فِي حق الْفُقَرَاء بالتقويم بِأَيِّهِمَا كَانَ حَتَّى يكون جمعا بَين الرِّوَايَتَيْنِ
وَلَكِن كَيْفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يقوم بِأَدْنَى مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير
[ ٢٧٣ ]
وروى محمدعن أبي يُوسُف أَنه قَالَ يقوم الثّمن الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ دَرَاهِم كَانَ أَو دَنَانِير وَإِن كَانَ الثّمن من الْعرُوض يقوم بِالنَّقْدِ الْغَالِب فِي ذَلِك الْموضع
وَذكر ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد إِنَّمَا يقوم بِالنَّقْدِ الْغَالِب فِي ذَلِك الْموضع
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ مَعَ عرُوض التِّجَارَة ذهب وَفِضة فَإِنَّهُ يضمها إِلَى الْعرُوض وَيقوم جملَة لَكِن على قَول أبي حنيفَة يضمها بِاعْتِبَار الْقيمَة إِن شَاءَ قوم الْعرُوض وَضمّهَا إِلَى الدَّرَاهِم أَو الدَّنَانِير وَإِن شَاءَ قوم الذَّهَب وَالْفِضَّة وَضم قيمتهمَا إِلَى قيمَة أَعْيَان التِّجَارَة وَعِنْدَهُمَا يضم بِاعْتِبَار الْأَجْزَاء فَيقوم الْعرُوض وَيضم قيمتهَا إِلَى مَا عِنْده من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فَإِن بلغت الْجُمْلَة نِصَابا تجب الزَّكَاة وَإِلَّا فَلَا وَلَا يقوم الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير عِنْدهمَا أصلا فِي بَاب الزَّكَاة
ثمَّ إِنَّمَا تجب الزَّكَاة فِي مَال الزَّكَاة إِذا لم يكن مُسْتَحقّا بدين مطَالب من جِهَة الْعباد أَو شَيْء مِنْهُ
فَأَما إِذا كَانَ مُسْتَحقّا بِهِ فَلَا تجب الزَّكَاة بِقدر الدّين لِأَن المَال الْمُسْتَحق بِالدّينِ مُحْتَاج إِلَيْهِ وَسبب وجوب الزَّكَاة هُوَ المَال الْفَاضِل عَن الْحَاجة الْمعد للنماء وَالزِّيَادَة
ثمَّ الدُّيُون على ضَرْبَيْنِ دين يُطَالب بِهِ وَيحبس من جِهَة الْعباد كديون الْعباد حَالَة كَانَت أَو مُؤَجّلَة وَهُوَ يمْنَع لما ذكرنَا من الْمَعْنى
وَكَذَلِكَ مهر الْمَرْأَة يمْنَع مُؤَجّلا كَانَ أَو معجلا لِأَنَّهَا إِذا طالبت يُؤَاخذ بِهِ وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا إِن الْمُؤَجل لَا يمْنَع لِأَنَّهُ غير مطَالب بِهِ عَادَة فَأَما الْمُعَجل فمطالب بِهِ عَادَة فَمنع
[ ٢٧٤ ]
وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا إِن كَانَ الْمُعَجل على عزم من قَضَائِهِ يمْنَع وَإِن لم يكن على عزم الْأَدَاء لَا يمْنَع لِأَنَّهُ لَا يعده دينا والمرء يُؤَاخذ بِمَا عِنْده فِي بَاب الْأَحْكَام وَهَذَا غير صَحِيح
فَأَما الزَّكَاة الْوَاجِبَة فِي النّصاب أَو دين الزَّكَاة بِأَن أتلف مَال الزَّكَاة حَتَّى انْتقل من الْعين إِلَى الذِّمَّة فَكل ذَلِك يمْنَع وجوب الزَّكَاة عِنْدهمَا
وَقَالَ زفر لَا يمْنَع كِلَاهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُف وجوب الزَّكَاة فِي النّصاب يمْنَع وَدين الزَّكَاة لَا يمْنَع
وَالصَّحِيح قَوْلهمَا لِأَن زَكَاة السوائم مطَالب بهَا حَقِيقَة من جِهَة السُّلْطَان عينا كَانَ أَو دينا وَزَكَاة التِّجَارَة مطَالب بهَا تَقْديرا لِأَن حق الْأَخْذ للسُّلْطَان وَلِهَذَا كَانَ يَأْخُذهَا الإِمَام إِلَى زمن عُثْمَان ثمَّ فوض إِلَى أَرْبَابهَا بِإِجْمَاع الصَّحَابَة لمصْلحَة رَأْي فِي ذَلِك فَيصير أَرْبَاب الْأَمْوَال كالوكلاء عَن السُّلْطَان فَلَا يبطل حق السُّلْطَان عَن الْأَخْذ وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا إِن الإِمَام إِذا علم من أهل بَلْدَة أَنهم يتركون أَدَاء الزَّكَاة من الْأَمْوَال الْبَاطِنَة فَإِنَّهُ يطالبهم بهَا وَلَكِن لَو أَرَادَ الإِمَام أَن يَأْخُذهَا بِنَفسِهِ من غير تُهْمَة التّرْك من أَرْبَابهَا لَيْسَ لَهُ ذَلِك لما فِيهِ من مُخَالفَة إِجْمَاع الصَّحَابَة
وَأما الدُّيُون الَّتِي هِيَ غير مطَالب بهَا من جِهَة الْعباد كديون الله تَعَالَى من النذور وَالْكَفَّارَات وَصدقَة الْفطر وَوُجُوب الْحَج وَنَحْوهَا فَلَا تمنع لِأَنَّهُ لَا يُطَالب بهَا فِي الدُّنْيَا
وَهَذَا كُله مَذْهَب أَصْحَابنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي الدّين لَا يمْنَع وجوب الزَّكَاة كَيْفَمَا كَانَ وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
[ ٢٧٥ ]
ثمَّ التَّصَرُّف فِي مَال الزَّكَاة بعد وُجُوبهَا جَائِز كَيْفَمَا كَانَ عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز بِقدر الزَّكَاة قولا وَاحِدًا وَفِيمَا زَاد على قدر الْوَاجِب قَولَانِ
ثمَّ ينظر عندنَا إِن كَانَ تَصرفا ينْقل الْوَاجِب إِلَى مَحل مثله لَا يضمن الزَّكَاة وَيصير الْمحل الثَّانِي كَالْأولِ فَيبقى الْوَاجِب بِبَقَائِهِ وَيهْلك بهلاكه وَإِن كَانَ تَصرفا لَا ينْقل الْوَاجِب إِلَى مَحل مثله فَإِنَّهُ يضمن لِأَنَّهُ يصير متلفا فَيبقى الضَّمَان فِي الذِّمَّة فَلَا يهْلك الْوَاجِب بِهَلَاك ذَلِك الْبَدَل
إِذا ثَبت هَذَا نقُول إِذا كَانَ لَهُ سوائم فَبَاعَهَا بعد الْحول بجنسها أَو بِخِلَاف جِنْسهَا من الْحَيَوَان وَالْعرُوض والأثمان فَإِنَّهُ يضمن وَلَا ينْتَقل الْوَاجِب إِلَى مَا جعله بَدَلا حَتَّى لَا يسْقط بِهَلَاك ذَلِك الْبَدَل لِأَن الْوَاجِب فِي السوائم مُتَعَلق بِالْعينِ صُورَة وَمعنى فَالْبيع يكون إتلافا لَا استبدالا ونقلا فَيضمن
وَأما إِذا كَانَ مَال التِّجَارَة فَبَاعَهَا بعد الْحول بِدَرَاهِم أَو بِدَنَانِير أَو بعروض التِّجَارَة أَو مُطلقًا بِمثل قِيمَته أَو بِمَا يتَغَابَن النَّاس فِي مثله لَا يضمن وَيكون نقلا للْوَاجِب من مَحل إِلَى مثله معنى لِأَن الْمُعْتَبر فِي مَال التِّجَارَة هُوَ معنى الْمَالِيَّة دون الصُّورَة فَيبقى الْوَاجِب بِبَقَائِهِ وَيهْلك بهلاكه
وَلَو حابى قدر مَا لَا يتَغَابَن النَّاس فِي مثله يكون زَكَاة مَا حابى دينا فِي ذمَّته وَزَكَاة مَا بَقِي يتَحَوَّل إِلَى الْعين فَيبقى بِبَقَائِهِ ويفوت بفواته
وَإِذا بَاعه بِمَال لَا تجب فِيهِ الزَّكَاة بِأَن بَاعه بعروض وَنوى أَن يكون الْمُشْتَرى للبذلة أَو اسْتَأْجر بِهِ عينا من الْأَعْيَان يضمن لِأَن الْمَنَافِع
[ ٢٧٦ ]
وَإِن كَانَت مَالا وَلَكِن لَيست بِمَال الزَّكَاة لِأَنَّهُ لَا بَقَاء لَهَا
وَكَذَلِكَ إِذا بَاعه بالسوائم على أَن يَتْرُكهَا سَائِمَة فَإِنَّهُ يضمن أَيْضا لِأَن زَكَاة التِّجَارَة خلاف زَكَاة السَّائِمَة فَيكون ذَلِك إتلافا
وَكَذَلِكَ إِذا أخرجه عَن ملكه بِغَيْر بدل نَحْو الْهِبَة وَالصَّدََقَة وَالْوَصِيَّة أَو بدل لَيْسَ بِمَال نَحْو أَن يتَزَوَّج عَلَيْهِ أَو يُصَالح بِهِ عَن دم الْعمد أَو يختلع بِهِ الْمَرْأَة فالزكاة مَضْمُونَة عَلَيْهِ لِأَن هَذَا إِتْلَاف
وَكَذَلِكَ إِذا اسْتَهْلكهُ حَقِيقَة بِالْأَكْلِ وَالشرب واللبس وَنَحْو ذَلِك
ثمَّ الْمُسْتَفَاد على ضَرْبَيْنِ متولد من الأَصْل حَاصِل بِسَبَبِهِ كالأولاد والأرباح وَغير متولد مِنْهُ وَلَا حَاصِل بِسَبَبِهِ بل حَاصِل بِسَبَب مَقْصُود فِي نَفسه كالموروث والموهوب والمشترى وَنَحْو ذَلِك
وكل ذَلِك على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون مستفادا بعد الْحول وَالثَّانِي أَن يكون مستفادا فِي الْحول
وَالْأَصْل فِي الْبَاب أَن الْحول الْمَوْجُود فِي حق الأَصْل كالموجود فِي حق التبع فَكل مُسْتَفَاد هُوَ تبع للْأَصْل تجب فِيهِ الزَّكَاة وَإِلَّا فَلَا
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول أما الْمُسْتَفَاد بعد الْحول فَلَا يضم بِالْإِجْمَاع فِي حق السّنة الْمَاضِيَة وَإِنَّمَا يضم فِي حق الْحول الَّذِي اسْتُفِيدَ فِيهِ لِأَن النّصاب بعد الْحول كالمتجدد حكما لِأَنَّهُ يَتَجَدَّد النَّمَاء بتجدد الْحول والنصاب هُوَ المَال الْمَوْصُوف بالنماء دون مُطلق المَال وَإِذا تجدّد النَّمَاء جعل النّصاب كالمتجدد وَيجْعَل النّصاب الْمَوْجُود فِي الْحول الأول كَالْعدمِ والمستفاد يَجْعَل تبعا للنصاب الْمَوْجُود دون الْمَعْدُوم
وَأما الْمُسْتَفَاد فِي الْحول فَإِن كَانَ من خلاف جنسه كَالْإِبِلِ مَعَ الشَّاة وَنَحْوهَا لَا يضم بِالْإِجْمَاع لِأَن الزِّيَادَة تجْعَل تبعا للمزيد عَلَيْهِ
[ ٢٧٧ ]
من وَجه وَخلاف الْجِنْس لَا يكون زِيَادَة لِأَن الأَصْل لَا يزْدَاد بِهِ وَلَا يتكثر
وَأما إِذا كَانَ من جنسه إِن كَانَ حَاصِلا بِسَبَب التفرع والاسترباح فيضم بِالْإِجْمَاع كالأولاد والأرباح لِأَنَّهُ تَابع لِلْأُصُولِ حَقِيقَة
وَأما إِذا لم يكن متولدا حَاصِلا بِسَبَبِهِ كالموروث والموهوب وَالْمَيِّت وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ يضم عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يضم لِأَنَّهُ أصل ملك بِسَبَب مَقْصُود فَكيف يكون تبعا
وَقُلْنَا نَحن هُوَ أصل من هَذَا الْوَجْه وَلَكِن تبع من حَيْثُ أَن الأَصْل يتكثر بِهِ ويزداد وَالزِّيَادَة تبع للمزيد عَلَيْهِ فاعتبرنا جِهَة التّبعِيَّة فِي حق الْحول احْتِيَاطًا لوُجُوب الزَّكَاة
ثمَّ إِنَّمَا يضم عندنَا إِذا كَانَ الأَصْل نِصَابا
فَأَما إِذا كَانَ أقل مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يضم إِلَيْهِ الْمُسْتَفَاد وَإِن تَكَامل بِهِ النّصاب لِأَن الأَصْل إِذا لم يكن سَبَب الْوُجُوب لقلته فَكيف يتبع الْمُسْتَفَاد إِيَّاه فِي حكمه وَأما الْمُسْتَفَاد إِذا كَانَ ثمن الأَصْل المزكى فَإِنَّهُ لَا يضم إِلَى مَا عِنْده من النّصاب من جنسه عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يضم لما ذكرنَا من الْمَعْنى ف أَبُو حنيفَة يَقُول إِن الثنى حرَام فِي بَاب الزَّكَاة لقَوْله ﵇ لَا ثنى فِي الصَّدَقَة
والمستفاد أصل من وَجه تبع من وَجه فَمن حَيْثُ إِنَّه أصل لَا يضم وَمن حَيْثُ إِنَّه تبع يضم فَوَقع التَّعَارُض هُنَا إِن اعْتبر معنى الْوُجُوب بِضَم وَإِن اعْتبر معنى حُرْمَة الثنى لَا يضم فَلَا يضم مَعَ الشَّك بِخِلَاف غَيره من الْمُسْتَفَاد على مَا مر
[ ٢٧٨ ]
وَصُورَة الْمَسْأَلَة رجل لَهُ خمس من الْإِبِل السَّائِمَة وَمِائَتَا دِرْهَم فتم الْحول على السَّائِمَة وزكاها ثمَّ بَاعهَا بِدَرَاهِم ثمَّ تمّ حول الدَّرَاهِم يضم الثّمن إِلَى الدَّرَاهِم الَّتِي عِنْده ويزكي الْكل عِنْدهمَا وعندأبي حنيفَة يسْتَأْنف لَهَا حول على حِدة
وَلَو جعل هَذِه الْإِبِل علوفة بَعْدَمَا زكاها ثمَّ بَاعهَا ثمَّ حَال الْحول على الدَّرَاهِم الَّتِي عِنْده فَإِنَّهُ يضم ثمنهَا إِلَى مَا عِنْده فيزكي الْكل كَذَا ذكر فِي الْكتاب
وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا هَذَا قَوْلهمَا فَأَما على قَول أبي حنيفَة فَيجب أَن لَا يضم
وَالصَّحِيح أَن هَذَا بالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ لما جعلهَا علوفة فقد خرجت من أَن تكون مَال الزَّكَاة بِفَوَات وصف النَّمَاء فَجعل كَأَن مَال الزَّكَاة قد هلك وَحدثت عين أُخْرَى من حَيْثُ الْمَعْنى فَلَا يُؤَدِّي إِلَى الثنى من وَجه
وَلَو كَانَ لَهُ عبد للْخدمَة فَأدى صَدَقَة فطره أَو كَانَ طَعَاما أدّى عشره أَو أَرضًا أدّى خراجها ثمَّ بَاعهَا فَإِن الثّمن يضم إِلَى مَا عِنْده بالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بذل مَال الزَّكَاة وَهُوَ المَال الْفَاضِل عَن الْحَاجة فَلَا يُؤَدِّي إِلَى شُبْهَة الثنى
وَلَو اسْتَفَادَ دَرَاهِم بِالْإِرْثِ أَو الْهِبَة وَعِنْده نصابان أَحدهمَا أَثمَان الْإِبِل المزكاة وَالثَّانِي نِصَاب آخر من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فَإِنَّهُ يضم إِلَى أقربهما حولا فَإِن كَانَ أدّى زَكَاة النّصاب الَّذِي هُوَ غير ثمن الْإِبِل فَإِنَّهُ يضم إِلَى أَثمَان الْإِبِل لِأَنَّهَا أقرب إِلَى الْحول فَكَانَ أَنْفَع للْفُقَرَاء
وَلَو أَنه لم يُوهب لَهُ وَلَكِن تصرف فِي النّصاب الأول بَعْدَمَا أدّى زَكَاته وَربح فِيهِ ربحا وَلم يحل حول أَثمَان الْإِبِل المزكاة فَإِن الرِّبْح
[ ٢٧٩ ]
يضم إِلَى النّصاب الَّذِي ربح فِيهِ دون أَثمَان الْإِبِل المزكاة وَإِن كَانَ أبعد حولا من الْأَثْمَان بِخِلَاف الأول لِأَنَّهُمَا اسْتَويَا فِي التّبعِيَّة ثمَّة فترجح الْأَقْرَب حولا بِالضَّمِّ إِلَيْهِ نطرا للْفُقَرَاء لما فِيهِ من زِيَادَة النَّفْع وَهنا لم يستويا فِي التّبعِيَّة فَإِنَّهُ تبع لأَحَدهمَا حَقِيقَة فَلَا يقطع حكم التبع عَن الأَصْل
[ ٢٨٠ ]