الْمُعْتَدَّة إِمَّا إِن كَانَت عَن طَلَاق أَو عَن وَفَاة
فَإِن كَانَت عَن طَلَاق يَنْبَغِي لَهَا أَن لَا تخرج من بَيتهَا لَيْلًا وَلَا نَهَارا بل يجب عَلَيْهَا السُّكْنَى فِي الْبَيْت الَّذِي تسكن فِيهِ وَأجر السُّكْنَى وَالنَّفقَة على الزَّوْج
وَأَصله قَوْله تَعَالَى و﴿لَا تخرجوهن من بُيُوتهنَّ وَلَا يخْرجن إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة﴾
وَأما الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا فَلَا بَأْس بِأَن تخرج بِالنَّهَارِ فِي حوائجها وَلَا تبيت فِي غير منزلهَا الَّذِي تَعْتَد فِيهِ لِأَن نَفَقَتهَا عَلَيْهَا فتحتاج إِلَى الْخُرُوج لإِصْلَاح أمرهَا
وَعَن مُحَمَّد لَا بَأْس بِأَن تبيت فِي غير بَيتهَا أقل من نصف اللَّيْل لِأَن البيتوتة عبارَة عَن السّكُون فِي الْمَكَان أَكثر اللَّيْل فِي الْعرف
ثمَّ منزلهَا الَّذِي تُؤمر بِالسُّكْنَى والاعتداد فِيهِ هُوَ الْموضع الَّذِي كَانَت تسكنه قبل مُفَارقَة الزَّوْج وَقبل مَوته سَوَاء كَانَ الزَّوْج سَاكِنا فِيهِ أَو لم يكن لِأَن الله تَعَالَى أضَاف الْبَيْت إِلَيْهَا وَالْبَيْت الْمُضَاف إِلَيْهَا هُوَ الَّذِي تسكنه
وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا إِنَّهَا إِذا زارت أَهلهَا فَطلقهَا زَوجهَا كَانَ
[ ٢ / ٢٤٩ ]
عَلَيْهَا أَن تعود إِلَى منزلهَا الَّذِي كَانَت تسكن فِيهِ فَتعْتَد هُنَالك
فَإِن اضطرت إِلَى الْخُرُوج فَلَا بَأْس بذلك مثل أَن تخَاف سُقُوط الْبَيْت وانهدامه أَو تخَاف أَن يغار على متاعها أَو أَن يكون بِأُجْرَة وَلَا تَجِد مَا تُؤَدِّيه فِي أجرته فِي عدَّة الْوَفَاة فَإِن كَانَت تقدر على الْأُجْرَة فَلَا تنْتَقل
وَإِن كَانَ الْمنزل لزَوجهَا وَقد مَاتَ عَنْهَا فلهَا أَن تسكن فِي نصِيبهَا إِن كَانَ نصِيبهَا يكفيها فِي السُّكْنَى وَلَكِن تستتر عَن سَائِر الْوَرَثَة مِمَّن لَيْسَ بِمحرم لَهَا
فَأَما إِذا كَانَ نصِيبهَا لَا يكفيها أَو خَافت على متاعها مِنْهُم فلهَا أَن تنْتَقل وَيكون ذَلِك عذرا وَالسُّكْنَى وَجَبت حَقًا لله تَعَالَى عَلَيْهَا فَيسْقط بالعذر كَسَائِر الْعِبَادَات
وَكَذَلِكَ المسافرة حرَام أَيْضا للمطلقة سَوَاء كَانَ سفر حج فرض أَو غَيره
مَعَ زَوجهَا أَو محرم حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا لِأَن السّفر خُرُوج مديد إِلَّا أَن فِي الْمُطلقَة طَلَاقا رَجْعِيًا للزَّوْج أَن يُسَافر بهَا إِذا رَاجعهَا
وَقَالَ زفر لزَوجهَا أَن يُسَافر بهَا وَهَذَا بِنَاء على أَن المسافرة بهَا مُرَاجعَة عِنْد زفر وَعِنْدنَا لَيْسَ بمراجعة
فَأَما لَا خلاف أَن الْخُرُوج فِي حَال الْعدة حرَام عَلَيْهَا
وَلَو خرجت الْمَرْأَة مَعَ زَوجهَا فِي سفر غير سفر الْحَج ثمَّ طَلقهَا فِي بعض الطَّرِيق إِن كَانَ بَينهَا وَبَين مصرها الَّذِي خرجت مِنْهُ أقل من ثَلَاثَة أَيَّام وَبَينهَا وَبَين مقصدها ثَلَاثَة أَيَّام فَإِنَّهَا ترجع إِلَى منزلهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إنْشَاء السّفر وَفِي ذَلِك إنْشَاء السّفر
وَإِن كَانَ فِي كل جَانب أقل من مُدَّة السّفر كَانَ لَهَا الْخِيَار لما ذكرنَا
وَإِن كَانَ من كل جَانب مُدَّة السّفر ينظر إِن كَانَت هِيَ فِي مَوضِع يُمكنهَا الْمقَام فِيهِ أَقَامَت فِي ذَلِك الْموضع واعتدت وَلَا تمْضِي عِنْد أبي
[ ٢ / ٢٥٠ ]
حنيفَة ﵁ وَإِن وجدت محرما
وعَلى قَوْلهمَا إِن لم يكن مَعهَا محرم فَكَذَلِك
وَإِن كَانَ مَعهَا محرم مَضَت على سفرها
وَإِن كَانَت فِي مَوضِع لَا يصلح للإقامة وَتخَاف على نَفسهَا وَمَالهَا فَإِن شَاءَت مَضَت وَإِن شَاءَت رجعت لِاسْتِوَاء الْأَمريْنِ لَكِن إِذا بلغت إِلَى أدنى الْموضع الَّذِي يصلح للإقامة فَهُوَ على هَذَا الْخلاف الَّذِي ذكرنَا
فَإِن أَحرمت لِلْحَجِّ وَخرجت إِلَى سفر الْحَج مَعَ محرم لَهَا غير الزَّوْج ثمَّ طَلقهَا الزَّوْج أَو مَاتَ فبلغها الْخَبَر وَبَينهَا وَبَين مصرها أقل من ثَلَاثَة أَيَّام فَإِنَّهَا ترجع وَتصير بِمَنْزِلَة الْمحصر فَإِن رَاجعهَا زَوجهَا بطلت الْعدة وتعود الزَّوْجِيَّة فَجَاز لَهَا السّفر
وَأما الْحداد فَيجب على كل مُعْتَدَّة بَالِغَة عَاقِلَة مسلمة حرَّة بَانَتْ من زَوجهَا بِوَاحِدَة أَو ثَلَاث أَو مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا
فَإِن كَانَت مُعْتَدَّة عَن وَفَاة يجب الْإِحْدَاد بِالْإِجْمَاع
وَإِن كَانَت عَن طَلَاق بَائِن أَو ثَلَاث فَكَذَلِك عندنَا
وَعند الشَّافِعِي لَا يجب الْإِحْدَاد
وَأَجْمعُوا أَنه لَا يجب الْإِحْدَاد على الْمُطلقَة طَلَاقا رَجْعِيًا
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا على زَوجهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرا والمباينة نَظِير الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا فِي التحسر على مَا فَاتَ فِي الْغَالِب فَيجب الْإِحْدَاد عَلَيْهَا
ثمَّ تَفْسِير الْإِحْدَاد هُوَ الاجتناب عَن جَمِيع مَا يتزين بِهِ النِّسَاء من
[ ٢ / ٢٥١ ]
الطّيب وَلبس الثَّوْب الْمَصْبُوغ والمطيب بالعصفر والزعفران والاكتحال والادهان والامتشاط وَلبس الْحلِيّ والخضاب وَنَحْو ذَلِك إِلَّا إِذا لم يكن لَهَا إِلَّا ثوب مصبوغ فَلَا بَأْس بِأَن تلبسه وَلَا تقصد الزِّينَة
وَقَالَ فِي الأَصْل وَلَا تلبس قصبا وَلَا خَزًّا تتزين بِهِ لِأَن هَذَا مِمَّا يلبس للْحَاجة فَيعْتَبر فِيهِ الْقَصْد فَإِن قصدت الزِّينَة يكره وَإِن لم تقصد فَلَا بَأْس
هَذَا الَّذِي ذكرنَا حكم الْمُعْتَدَّة الْبَالِغَة الْعَاقِلَة الْمسلمَة الْحرَّة فِي النِّكَاح الصَّحِيح
فَأَما الصَّغِيرَة والكتابية وَالْأمة والمدبرة وَأم الْوَلَد وَالْمُكَاتبَة والموطوءة عَن شُبْهَة أَو نِكَاح فَاسد فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ السُّكْنَى وَيُبَاح لَهُنَّ الْخُرُوج لِأَن السُّكْنَى حق الله تَعَالَى والكافرة لَا تخاطب بِهِ
فَأَما الرقيقة فَلَا يلْزمهَا الْمقَام فِي منزل زَوجهَا لقِيَام حق الْمولى فِي الْخدمَة إِلَّا إِذا بوأها مَوْلَاهَا منزلا فَحِينَئِذٍ لَا تخرج لِأَنَّهُ أسقط حق نَفسه فِي الْخدمَة
فَإِن أَرَادَ الْمولى أَن يُخرجهَا فَلهُ ذَلِك لِأَنَّهُ أعَار مَنْفَعَة خدمته للزَّوْج وللمعير أَن يسْتَردّ الْعَارِية
وَأما الْكِتَابِيَّة فلهَا أَن تخرج إِلَّا أَن يحبسها الزَّوْج لحقه فِي عدتهَا لصيانة المَاء فَتكون السُّكْنَى حق الزَّوْج لأجل الْوَلَد
وَأما الصَّغِيرَة فلهَا الْخُرُوج وَلَيْسَ للزَّوْج منعهَا لِأَنَّهُ لَا يلْزمهَا حق الشَّرْع وَلَا حق الزَّوْج لِأَن حَقه فِي حفظهَا لصيانة الْوَلَد وَلَا يتَصَوَّر الْوَلَد فِي حَقّهَا
وَأما أم الْوَلَد إِذا أعتقت أَو مَاتَ سَيِّدهَا فلهَا أَن تخرج لِأَن عدتهَا عدَّة الْوَطْء
[ ٢ / ٢٥٢ ]
وَكَذَلِكَ فِي الْوَطْء لشُبْهَة أَو نِكَاح فَاسد لَهَا أَن تخرج لِأَن ذَلِك وَاجِب فِي النِّكَاح الصَّحِيح لَا غير
فَأَما الْحداد فَلَا يجب على الصَّغِيرَة والكافرة لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمَا حق الله تَعَالَى
فَأَما على الْأمة والمدبرة وَأم الْوَلَد وَالْمُكَاتبَة إِذا كَانَت زَوجته فَيجب الْحداد لِأَنَّهُ عبَادَة بدنية وَإِنَّهَا لَا تسْقط بِسَبَب الرّقّ
وَفِي عدَّة أم الْوَلَد بعد الْعتْق وَالْمَوْت وَفِي الْعدة من نِكَاح فَاسد لَا حداد أَيْضا لِأَنَّهُ يجب لحُرْمَة الزَّوْجِيَّة وَلم تُوجد
ثمَّ الْمُعْتَدَّة إِذا قَالَت انْقَضتْ عدتي فِي مُدَّة تَنْقَضِي بهَا الْعدة غَالِبا فَإِنَّهَا تصدق لِأَنَّهَا أمينة وَالْقَوْل قَول الْأمين فِيمَا لَا يُخَالِفهُ الظَّاهِر بِالْإِجْمَاع
وَلَو لم تعترف بِانْقِضَاء الْعدة لَا تَنْقَضِي لاحْتِمَال أَنَّهَا تصير ممتدة الطُّهْر
فَأَما إِذا أخْبرت بِانْقِضَاء الْعدة فِي مُدَّة أقل من شَهْرَيْن قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يصدق فِي أقل من شَهْرَيْن
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يصدق فِي تِسْعَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا
ولتخريج قَول أبي حنيفَة ﵀ وَجْهَان أَحدهمَا رَوَاهُ مُحَمَّد وَالثَّانِي رَوَاهُ الْحسن
وَإِن طَلقهَا فِي نفَاسهَا وَهِي حرَّة فَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي رِوَايَة مُحَمَّد لَا تصدق فِي أقل من خَمْسَة وَثَمَانِينَ يَوْمًا
وَفِي رِوَايَة الْحسن مائَة يَوْم
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا تصدق فِي أقل من خَمْسَة وَسِتِّينَ يَوْمًا
وَقَالَ مُحَمَّد لَا تصدق فِي أقل من أَرْبَعَة وَخمسين يَوْمًا وَسَاعَة
وَوجه تَخْرِيج الْمَسْأَلَة يعرف فِي كتاب الْحيض وَالله أعلم
[ ٢ / ٢٥٤ ]