أصل الْبَاب مَا ذكرنَا أَن سَبَب وجوب الزَّكَاة هُوَ المَال النامي الْفَاضِل عَن الْحَاجة
ثمَّ قدر الْفضل والغنى متفاوت فِي نَفسه لَا يعرف حَده بِالرَّأْيِ فجَاء الشَّرْع بِالنّصب لبَيَان مِقْدَار الْغنى الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ الْوُجُوب فَوَجَبَ اعْتِبَار التَّوْقِيف فِي النصب على الْوَجْه الَّذِي ورد الشَّرْع بِهِ
ثمَّ فِي الْبَاب فصلان أَحدهمَا فِي بَيَان النصب وصفاتها
وَالثَّانِي فِي بَيَان قدر الْوَاجِب وَصِفَاته
أما الأول فَنَقُول بِأَن نِصَاب السوائم مُخْتَلف فنبدأ بِالْإِبِلِ
اتّفقت الْأَحَادِيث إِلَى مائَة وَعشْرين وَعَلِيهِ الْإِجْمَاع أَن لَا زَكَاة فِي الْإِبِل مَا لم تبلغ خمْسا
فَإِذا كَانَت خمْسا فَفِيهَا شَاة إِلَى تسع
فَإِذا كَانَت عشرا فَفِيهَا شَاتَان إِلَى أَربع عشرَة
فَإِذا كَانَت خمس عشرَة فَفِيهَا ثَلَاث شِيَاه إِلَى تسع عشرَة
فَإِذا كَانَت عشْرين فَفِيهَا أَربع شِيَاه إِلَى أَربع وَعشْرين
[ ٢٨١ ]
فَإِذا كَانَت خمْسا وَعشْرين فَفِيهَا بنت مَخَاض إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ
فَإِذا كَانَت سِتا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بنت لبون إِلَى خمس وَأَرْبَعين
فَإِذا كَانَت سِتا وَأَرْبَعين فَفِيهَا حقة إِلَى سِتِّينَ
فَإِذا كَانَت إِحْدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَة إِلَى خمس وَسبعين
فَإِذا كَانَت سِتا وَسبعين فَفِيهَا بِنْتا لبون إِلَى تسعين
فَإِذا كَانَت إِحْدَى وَتِسْعين فَفِيهَا حقتان إِلَى مائَة وَعشْرين
فَأَما إِذا زَادَت الْإِبِل على مائَة وَعشْرين وَاحِدَة فقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك إِلَى تَمام الْخمسين فَقَالَ أَصْحَابنَا بِأَنَّهُ نستأنف الْفَرِيضَة ويدار الْحساب على الخمسينات فِي النّصاب وعَلى احقاق فِي الْوَاجِب وَلَكِن بِشَرْط عود مَا قبله من الْوَاجِبَات والأقاوص بِقدر مَا يدْخل فِيهِ
بَيَان ذَلِك أَنه إِذا زَادَت الْإِبِل على مائَة وَعشْرين فَلَا يجب فِي الزِّيَادَة شَيْء مَا لم تبلغ خمْسا
فَإِذا صَارَت مائَة وخمسا وَعشْرين فَيجب فِيهَا حقتان وشَاة
وَفِي مائَة وَثَلَاثِينَ حقتان وشاتان
وَفِي مائَة وَخمْس وَثَلَاثِينَ حقتان وَثَلَاث شِيَاه
وَفِي مائَة وَخمْس وَأَرْبَعين حقتان وَأَرْبع شِيَاه
وَفِي مائَة وَخمْس وَأَرْبَعين حقتان وَبنت مَخَاض إِلَى مائَة وتسع وَأَرْبَعين
فَإِذا صَارَت مائَة وَخمسين فَفِيهَا ثَلَاث حقاق فِي كل خمسين حقة
ثمَّ تسْتَأْنف الْفَرِيضَة فَلَا يجب فِي أقل من الْخمس شَيْء
فَإِذا صَارَت مائَة وخمسا وَخمسين فَفِيهَا ثَلَاث حقاق وشَاة
[ ٢٨٢ ]
فَإِذا صَارَت مائَة وَسِتِّينَ فَفِيهَا ثَلَاث حقاق وشاتان
فَإِذا صَارَت مائَة وخمسا وَسِتِّينَ فَفِيهَا ثَلَاث شِيَاه وَثَلَاث حقاق
فَإِذا كَانَت مائَة وَسبعين فَفِيهَا أَربع شِيَاه وَثَلَاث حقاق
فَإِذا كَانَت مائَة وخمسا وَسبعين فَفِيهَا ثَلَاث حقاق وَبنت مَخَاض
فَإِذا كَانَت مائَة وستا وَثَمَانِينَ فَفِيهَا ثَلَاث حقاق وَبنت لبون
فَإِذا كَانَت مائَة وستا وَتِسْعين فَفِيهَا أَربع حقاق إِلَى مِائَتَيْنِ
فَإِذا زَادَت عَلَيْهَا تسْتَأْنف الْفَرِيضَة مِثْلَمَا استؤنفت فِي مائَة وَخمسين إِلَى مِائَتَيْنِ فَيدْخل فِيهَا بنت مَخَاض وَبنت لبون وحقة مَعَ الشَّاة
وَقَالَ مَالك فِي قَول إِذا زَادَت الْإِبِل على مائَة وَعشْرين وَاحِدَة الْمُصدق بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أَخذ مِنْهَا ثَلَاث بَنَات لبون وَإِن شَاءَ تَركهَا حَتَّى بلغ مائَة وَثَلَاثِينَ فَيَأْخُذ مِنْهَا بِنْتي لبون وحقة
وَفِي قَول إِذا زَادَت على مائَة وَعشْرين وَاحِدَة فَفِيهَا ثَلَاث بَنَات لبون وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَلَيْسَ فِيهَا إِلَى مائَة وَتِسْعَة وَعشْرين شَيْء فَإِذا صَارَت مائَة وَثَلَاثِينَ فَبعد ذَلِك يَجْعَل كل تِسْعَة عفوا وَيجب فِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون وَفِي كل خمسين حقة فيدور الْحساب فِي النصب على الخمسينات والأربعينات وَفِي الْوَاجِب على الحقاق وَبَنَات اللَّبُون
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا فَإِن الْأَحَادِيث قد تَعَارَضَت فقد رُوِيَ اسْتِئْنَاف الْفَرِيضَة كَمَا قُلْنَا وَرُوِيَ كَمَا قَالَا وَلَكِن التَّرْجِيح لما قُلْنَا فَإِنَّهُ مَذْهَب عَليّ وَعبد الله بن مَسْعُود وَكَانَا من فُقَهَاء الصَّحَابَة وَهَذَا بَاب لَا يجْرِي فِيهِ الْقيَاس والرأي فَكَانَ ذَلِك دَلِيلا على الِاسْتِقْرَار على الْوَجْه الَّذِي قَالَا من حَيْثُ التَّوْقِيف من النَّبِي ﵇
وَأما نِصَاب الْبَقر فَنَقُول لَيْسَ فِي أقل من ثَلَاثِينَ من الْبَقر صَدَقَة
[ ٢٨٣ ]
فَإِذا بلغت ثَلَاثِينَ فَفِيهَا تبيع أَو تبيعة وَلَا شَيْء فِي الزِّيَادَة إِلَى تسع وَثَلَاثِينَ
فَإِذا صَارَت أَرْبَعِينَ فَفِيهَا مُسِنَّة
وَهَذَا بِلَا خلاف بَين الْأمة فَأَما إِذا زَادَت على الْأَرْبَعين فقد اخْتلفت الرِّوَايَات فِيهَا عَن أبي حنيفَة ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة أَنه تجب مُسِنَّة وَفِي الزِّيَادَة بِحِسَاب ذَلِك يَعْنِي إِن كَانَت الزِّيَادَة وَاحِدَة تجب مُسِنَّة وجزء من أَرْبَعِينَ جُزْءا من مُسِنَّة وَفِي الاثنتين وَأَرْبَعين مُسِنَّة وجزآن من أَرْبَعِينَ جُزْءا من مُسِنَّة
وَكَذَلِكَ إِلَى سِتِّينَ على هَذَا الِاعْتِبَار
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه لَا يجب فِي الزِّيَادَة شَيْء حَتَّى تبلغ خمسين فَإِذا كَانَت خمسين فَفِيهَا مُسِنَّة وَربع مُسِنَّة أَو ثلث تبيع لِأَن الزِّيَادَة عشر وَهِي ثلث وَثَلَاثِينَ وَربع أَرْبَعِينَ فَإِن شَاءَ أعْطى ربع المسنة وَإِن شَاءَ أعْطى ثلث التّبعِيَّة إِلَى سِتِّينَ
وروى أَسد بن عَمْرو عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ لَا شَيْء فِي الزِّيَادَة حَتَّى تبلغ سِتِّينَ فَيكون فِيهَا تبيعان أَو تبيعتان
وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ
وَهَذِه الرِّوَايَة أعدل لما رُوِيَ عَن معاذأنه قيل لَهُ مَاذَا تَقول فِيمَا بَين الْأَرْبَعين إِلَى السِّتين من الْبَقر فَقَالَ تِلْكَ أوقاص لَا شَيْء فِيهَا
وَأما إِذا زَادَت على السِّتين فَإِنَّهُ يدار الْحساب على الأربعينات والثلاثينات فِي النصب وعَلى الأتبعة والمسنات فِي القريضة وَيجْعَل تِسْعَة بَينهمَا عفوا فَيجب فِي كل ثَلَاثِينَ تبيع أَو تبيعة وَفِي كل أَرْبَعِينَ مُسِنَّة فَإِذا كَانَت سبعين فَفِيهَا مُسِنَّة وتبيع وَفِي الثَّمَانِينَ مسنتان
[ ٢٨٤ ]
وَفِي التسعين ثَلَاثَة أتبعة وَفِي الْمِائَة مُسِنَّة وتبيعتان وَفِي الْمِائَة وَالْعشرَة مسنتان وتبيع وَفِي الْمِائَة وَالْعِشْرين ثَلَاث مسنات أَو أَربع أتبعة
وعَلى هَذَا الِاعْتِبَار يدار الْحساب
وَأما نِصَاب الْغنم فَلَيْسَ فِي أقل من أَرْبَعِينَ شَاة شَيْء
فَإِذا بلغت أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاة وَلَيْسَ فِي الزِّيَادَة شَيْء حَتَّى تبلغ مائَة وَعشْرين
فَإِذا زَادَت وَاحِدَة فَفِيهَا شَاتَان إِلَى مِائَتَيْنِ
فَإِذا زَادَت وَاحِدَة فَفِيهَا ثَلَاث شِيَاه ثمَّ لَا شَيْء فِيهَا حَتَّى تبلغ أَرْبَعمِائَة
فَإِذا كَانَت أَرْبَعمِائَة فَفِيهَا أَربع شِيَاه
ثمَّ فِي كل مائَة شَاة شَاة وَإِن كثرت
هَذَا الَّذِي ذكرنَا بَيَان قدر النصب فَأَما بَيَان صفة النّصاب فَهُوَ أَن يكون مَوْصُوفا بالإسامة حَتَّى لَا تجب الزَّكَاة فِي العلوفة والحمولة لما ذكرنَا أَن الزَّكَاة لَا تجب إِلَّا فِي المَال النامي والنماء فِي الْحَيَوَان بالإسامة
وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لَيْسَ فِي العوامل والحوامل صَدَقَة
والسائمة هِيَ الَّتِي تسام فِي البراري لقصد الدّرّ والنسل حَتَّى إِذا أسيمت للْحَمْل وَالرُّكُوب لَا للدر والنسل لَا تجب فِيهَا الزَّكَاة وَكَذَلِكَ إِذا أسيمت للْبيع وَقصد التِّجَارَة لَا للدر والنسل لَا يجب فِيهَا زَكَاة السَّائِمَة عندنَا وَلَكِن تجب فِيهَا زَكَاة التِّجَارَة
ثمَّ لَيْسَ الشَّرْط أَن تسام فِي جَمِيع السّنة فِي البراري بل الْمُعْتَبر هُوَ
[ ٢٨٥ ]
الْغَالِب فَإِن كَانَ أَكثر السّنة تسام فِي البراري وتعلف فِي الْأَمْصَار فِي أقل السّنة فَهِيَ سَائِمَة
وَمن صِفَات النّصاب أَن يكون الْجِنْس وَاحِدًا كَالْإِبِلِ وَالْبَقر وَالْغنم وَإِن اخْتلفت صفاتها من الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة وَاخْتلفت أَنْوَاعهَا كالغراب والبخاتي وَالْبَقر والجواميس والضأن والمعز لِأَن اسْم الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم يتَنَاوَل الْكل
وَأما الْفَصْل الثَّانِي وَهُوَ بَيَان قدر الْوَاجِب وَصِفَاته فَنَقُول أما قدر الْوَاجِب من الْإِبِل فَمَا ذكرنَا من بنت الْمَخَاض وَبنت اللَّبُون والحقة والجذعة
وَفِي الْبَقَرَة التبيع والتبيعة والمسنة لما ذكرنَا من الْأَحَادِيث الْمَشْهُور فبنت الْمَخَاض الَّتِي أَتَت عَلَيْهَا سنة وطعنت فِي السّنة الثَّانِيَة وَبنت اللَّبُون هِيَ الَّتِي أَتَت عَلَيْهَا سنتَانِ وطعنت فِي الثَّالِثَة والحقة هِيَ الَّتِي تمت لَهَا ثَلَاث سِنِين وطعنت فِي الرَّابِعَة والجذعة هِيَ الَّتِي أَتَت عَلَيْهَا أَربع سِنِين وطعنت فِي الْخَامِسَة وَهِي أقْصَى سنّ يدْخل فِي بَاب زَكَاة الْإِبِل
والتبيع والتبيعة هُوَ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ حول وَطعن فِي الثَّانِيَة
والمسنة هِيَ الَّتِي أَتَت عَلَيْهَا سنتَانِ وطعنت فِي الثَّالِثَة وَهِي أقْصَى مَا يجب من السن فِي الْبَقر
أما صفة الشَّاة الْوَاجِبَة فِي الزَّكَاة فقد ذكر فِي كتاب الزَّكَاة من الأَصْل عَن أبي حنيفَة أَنه لَا يجوز إِلَى الثنى فَصَاعِدا وَهُوَ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ حول وَطعن فِي الثَّانِيَة
[ ٢٨٦ ]
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه يجوز الْجذع من الضَّأْن وَهُوَ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ سِتَّة أشهر
وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ
وَهُوَ قِيَاس مَا ذكره الطَّحَاوِيّ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة إِلَّا مَا يجوز فِي الْأُضْحِية والجذع من الضَّأْن يجوز فِي الْأُضْحِية
وَالصَّحِيح جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة فَإِنَّهُ لَا يجوز من الْمعز إِلَّا الثنى فَكَذَا فِي الضَّأْن وَأَصله حَدِيث عليرضي الله عَنهُ أَنه قَالَ لَا يجزىء فِي الزَّكَاة إِلَّا الثنى فَصَاعِدا
وَلم يرو عَن غَيره خِلَافه فَيكون كالإجماع
وَمن صِفَات الْوَاجِب فِي الْإِبِل الْأُنُوثَة حَتَّى لَا يجوز فِيهَا سوى الْإِنَاث وَلَا يجوز الذُّكُور إِلَّا بطرِيق الْقيمَة
وَأما فِي الْبَقر فالذكور وَالْإِنَاث سَوَاء بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله ﵇ لِمعَاذ فِي كل ثَلَاثِينَ من الْبَقر تبيع أَو تبيعة
وَأما فِي الْغنم فَيجوز فِيهِ عندنَا الذّكر وَالْأُنْثَى
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز الذّكر إِلَّا إِذا كَانَت كلهَا ذُكُورا
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الْأَحَادِيث وَردت بِلَفْظ الشَّاة وَهُوَ اسْم يتَنَاوَل الذّكر وَالْأُنْثَى
وَمن صِفَات الْوَاجِب أَيْضا أَن يكون وسطا حَتَّى لَا يكون للساعي أَن يَأْخُذ الْجيد وَلَا الرَّدِيء إِلَّا بطرِيق التَّقْوِيم بِرِضا صَاحب المَال لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ للساعي إياك وكرائم أَمْوَال النَّاس وَخذ من حواشيها وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم فَإِنَّهُ لَيْسَ بَينه وَبَين الله حجاب
[ ٢٨٧ ]
فَلَو أَنه لم يُوجد الْوسط فَإِن صَاحب المَال بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ دفع قيمَة الْوسط وَإِن شَاءَ دفع الْأَفْضَل واسترد الزِّيَادَة من الدَّرَاهِم وَإِن شَاءَ دفع الأدون مَعَ الزِّيَادَة من الدَّرَاهِم لِأَن دفع الْقيم جَائِز عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَذكر فِي كتاب الزَّكَاة هَذِه الْمَسْأَلَة وَقَالَ الْمُصدق بِالْخِيَارِ وَأَرَادَ بِهِ إِذا رَضِي صَاحب المَال وَإِنَّمَا يكون الْخِيَار للمصدق فِي فصل وَاحِد وَهُوَ أَن صَاحب المَال إِذا وَجب عَلَيْهِ بنت مَخَاض أَو بنت لبون فَأدى بعض سنّ آخر بطرِيق الْقيمَة فالمصدق بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ قبل وَإِن شَاءَ لم يقبل لِأَن التشقيص فِي الْأَعْيَان عيب
هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا كَانَ الْكل كبارًا فإمَّا إِذا كَانَت صغَارًا أَو مختلطة بالكبار فَأَما الصغار المفردة فَمن أبي حنيفَة فِيهَا ثَلَاث رِوَايَات روى أَنه يجب فِيهَا مَا يجب فِي الْكِبَار
ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ يجب فِيهَا وَاحِد مِنْهَا إِذا بلغت مبلغا يجب فِيهَا وَاحِد من الْكِبَار وَهُوَ خَمْسَة وعشرن فصيلا
ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَا يجب فِيهَا شَيْء
وَأخذ بقوله الأول زفر وَهُوَ قَول مَالك
وَبِقَوْلِهِ الثَّانِي أَبُو يُوسُف
وَبِقَوْلِهِ الثَّالِث مُحَمَّد
وَيتَكَلَّم الْفُقَهَاء فِي صُورَة الْمَسْأَلَة فَإِنَّهَا مشكلة لِأَن الزَّكَاة لَا تجب بِدُونِ مُضِيّ الْحول بعد الْحول لم يبْق اسْم الحملان والفصلان والعجاجيل
[ ٢٨٨ ]
قَالَ بَعضهم الْخلاف فِي هَذَا أَن الْحول هَل ينْعَقد على الحملان والفصلان والعجاجيل أم لَا بِأَن ملك فِي أول الْحول نِصَابا من هَذِه الصغار ثمَّ تمّ الْحول عَلَيْهَا هَل يجب وَاحِد مِنْهَا وَإِن خَرجُوا عَن الدُّخُول تَحت هَذِه الْأَسْمَاء أَو يعْتَبر انْعِقَاد الْحول من حِين كبروا وَإِن زَالَت صفة الصغر عَنْهُم وَقَالَ بَعضهم الْخلاف فِيمَن كَانَت لَهُ أُمَّهَات فمضت سِتَّة أشهر فَولدت أَوْلَادًا ثمَّ مَاتَت الْأُمَّهَات وَبَقِي الْأَوْلَاد ثمَّ تمّ الْحول عَلَيْهَا وَهِي صغَار هَل تجب الزَّكَاة فِي هَذِه الْأَوْلَاد وعَلى هَذَا إِذا كَانَ لَهُ مسان فاستفاد صغَارًا فِي وسط الْحول ثمَّ هَلَكت المسان وَبَقِي الْمُسْتَفَاد هَل تجب الزَّكَاة فِي الْمُسْتَفَاد فعلى هَذَا الْخلاف
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مُحَمَّد فِي الْكتاب فِيمَن كَانَ لَهُ أَرْبَعُونَ حملا وَوَاحِدَة مُسِنَّة فَهَلَكت المسنة وَتمّ الْحول على الحملان لَا يجب شَيْء عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَعند أبي يُوسُف يجب وَاحِد مِنْهَا وَعند زفر تجب مُسِنَّة
وَالصَّحِيح قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد لما ذكرنَا من الأَصْل ثمَّ عَن أبي يُوسُف ثَلَاث رِوَايَات أُخْرَى سوى مَا ذكرنَا وَالْمَشْهُور مَا ذكرنَا
فَأَما إِذا كَانَ مَعَ الصغار كبار أَو وَاحِد مِنْهَا فَإِنَّهُ يحْتَسب الصغار مَعهَا من النّصاب وَتجب الزَّكَاة فِيهَا مِثْلَمَا تجب فِي الْكِبَار وَهُوَ المسنة
وَأَصله حديثعمرأنه قَالَ للساعي عد عَلَيْهِم السخلة وَلَو جَاءَ بهَا الرَّاعِي يحملهَا على كَفه وَلَا تأخذها مِنْهُم
ثمَّ فِي حَال اخْتِلَاط الْكِبَار بالصغار تجب الزَّكَاة فِي الصغار تبعا للكبار إِذا كَانَ الْعدَد الْوَاجِب من الْكِبَار مَوْجُودا فِيهَا فِي قَوْلهم جَمِيعًا
[ ٢٨٩ ]
فَأَما إِذا لم يكن الْعدَد الْوَاجِب كُله مَوْجُودا فَإِنَّهُ يجب بِقدر الْمَوْجُود فَإِنَّهُ إِذا كَانَ لَهُ مسنتان وَمِائَة وَتِسْعَة عشر حملا فَإِنَّهُ تجب فِيهَا مسنتان بِلَا خلاف لِأَن الْعدَد الْوَاجِب وَهُوَ المسنتان مَوْجُود فِي النّصاب
وَمثله لَو كَانَ لَهُ مُسِنَّة وَمِائَة وَعِشْرُونَ حملا يجب فِيهَا مُسِنَّة وَاحِدَة عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَعند أبي يُوسُف يجب عَلَيْهِ شَاة وَحمل
وَأما حكم الْخَيل فَنَقُول لَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَت علوفة فِي الْمصر للرُّكُوب وَالْحمل أَو للتِّجَارَة أَو سَائِمَة للرُّكُوب وَالْحمل أَو للغزو وَالْجهَاد أَو سَائِمَة للدر والنسل
أما إِذا كَانَت علوفة أَو كَانَت سَائِمَة للْحَمْل وَالرُّكُوب أَو الْجِهَاد فَلَا يجب فِيهَا شَيْء لِأَنَّهَا مَشْغُولَة بحاجته لِأَن قصد الدّرّ والنسل دَلِيل الْفضل عَن الْحَاجة وَلم يُوجد
وَإِن كَانَت للتِّجَارَة يجب فِيهَا زَكَاة التِّجَارَة بِالْإِجْمَاع سَوَاء كَانَت تعلف فِي الْمصر أَو تسام فِي البراري
فَأَما إِذا كَانَت سَائِمَة للدر والنسل فَإِن كَانَت مختلظة ذُكُورا وإناثا يجب فِيهَا الزَّكَاة عِنْد أبي حنيفَة رِوَايَة وَاحِدَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ لَا زَكَاة فِيهَا
وَإِن كَانَت كلهَا إِنَاثًا فَفِيهَا رِوَايَتَانِ عَن أبي حنيفَة ذكرهمَا الطَّحَاوِيّ
وَإِن كَانَت كلهَا ذُكُورا فَفِيهَا رِوَايَتَانِ عَنهُ أَيْضا ذكرهَا مُحَمَّد فِي الْآثَار
وَفِي الْمَشْهُور من الرِّوَايَات أَن لَا زَكَاة فِيهَا
وَإِذا وَجَبت الزَّكَاة فِيهَا فَيكون صَاحبهَا بِالْخِيَارِ بَين أَن يُعْطي من
[ ٢٩٠ ]
كل فرس دِينَارا وَبَين أَن يقومها فَيُؤَدِّي من كل مِائَتي دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم لَكِن حق الْأَخْذ للساعي لِأَن السَّائِمَة ترعى فِي البراري وَلَا يُمكن حفظ السوائم فِيهَا إِلَّا بحماية السُّلْطَان
وَالصَّحِيح قَول أبي حنيفَة لما روى جَابر عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ فِي كل فرس سَائِمَة دِينَار وَلَيْسَ فِي الرابطة شَيْء
وَأما الْحمير وَالْبِغَال فَلَا يجب فِيهَا شَيْء وَإِن كَانَت سَائِمَة لِأَن الْحمل وَالرُّكُوب هُوَ الْمَقْصُود فِيهَا غَالِبا دون التناسل لَكِنَّهَا تسام فِي غير وَقت الْحَاجة للتَّخْفِيف فِي الْحِفْظ وَدفع مؤونة الْعلف
فَأَما إِذا كَانَت للتِّجَارَة فَيجب فِيهَا زَكَاة التِّجَارَة
هَذَا الَّذِي ذكرنَا كُله إِذا كَانَت السوائم لوَاحِد أما إِذا كَانَت مُشْتَركَة فعندنا يعْتَبر فِي حَال الشّركَة مَا يعْتَبر فِي حَالَة الِانْفِرَاد فَإِن كَانَ نصيب كل وَاحِد مِنْهُمَا بلغ نِصَابا تجب الزَّكَاة فِيهِ وَإِلَّا فَلَا
وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا كَانَ أَسبَاب الإسامة وَاحِدَة يَجْعَل الْكل كَمَال وَاحِد وَهُوَ أَن يكون الرَّاعِي والمرعى وَالْمَاء والمراح وَالْكَلب وَاحِدًا وَيكون المالكان من أهل وجوب الزَّكَاة
بَيَان ذَلِك إِذا كَانَ خمس من الْإِبِل بَين شَرِيكَيْنِ لَا تجب فِيهَا الزَّكَاة عندنَا لِأَن نصيب كل وَاحِد مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ لَيْسَ بنصاب
وَلَو كَانَت عشرا من الْإِبِل بَينهمَا فعلى كل وَاحِد مِنْهُمَا شَاة
وَعِنْده تجب شَاة فِي الْفَصْل الأول عَلَيْهِمَا
وَإِن كَانَ ثَلَاثُونَ من الْبَقر بَين رجلَيْنِ لَا تجب الزَّكَاة عندنَا
[ ٢٩١ ]
لعدم النّصاب فِي حَقه وَعِنْده تجب تبيعة بَينهمَا
وَإِن كَانَ أَرْبَعُونَ من الْغنم بَين اثْنَيْنِ لَا يجب شَيْء عندنَا خلافًا لَهُ
وَلَو كَانَ لَهما ثَمَانُون يجب على كل وَاحِد مِنْهُمَا شَاة عندنَا وَعِنْده جب شَاة وَاحِدَة بَينهمَا
كَذَلِك على هَذَا إِذا كَانَ الذَّهَب وَالْفِضَّة وأموال التِّجَارَة مُشْتَركَة بَين اثْنَيْنِ فَإِنَّهُ يعْتَبر عندنَا نصيب كل وَاحِد على حِدة
ثمَّ إِن الْمُصدق إِذا جَاءَ بعد تَمام الْحول فَإِنَّهُ يَأْخُذ الصَّدَقَة من المَال الْمُشْتَرك بَينهمَا إِذا وجد فِيهِ وَاجِبا على اخْتِلَاف الْأَصْلَيْنِ وَلَا ينْتَظر الْقِسْمَة لِأَنَّهُمَا راضيان بذلك لبقائهما على الشّركَة
فَإِذا أَخذ ينظر إِن كَانَ مَا أَخذ من مَال كل وَاحِد مِنْهُمَا بِأَن كَانَ المَال مُشْتَركا بَينهمَا على السوية فَلَا تراجع هَهُنَا لِأَن ذَلِك الْقدر وَاجِب على كل وَاحِد مِنْهُمَا على السوَاء
أما إِذا كَانَ المَال مُشْتَركا بَينهمَا على التَّفَاوُت وَالْوَاجِب على أَحدهمَا أَكثر من الآخر أَو الْوَاجِب على أَحدهمَا دون الآخر فَإِنَّهُ يرجع على صَاحبه بِقدر ذَلِك
بَيَانه لَو كَانَ ثَمَانُون من الْغنم بَين رجلَيْنِ فَأخذ الْمُصدق مِنْهَا شَاتين فَلَا تراجع لما ذكرنَا أَنه يجب على كل وَاحِد مِنْهُمَا شَاة وكل شَاة بَينهمَا نِصْفَانِ
وَلَو كَانَت الثَّمَانُونَ بَينهمَا أَثلَاثًا وَحَال الْحول فَإِنَّهُ يجب فِيهَا شَاة وَاحِدَة على صَاحب الثُّلثَيْنِ لكَمَال نصابه وَزِيَادَة وَلَا يجب على صَاحب
[ ٢٩٢ ]
الثُّلُث لنُقْصَان نصِيبه عَن النّصاب فقد أَخذ الْمُصدق ثلث نصِيبه لأجل صَاحب الثُّلثَيْنِ فَلهُ أَن يرجع عَلَيْهِ بِقِيمَة الثُّلُث
وَلَو كَانَ الْغنم مائَة وَعشْرين بَين رجلَيْنِ لأَحَدهمَا ثلثاها وَللْآخر ثلثهَا فَإِنَّهُ يجب على كل وَاحِد مِنْهُمَا شَاة لِأَن الثَّمَانِينَ لأَحَدهمَا وَالْأَرْبَعِينَ لشَرِيكه فَيَأْخُذ الْمُصدق شَاتين من المَال الْمُشْتَرك وَلِصَاحِب الثُّلثَيْنِ أَن يرجع على صَاحب الثُّلُث بِقِيمَة ثلث شَاة لِأَن الشاتين إِذا كَانَتَا أَثلَاثًا بَينهمَا يكون لصَاحب الثُّلثَيْنِ شَاة وَثلث وَلِصَاحِب الثُّلُث ثلثا شَاة وَقد أَخذ الْمُصدق شَاة كَامِلَة لأجل صَاحب الثُّلُث فقد صَار آخِذا ثلثا من نصيب صَاحب الثُّلثَيْنِ لأجل زَكَاة صَاحب الثُّلُث فَيرجع عَلَيْهِ بذلك
وَهَذَا معنى قَوْله ﵇ وَمَا كَانَ بَين الخليطين فَإِنَّهُمَا يتراجعان بِالسَّوِيَّةِ هَذَا الَّذِي ذكرنَا حكم الزَّكَاة فِي الْعين
فَأَما حكم الزَّكَاة فِي الدّين فَنَقُول الدّين عِنْد ابي حنيفَة على ثَلَاث مَرَاتِب دين قوي وَدين وسط وَدين ضَعِيف
فالدين الْقوي هُوَ الَّذِي ملكه بَدَلا عَمَّا هُوَ مَال الزَّكَاة كالدراهم وَالدَّنَانِير وأموال التِّجَارَة وَكَذَا غلَّة مَال التِّجَارَة من العبيد والدور وَنَحْوهَا
وَالْحكم فِيهِ أَنه إِذا كَانَ نِصَابا وَتمّ الْحول تجب الزَّكَاة لَكِن لَا يُخَاطب بِالْأَدَاءِ مَا لم يقبض أَرْبَعِينَ درهما فَإِذا قبض أَرْبَعِينَ زكاها وَذَلِكَ دِرْهَم
وَإِن قبض أقل من ذَلِك لَا يُزكي وَكَذَلِكَ يُؤَدِّي من كل أَرْبَعِينَ عِنْد الْقَبْض درهما
[ ٢٩٣ ]
وَأما الدّين الْوسط فَهُوَ الَّذِي وَجب بدل مَال لَو بَقِي عِنْده حولا لم تجب فِيهِ الزَّكَاة مثل عبيد الْخدمَة وَثيَاب البذلة وغلة مَال الْخدمَة
وَالْحكم فِيهِ أَن عِنْد أبي حنيفَة فِيهِ رِوَايَتَيْنِ ذكر فِي الأَصْل وَقَالَ تجب فِيهِ الزَّكَاة وَلَا يُخَاطب بِالْأَدَاءِ مَا لم يقبض مِائَتي دِرْهَم فَإِذا قبض الْمِائَتَيْنِ يُزكي لما قبض
وروى ابْن سَمَّاعَة عَن أبي حنيفَة أَنه لَا زَكَاة فِيهِ حَتَّى يقبض ويحول عَلَيْهِ الْحول بعد ذَلِك
وَهُوَ الصَّحِيح عِنْده
وَأما الدّين الضَّعِيف فَهُوَ مَا وَجب وَملك لَا بَدَلا عَن شَيْء وَهُوَ دين إِمَّا بِغَيْر فعله كالميراث أَو بِفِعْلِهِ كَالْوَصِيَّةِ أَو وَجب بَدَلا عَمَّا لَيْسَ بِمَال دينا كالدية على الْعَاقِلَة وَالْمهْر وَبدل الْخلْع وَالصُّلْح عَن دم الْعمد وَبدل الْكِنَايَة
وَالْحكم فِيهِ أَنه لَا يجب فِيهِ الزَّكَاة حَتَّى يقبض الْمِائَتَيْنِ ويحول عَلَيْهَا الْحول عِنْده
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد الدُّيُون على ضَرْبَيْنِ دُيُون مُطلقَة وديون نَاقِصَة
فالناقص هُوَ بدل الْكِنَايَة وَالدية على الْعَاقِلَة وَمَا سواهُمَا فديون مُطلقَة
وَالْحكم فِيهَا أَنه تجب الزَّكَاة فِي الدّين الْمُطلق وَلَا يجب الْأَدَاء مَا لم يقبض فَإِذا قبض مِنْهَا شَيْئا قل أَو كثر يُؤَدِّي بِقدر مَا قبض
وَفِي الدّين النَّاقِص لَا تجب الزَّكَاة مَا لم يقبض النّصاب ويحول عَلَيْهِ الْحول
[ ٢٩٤ ]
وَأما دين السّعَايَة فَلم يذكر فِي كتاب الزَّكَاة الِاخْتِلَاف بَينهمَا
وَذكر فِي نَوَادِر الزَّكَاة الِاخْتِلَاف فَقَالَ عِنْد أبي حنيفَة هُوَ دين ضَعِيف وَعِنْدَهُمَا دين مُطلق
وَعند الشَّافِعِي الدُّيُون كلهَا سَوَاء وَتجب الزَّكَاة فِيهَا وَالْأَدَاء وَإِن لم يقبض
وَأما حكم هَذِه الأبدال إِذا كَانَت عينا أما الْمِيرَاث وَالْوَصِيَّة المعنية إِذا حَال عَلَيْهَا الْحول وَلم يقبضهَا تجب فِيهَا الزَّكَاة فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة
فَأَما فِي مَال التِّجَارَة والإسامة فَإِن نوى الْوَرَثَة التِّجَارَة أَو الإسامة بعد الْمَوْت تجب
وَإِن لم ينووا قَالَ بَعضهم تجب لِأَن الْوَارِث وَالْمُوصى لَهُ خلف الْمَيِّت فَينْتَقل المَال إِلَيْهِمَا على الْوَصْف الَّذِي كَانَ مَا لم يُوجد التَّعْيِين من جهتهما بِأَن وجدت مِنْهُمَا نِيَّة الابتذال والإعلاف
وَقَالَ بَعضهم لَا بُد من وجود النِّيَّة لِأَن الْملك قد زَالَ عَن الْمَيِّت حَقِيقَة وتجدد الْملك للْوَارِث وَالْمُوصى لَهُ
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي بدل أَعْيَان البذلة والمهنة وَعبيد الْخدمَة إِذا كَانَ عينا لَا تجب فِيهِ الزَّكَاة مَا لم ينْو التِّجَارَة عِنْد العقد
فَأَما الْمهْر وَبدل مَا لَيْسَ بِمَال فعلى قَول أبي حنيفَة لَا تجب مَا لم يقبض وَلم يحل عَلَيْهِ الْحول وَلم ينْو التِّجَارَة بعد الْقَبْض وعَلى قَوْلهمَا تجب إِذا نوى التِّجَارَة عِنْد العقد لِأَن الْمهْر لَا يصلح نِصَابا عِنْد أبي حنيفَة إِذا كَانَ دينا وَعِنْدَهُمَا يصلح فالعين كَذَلِك لَكِن لَا بُد من نِيَّة التِّجَارَة فِي الْعين
[ ٢٩٥ ]
هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا كَانَ الدّين مقرا بِهِ وَمن عَلَيْهِ الدّين مُوسِرًا
فَأَما الدّين إِذا كَانَ مجحودا بِهِ وَمضى عَلَيْهِ أَحْوَال ثمَّ أقرّ بِهِ وَقَبضه فَلَا تجب الزَّكَاة للسنين الْمَاضِيَة عندنَا
وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ تجب
وَكَذَلِكَ الْخلاف فِيمَا إِذا كَانَت دَرَاهِم ودنانير مَغْصُوبَة
وَكَذَلِكَ إِذا سَقَطت عَن يَد الْمَالِك فَلم يجدهَا سِنِين
وَكَذَلِكَ عبيد التِّجَارَة إِذا أَبقوا ثمَّ قدر عَلَيْهِم بعد سِنِين
وَكَذَلِكَ الْعَدو إِذا استولوا على الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وأحرزوها بدارهم فعلى الْخلاف بَيْننَا وَبَين الشَّافِعِي
وَكَذَلِكَ إِذا دفن فِي غير حرز وَنسي ذَلِك سِنِين ثمَّ تذكره فعلى الْخلاف
وَكَذَلِكَ إِذا أودع رجلا مَجْهُولا لَا يعرفهُ مَال الزَّكَاة ثمَّ أَصَابَهُ بعد سِنِين لَا يجب
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا دفن فِي الْحِرْز من الدّور وَنَحْوهَا ونسيه ثمَّ تذكر فَإِنَّهُ تجب عَلَيْهِ زَكَاة مَا مضى
وَكَذَلِكَ إِذا أودع رجلا مَعْرُوفا ثمَّ نَسيَه سِنِين ثمَّ تذكر فَإِنَّهُ يجب بِالْإِجْمَاع
ثمَّ فِي المَال الْمَغْصُوب لَا تجب الزَّكَاة عندنَا سَوَاء كَانَت لَهُ بَيِّنَة أَو لم يكن
وَكَذَلِكَ المَال المجحود إِذا كَانَ لَهُ بَيِّنَة كَذَا روى هِشَام عَن مُحَمَّد
[ ٢٩٦ ]
وَبَعض مَشَايِخنَا قَالُوا إِذا كَانَت لَهُ بَيِّنَة تجب فِيهِ الزَّكَاة
وَالصَّحِيح رِوَايَة هِشَام لِأَن الْبَيِّنَة قد تقبل وَقد لَا تقبل
فَأَما إِذا كَانَ القَاضِي عَالما بِالدّينِ أَو بِالْغَصْبِ فَإِنَّهُ تجب الزَّكَاة لِأَن القَاضِي يقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْأَمْوَال فصاحبه يكون مقصرا فِي الِاسْتِرْدَاد فَلَا يعْذر
وَأما الْغَرِيم إِذا كَانَ يقر فِي السِّرّ يُنكر فِي الْعَلَانِيَة فَلَا زَكَاة فِيهِ كَذَا روى الْمُعَلَّى عَن أبي يُوسُف
فَأَما إِذا كَانَ الدّين مقرا بِهِ وَلَكِن من عَلَيْهِ الدّين مُعسر فَمضى عَلَيْهِ أَحْوَال ثمَّ أيسر فَقَبضهُ صَاحب الدّين فَإِنَّهُ يُزكي لما مضى عندنَا
وروى الْحسن بن زِيَاد أَنه لَا زَكَاة فِيهِ إِلَّا أَنا نقُول إِنَّه مُؤَجل شرعا فَصَارَ كَمَا لَو كَانَ مُؤَجّلا بتأجيل صَاحبه ثمَّ تجب الزَّكَاة كَذَا هَذَا
هَذَا إِذا كَانَ مُعسرا لم يقْض عَلَيْهِ بالإفلاس
فَأَما إِذا قضى عَلَيْهِ بالإفلاس فعلى قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف تجب الزَّكَاة لما مضى إِذا أيسر لِأَن الإفلاس عِنْدهمَا لَا يتَحَقَّق فِي حَال الْحَيَاة وَالْقَضَاء بِهِ بَاطِل
وعَلى قَول مُحَمَّد لَا تجب لِأَن الْقَضَاء بالإفلاس عِنْده صَحِيح
[ ٢٩٧ ]