فِي الْبَاب فُصُول مِنْهَا بَيَان وجوب صَدَقَة الْفطر وَبَيَان من تجب عَلَيْهِ وَبَيَان من تجب عَلَيْهِ لأجل الْغَيْر وَبَيَان قدر الْوَاجِب وَصفته وَبَيَان وَقت الْوُجُوب وَبَيَان وَقت الْأَدَاء وَبَيَان مَكَان الْأَدَاء وَمَا يتَّصل بِهَذِهِ الْجُمْلَة
أما الأول فَنَقُول صَدَقَة الْفطر وَاجِبَة
عرف وُجُوبهَا بالأحاديث الصَّحِيحَة وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عنثعلبة بن صَغِير العذري وَفِي رِوَايَة الْعَدوي أَنه قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَدّوا عَن كل حر وَعبد صَغِير وكبير نصف صَاع من بر
[ ٣٣٣ ]
أَو صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير
فَأَما بَيَان من يجب عَلَيْهِ فَنَقُول إِنَّمَا تجب على الْمُسلم الْحر الْغَنِيّ
فالإسلام شَرط لِأَن فِيهَا معنى الْعِبَادَة وَلِهَذَا لَا تجوز بِدُونِ النِّيَّة وَلَا تتأدى بِفعل الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه أَو بِإِذن الشَّرْع لكَونه نَائِبا عَنهُ
وَأما الْغنى فَهُوَ شَرط عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ بِشَرْط لَكِن الْقُدْرَة شَرط حَتَّى إِن من ملك زِيَادَة على قوته نصف صَاع من حِنْطَة أَو صَاعا من شعير أَو تمر تجب عَلَيْهِ
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لَا صَدَقَة إِلَّا عَن ظهر غنى
وَأما الْحُرِّيَّة فَهِيَ شَرط عندنَا وَعند الشَّافِعِي لَيْسَ بِشَرْط حَتَّى أَن العَبْد عِنْده تجب عَلَيْهِ صَدَقَة فطره ويتحمل عَنهُ الْمولى حَتَّى لَو لم يؤد الْمولى عَنهُ فَعَلَيهِ أَن يُؤَدِّي بعد الْعتاق
وَعِنْدنَا يجب على مَوْلَاهُ إِذا كَانَ غَنِيا وَالْعَبْد للْخدمَة وَهَذَا بِنَاء على مَا ذكرنَا أَن الْغنى شَرط عندنَا والغني بِالْملكِ وَالْعَبْد لَا ملك لَهُ
وَعند الشَّافِعِي لَيْسَ بِشَرْط
وَأما الْعقل وَالْبُلُوغ فليسا بِشَرْط الْوُجُوب عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
وَعند مُحَمَّد وَزفر شَرط حَتَّى إِن الصَّبِي وَالْمَجْنُون إِذا كَانَ لَهما
[ ٣٣٤ ]
نِصَاب معِين وَلَيْسَ للْأَب مَال فَإِنَّهُ يجب صَدَقَة الْفطر عَلَيْهِمَا
عِنْدهمَا يُؤَدِّي الْأَب وَالْوَصِيّ وَلَا ضَمَان عَلَيْهِمَا إِذا أديا
وَعند مُحَمَّد وَزفر لَا يجب لِأَن فِيهَا معنى الْعِبَادَة
وهما يَقُولَانِ إِن فِيهَا معنى الْعِبَادَة والمؤونة وَلَا يُمكن الْجمع بَينهمَا فِي حَالَة وَاحِدَة فِي حق شخص وَاحِد فِي حكم وَاحِد فَوَجَبَ اعْتِبَار المؤونة فِي بعض الْأَحْكَام وَمعنى الْعِبَادَة فِي الْبَعْض عملا بالدلائل بِقدر الْإِمْكَان فَقَالَا بِالْوُجُوب اعْتِبَارا بالمؤونة
وَأما بَيَان من يجب عَلَيْهِ صَدَقَة الْفطر بِسَبَب الْغَيْر فَنَقُول كل من كَانَ من أهل وجوب صَدَقَة الْفطر على نَفسه وَله ولَايَة كَامِلَة على من كَانَ من جنسه وَتجب مؤونته وَنَفَقَته فَإِنَّهُ تجب عَلَيْهِ صَدَقَة فطره
وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ إِذا كَانَ بِهَذِهِ الصّفة كَانَ رَأسه بِمَنْزِلَة رَأسه فِي الذب والنصرة فَكَمَا وَجب عَلَيْهِ صَدَقَة فطر رَأسه تجب صَدَقَة فطر مَا هُوَ فِي معنى رَأسه
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول يجب على الْأَب صَدَقَة فطر أَوْلَاده الصغار إِذا كَانَ غَنِيا وَلَا مَال لَهُم لوُجُود الْولَايَة والمؤونة بطرِيق الْكَمَال
وَكَذَا إِذا كَانُوا مجانين لما قُلْنَا
وَإِذا كَانَ لَهُم مَال يجب عَلَيْهِم عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَعند مُحَمَّد وَزفر على الْأَب الْغَنِيّ على مَا مر
وَأما الْجد حَال عدم الْأَب إِذا كَانَ غَنِيا هَل تجب عَلَيْهِ صَدَقَة فطر ابْن ابْنه على جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة لَا يجب لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ولَايَة مُطلقَة فَإِنَّهُ مَحْجُوب بِالْأَبِ بِمَنْزِلَة الْإِخْوَة الصغار الْفُقَرَاء وَلَا تجب
[ ٣٣٥ ]
صَدَقَة فطرهم على الْأَخ الْغَنِيّ الْكَبِير لما قُلْنَا
وَفِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه تجب لما قُلْنَا
فَإِن كَانَ حَيا وَلكنه فَقير وَلَهُم جد غَنِي لَا يجب على الْجد فِي الرِّوَايَات كلهَا لِأَنَّهُ لَا ولَايَة لَهُ حَال قيام الْأَب وَإِن كَانَ يجب عَلَيْهِ المؤونة
وَعند الشَّافِعِي يجب
وَلَا يجب على الْوَصِيّ وَإِن كَانَ لَهُ ولَايَة لِأَنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِ النَّفَقَة
وَأما أَوْلَاده الْكِبَار إِذا كَانُوا فُقَرَاء زمنى فَإِنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِ صَدَقَة فطرهم عندنَا
وَعند الشَّافِعِي يجب
وَكَذَلِكَ الْأَب الْفَقِير لَا يجب على الابْن صَدَقَة فطره وَكَذَلِكَ الزَّوْجَة خلافًا للشَّافِعِيّ لِأَن عِنْده تنبني على المؤونة لَا غير وَعِنْدنَا على المؤونة وَالْولَايَة جَمِيعًا وَلَا ولَايَة فِي حق هَؤُلَاءِ وَإِن كَانَ يجب النَّفَقَة
فَأَما الْأَب الْفَقِير إِذا كَانَ مَجْنُونا فَإِنَّهُ تجب صَدَقَة فطره على ابْنه لوُجُود الْولَايَة والمؤونة جَمِيعًا
وَلَا يجب على الْأَب صَدَقَة فطر الْجَنِين لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ولَايَة كَامِلَة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا تعرف حَيَاته
وعَلى هَذَا يجب على الْمولى صَدَقَة فطر عبيده وإمائه إِذا كَانُوا للْخدمَة
وَكَذَلِكَ أُمَّهَات أَوْلَاده ومدبريه سَوَاء كَانَ عَلَيْهِم دين أَو لم يكن إِذا كَانَ الْمولى غَنِيا لما قُلْنَا من اجْتِمَاع الْولَايَة والمؤنة
[ ٣٣٦ ]
فَأَما الْمكَاتب وَالْمُكَاتبَة والمستسعي فَلَا يجب عَلَيْهِ صَدَقَة فطرهم لِأَنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِ نَفَقَتهم وَلَا تجب عَلَيْهِم لِأَنَّهُ لَا ملك لَهُم
وَأما العَبْد إِذا كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ تجب على الْمولى صَدَقَة فطره عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ لما قُلْنَا من الْولَايَة وَالنَّفقَة
وَالْعَبْد الْمُشْتَرك بَين اثْنَيْنِ لَا تجب صَدَقَة فطره على الموليين لِأَنَّهُ لَيْسَ لكل وَاحِد مِنْهُمَا ولَايَة كَامِلَة
فإمَّا إِذا كَانُوا عبيدا بَين رجلَيْنِ فعلى قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لَا يجب عَلَيْهِمَا صَدَقَة فطرهم
وَعند مُحَمَّد إِن كَانُوا بِحَال لَو قسموا أصَاب كل وَاحِد مِنْهُمَا عبدا كَامِلا تجب عَلَيْهِ صَدَقَة فطره
وَهَذَا بِنَاء على أصل أَن العَبْد لَا يقسم عِنْد أبي حنيفَة قسْمَة جمع فَلَا يكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا عبد كَامِل وَعند مُحَمَّد يقسم قسْمَة جمع فَيكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا عبد كَامِل من حَيْثُ الْمَعْنى وَأَبُو يُوسُف يرى الْقِسْمَة لَكِن قبل الْقِسْمَة لم يكن لكل وَاحِد مِنْهُمَا ولَايَة كَامِلَة
وَأما مِقْدَار الْوَاجِب فَنَقُول نصف صَاع من حِنْطَة أَو صَاع من شعير أَو تمر عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي من الْبر صَاع أَيْضا وروى حَدِيثا لكنه غَرِيب فَلَا يقبل بِمُقَابلَة مَا روينَا وَهُوَ مَشْهُور
وَأما الزَّبِيب فقد ذكر فِي الْجَامِع الصَّغِير عَن أبي حنيفَة نصف صَاع لِأَن الْغَالِب أَن قِيمَته مثل قيمَة الْبر فِي دِيَارهمْ
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة صَاعا وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد لما رُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنه قَالَ كُنَّا نخرج زَكَاة الْفطر على عهد
[ ٣٣٧ ]
رَسُول الله ﷺ صَاعا من طَعَام أَو صَاعا من زبيب وَكَانَ طعامنا الشّعير
وَقد قَالَ أَصْحَابنَا إِن دَقِيق الْحِنْطَة وَالشعِير وسويقهما مثلهمَا لما رُوِيَ فِي الحَدِيث أَدّوا مَدين من قَمح أَو دَقِيق
وَأما الإقط فَيعْتَبر فِيهِ الْقيمَة عندنَا خلافًا لمَالِك
وَمَا سوى ذَلِك فَيعْتَبر قِيمَته بِقِيمَة الْأَشْيَاء الْمَنْصُوص عَلَيْهَا بِأَن أدّى الدَّرَاهِم أَو الْعرُوض وَالثِّمَار وَنَحْوهَا
وَلَو أدّى بعض الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَقِيمَته تبلغ قيمَة كُله بِأَن أدّى ربع صَاع من حِنْطَة جَيِّدَة مَكَان النّصْف أَو نصف صَاع من شعير جيد مَكَان صَاع من شعير لَا يجوز عَن الْكل بل يَقع عَن نَفسه وَعَلِيهِ تَكْمِيل الْبَاقِي لِأَن الْجَوْدَة لَا قيمَة لَهَا فِي أَمْوَال الرِّبَا
وَفِي الزَّكَاة لَو أدّى شَاة سَمِينَة مَكَان شَاتين جَازَ لِأَن الْجَوْدَة فِيهَا مُتَقَومَة
فبقدر الشَّاة الْوسط تجزىء عَن الشَّاة وَقِيمَة الْجَوْدَة عَن الْأُخْرَى
ثمَّ مِقْدَار الصَّاع ثَمَانِيَة أَرْطَال عندنَا
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ خَمْسَة أَرْطَال وَثلث رَطْل لِأَن صَاع أهل الْمَدِينَة كَذَلِك وتوارثوه خلفا عَن سلف
لَكنا نقُول مَا ذكرنَا صَاع عمر وَمَالك من فُقَهَاء الْمَدِينَة قَالَ إِن صَاع الْمَدِينَة أخرجه عبد الْملك بن مَرْوَان فَأَما قبله كَانَ ثَمَانِيَة أَرْطَال فَكَانَ الْعَمَل بِصَاع عمر أولى
[ ٣٣٨ ]
ثمَّ روى أَبُو يُوسُف عَن أبي حنيفَة أَنه يعْتَبر الصَّاع وزنا وَهُوَ ثَمَانِيَة أَرْطَال
وروى ابْن رستم عَن مُحَمَّد أَنه يعْتَبر كَيْلا حَتَّى لَو أدّى أَرْبَعَة أُمَنَاء من غير كيل لَا يجوز
وَأما وَقت الوجوبفعند أَصْحَابنَا وَقت الْفجْر الثَّانِي من يَوْم الْفطر
وعَلى قَول الشَّافِعِي لَيْلَة الْفطر
وَفَائِدَة الْخلاف أَن من ولد لَهُ ولد قبل طُلُوع الْفجْر تجب عَلَيْهِ صَدَقَة فطره وَمن ولد لَهُ بعد ذَلِك لَا تجب وَلَو أسلم قبله تجب عَلَيْهِ وَبعده لَا وَكَذَلِكَ الْفَقِير إِذا أيسر قبله تجب وَلَو افْتقر الْغَنِيّ قبله لَا تجب
وَعند الشَّافِعِي على عكس هَذَا
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَنَّهُ تُضَاف الصَّدَقَة إِلَى الْفطر وَهُوَ يَوْم الْعِيد
وَلَو عجل صَدَقَة الْفطر على يَوْم الْفطر ذكرالكرخيأنه إِذا عجل بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ جَازَ وَلم يذكر أَنه لَو عجل بِأَكْثَرَ من ذَلِك هَل يجوز
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه يجوز التَّعْجِيل بِسنة وسنتين وَعَن خلف بن أَيُّوب أَنه يجوز التَّعْجِيل بِشَهْر لَا غير
وَعَن الحسنأنه قَالَ لَا يجوز التَّعْجِيل وَلَا يجوز دون يَوْم الْفطر وَلَو لم يؤد يَوْم الْفطر تسْقط عَنهُ
وَالصَّحِيح رِوَايَة الْحسن بن زِيَاد لِأَن سَبَب الْوُجُوب هُوَ رَأس يمونه لولايته عَلَيْهِ وَالْوَقْت شَرط الْوُجُوب والتعجيل بعد سَبَب الْوُجُوب جَائِز كَمَا فِي الزَّكَاة
[ ٣٣٩ ]
وَأما وَقت الأداءفهو يَوْم الْفطر من أَوله إِلَى آخِره ثمَّ بعده يسْقط الْأَدَاء وَيجب الْقَضَاء عِنْد بعض أَصْحَابنَا
وَعند بَعضهم وَهُوَ الْأَصَح أَنَّهَا تجب وجوبا موسعا لَكِن الْمُسْتَحبّ أَن يُؤَدِّي قبل الْخُرُوج إِلَى الْمصلى حَتَّى لَا يحْتَاج الْفَقِير إِلَى الْكسْب وَالسُّؤَال يَوْم الْعِيد فيتمكن من أَدَاء صَلَاة الْعِيد فارغ الْقلب عَن الْقُوت على مَا قَالَ ﵇ اغنوهم عَن الْمَسْأَلَة فِي مثل هَذَا الْيَوْم
وَأما مَكَان الأداءروي عَن مُحَمَّد أَنه قَالَ زَكَاة المَال من حَيْثُ المَال وَصدقَة الْفطر عَن نَفسه وعبيده من حَيْثُ هُوَ
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يُؤَدِّي عَن نَفسه من حَيْثُ هُوَ وَعَن عُبَيْدَة من حَيْثُ هم
وَالْأول أصح لِأَن صَدَقَة الْفطر لَا تعلق لَهَا بِالْمَالِ حَتَّى إِذا هلك المَال بعد الْوُجُوب لَا تسْقط الْفطْرَة بِخِلَاف الزَّكَاة وَالله أعلم
[ ٣٤٠ ]