الصَّلَاة لَا تسْقط عَن الْمُكَلف مَا دَامَ قَادِرًا على الْأَدَاء
فَمَتَى عجز بِسَبَب الْمَرَض عَن أَدَاء بعض الْأَركان وَيسْقط بِقَدرِهِ لِأَن الْعَاجِز لَا يُكَلف
فَإِن كَانَ قَادِرًا على الْأَدَاء لَكِن يخَاف زِيَادَة الْعلَّة يسْقط عَنهُ أَيْضا
فَإِذا عجز عَن الْقيام يُصَلِّي قَاعِدا بركوع وَسُجُود فَإِن عجز عَن الرُّكُوع وَالسُّجُود يُصَلِّي قَاعِدا بِالْإِيمَاءِ وَيجْعَل السُّجُود أَخفض من الرُّكُوع ليَقَع الْفَصْل بَينهمَا فَإِن عجز عَن الْقعُود أَيْضا يستلقي ويومىء إِيمَاء
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن عمرَان بن الْحصين أَنه كَانَ بِهِ مرض فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ صل قَائِما فَإِن لم تستطع فقاعدا فَإِن لم تستطع فعلى الْجنب تومىء إِيمَاء
ثمَّ إِذا صلى قَاعِدا بركوع وَسُجُود أَو بإيماء كَيفَ يقْعد فِي أول الصَّلَاة وَفِي حَال الرُّكُوع اخْتلفت الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا
روى مُحَمَّد عَن أبي حنيفَة أَنه يجلس كَيفَ شَاءَ
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه إِذا افْتتح الصَّلَاة يتربع وَإِذا ركع يفترش رجله الْيُسْرَى وَيجْلس عَلَيْهَا
[ ١٨٩ ]
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يتربع فِي جَمِيع صلَاته
وَرُوِيَ عَن زفر أَنه يفترش رجله الْيُسْرَى فِي جَمِيع صلَاته
وَالصَّحِيح رِوَايَة مُحَمَّد لِأَن عذر الْمَرِيض يسْقط عَنهُ الْأَركان فَلِأَن يسْقط عَنهُ الْهَيْئَة أولى
وَأما كَيْفيَّة صَلَاة المستلقي فَالْمَشْهُور من الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا أَنه يُصَلِّي مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ وَرجلَاهُ نَحْو الْقبْلَة فَإِن عجز عَن هَذَا وَقدر على الصَّلَاة على الْجنب فينام على شقَّه الْأَيْمن مُتَوَجها إِلَى الْقبْلَة عرضا
وَقد رُوِيَ عَن أَصْحَابنَا أَيْضا أَنه يُصَلِّي على جنبه الْأَيْمن وَوَجهه إِلَى الْقبْلَة فَإِذا عجز فَحِينَئِذٍ يستلقي على قَفاهُ
وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي
وحجتهم حَدِيث عمرَان بن الْحصين
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لِأَن التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة بِقدر الْمُمكن فرض وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا لِأَن الصَّلَاة فِي حَقه بِالْإِيمَاءِ وَذَلِكَ بتحريك الرَّأْس وَالْوَجْه وَفِي حَالَة الاستلقاء التحريك إِلَى الْقبْلَة فَإِذا كَانَ على الْجنب يَتَحَرَّك الرَّأْس لَا إِلَى الْقبْلَة بل يكون منحرفا عَنْهَا والانحراف من غير ضَرُورَة غير مَشْرُوع
وَالْمرَاد من الْجنب فِي حَدِيث عمرَان بن الْحصين هُوَ السُّقُوط فَمَعْنَى قَوْله فعلى الْجنب أَي يُصَلِّي سَاقِطا على قَفاهُ وَهُوَ تَفْسِير الاسْتِسْقَاء
فَإِن كَانَ قَادِرًا على الْقيام دون الرُّكُوع وَالسُّجُود فَإِنَّهُ يومىء قَاعِدا لَا قَائِما فَهُوَ الْمُسْتَحبّ وَلَو أَوْمَأ قَائِما جَازَ
وَهَذَا عندنَا
[ ١٩٠ ]
وَقَالَ الشَّافِعِي يُصَلِّي قَائِما لَا قَاعِدا لِأَن الْقيام ركن فَلَا يسْقط من غير عذر
وَلَكنَّا نقُول إِن الْغَالِب أَن من عجز عَن الرُّكُوع عجز عَن الْقيام وَالْغَالِب مُلْحق بالمتيقن
وَيَنْبَغِي للْمَرِيض أَن يَأْتِي بالأركان كلهَا مثل الصَّحِيح لِأَن السُّقُوط بِقدر الْعَجز وَلم يُوجد
ثمَّ الإضجاع الْمَشْرُوع أَنْوَاع أَحدهَا فِي حَالَة الصَّلَاة وَهُوَ مَا ذكرنَا من الاستلقاء على الْقَفَا دون الإضجاع على الْجنب
وَالثَّانِي الِاضْطِجَاع فِي حَالَة الْمَرَض على الْفراش وَالسّنة فِيهِ أَن يضجع الْمَرِيض على شقَّه الْأَيْمن عرضا وَوَجهه إِلَى الْقبْلَة
وَمِنْهَا أَن يضجع الْمَرِيض المحتضر وَهُوَ أَن تقرب وَفَاته
وَالسّنة فِيهِ أَيْضا أَن يضجع على شقَّه الْأَيْمن عرضا وَجهه إِلَى الْقبْلَة إِلَّا أَن الْعرف قد جرى بَين النَّاس أَن يضجع مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ نَحْو الْقبْلَة كَمَا فِي حَالَة الصَّلَاة بِالْإِيمَاءِ لما قيل إِن هَذَا أيسر لخُرُوج الرّوح
وَمِنْهَا الإضجاع على التخت عِنْد الْغسْل وَلَا رِوَايَة فِيهِ عَن أَصْحَابنَا لَكِن الْعرف قد جرى أَن يضجع مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ نَحْو الْقبْلَة لما فِي حَالَة الصَّلَاة بِالْإِيمَاءِ
وَمِنْهَا الإضجاع فِي حَالَة الصَّلَاة على الْمَيِّت وَهُوَ أَن يضجع على قَفاهُ مُعْتَرضًا للْقبْلَة
وَمِنْهَا الإضجاع فِي اللَّحْد
وَالسّنة فِيهِ أَن يضجع على شقَّه الْأَيْمن وَوَجهه نَحْو الْقبْلَة
[ ١٩١ ]
ثمَّ إِذا عجز عَن الْإِيمَاء وَهُوَ تَحْرِيك الرَّأْس سقط عَنهُ أَدَاء الصَّلَاة عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يَنْبَغِي أَن يومىء بِقَلْبِه وبعينه
وَقَالَ زفر يومىء بِقَلْبِه وَيَقَع مجزئا
وَقَالَ الْحسن بن زِيَاد يومىء بحاجبيه وبقلبه وَيُعِيد مَتى قدر على الْأَركان
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الْإِيمَاء بِالْقَلْبِ هُوَ الْإِرَادَة وَالنِّيَّة وَالصَّلَاة غير النِّيَّة والإرادة
ثمَّ إِذا سقط عَنهُ الصَّلَاة بِالْعَجزِ فَإِذا مَاتَ من ذَلِك الْمَرَض فَلَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يدْرك وَقت الْقَضَاء
فَأَما إِذا برأَ وَصَحَّ فَإِن ترك صَلَاة يَوْم وَلَيْلَة وَمَا دونهَا فَإِنَّهُ يقْضِي فَأَما إِذا ترك أَكثر من ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يقْضِي
وعَلى ذَلِك قَالَ أَصْحَابنَا فِي الْمغمى عَلَيْهِ إِذا فَاتَتْهُ الصَّلَوَات ثمَّ أَفَاق يقْضِي صَلَاة يَوْم وَلَيْلَة وَمَا دونهَا وَلَا يقْضِي أَكثر من ذَلِك
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد فِي الْجُنُون الْقصير إِنَّه بِمَنْزِلَة الْإِغْمَاء
وَهَذَا لما عرف أَن الْعَجز عَن الْأَدَاء لَا يسْقط الْقَضَاء إِنَّمَا يسْقط بِسَبَب الْحَرج وَإِنَّمَا الْحَرج إِذا دخل الْفَائِت فِي حد الْكَثْرَة وَالْحَد الْفَاصِل بَين الْقَلِيل وَالْكثير هُوَ سِتّ صلوَات عرفنَا ذَلِك بِإِجْمَاع الصَّحَابَة فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن عَليّ وعمار وَعبد الله بن عمر مثل قَوْلنَا وَلم يرو عَن غَيرهم خِلَافه فَيكون إِجْمَاعًا
ثمَّ الْمَرِيض إِذا فَاتَتْهُ الصَّلَوَات فِي مَرضه أَو كَانَ عَلَيْهِ فوائت الصِّحَّة فقضاها فِي الْمَرَض بأنقص مِمَّا فَاتَ من حَيْثُ الْأَركان فَإِنَّهُ يجوز
[ ١٩٢ ]
وَلَو فَاتَتْهُ الصَّلَوَات فِي حَال الْمَرَض بِلَا قيام أَو بِالْإِيمَاءِ ثمَّ صَحَّ وبرأ فَإِن عَلَيْهِ أَن يقْضِي بِقِيَام وركوع وَسُجُود
وَلَو قَضَاهَا كَمَا فَاتَت لَا يجوز
وَالْمُعْتَبر حَال الشُّرُوع فِي الْقَضَاء لِأَن وجوب الْقَضَاء موسع وَإِنَّمَا يتَغَيَّر الْوُجُوب وَقت الشُّرُوع
وَأَصله قَوْله ﵇ من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا فَإِن ذَلِك وَقتهَا
وَلَو أَن الْمَرِيض إِذا قدر على الْقيام أَو على الرُّكُوع وَالسُّجُود بَعْدَمَا شرع فِي الصَّلَاة قَاعِدا وبالإيماء ينظر إِن شرع قَاعِدا بركوع وَسُجُود فَإِنَّهُ يَبْنِي على تِلْكَ الصَّلَاة ويتمها قَائِما بركوع وَسُجُود عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لِأَن من أَصلهمَا أَن اقْتِدَاء الْقَائِم بالقاعد الَّذِي يُصَلِّي بركوع وَسُجُود جَائِز فِي الِابْتِدَاء فَكَذَلِك يجوز فِي الْبناء
وعَلى قَول مُحَمَّد لَا يَبْنِي بل يسْتَقْبل لِأَن عِنْده لَا يجوز اقْتِدَاء الْقَائِم بالقاعدة فَكَذَا لَا يجوز الْبناء
وَأما إِذا كَانَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ قَاعِدا أَو مُسْتَلْقِيا فَلَا يَبْنِي إِذا قدر على الْقيام أَو الرُّكُوع وَالسُّجُود عندنَا
وعَلى قَول زفر يَبْنِي
وَالصَّحِيح قَوْلنَا وَهُوَ أَن الصَّلَاة بِالْإِيمَاءِ لَيست صَلَاة حَقِيقِيَّة لَكِن جعلت صَلَاة فِي حق المومىء بطرِيق الضَّرُورَة فَيظْهر فِي حَقه لَا فِي حق غَيره فَلَا يجوز الِاقْتِدَاء بِهِ إِلَّا من الَّذِي هُوَ مثله بِخِلَاف الْقَائِم مَعَ الْقَاعِد فَإِن الْقَاعِد مصل بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود على مَا عرف
فَأَما الصَّحِيح إِذا مرض فِي وسط الصَّلَاة بِحَيْثُ يعجز عَن الْقيام أَو الرُّكُوع وَالسُّجُود فجواب ظَاهر الرِّوَايَة أَنه يمْضِي على صلَاته على
[ ١٩٣ ]
حسب مَا يقدر عَلَيْهِ من الرُّكُوع وَالسُّجُود قَاعِدا أَو بِالْإِيمَاءِ
وروى أَبُو يُوسُف عَن أبي حنيفَة أَنه يسْتَقْبل
وَالصَّحِيح ظَاهر الرِّوَايَة لِأَنَّهُ إِذا بنى صَار مُؤديا بعض الصَّلَاة كَامِلا وَبَعضهَا نَاقِصا وَإِذا اسْتقْبل صَار مُؤديا الْكل نَاقِصا فَكَانَ الأول أولى
وَلَو أَن الْمَرِيض المومىء إِذا رفع إِلَى وَجهه وسَادَة أَو شَيْء فَسجدَ عَلَيْهِ وَلم يومىء بِأَن لم يُحَرك رَأسه نوع تَحْرِيك فَإِنَّهُ لَا يجوز وَلَا يَنْبَغِي أَن يفعل هَكَذَا لِأَن الْفَرْض فِي حَقه الْإِيمَاء وَهُوَ قَائِم مقَام الصَّلَاة وَلم يُوجد
فَأَما إِذا وجد مِنْهُ نوع تَحْرِيك الرَّأْس حَتَّى وصل رَأسه إِلَى الوسادة جَازَ لوُجُود الْإِيمَاء وَإِن قل وَالله أعلم
[ ١٩٤ ]