الْكَلَام فِي صَلَاة الْعِيدَيْنِ فِي مَوَاضِع وَفِي بَيَان أَنَّهَا وَاجِبَة أم سنة وَفِي شَرَائِط وُجُوبهَا وَفِي وَقت أَدَائِهَا وَفِي كَيْفيَّة أَدَائِهَا وَفِي بَيَان مَا يسْتَحبّ وَيسن فِي يَوْم عيد الْأَضْحَى وَالْفطر
أما الأول وَهُوَ بَيَان أَنَّهَا وَاجِبَة أم سنة فَنَقُول اخْتلفت الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِي ظَاهر الرِّوَايَة دَلِيل على أَنَّهَا وَاجِبَة فَإِنَّهُ قَالَ وَلَا يُصَلِّي نَافِلَة فِي جمَاعَة إِلَّا قيام رَمَضَان وَصَلَاة الْكُسُوف فَهَذَا دَلِيل على أَن صَلَاة الْعِيد وَاجِبَة فَإِنَّهَا تُقَام بِجَمَاعَة
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ وَتجب صَلَاة الْعِيد على أهل الْأَمْصَار كَمَا تجب الْجُمُعَة
وَذكر أَبُو الْحسن الْكَرْخِي هَهُنَا وَقَالَ وَتجب صَلَاة الْعِيد على من يجب عَلَيْهِ الْجُمُعَة
وَذكر فِي الْجَامِع الصَّغِير أَنه سنة فَإِنَّهُ قَالَ إِذا اجْتمع العيدان فِي يَوْم وَاحِد فَالْأول سنة
[ ١٦٥ ]
وَذكر أَبُو مُوسَى الضَّرِير فِي مُخْتَصره أَنَّهَا فرض كِفَايَة وَالأَصَح أَنَّهَا وَاجِبَة
أما بَيَان شَرَائِط وُجُوبهَا فَكل مَا هُوَ شَرط وجوب الْجُمُعَة فَهُوَ شَرط وجوب صَلَاة الْعِيدَيْنِ من الإِمَام والمصر وَالْجَمَاعَة إِلَّا الْخطْبَة فَإِنَّهَا سنة بعد الصَّلَاة بِإِجْمَاع الصَّحَابَة
وَشرط الشَّيْء يكون سَابِقًا عَلَيْهِ أَو مُقَارنًا لَهُ
وَأما الْوَقْت فَقَالَ أَبُو الْحسن وَقت صَلَاة الْعِيدَيْنِ من حِين تبيض الشَّمْس إِلَى أَن تَزُول لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه كَانَ يُصَلِّي الْعِيد وَالشَّمْس قدر رمح أَو رُمْحَيْنِ إِلَّا أَن فِي عيد الْفطر إِذا ترك الصَّلَاة فِي الْيَوْم الأول لعذر يُؤَدِّي فِي الْيَوْم الثَّانِي فِي وَقتهَا وَإِن ترك بِغَيْر عذر سَقَطت أصلا
وَفِي عيد الْأَضْحَى إِن تركت فِي يَوْم النَّحْر لعذر تُؤَدّى فِي الْيَوْم الثَّانِي فَإِن تركت فِي الْيَوْم الثَّانِي لعذر أَيْضا تُؤَدّى فِي الْيَوْم الثَّالِث أَيْضا
وَكَذَلِكَ قَالُوا إِذا تركت بِغَيْر عذر تُؤَدّى فِي الْيَوْم الثَّانِي وَالثَّالِث وَتسقط بعد ذَلِك سَوَاء دَامَ الْعذر أَو انْقَطع لِأَن الْقيَاس أَن لَا تُؤَدّى إِلَّا فِي يَوْم الْعِيد لِأَنَّهَا عرفت بِصَلَاة الْعِيد
وَإِنَّمَا عرف جَوَاز الْأَدَاء فِي الْيَوْم الثَّانِي فِي عيد الْفطر بِالنَّصِّ الْخَاص فِي حَالَة الْعذر وَفِي عيد الْأَضْحَى فِي الْيَوْم الثَّانِي وَالثَّالِث اسْتِدْلَالا بالأضحية لِأَنَّهَا تجوز فِي الْيَوْم الثَّانِي وَالثَّالِث وَصَارَت هَذِه أَيَّام النَّحْر وَصَلَاة الْعِيد تُؤَدّى فِي أَيَّام النَّحْر
[ ١٦٦ ]
وَأما بَيَان كَيْفيَّة أَدَاء صَلَاة الْعِيدَيْنِ فَنَقُول يُصَلِّي الإِمَام رَكْعَتَيْنِ فيكبر تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح وَيَقُول سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك إِلَى آخِره ثمَّ يكبر ثَلَاثًا ثمَّ يقْرَأ جَهرا ثمَّ يكبر تَكْبِيرَة الرُّكُوع فَإِذا قَامَ إِلَى الثَّانِيَة يقْرَأ أَولا ثمَّ يكبر ثَلَاثًا ويركع بالرابعة فَتكون التَّكْبِيرَات الزَّوَائِد سِتا ثَلَاثَة فِي الرَّكْعَة الأولى وَثَلَاثَة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة وَثَلَاثَة أصليات تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح وتكبيرات الرُّكُوع فَصَارَ حَاصِل الْجَواب عندنَا أَن يكبر فِي صَلَاة الْعِيدَيْنِ تسع تَكْبِيرَات سِتَّة فِي الزَّوَائِد وَثَلَاثَة أصليات
ويوالي بَين الْقِرَاءَتَيْن فَيقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولى بعد التَّكْبِيرَات وَفِي الثَّانِيَة قبل التَّكْبِيرَات
وَهَذَا هُوَ مَذْهَب عبد الله بن مَسْعُود وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان وَعقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأبي هُرَيْرَة وَابْن مَسْعُود الْأنْصَارِيّ ﵃
وَرُوِيَ عنعلي بن أبي طالبرضي الله عَنهُ ثَلَاث رِوَايَات وَالْمَشْهُور مِنْهَا أَنه فرق بَين عيد الْفطر وَعِيد الْأَضْحَى فَقَالَ وَيكبر فِي الْفطر إِحْدَى عشرَة تَكْبِيرَة ثَلَاث أصليات وثمان زَوَائِد فِي كل رَكْعَة أَرْبَعَة وَفِي الْأَضْحَى يكبر خمس تَكْبِيرَات ثَلَاث أصليات وزائدتان فِي كل رَكْعَة تَكْبِيرَة
وَعِنْده يقدم الْقِرَاءَة على التَّكْبِيرَات فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا
وعنعبد الله بن عباسرضي الله عَنْهُمَا رِوَايَات كَثِيرَة وَالْمَشْهُور مِنْهَا أَنه يكبر ثَلَاث عشرَة تَكْبِيرَة ثَلَاث أصليات وَعشر زَوَائِد فِي كل
[ ١٦٧ ]
رَكْعَة خَمْسَة فِي الْعِيدَيْنِ جَمِيعًا وَيقدم التَّكْبِيرَات على الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا
وَإِنَّمَا أَخذ أَصْحَابنَا بقول ابْن مَسْعُود لِأَنَّهُ وَافقه كثير من الصَّحَابَة وَأَنه لَا اضْطِرَاب فِي قَوْله بِخِلَاف قَول غَيره
ثمَّ إِن عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد يرفع يَدَيْهِ عِنْد تَكْبِيرَات الزَّوَائِد وعَلى قَول أبي يُوسُف لَا يرفع
ويتعوذ قبل التَّكْبِيرَات عِنْد أبي يُوسُف وَعند مُحَمَّد بعد التَّكْبِيرَات قبل الْقِرَاءَة على مَا ذكرنَا أَن عِنْد أبي يُوسُف التَّعَوُّذ تبع للاستفتاح وَعند مُحَمَّد تبع للْقِرَاءَة مُقَدّمَة عَلَيْهِ
ثمَّ الْقَوْم يجب عَلَيْهِم أَن يتابعوا الإِمَام فِي التَّكْبِيرَات على رَأْي الإِمَام دون رَأْي أنفسهم بِأَن كَانَ الإِمَام على رَأْي ابْن مَسْعُود وَالْقَوْم على رَأْي عبد الله بن عَبَّاس ﵃ لأَنهم تبع للْإِمَام فَيجب عَلَيْهِم مُتَابَعَته وَترك رَأْيهمْ بِرَأْيهِ
ثمَّ إِن الْقَوْم إِنَّمَا يتابعون الإِمَام فِي التَّكْبِيرَات إِذا لم يزدْ على مَا قَالَه الصَّحَابَة فَأَما إِذا زَاد عَلَيْهِ لَا يتابعونه لِأَنَّهُ خلاف الْإِجْمَاع
وَلَكِن هَذَا إِذا سمع التَّكْبِيرَات من الإِمَام فَأَما إِذا سمع ذَلِك من المكبرين فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالْكُلِّ وَإِن خرج عَن أقاويل الصَّحَابَة لِأَنَّهُ لَو ترك الْبَعْض ترك مَا أَتَى بِهِ الإِمَام فَكَانَ الِاحْتِيَاط فِي تَحْصِيل الْكل
ثمَّ الإِمَام إِذا شرع فِي صَلَاة الْعِيد مَعَ الْقَوْم فجَاء إِنْسَان واقتدى بِهِ فَإِن كَانَ قبل التَّكْبِيرَات الزَّوَائِد كَانَ لَهُ أَن يُتَابع الإِمَام على مَذْهَب الإِمَام ورأيه لما قُلْنَا
[ ١٦٨ ]
فَأَما إِذا أدْرك بَعْدَمَا كبر الإِمَام الزَّوَائِد وَشرع فِي الْقِرَاءَة فَإِنَّهُ يكبر تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح وَيَأْتِي بالزوائد قَائِما مَا لم يخف فَوت الرُّكُوع لِأَنَّهُ خلف الإِمَام حَقِيقَة وَيكبر بِرَأْي نَفسه لَا بِرَأْي الإِمَام لِأَنَّهُ مَسْبُوق
فَأَما إِذا خَافَ فَوت الرُّكُوع بِأَن ركع الإِمَام فَإِنَّهُ يكبر تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح قَائِما ثمَّ يكبر ويركع وَيَأْتِي بالزوائد فِي الرُّكُوع بِرَأْي نَفسه لَا بِرَأْي الإِمَام لِأَنَّهُ مَسْبُوق
وَعَن الْحسن بن زِيَاد أَنه يسْقط عَنهُ الزَّوَائِد لِأَنَّهَا فَاتَ محلهَا وَهُوَ الْقيام
وَلَكنَّا نقُول إِن للرُّكُوع حكم الْقيام من وَجه فَيَأْتِي بهَا احْتِيَاطًا
وَإِن خَافَ فَوت التسبيحات يَأْتِي بالزوائد دون التسبيحات لِأَنَّهَا وَاجِبَة والتسبيحات سنة
فَأَما إِذا كَانَ بعد رفع الإِمَام رَأسه من الرُّكُوع فَإِن يسْقط عَنهُ التَّكْبِيرَات الزَّوَائِد وَله أَن يشرع فِي صلَاته ثمَّ يقْضِي الرَّكْعَة وَيَأْتِي بالتكبيرات على رَأْيه لَا على رَأْي إِمَامه بِخِلَاف مَا إِذا أدْركهُ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة من صَلَاة الْعِيد فَإِنَّهُ يُتَابع الإِمَام فِيهَا بِرَأْي الإِمَام فِي الْبِدَايَة لِأَنَّهُ خلف الإِمَام حَقِيقَة فَإِذا فرغ الإِمَام من صلَاته فَإِنَّهُ يقْضِي مَا سبق بِهِ وعَلى رَأْيه أَيْضا لِأَنَّهُ الْمَسْبُوق بِمَنْزِلَة الْمُنْفَرد
ثمَّ إِذا قَامَ إِلَى قَضَاء مَا سبق بِهِ يَنْبَغِي أَن يقْرَأ أَولا ثمَّ يكبر الزَّوَائِد كَمَا هُوَ مَذْهَب عبد الله بن مَسْعُود ﵁ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة
هَكَذَا ذكر فِي عَامَّة الرِّوَايَات
وَذكر فِي نَوَادِر أبي سُلَيْمَان أَنه يكبر أَولا ثمَّ يقْرَأ
[ ١٦٩ ]
وَمِنْهُم من قَالَ مَا ذكر فِي النَّوَادِر قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمَا ذكرنَا فِي عَامَّة الرِّوَايَات قَول مُحَمَّد بِنَاء على أَن الْمَسْبُوق يقْضِي أول صلَاته فِي حق الْقِرَاءَة عِنْدهمَا وَعند مُحَمَّد يقْضِي آخر صلَاته
فَإِن كَانَ يقْضِي أول صلَاته عِنْدهمَا فَيَأْتِي بِالتَّكْبِيرِ أَولا ثمَّ بِالْقِرَاءَةِ إِذا كَانَ يرى رَأْي ابْن مَسْعُود وَلما كَانَ يقْضِي آخر صلَاته عِنْد مُحَمَّد يَأْتِي بِالْقِرَاءَةِ ثمَّ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا هُوَ مَذْهَب ابْن مَسْعُود
وَمِنْهُم من قَالَ فِي الْمَسْأَلَة رِوَايَتَانِ وَهَذَا يعرف فِي الْمَبْسُوط
وَأما مَا يسْتَحبّ وَيسن فِي يَوْم الْعِيد فأشياء الِاغْتِسَال والاستياك والتطيب وَلبس أحسن ثِيَابه جَدِيدا كَانَ أَو غسيلا
وَيَنْبَغِي أَن يخرج صَدَقَة فطره قبل الْخُرُوج إِلَى الْمصلى فِي عيد الْفطر وَكَذَا يَذُوق شَيْئا لكَونه يَوْم فطر
وَأما فِي عيد الْأَضْحَى فَإِن كَانَ فِي الرساتيق يذبح حِين أصبح وَيَذُوق مِنْهُ وَلَا يمسك كَمَا فِي عيد الْفطر وَفِي الْمصر لَا يذبح حَتَّى يفرغ من صَلَاة الْعِيد وَلَا يَذُوق فِي أول الْيَوْم حَتَّى يكون تنَاوله من القرابين
وَهل يكبر النَّاس فِي الطَّرِيق قبل الْوُصُول إِلَى الْمصلى على سَبِيل الْجَهْر ذكر الطَّحَاوِيّ أَنه يَأْتِي على سَبِيل الْجَهْر فِي الْعِيدَيْنِ جَمِيعًا
وَلَكِن مَشَايِخنَا قَالُوا بِأَن فِي عيد الْأَضْحَى يكبر فِي حَال ذَهَابه إِلَى الْمصلى جَهرا فَإِذا انْتهى إِلَى الْمصلى يتْرك فَأَما فِي عيد الْفطر فعلى قَول أبي حنيفَة لَا يكبر جَهرا فِي حَال ذَهَابه إِلَى الْمصلى وعَلى قَوْلهمَا يكبر فيهمَا جَهرا
[ ١٧٠ ]
وَالصَّحِيح قَول أبي حنيفَة فَإِن الأَصْل فِي الْأَذْكَار هُوَ الْإخْفَاء دون الْجَهْر وَإِنَّمَا يُصَار إِلَى الْجَهْر بِدَلِيل زَائِد وَفِي عيد الْأَضْحَى ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ أَنه كَانَ يكبر فِي الطَّرِيق وَلم يكبر فِي عيد الْفطر
ثمَّ فِي يَوْم الْعِيد يَنْبَغِي أَن يتْرك التَّطَوُّع فِي الْمصلى قبل صَلَاة الْعِيد وَقبل أَن يفرغ الإِمَام من الْخطْبَة حَتَّى لَو فعل يكون مَكْرُوها وَيصير مسيئا أما لَو فعل بعد الْفَرَاغ من الْخطْبَة فَلَا بَأْس بِهِ وَمعنى الْكَرَاهَة والإساءة قد بَيناهُ فِي بَاب الْأَوْقَات
[ ١٧١ ]