الحانث لَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ مُوسِرًا أَو مُعسرا
فَإِن كَانَ مُوسِرًا فَهُوَ مُخَيّر بَين ثَلَاثَة أَشْيَاء بَين الْإِطْعَام وَالْكِسْوَة وَالْإِعْتَاق لقَوْله تَعَالَى ﴿فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم أَو كسوتهم أَو تَحْرِير رَقَبَة﴾
فَإِن اخْتَار الطَّعَام يُعْطي كل مِسْكين نصف صَاع من حِنْطَة أَو صَاعا من شعير أَو دقيقهما أَو صَاعا من تمر أَو قيمَة هَذِه الْأَشْيَاء دَرَاهِم ودنانير أَو عرُوضا كَمَا فِي صَدَقَة الْفطر على مَا ذكرنَا
وَلَو دَعَا عشرَة مَسَاكِين فغداهم وعشاهم مشبعا خبْزًا مَعَ الإدام أَو بِغَيْر الإدام أَو سويقا أَو تَمرا كَانَ جائرا لِأَن الله تَعَالَى أَمر بِالْإِطْعَامِ وَهُوَ اسْم للْفِعْل إِلَّا أَن التَّمْلِيك عَرفْنَاهُ بِدلَالَة النَّص وَالْإِطْعَام فِي حق الْأَهْل قد يكون مَعَ الإدام وَقد يكون بِغَيْرِهِ
وَلَو أطْعم مِسْكينا وَاحِدًا عشرَة أَيَّام غداء وعشاء أَو أعْطى مِسْكينا وَاحِدًا عشرَة أَيَّام كل يَوْم نصف صَاع جَازَ لِأَن الْمَقْصُود سد خلة
[ ٢ / ٣٤١ ]
عشرَة مَسَاكِين عشرَة أَيَّام وَقد حصل
وَلَو أطْعم عشرَة مَسَاكِين فِي يَوْم غداء وَأعْطى كل وَاحِد مدا من الطَّعَام جَازَ لِأَنَّهُ جمع بَين التَّمْلِيك وَطَعَام الْإِبَاحَة
وَكَذَا لَو غدى رجلا وَاحِدًا عشْرين يَوْمًا أَو عشى رجلا فِي رَمَضَان عشْرين يَوْمًا جَازَ لِأَن الْمَقْصُود قد حصل
وَلَو أعْطى مِسْكينا وَاحِدًا طَعَام عشرَة فِي يَوْم وَاحِد لم يجز لِأَن الله تَعَالَى أَمر بسد جوعة عشرَة مَسَاكِين جملَة أَو مُتَفَرقًا على الْأَيَّام وَلم يُوجد
وَلَو أطْعم فُقَرَاء أهل الذِّمَّة جَازَ وفقراء الْمُسلمين أفضل كَمَا ذكرنَا فِي صَدَقَة الْفطر خلافًا لأبي يُوسُف
وَإِن اخْتَار الْكسْوَة كسا كل مِسْكين ثَوْبَيْنِ
وَإِن كساهم ثوبا جَامعا نَحْو الْقَمِيص والقباء والملحفة والكساء جَازَ لِأَن الله تَعَالَى أَمر بالإكساء فَكل ثوب يصير بِهِ كاسيا دخل تَحت النَّص
وَلَو ساه قلنسوة أَو عِمَامَة لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا يُسمى بِهِ كاسيا
وَلَو كسا سَرَاوِيل قَالَ لَا يجوز
وَلَو كَسَاه إِزَار جَازَ وَلَكِن أَرَادَ بِهِ أَن يكون من الرَّأْس إِلَى الْقدَم
وَأما إِذا كَانَ يستر بِهِ الْعَوْرَة لَا يستر الْبدن لَا يجوز وَهَذَا جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف ﵀ أَنه قَالَ إِذا كَانَ مِمَّا يستر بِهِ الْعَوْرَة وَتجوز فِيهِ الصَّلَاة يجوز
وَالْمُعْتَبر فِي ظَاهر الرِّوَايَة مَا يُسمى لابسا ولابس السَّرَاوِيل يُسمى عُريَانا
وَلَو أَن قيمَة الْعِمَامَة والسراويل بلغت قيمَة الطَّعَام هَل يَقع عَن
[ ٢ / ٣٤٢ ]
الطَّعَام عِنْد مُحَمَّد يَقع بِغَيْر نِيَّة إِذا وجدت مِنْهُ نِيَّة الْكَفَّارَة
وَعند أبي يُوسُف لَا يَقع مَا لم ينْو الْكسْوَة عَن الطَّعَام
وَأما إِذا اخْتَار التَّحْرِير فَإِن أعتق رَقَبَة مُطلقَة كَامِلَة الذَّات وكاملة الرّقّ بنية الْكَفَّارَة بِأَيّ صفة كَانَت جَازَ صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا مُسلما كَانَ أَو ذِمِّيا لِأَن الله تَعَالَى أَمر بِإِعْتَاق رَقَبَة مُطلقَة بقوله ﴿أَو تَحْرِير رَقَبَة﴾ وَكَذَا فِي كَفَّارَة الظِّهَار وَهَذَا عندنَا
وَعند الشَّافِعِي لَا يجوز إِلَّا المؤمنة كَمَا فِي كَفَّارَة الْقَتْل
وَلَو أعتق رَقَبَة مَعِيبَة فَالْأَصْل فِيهِ أَن كل عيب يُوجب فَوَات جنس الْمَنْفَعَة يمْنَع عَن الْكَفَّارَة وَإِلَّا فَلَا
إِذا ثَبت هَذَا نقُول إِذا أعتق عبدا أَعور أَو مَقْطُوع إِحْدَى الْيَدَيْنِ أَو الرجلَيْن أَو الْيَد وَالرجل من خلاف أَجزَأَهُ لِأَن مَنْفَعَة الْجِنْس بَاقِيَة
وَلَو أعتق الْأَعْمَى أَو الْمَقْطُوع الْيَدَيْنِ أَو الرجلَيْن أَو الْمَقْطُوع الْيَد وَالرجل من جَانب وَاحِد لَا يجوز لِأَن مَنْفَعَة الْجِنْس مَعْدُومَة
وَأما الْمَجْنُون المغلوب فَلَا يجوز لِأَن مَنْفَعَة الْأَجْنَاس مَعْدُومَة
وَلَو أعتق مفلوجا يَابِس الشق لَا يجوز لِأَنَّهُ فَاتَ مَنْفَعَة الْجِنْس
وَلَو أعتق الْحمل لَا يجوز وَإِن ولد حَيا بعد يَوْم لِأَنَّهُ فِي معنى الْأَجْزَاء من وَجه
وَأما الْأَصَم فَالْقِيَاس أَن لَا يجوز
وَفِي الِاسْتِحْسَان يجوز لِأَنَّهُ إِذا بولغ فِي الصياح يسمع فَلَا يفوت جنس الْمَنْفَعَة
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وَأما الْأَخْرَس فَلَا يجوز لما قُلْنَا
وَلَو أعتق حَلَال الدَّم جَازَ لِأَنَّهُ رَقَبَة كَامِلَة لوُجُود الْملك وَاسم الرَّقَبَة وَوُجُوب الْقصاص لَا يمْنَع جَوَاز التَّكْفِير بِهِ وَإِنَّمَا وَجب عَلَيْهِ حق
وَلَو أعتق عبدا مديونا جَازَ وللغرماء حق الِاسْتِسْعَاء
وَلَو أعتق ذَا رحم محرم مِنْهُ عَن الْكَفَّارَة جَازَ عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ
وَلَو أعتق الْمكَاتب جَازَ عندنَا خلافًا لَهُ
وَلَو أدّى بعض بدل الْكِتَابَة لَا يجوز بِالْإِجْمَاع
وَلَو أعتق عبدا مُشْتَركا بَينه وَبَين شَرِيكه وَهُوَ مُوسر وَاخْتَارَ الشَّرِيك الضَّمَان حَتَّى عتق كُله عَن الْمُعْتق لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يجوز لِأَن الْإِعْتَاق لَا يتَجَزَّأ عِنْدهمَا فَيَقَع الْكل عَن الْكَفَّارَة وَثَبت الْملك بِالضَّمَانِ سَابِقًا وَعند أبي حنيفَة الْإِعْتَاق يتَجَزَّأ فَإِذا أعتق النّصْف جَازَ وينتقص فَإِذا ضمن ملك النّصْف النَّاقِص وإعتاق النَّاقِص لَا يجوز
وبمثله لَو أعتق نصف عَبده عَن الْكَفَّارَة ثمَّ أعتق النّصْف الْبَاقِي جَازَ وَبَين الْأَمريْنِ فرق بعيد
وَإِن كَانَ مُعسرا حَتَّى وَجَبت السّعَايَة على العَبْد لَا يجوز لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ السّعَايَة فَيصير كَالْعِتْقِ بعوض وَهَذِه مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَو قَالَ لعَبْدِهِ إِن اشتريتك فَأَنت حر ثمَّ اشْتَرَاهُ بنية الْكَفَّارَة لَا يجوز لِأَنَّهُ لم تُوجد النِّيَّة مِنْهُ عِنْد الْيَمين وَإنَّهُ يصير معتقا بذلك الْكَلَام حَتَّى لَو قَالَ لَهُ إِن اشتريتك عَن يَمِين فَأَنت حر عَن كَفَّارَة يَمِيني جَازَ
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وَلَو أعتق الْمُدبر أَو أم ولد عَن الْكَفَّارَة لَا يجوز لِأَنَّهُ نَاقص الرّقّ
أما إِذا كَانَ الْحَالِف مُعسرا فَعَلَيهِ صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام متتابعة عندنَا وَعند الشَّافِعِي يجوز مُتَفَرقًا وَقد ذكرنَا هَذَا وَلَو أفطر لمَرض أَو الْمَرْأَة تحيض استقبلا لِأَنَّهُمَا يجدان ثَلَاثَة أَيَّام لَا تحيض فِيهَا وَلَا مرض فِي الْغَالِب فَيبْطل التَّتَابُع بِخِلَاف صَوْمه شَهْرَيْن مُتَتَابعين فَإِن ثمَّ لَا يَنْقَطِع التَّتَابُع لأجل الْعذر وَيَنْقَطِع بِالْمرضِ لِأَن الْغَالِب أَن الشَّهْرَيْنِ لَا يخلوان عَن الْحيض أَو عَن الْمَرَض
وَلَو أَن الْمُعسر إِذا أيسر فِي خلال الصَّوْم يجب عَلَيْهِ الْإِطْعَام أَو الْإِعْتَاق أَو الْكسْوَة وَيبْطل الصَّوْم لِأَنَّهُ قدر على الْأَصِيل قبل حُصُول الْمَقْصُود بِالْبَدَلِ
وَلَو أيسر بعد الصّيام لَا يبطل الصَّوْم بِخِلَاف الشَّيْخ الفاني إِذا أطْعم مَكَان الصَّوْم ثمَّ قدر يبطل لِأَن ذَلِك بدل ضَرُورِيّ
وَلَو أعتق رجل بِأَمْر رجل أَو أطْعم عَنهُ أَو كسا جَازَ وَإِن لم يُعْطه الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير
وَإِن فعل بِغَيْر أمره ثمَّ أجَازه لم يجز لِأَن الْإِعْتَاق بأَمْره كإعتاقه وَيكون مليكا للْعَبد مِنْهُ وَأمره بذلك قبُول مِنْهُ فَجَاز
فَأَما إِذا فعل بِغَيْر أمره لَا يتَوَقَّف على إِجَازَته لِأَنَّهُ وجد نفاذا على مَالِكه وَهُوَ التَّقَرُّب إِلَى الله فَلَا يتَوَقَّف
وَلَو صرف قيمَة الطَّعَام وَالثيَاب بنية الْكَفَّارَة إِلَى بِنَاء الْمَسَاجِد أَو أكفان الْمَوْتَى أَو قَضَاء دين رجل فَقير فَإِنَّهُ لَا يَقع عَن الْكَفَّارَة لِأَن الْوَاجِب هُوَ التَّمْلِيك وَلم يُوجد
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وَلَو كَانَ الحانث لَهُ مَال وَعَلِيهِ دين مُسْتَغْرق أَجزَأَهُ الصَّوْم لِأَنَّهُ مُسْتَحقّ الصّرْف إِلَى الدّين
وَلَو كَانَ لَهُ عبد وَعَلِيهِ دين لم يُجزئهُ الصَّوْم لِأَنَّهُ قَادر على إِعْتَاقه عَن الْكَفَّارَة وَقيل من أَصْحَابنَا من قَالَ يجوز لكَونه فَقِيرا
[ ٢ / ٣٤٦ ]