مسَائِل الْبَاب مَبْنِيَّة على معرفَة من يجوز وضع الزَّكَاة فِيهِ وعَلى معرفَة ركن الزَّكَاة وشرائط الْأَدَاء
أما بَيَان من يجوز وضع الزَّكَاة فِيهِ فَهُوَ الَّذِي استجمع شَرَائِط مِنْهَا الْفقر فَإِنَّهُ لَا يجوز صرف الزَّكَاة إِلَى الْأَغْنِيَاء لقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء﴾ أَمر بِالصرْفِ إِلَى الْأَصْنَاف الثَّمَانِية وَذكر هَؤُلَاءِ لبَيَان محلية الصّرْف بِاعْتِبَار الْحَاجة لَا بطرِيق الِاسْتِحْقَاق إِلَّا أَن النَّص صَار مَنْسُوخا فِي حق الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم عندنَا
وَأما الْعَامِل فِيمَا يعْطى لَهُ فَهُوَ أجر عمله لَا بطرِيق الزَّكَاة فَإِنَّهُ يَنْبَغِي للْإِمَام أَن يُعْطي السَّاعِي مِقْدَار مَا يَكْفِيهِ وَيَكْفِي أعوانه وَلِهَذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ يُعْطي الْعَامِل الْغَنِيّ
وَلِهَذَا إِن صَاحب المَال إِذا حمل الزَّكَاة بِنَفسِهِ إِلَى الإِمَام فَإِنَّهُ لَا يُعْطي العاملين على الصَّدقَات من ذَلِك شَيْئا
وَلِهَذَا قُلْنَا إِن حق الْعَامِل فِيمَا فِي يَده من الصَّدقَات حَتَّى لَو هلك مَا فِي يَده من الصَّدقَات تسْقط أجرته وَهُوَ كَنَفَقَة الْمضَارب فِي مَال الْمُضَاربَة
[ ٢٩٩ ]
إِذا هلك مَال الْمضَارب سَقَطت نَفَقَته
وَلَكِن للعمالة شُبْهَة الصَّدَقَة فَيحرم فِي حق بني هَاشم كَرَامَة لَهُم وَإِن كَانَ لَا يحرم على الْعَامِل الْغَنِيّ
وَقَالَ الشَّافِعِي يجب الصّرْف إِلَى الْأَصْنَاف الثَّمَانِية إِلَى ثَلَاثَة من كل صنف لِأَنَّهُ لَا يُمكن القَوْل بالاستيعاب
وَاخْتلف أَصْحَابه فِي سهم الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم
وَبَعْضهمْ قَالُوا صَار مَنْسُوخا بِالْإِجْمَاع
وَبَعْضهمْ قَالُوا يصرف إِلَى كل من كَانَ حَدِيث الْعَهْد بِالْإِسْلَامِ مِمَّن هُوَ فِي مثل حَالهم فِي الشَّوْكَة وَالْقُوَّة حَتَّى يكون حملا لأمثالهم على الدُّخُول فِي دين الْإِسْلَام
ثمَّ كَمَا لَا يجوز صرف الزَّكَاة إِلَى أَغْنِيَاء لَا يجوز صرف جَمِيع الصَّدقَات الْمَفْرُوضَة الْوَاجِبَة إِلَيْهِم وَذَلِكَ نَحْو الْكَفَّارَات الْمَفْرُوضَة وَالْعشر الْمَفْرُوض بِكِتَاب الله وَصدقَة الْفطر وَالصَّدقَات الْمَنْذُور بهَا من الْوَاجِبَات لقَوْله ﵇ لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوي
وَكَذَا لَا يجوز صرف الصَّدقَات الْوَاجِبَة إِلَى ولد الْغَنِيّ إِذا كَانَ صَغِيرا وَإِذا كَانَ كَبِيرا يجوز لِأَن الصَّغِير يعد غَنِيا بِمَال أَبِيه بِخِلَاف الْكَبِير
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد يجوز الدّفع إِلَى امْرَأَة الْغَنِيّ إِذا كَانَت فقيرة وَكَذَلِكَ إِلَى الْبِنْت الْكَبِيرَة الفقيرة لَغَنِيّ
وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أبي يُوسُف لِأَن الزَّوْج لَا يدْفع جَمِيع حوائج الزَّوْجَة وَالْبِنْت الْكَبِيرَة
وَكَذَا لَا يجوز الدّفع إِلَى عبد الْغَنِيّ ومدبره وَأم وَلَده إِذا لم يكن عَلَيْهِم دين مُسْتَغْرق لرقابهم لِأَن أكسابهم ملك الْمولى
[ ٣٠٠ ]
وَكَذَا إِن كَانَ عَلَيْهِم دين لَكِن غير ظَاهر فِي حق الْمولى حَتَّى يكون مُؤَخرا إِلَى مَا بعد الْعتاق
وَأما إِذا كَانَ ظَاهرا فِي حق الْمولى كَدين الِاسْتِهْلَاك وَدين التِّجَارَة يَنْبَغِي أَن يجوز على قَول أبي حنيفَة لِأَنَّهُ لَا يملك كَسبه عِنْده إِذا كَانَ عَلَيْهِ دين مُسْتَغْرق ظَاهر فِي حَقه
وعَلى قَوْلهمَا لَا يجوز لِأَنَّهُ يملك كَسبه عِنْدهمَا
وَيجوز الدّفع إِلَى مكَاتب الْغَنِيّ لِأَن الْمكَاتب أَحَق بمكاسبه من الْمولى
وَأما صَدَقَة الْأَوْقَاف فَيجوز صرفهَا إِلَى الْأَغْنِيَاء إِذا سماهم الْوَاقِف فَأَما إِذا لم يسمهم فَلَا يجوز لِأَنَّهَا صَدَقَة وَاجِبَة
فَأَما صَدَقَة التَّطَوُّع فَيجوز صرفهَا إِلَى الْغَنِيّ وَتحل لَهُ وَتَكون بِمَنْزِلَة الْهِبَة لَهُ
ثمَّ الْغنى أَنْوَاع ثَلَاثَة أَحدهَا الْغنى الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ وجوب الزَّكَاة وَهُوَ أَن يملك نِصَابا من المَال الْفَاضِل عَن الْحَاجة الْمَوْصُوف بالنماء وَالزِّيَادَة إِمَّا بالأسامة أَو التِّجَارَة
وَالثَّانِي الْغنى الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ حرمَان الصَّدَقَة وَيتَعَلَّق بِهِ وجوب صَدَقَة الْفطر وَالْأُضْحِيَّة دون وجوب الزَّكَاة وَهُوَ أَن يملك من الْأَمْوَال الفاضلة عَن حَوَائِجه مَا تبلغ قِيمَته مِائَتي دِرْهَم بِأَن كَانَ لَهُ ثِيَاب وفرش ودور وحوانيت ودواب زِيَادَة على مَا يحْتَاج إِلَيْهِ للابتذال لَا للتِّجَارَة والأسامة
ثمَّ مِقْدَار مَا يحْتَاج إِلَيْهِ مَا ذكر أَبُو الحسنفي كِتَابه فَقَالَ لَا بَأْس بِأَن
[ ٣٠١ ]
يُعْطي من الزَّكَاة من لَهُ مسكن وخدم وَمَا يتأثث بِهِ فِي منزله وَفرس وَسلَاح وَثيَاب الْبدن وَكتب الْعلم إِن كَانَ من أَهله مَا لم يكن لَهُ فضل عَن ذَلِك مِائَتَا دِرْهَم
وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يجوز دفع الصَّدَقَة إِلَى رجل لَيْسَ لَهُ مَال كثير وَلَا كسب لَهُ وَهُوَ يخَاف الْحَاجة
وَقَالَ مَالك إِذا كَانَ لَهُ خَمْسُونَ درهما لَا يجوز دفع الصَّدَقَة إِلَيْهِ وَلَا يحل لَهُ الْأَخْذ
وَالثَّالِث الْغنى الَّذِي يحرم بِهِ السُّؤَال وَلَا يحرم الْأَخْذ وَلَا الدّفع من غير سُؤال
قَالَ بَعضهم خَمْسُونَ درهما
وَقَالَ عَامَّة الْعلمَاء إِذا ملك قوت يَوْمه وَمَا يستر بِهِ عَوْرَته فَلَا يحل لَهُ السُّؤَال فَأَما إِذا لم يكن فَلَا بَأْس بِهِ
وَأما الْفَقِير إِذا كَانَ قَوِيا مكتسبا فَيحل بِهِ أَخذ الصَّدَقَة وَلَا يحل لَهُ السُّؤَال
وَعند الشَّافِعِي لَا تحل لَهُ الصَّدَقَة
وَالشّرط الآخر أَن لَا يكون الْفَقِير من بني هَاشم وَلَا من مواليهم لقَوْله ﵇ لَا تحل الصَّدَقَة لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد
وَكَذَا حرم الصَّدَقَة على موَالِي بني هَاشم وَقَالَ إِن مولى الْقَوْم من أنفسهم
[ ٣٠٢ ]
وَالشّرط الْأُخَر هُوَ الْإِسْلَام وَهُوَ شَرط فِي حق وجوب الزَّكَاة وَالْعشر بِالْإِجْمَاع حَتَّى لَا يجوز صرفهما إِلَى الْكفَّار
وَأما صرف مَا وَرَاء الزَّكَاة وَالْعشر إِلَى فُقَرَاء أهل الذِّمَّة فَجَائِز عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد نَحْو صَدَقَة الْفطر وَالصَّدََقَة الْمَنْذُورَة وَالْكَفَّارَات وَلَكِن الصّرْف إِلَى الْمُسلمين أولى
وَعَن أبي يُوسُف ثَلَاث رِوَايَات
وَالأَصَح أَنه لَا يجوز صرف صَدَقَة مَا إِلَيْهِم إِلَّا التَّطَوُّع
وَأما الْحَرْبِيّ فَلَا يجوز صرف صَدَقَة مَا إِلَيْهِ
وَالشّرط الآخر أَن لَا يكون مَنَافِع الْأَمْلَاك مُتَّصِلَة بَين صَاحب المَال وَبَين الْمَدْفُوع إِلَيْهِ لِأَن الْوَاجِب هُوَ التَّمْلِيك من الْغَيْر من كل وَجه فَإِذا كَانَت الْمَنَافِع بَينهمَا مُتَّصِلَة عَادَة فَيكون صرفا إِلَى نَفسه من وَجه فَلَا يجوز
بَيَان ذَلِك أَنه لَو دفع الزَّكَاة إِلَى الْوَالِدين وَإِن علوا أَو إِلَى المولودين وَإِن سفلوا لَا يجوز لاتصال مَنَافِع الْأَمْلَاك بَينهم وَلِهَذَا لَا تقبل شَهَادَة بَعضهم لبَعض
وَلَو دفع إِلَى سَائِر الْأَقَارِب سواهُم من الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات وَغَيرهم جَازَ لانْقِطَاع الْمَنَافِع بَينهم من حَيْثُ الْغَالِب وَلِهَذَا تقبل شَهَادَة بَعضهم لبَعض
وَلَو دفع إِلَى الزَّوْج أَو الزَّوْجَة لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة لما قُلْنَا من اتِّصَال الْمَنَافِع بَينهم من حَيْثُ الْغَالِب
وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد يجوز
[ ٣٠٣ ]
للزَّوْجَة أَن تدفع إِلَى زَوجهَا الْفَقِير وَلَا يجوز للزَّوْج أَن يدْفع إِلَى زَوجته الفقيرة
وَلَو دفع إِلَى عبيده أَو مدبريه أَو أُمَّهَات أَوْلَاده لَا يجوز سَوَاء كَانَ عَلَيْهِم دين أَو لم يكن لِأَنَّهُ صرف إِلَى نَفسه من وَجه
وَكَذَلِكَ إِذا دفع إِلَى مكَاتبه لَا يجوز وَإِن كَانَ الْملك يَقع للْمكَاتب لِأَنَّهُ من وَجه يَقع للْمولى
وَأما صَدَقَة التَّطَوُّع فَيجوز صرفهَا إِلَى هَؤُلَاءِ لقَوْله ﵇ نَفَقَة الرجل على نَفسه صَدَقَة وعَلى عِيَاله صَدَقَة وكل مَعْرُوف صَدَقَة
وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا فِي حَالَة الِاخْتِيَار وَهُوَ أَن يكون للدافع علم بهؤلاء عِنْد الدّفع
فَأَما إِذا دفع الزَّكَاة إِلَى هَؤُلَاءِ وَلم يعلم بحالهم فَهَذَا على ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا يخْطر بِبَالِهِ شَيْء أَنه غَنِي أَو فَقير مُسلم وذمي وَنَحْو ذَلِك وَدفع بنية الزَّكَاة فَالْأَصْل هُوَ الْجَوَاز إِلَّا إِذا ظهر أَنه غَنِي أَو أَبوهُ أَو ابْنه أَو ذمِّي بِيَقِين فَحِينَئِذٍ لَا يجوز لِأَن الظَّاهِر أَنه صرف الصَّدَقَة إِلَى محلهَا حَيْثُ نوى الزَّكَاة وَالظَّاهِر لَا يبطل إِلَّا بِالْيَقِينِ وَلِهَذَا إِذا خطر بِبَالِهِ بعد ذَلِك وَشك فِي ذَلِك وَلم يظْهر لَهُ شَيْء فَإِنَّهُ لَا يلْزمه الْإِعَادَة لِأَن الظَّاهِر لَا يبطل بِالشَّكِّ
وَالثَّانِي إِذا خطر بِبَالِهِ وَشك فِي ذَلِك وَلم يتحر وَلم يطْلب دَلِيل الْفقر بِأَن لم يسْأَل عَنهُ أَنه غَنِي أَو فَقير وَنَحْو ذَلِك وَدفع إِلَيْهِ أَو تحرى بِقَلْبِه وَلَكِن لم يطْلب دَلِيل الْفقر فَالْأَصْل هُوَ الْفساد إِلَّا إِذا ظهر بِيَقِين أَو بِدَلِيل من حَيْثُ الْغَالِب أَنه فَقير فَحِينَئِذٍ يجوز لِأَنَّهُ وَجب
[ ٣٠٤ ]
عَلَيْهِ التَّحَرِّي فِي هَذِه الْحَالة وَالصرْف إِلَى فَقير وَقع عَلَيْهِ التَّحَرِّي فَإِذا ترك فَلم يُوجد الصّرْف إِلَى من أَمر بِالصرْفِ إِلَيْهِ فَيكون فَاسِدا إِلَّا إِذا ظهر أَنه فَقير أَو أَجْنَبِي بِيَقِين وَنَحْوه فَيجوز لِأَنَّهُ بَطل الظَّاهِر بِالْحَقِيقَةِ
وَالثَّالِث إِذا خطر بِبَالِهِ وَشك وتحرى وَطلب دَلِيل الْفقر وَسَأَلَ الْمَدْفُوع إِلَيْهِ فَأخْبر أَنه فَقير أَو رَآهُ فِي صف الْفُقَرَاء أَو كَانَ عَلَيْهِ زِيّ الْفُقَرَاء أَو كَانَ ضريرا أَو مَعَه ركوة وعصا فَدفع إِلَيْهِ ثمَّ ظهر أَنه غَنِي أَو دفع فِي لَيْلَة مظْلمَة إِلَى رجل يُخبرهُ أَنه أَجْنَبِي أَو مُسلم ثمَّ ظهر أَنه أَبوهُ أَو ابْنه أَو ذمِّي
فَإِنَّهُ لَا يلْزمه الْإِعَادَة عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد فِي الْفُصُول كلهَا
وعَلى قَول أبي يُوسُف يلْزمه الْإِعَادَة
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا ظهر أَنه حَرْبِيّ أَو حَرْبِيّ مستأمن فَإِنَّهُ لَا يجوز
وَكَذَا إِذا ظهر أَنه عَبده أَو مكَاتبه أَو مدبره
هَذَا جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة
وروى مُحَمَّد بن شُجَاع عَن أبي حنيفَة فِي غير الْغَنِيّ أَنه لَا يجوز وَيلْزمهُ الْإِعَادَة كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَأما ركن الزَّكَاة فَهُوَ إِخْرَاج جُزْء من النّصاب من حَيْثُ الْمَعْنى إِلَى الله تَعَالَى وَالتَّسْلِيم إِلَيْهِ وَقطع يَده عَنهُ بالتمليك من الْفَقِير وَالتَّسْلِيم إِلَيْهِ أَو إِلَى من هُوَ نَائِب عَنهُ وَهُوَ السَّاعِي
وَصَاحب المَال نَائِب عَن الله فِي التَّسْلِيم إِلَى الْفُقَرَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَآتوا الزَّكَاة﴾ والإيتاء هُوَ التَّمْلِيك
هَذَا الَّذِي ذكرنَا قَول أبي حنيفَة
[ ٣٠٥ ]
وَأما على قَوْلهمَا فَالْوَاجِب جُزْء من النّصاب من حَيْثُ الصُّورَة وَالْمعْنَى لَكِن يجوز إِقَامَة غَيره مقَامه من حَيْثُ الْمَعْنى وَيبْطل اعْتِبَار الصُّورَة بِإِذن صَاحب الْحق وَهُوَ الله تَعَالَى
وَأما فِي زَكَاة السوائم فقد اخْتلف مَشَايِخنَا فِي قَول أبي حنيفَة بَعضهم قَالُوا إِنَّه يجب صرف جُزْء من النّصاب من حَيْثُ الْمَعْنى وَذكر الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بِخِلَاف جنس النّصاب للتقدير
وَبَعْضهمْ قَالُوا الْوَاجِب هُوَ الْمَنْصُوص عَلَيْهِ من حَيْثُ الْمَعْنى لَا جُزْء من النّصاب
وَعند الشَّافِعِي الْوَاجِب هُوَ الْمَنْصُوص عَلَيْهِ من الْأَسْنَان مُطلقًا لَا جُزْء من النّصاب
وَبَيَان هَذَا فِي الْمسَائِل على قَول أَصْحَابنَا يجوز دفع الْقيم والأبدال فِي بَاب الزَّكَاة الْعشْر وَالْخَرَاج وَصدقَة الْفطر وَعند الشَّافِعِي لَا يجوز
وَلَو هلك النّصاب بعد الْحول أَو بعضه إِن كَانَ قبل التَّمَكُّن من الْأَدَاء من غير تَفْرِيط فَلَا شَيْء عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع
فَأَما إِذا تمكن من الْأَدَاء وفرط حَتَّى هلك فَكَذَلِك الْجَواب عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يسْقط
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا أتلف مَال الزَّكَاة فَإِنَّهُ يضمن قدر الزَّكَاة لِأَن الْوَاجِب عندنَا تمْلِيك جُزْء من مَحل معِين هُوَ النّصاب إِمَّا من حَيْثُ الْمَعْنى عِنْد أبي حنيفَة أَو من حَيْثُ الصُّورَة وَالْمعْنَى عِنْدهمَا وَلَا يبْقى الْوُجُوب بعد هَلَاك الْمحل كَالْعَبْدِ الْجَانِي إِذا مَاتَ سقط وجوب الدّفع لكَون الْمحل مُتَعَيّنا لوُجُوب الدّفع فَلَا يبْقى وَاجِبا بعد فَوَاته كَذَا هَهُنَا
[ ٣٠٦ ]
وَإِذا أتلف يضمن لِأَنَّهُ أتلف حَقًا مُسْتَحقّ الْأَدَاء عَلَيْهِ فَصَارَ كالمولى إِذا أتلف العَبْد الْجَانِي
فَأَما فِي السوائم إِذا جَاءَ السَّاعِي وطالب الزَّكَاة فَمنع حَتَّى هلك فَذكر الشيخأبو الْحسن الكرخيأنه يجب الضَّمَان لِأَنَّهُ بِالْمَنْعِ صَار متلفا بِمَنْزِلَة الْمُودع إِذا منع الْوَدِيعَة بعد الطّلب حَتَّى هَلَكت يضمن كَذَا هَذَا
وَعَن أبي سهل الزجاجيأنه لَا يضمن
وَالْأول أصح
وَلَو صرف الزَّكَاة إِلَى بِنَاء الْمَسْجِد والرباطات وَإِصْلَاح القناطر وتكفين الْمَوْتَى ودفنهم لَا يجوز لِأَنَّهُ لم يُوجد التَّمْلِيك
وَكَذَلِكَ إِذا اشْترى بِالزَّكَاةِ طَعَاما وَأطْعم الْفُقَرَاء غداء وعشاء وَلم يدْفع إِلَيْهِم عين الطَّعَام فَإِنَّهُ لَا يجور لِأَنَّهُ لم يُوجد التَّمْلِيك
وَكَذَلِكَ لَو قضى دين ميت فَقير بنية الزَّكَاة لَا يجوز
وَأما إِذا قضى دين حَيّ فَقير فَإِذا قضى بِغَيْر أمره يكون مُتَبَرعا وَلَا يَقع عَن الزَّكَاة وَإِن قضى بأَمْره فَإِنَّهُ يَقع عَن الزَّكَاة وَيصير وَكيلا فِي قبض الصَّدَقَة عَن الْفَقِير وَالصرْف إِلَى قَضَاء دينه فقد وجد التَّمْلِيك من الْفَقِير فَيجوز
وَكَذَا لَو اشْترى بِزَكَاتِهِ رَقِيقا فاعتقله لَا تسْقط الزَّكَاة لِأَنَّهُ إِسْقَاط وَلَيْسَ بِتَمْلِيك
وَلَو دفع زَكَاة مَاله إِلَى الإِمَام أَو إِلَى عَامل الصَّدَقَة فَإِنَّهُ يجوز لِأَنَّهُ نَائِب عَن الْفَقِير فِي الْقَبْض
وَكَذَلِكَ من تصدق على صبي أَو مَجْنُون وَقبض لَهُ وليه أَبوهُ أَو جده
[ ٣٠٧ ]
أَو وَصِيّه جَازَ لِأَن قبض الْوَلِيّ كقبضه
وَلَو قبض عَنْهُمَا بعض ذَوي أرحامه وَلَيْسَ ثمَّة أقرب مِنْهُ وَهُوَ فِي عِيَاله جَازَ
وَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيّ الَّذِي هُوَ فِي عِيَاله بِمَنْزِلَة الْوَلِيّ فِي قبض الصَّدَقَة لِأَن هَذَا من بَاب النَّفْع
وَكَذَلِكَ الْمُلْتَقط يَصح مِنْهُ قبض الصَّدَقَة فِي حق اللَّقِيط
وَذكر فِي الْعُيُون عَن أبي يُوسُف أَن من عَال يَتِيما فَجعل يكسوه ويطعمه وَيَنْوِي بِهِ عَن زَكَاة مَاله قَالَ يجوز
وَقَالَ مُحَمَّد مَا كَانَ من كسْوَة يجوز وَمَا كَانَ من طَعَام لَا يجوز إِلَّا مَا دفع إِلَيْهِ
وَهَذَا مِمَّا لَا خلاف فِيهِ بَينهمَا فِي الْحَقِيقَة فَإِن أَبَا يُوسُف لم يرد إِلَّا الْإِطْعَام على طَرِيق الْإِبَاحَة وَلَكِن على وَجه التَّمْلِيك إِن كَانَ الْيَتِيم عَاقِلا يدْفع إِلَيْهِ وَإِن لم يكن عَاقِلا يقبض عَنهُ بطرِيق النِّيَابَة ثمَّ يطعمهُ ويكسوه لِأَن قبض الْوَلِيّ كقبضه
وَأما شَرَائِط الْأَدَاء فَمِنْهَا أَن يكون الْأَدَاء على الْوَجْه الَّذِي وَجب عَلَيْهِ من حَيْثُ الْوَصْف فَإِن كَانَ فِي السوائم يُؤدى الْوسط إِمَّا عينه أَو مثله من حَيْثُ الْقيمَة
حَتَّى لَو أدّى الرَّدِيء لَا يجوز عَن الْكل إِنَّمَا يَقع بِقدر قِيمَته وَلَو أدّى الْجيد جَازَ لِأَنَّهُ أدّى الْوَاجِب وَزِيَادَة
وَلَو أدّى شَاة سَمِينَة جَيِّدَة عَن شَاتين وسطين جَازَ لِأَن الْجَوْدَة فِي غير أَمْوَال الرِّبَا مُتَقَومَة فبقدر الْوسط يَقع عَن نَفسه وَقدر قيمَة الْجَوْدَة يَقع عَن شَاة أُخْرَى
وَكَذَا هَذَا فِي الْعرُوض إِذا كَانَت للتِّجَارَة إِن أدّى ربع عشرهَا يجوز إِن كَانَ رديئا فرديء وَإِن كَانَ جيدا فجيد
فَإِن أدّى الْقيمَة فَإِنَّهُ يُؤَدِّي قِيمَته من كل وَجه
[ ٣٠٨ ]
وَلَو أدّى الرَّدِيء مَكَان الْجيد لَا يجوز لِأَن الْجَوْدَة مُتَقَومَة فِي هَذَا الْبَاب وَلِهَذَا لَو أدّى الثَّوْب الْجيد عَن الثَّوْبَيْنِ الرديئين جَازَ
فَأَما إِذا كَانَ مَال الزَّكَاة من أَمْوَال الرِّبَا كالكيلي والوزني فَإِن أدّى ربع عشر النّصاب يجوز كَيْفَمَا كَانَ
وَإِن أدّى غَيره فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن أدّى زَكَاته من جنسه أَو من خلاف جنسه فَإِن أدّى من خلاف جنسه كَمَا إِذا أدّى الْفضة عَن الذَّهَب أَو الْحِنْطَة عَن الشّعير فَإِنَّهُ يُؤَدِّي قدر قيمَة الْوَاجِب بِلَا خلاف
وَلَو أدّى النَّقْص مِنْهَا فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ التَّكْمِيل لِأَن الْجَوْدَة فِي أَمْوَال الرِّبَا مُعْتَبرَة مُتَقَومَة عِنْد الْمُقَابلَة بِخِلَاف الْجِنْس
فَأَما إِذا كَانَ الْمُؤَدى من جنس النّصاب فقد اخْتلفُوا فِيهِ على ثَلَاثَة أَقْوَال
قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف الْمُعْتَبر هُوَ الْقدر دون الْقيمَة
وَقَالَ الْمُعْتَبر هُوَ الْقيمَة دون الْقدر
وَقَالَ مُحَمَّد الْمُعْتَبر مَا هُوَ الأنفع للْفُقَرَاء فَإِن كَانَ اعْتِبَار الْقيمَة أَنْفَع فَقَوله مثل قَول زفر وَإِن كَانَ اعْتِبَار الْقدر أَنْفَع فَقَوله مثل قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
بَيَان ذَلِك أَن من وَجب عَلَيْهِ أَدَاء خَمْسَة أَقْفِزَة من حِنْطَة جَيِّدَة فِي مِائَتي قفيز حِنْطَة جَيِّدَة للتِّجَارَة بعد حولان الْحول فَأدى خَمْسَة أَقْفِزَة رَدِيئَة يجوز على قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف اعْتِبَارا للقدر وَلَا يضمن قيمَة الْجَوْدَة لِأَنَّهُ لَا قيمَة لَهَا فِي أَمْوَال الرِّبَا عِنْد مقابلتها بجنسها وعَلى قَول مُحَمَّد وَزفر عَلَيْهِ أَن يُؤَدِّي قيمَة الْجَوْدَة اعْتِبَارا للقيمة عِنْد زفر واعتبارا للأنفع فِي حق الْفُقَرَاء عِنْد مُحَمَّد
[ ٣٠٩ ]
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ لَهُ قلب فضَّة أَو إِنَاء مصبوغ من فضَّة وَزنه مِائَتَا دِرْهَم وَقِيمَته لجودته وصياغته ثَلَاثمِائَة دِرْهَم وَأدّى خَمْسَة زُيُوفًا أَو نبهرجة أَو فضَّة رَدِيئَة قيمتهَا أَرْبَعَة دَرَاهِم فَإِنَّهُ يجوز وَتسقط عَنهُ الزَّكَاة فِي قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لوُجُود الْقدر وَعند مُحَمَّد وَزفر عَلَيْهِ أَن يُؤَدِّي سَبْعَة دَرَاهِم وَنصف دِرْهَم ويصرفه إِلَى تَمام الْقيمَة لما ذكرنَا من الْأَصْلَيْنِ
وَأما إِذا أدّى زَكَاته من الذَّهَب أَو من مَال لَيْسَ من جنس الْفضة فَإِن عَلَيْهِ أَن يُؤَدِّي قِيمَته بَالِغَة مَا بلغت وَهِي سَبْعَة دَرَاهِم وَنصف لِأَن الْجَوْدَة متفوقة فِي أَمْوَال الرِّبَا عِنْد مقابلتها بِخِلَاف الْجِنْس بِمَنْزِلَة الْجَوْدَة فِي غير أَمْوَال الرِّبَا
وَإِن وَجب على رجل خَمْسَة أَقْفِزَة رَدِيئَة أَو خَمْسَة دَرَاهِم رَدِيئَة فَأدى أَرْبَعَة أَقْفِزَة جَيِّدَة قيمتهَا خَمْسَة أَقْفِزَة رَدِيئَة وَأَرْبَعَة دَرَاهِم جَيِّدَة قيمتهَا خَمْسَة دَرَاهِم رَدِيئَة فَإِنَّهُ يجوز عَن أَرْبَعَة دَرَاهِم وَأَرْبَعَة أَقْفِزَة وَعَلِيهِ قفيز وَاحِد وَدِرْهَم آخر عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد
أما عِنْدهمَا فاعتبارا للقدر وَهُوَ نَاقص وَأما عِنْد مُحَمَّد فَلِأَن عِنْده الْمُعْتَبر هُوَ الْقدر إِذا كَانَ أَنْفَع
للْفُقَرَاء وَاعْتِبَار الْقدر هَهُنَا أَنْفَع وعَلى قولزفريجوز عَن الْخَمْسَة اعْتِبَارا للقيمة
وعَلى هَذَا نَظَائِر الْمسَائِل
وَمن شَرَائِط الْأَدَاء النِّيَّة فَإِن الزَّكَاة عبَادَة فَلَا تصح من غير النِّيَّة لَكِن يشْتَرط النِّيَّة فِي أَي وَقت ذكر الطَّحَاوِيّ أَنه لَا تجزىء الزَّكَاة عَمَّن أخرجهَا إِلَّا بنية قارنة مُخَالطَة لإخراجها إِيَّاهَا
كَمَا قَالَ فِي الصَّلَاة
وَلَكِن مَشَايِخنَا قَالُوا يعْتَبر فِي أحد وَقْتَيْنِ وَقت الدّفع أَو وَقت
[ ٣١٠ ]
تَمْيِيز قدر الزَّكَاة عَن النّصاب حَتَّى يكون الْأَدَاء بِنَاء على نِيَّة صَحِيحَة
وَلَو دفع خَمْسَة إِلَى رجل وَأمره أَن يدْفع إِلَى الْفُقَرَاء عَن زَكَاة مَاله وَدفع ذَلِك الرجل وَلم ينْو عِنْد الدّفع جَازَ لِأَن الْمُعْتَبر نِيَّة الْأَمر وَهُوَ الْمُؤَدِّي فِي الْحَقِيقَة والمأمور نَائِب عَنهُ
وَلَو دفع إِلَى ذمِّي ليدفعها إِلَى الْفُقَرَاء جَازَ لوُجُود النِّيَّة من الْأَمر الْمُسلم
وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا لَا يجب الزَّكَاة على الصّبيان والمجانين لِأَن الْأَدَاء لَا يَصح مِنْهُم لِأَنَّهُ عبَادَة فَلَا تتأدى بِدُونِ النِّيَّة وَالِاخْتِيَار والطفل وَالْمَجْنُون لَا اخْتِيَار لَهما وَالصَّبِيّ الْعَاقِل عقله عدم فيحق التَّصَرُّفَات الضارة
وَلَو مَاتَ من عَلَيْهِ الزَّكَاة قبل الْأَدَاء فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن أوصى بِالْأَدَاءِ أَو لم يوص
فَإِن لم يوص فَإِنَّهُ تسْقط عَنهُ الزَّكَاة وَلَا يُؤمر الْوَصِيّ وَالْوَارِث بِالْأَدَاءِ من مَاله عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي تُؤْخَذ من تركته
وعَلى هَذَا الِاخْتِلَاف إِذا مَاتَ وَعَلِيهِ صَدَقَة الْفطر وَالْخَرَاج والجزية وَالنُّذُور وَالْكَفَّارَات والنفقات لَا يسْتَوْفى من تركته عندنَا وَعند الشَّافِعِي يسْتَوْفى
وَأما الْعشْر فَإِن كَانَ الْخَارِج قَائِما لَا يسْقط بِالْمَوْتِ فِي ظَاهر الرِّوَايَة
وروى عبد الله بن الْمُبَارك عَن أبي حنيفَة أَنه يسْقط
[ ٣١١ ]
وَأما إِذا اسْتهْلك الْخَارِج حَتَّى صَار دينا فِي ذمَّته فَهُوَ على هَذَا الِاخْتِلَاف
وَأما إِذا أوصى بِالْأَدَاءِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي من ثلث مَاله عندنَا وَعند الشَّافِعِي من جَمِيع مَاله لِأَن عِنْده الزَّكَاة حق الْفُقَرَاء فَصَارَ كَسَائِر الدُّيُون
وَلنَا طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَن الزَّكَاة عبَادَة وَالْأَدَاء من الْمَيِّت لَا يتَحَقَّق وَلم يُوجد مِنْهُ الْإِيصَاء والإنابة حَتَّى يكون أَدَاء النَّائِب كأدائه وَالْعِبَادَة لَا تتأدى إِلَى بالإنابة الشَّرْعِيَّة
وَالثَّانِي أَن هَذِه الْأَشْيَاء وَجَبت بطرِيق الصِّلَة والصلات تسْقط بِالْمَوْتِ قبل التَّسْلِيم
وَأما الْعشْر فقد ثَبت مُشْتَركا
وَلَو امْتنع من عَلَيْهِ الزَّكَاة عَن الْأَدَاء فَإِن السَّاعِي لَا يَأْخُذ مِنْهُ الزَّكَاة جبرا
وَلَو أَخذ لَا يَقع عَن الزَّكَاة عندنَا
وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ لَهُ أَن يَأْخُذ من النّصاب جبرا وَيَقَع عَن الزَّكَاة لِأَن الزَّكَاة عبَادَة عندنَا فَلَا بُد من الْأَدَاء مِمَّن عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ حَتَّى تحصل الْعِبَادَة
وَلَكِن عندنَا للساعي أَن يجْبرهُ على الْأَدَاء بِالْحَبْسِ فيؤديه بِنَفسِهِ لِأَن الْإِكْرَاه لَا يُنَافِي الِاخْتِيَار فَيتَحَقَّق الْفِعْل عَن اخْتِيَاره فَيجوز
وَلَو عجل زَكَاة مَاله وَدفع إِلَى الْفُقَرَاء بنية الزَّكَاة جَازَ عندنَا خلافًا لمَالِك
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه استسلف من الْعَبَّاس زَكَاة عَاميْنِ
ثمَّ عندنَا كَمَا يجوز تَعْجِيل الزَّكَاة عَن النّصاب الْمَوْجُود للْحَال يجوز
[ ٣١٢ ]
عَن نصب كَثِيرَة لم تُوجد بعد إِن كَانَ فِي ملكه نِصَاب وَاحِد بِأَن كَانَ عِنْده مِائَتَا دِرْهَم فَعجل زَكَاة الْألف أَو أَكثر يجوز عندنَا
وقالزفر لَا يجوز
وَإِنَّمَا يجوز التَّعْجِيل عندنَا بشرائط ثَلَاثَة أَحدهَا أَن يكون مَالِكًا للنصاب فِي أول الْحول
وَالثَّانِي أَن يكون النّصاب كَامِلا فِي آخر الْحول أَيْضا
وَالثَّالِث أَن يكون فِي وسط الْحول بعض النّصاب الَّذِي انْعَقَد عَلَيْهِ الْحول أَو كُله مَوْجُودا وَلَا يشْتَرط كَمَاله لِأَن أول الْحول وَقت انْعِقَاد سَبَب الْوُجُوب وَآخره وَقت الْوُجُوب فَأَما كَمَال النّصاب فِي وسط الْحول فَلَيْسَ بِشَرْط لِأَنَّهُ لَيْسَ وَقت الْوُجُوب وَلَا وَقت انْعِقَاد السَّبَب لَكِن لَا بُد من بَقَاء بعض النّصاب الأول حَتَّى يَصح ضم الْمُسْتَفَاد إِلَيْهِ على مَا مر
بَيَان ذَلِك أَن من كَانَ عِنْده فِي أول الْحول مائَة دِرْهَم أَو أَربع من الْإِبِل السَّائِمَة ثمَّ اسْتَفَادَ مَا يكمل بِهِ فِي آخر الْحول لَا يجب
وَلَو كَانَ عِنْده فِي أول الْحول مِائَتَا دِرْهَم فَعجل خَمْسَة مِنْهَا وَلم يستفد شَيْئا حَتَّى حَال الْحول فَإِن مَا عجل لَا يكون زَكَاة وَلَكِن يكون تَطَوّعا لِأَنَّهُ لم يُوجد كَمَال النّصاب وَقت الْوُجُوب
وَلَو اسْتَفَادَ خَمْسَة فِي وسط الْحول ثمَّ حَال الْحول وَعِنْده مِائَتَا دِرْهَم فَإِن الْمُعَجل يكون زَكَاة لوُجُود كَمَال النّصاب فِي أَوله وَآخره
وَلَو اسْتَفَادَ مَا يكمل بِهِ النّصاب فِي أول الْحول الثَّانِي وَتمّ الْحول الثَّانِي والنصاب كَامِل فَإِن الْمُعَجل لَا يكون زَكَاة عَن الْحول الثَّانِي لِأَنَّهُ عجل الزَّكَاة عَن الْحول الأول
[ ٣١٣ ]
وَلَو كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَم فعجلها كلهَا عَن الزَّكَاة أَو أدّى الْبَعْض وَهلك الْبَاقِي ثمَّ اسْتَفَادَ نِصَابا آخر وَتمّ الْحول فَإِن الْمُعَجل لَا يَقع عَن الزَّكَاة لِأَنَّهُ لم يبْق شَيْء من النّصاب الأول فِي وسط الْحول فَانْقَطع الْحول
وَلَو عجل زَكَاة مَاله إِلَى الْفَقِير ثمَّ هلك النّصاب كُله أَو بعضه وَلم يستفد شَيْئا يكمل بِهِ النّصاب حَتَّى تمّ الْحول فَإِنَّهُ لَا يرجع على الْفَقِير لِأَنَّهُ وَقع أصل الْقرْبَة وَإِنَّمَا التَّوَقُّف فِي صفة الْفَرْضِيَّة فَلَا يَصح الرُّجُوع
وَلَو دفع الْمُعَجل إِلَى السَّاعِي ثمَّ هلك النّصاب كُله فَلهُ أَن يَأْخُذهُ لِأَنَّهُ لم يصل إِلَى يَد الْفَقِير بعد
[ ٣١٤ ]