الْكَلَام فِي الْبَاب فِي مَوَاضِع فِي بَيَان أَن سَجْدَة التِّلَاوَة وَاجِبَة أم لَا وَفِي بَيَان مَوَاضِع السَّجْدَة وَفِي بَيَان سَبَب الْوُجُوب وَفِي بَيَان من يجب عَلَيْهِ وَنَحْو ذَلِك
أما الأول فَنَقُول سَجْدَة التِّلَاوَة وَاجِبَة عندنَا
وَعند الشَّافِعِي سنة
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ السَّجْدَة على من سَمعهَا أَو تَلَاهَا
وَأما مَوَاضِع السَّجْدَة فَأَرْبَعَة عشر أَربع فِي النّصْف الأول فِي آخر الْأَعْرَاف وَفِي الرَّعْد وَفِي النَّحْل وَفِي بني إِسْرَائِيل
وَعشرَة فِي النّصْف الْأَخير فِي سُورَة مَرْيَم وَفِي الْحَج فِي الأولى وَفِي الْفرْقَان وَفِي النَّمْل والم السَّجْدَة وص وحم السَّجْدَة والنجم وَإِذا السَّمَاء انشقت واقرأ باسم رَبك
[ ٢٣٥ ]
وعَلى هَذَا قَول عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي آخر سُورَة الْحَج سَجْدَة فِي قَوْله واركعوا واسجدوا
وَقَالَ فِي سُورَة ص سَجْدَة الشُّكْر لَا سَجْدَة التِّلَاوَة
وَقَالَ مَالك لَيْسَ فِي سُورَة النَّجْم وَسورَة إِذا السَّمَاء انشقت واقرأ باسم رَبك سَجْدَة
وَأما سَبَب وجوب السَّجْدَة فَهُوَ التِّلَاوَة وَالسَّمَاع للْحَدِيث الَّذِي روينَا
ثمَّ السَّجْدَة تجب بِسَمَاع التِّلَاوَة مُطلقًا سَوَاء كَانَت فِي الصَّلَاة أَو خَارج الصَّلَاة كَانَ التَّالِي مُسلما أَو كَافِرًا طَاهِرا أَو مُحدثا أَو جنبا أَو حَائِضًا أَو نفسَاء صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا عَاقِلا كَانَ أَو مَجْنُونا بعد أَن يكون السَّامع من أهل وجوب السَّجْدَة عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ التِّلَاوَة سَبَب الْوُجُوب فِي حق التَّالِي إِذا كَانَ أَهلا للْوُجُوب أَيْضا
ثمَّ أهل وجوب السَّجْدَة من كَانَ من أهل وجوب الصَّلَاة عَلَيْهِ أَو من أهل وجوب الْقَضَاء لِأَنَّهَا جُزْء من أَجزَاء الصَّلَاة فَلَا تجب على الْكَافِر وَالصَّبِيّ وَالْمَجْنُون وَالْحَائِض وَالنُّفَسَاء لِأَنَّهُ لَا وجوب عَلَيْهِم
فَأَما الْجنب والمحدث فَيجب عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالطَّهَارَة شَرط الْأَدَاء لَا شَرط الْوُجُوب
وَمِنْهَا شَرَائِط صِحَة أَدَاء سَجْدَة التِّلَاوَة وَهِي مَا كَانَ من شَرَائِط صِحَة الصَّلَاة من الطَّهَارَة عَن النَّجَاسَة
[ ٢٣٦ ]
الْحَقِيقَة بدنا ومكانا وثيابا وَستر الْعَوْرَة واستقبال الْقبْلَة وَنَحْوهَا لِأَنَّهَا بعض الصَّلَاة فَيشْتَرط لأدائها مَا هُوَ شَرط فِي الْكل
وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ مُفْسِدا للصَّلَاة من الْكَلَام والقهقه وَالْحَدَث الْعمد وَنَحْوهَا فَهُوَ يفْسد السَّجْدَة إِلَّا أَنه إِذا قهقه فِي السَّجْدَة لَا تنْتَقض طَهَارَته بِخِلَاف الصَّلَاة على مَا مر من قبل لِأَن انْتِقَاض الطَّهَارَة بالقهقهة فِي الصَّلَاة عَرفْنَاهُ نصا بِخِلَاف الْقيَاس فِي صَلَاة تَامَّة غير مَعْقُول الْمَعْنى فَلَا يثبت فِي حَقّهَا كَمَا فِي صَلَاة الْجِنَازَة
وَلَو قَرَأَ على الدَّابَّة وَهُوَ مُسَافر فَسجدَ على الدَّابَّة مَعَ الْقُدْرَة على النُّزُول فَالْقِيَاس أَن لَا يجوز وَبِه قَالَ بشر المريسي وَفِي الِاسْتِحْسَان يجوز بِخِلَاف الصَّلَاة فَإِنَّهَا لَا تجوز فرضا على الدَّابَّة مَعَ الْقُدْرَة على النُّزُول لِأَن الْقِرَاءَة أَمر دَائِم بِمَنْزِلَة التَّطَوُّع فَكَانَ فِي اشْتِرَاط النُّزُول حرج بِخِلَاف الْفَرْض
وَمِنْهَا أَنه هَل تَتَكَرَّر السَّجْدَة بِتَكَرُّر التِّلَاوَة فَنَقُول إِذا قَرَأَ فِي مجْلِس وَاحِد آيَات السَّجْدَة أَو قَرَأَ آيَة وَاحِدَة فِي مجَالِس مُخْتَلفَة تجب السَّجْدَة بِقدر عدد الْقِرَاءَة
فَأَما إِذا قَرَأَ آيَة وَاحِدَة فِي مجْلِس وَاحِد مرَارًا لَا تجب إِلَّا سَجْدَة وَاحِدَة لِأَن فِي إِيجَاب التّكْرَار فِي مجْلِس وَاحِد إِيقَاع النَّاس فِي الْحَرج وَلَا حرج عِنْد اخْتِلَاف الْآيَة فِي مجْلِس وَاحِد وَعند اخْتِلَاف الْمجَالِس
هَذَا حكم خَارج الصَّلَاة
أما إِذا كرر آيَة السَّجْدَة فِي الصَّلَاة فَإِن كَانَت فِي رَكْعَة وَاحِدَة لَا تجب إِلَّا سَجْدَة وَاحِدَة لِاتِّحَاد الْمجْلس حَقِيقَة
وَإِن قَرَأَهَا فِي كل رَكْعَة فَالْقِيَاس أَن لَا يجب إِلَّا سَجْدَة وَاحِدَة
[ ٢٣٧ ]
هُوَ قَول أبي يُوسُف لِاتِّحَاد الْمجْلس حَقِيقَة وَفِي الِاسْتِحْسَان يجب بِكُل تِلَاوَة سَجْدَة وَهُوَ قَول مُحَمَّد لِأَنَّهُ لَا حرج فِي الْوُجُوب لِأَن تكْرَار آيَة سَجْدَة فِي كل رَكْعَة نادرة فِي الصَّلَاة لِأَنَّهَا لَيست بِموضع التَّعْلِيم
وَمِنْهَا أَن الإِمَام إِذا قَرَأَهَا فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ السَّجْدَة على الْقَوْم لَكِن إِذا سجدوا فِي الصَّلَاة يجوز وَإِن لم يسجدوا تسْقط لِأَنَّهَا صلاتية فَتسقط بِالْخرُوجِ عَنْهَا
وَأما الْمُقْتَدِي إِذا قَرَأَهَا فقد أَجمعُوا أَنه لَا يجب عَلَيْهِ أَن يسْجد فِي الصَّلَاة وَهل يسْجد خَارج الصَّلَاة على قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لَا يجب وعَلى قَول محمديجب
وَكَذَلِكَ لَا تجب السَّجْدَة على الإِمَام وَالْقَوْم
وَأَجْمعُوا أَنه تجب السَّجْدَة على من سمع من الْمُقْتَدِي خَارج الصَّلَاة
وَالصَّحِيح قَوْلهمَا لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي الْوُجُوب لِأَن فَائِدَة الْوُجُوب الْأَدَاء وَلَا يُمكنهُ الْأَدَاء فِي الصَّلَاة لِأَنَّهُ تَابع للْإِمَام وَتجب عَلَيْهِ مُتَابَعَته فِيهِ ترك الْمُتَابَعَة وَلَا يُمكنهُ بعد السَّلَام لِأَنَّهَا صَارَت صلاتية والصلاتية تسْقط بِالسَّلَامِ
وَلَو سمع الْمُقْتَدِي مِمَّن قَرَأَ خَارج الصَّلَاة يجب عَلَيْهِ أَن يسْجد خَارج الصَّلَاة لِأَنَّهَا لَيست بصلاتية
وَكَذَلِكَ الإِمَام لَو سمع مِمَّن قَرَأَ خَارج الصَّلَاة يجب عَلَيْهِ أَن يسْجد خَارج الصَّلَاة أَيْضا لما قُلْنَا
وَلَو سجد هَذِه السَّجْدَة فِي الصَّلَاة لم يجز لِأَنَّهَا لَيست بِصَلَاتِهِ وَلَكِن هَل تفْسد صلَاته فِي رِوَايَة الْأُصُول لَا تفْسد الصَّلَاة لِأَن السَّجْدَة لَيْسَ بمنافية للصَّلَاة وَهِي مَا دون الرَّكْعَة فَصَارَ كَمَا لَو سجد سَجْدَة زَائِدَة تَطَوّعا وَالله أعلم
[ ٢٣٨ ]